أكثر من 5 «جيوش» تنتشر بين المدنيين في الخرطوم تهدد التحول الديمقراطي

مخاوف من صدام... وتقديرات بوجود 4 ملايين قطعة سلاح بيد «الحركات» والمواطنين

قوات الجيش السوداني تحرس المتظاهرين الذين أطاحوا بنظام الرئيس السابق عمر البشير (أ.ف.ب)
قوات الجيش السوداني تحرس المتظاهرين الذين أطاحوا بنظام الرئيس السابق عمر البشير (أ.ف.ب)
TT

أكثر من 5 «جيوش» تنتشر بين المدنيين في الخرطوم تهدد التحول الديمقراطي

قوات الجيش السوداني تحرس المتظاهرين الذين أطاحوا بنظام الرئيس السابق عمر البشير (أ.ف.ب)
قوات الجيش السوداني تحرس المتظاهرين الذين أطاحوا بنظام الرئيس السابق عمر البشير (أ.ف.ب)

يخشى السودانيون من تفجر الأوضاع جراء تعدد «الجيوش» وحملة السلاح من الميليشيات السابقة المنتشرة في العاصمة الخرطوم، وجيوش الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقيات السلام، (عددها 3)، التي تغيرت صفتها من حركات متمردة إلى «حركات الكفاح المسلح»، ويشارك قادتها في الحكومة الانتقالية. ولا تزال هناك حركتان لم توقعا اتفاق سلام، إضافة إلى قوات الدعم السريع، التي يقودها نائب الرئيس الانتقالي محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وفي الطرف الآخر يقبع الجيش السوداني، وقوات أخرى يتوقع عودتها من ليبيا قريباً.
وبرزت المخاوف واضحة، إثر صدام داخل مجموعة مسلحة، سيطرت عليه الشرطة الأسبوع الماضي، فيما سيطرت مجموعة مسلحة قادمة من دارفور على مبنى «اللجنة الأولمبية»، وكادت أن تحدث أزمة بعد أن طلب منها الخروج من الموقع، ثم تلت ذلك تصريحات ساخنة لنائب ثاني قوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو، أصر فيها على وجود هذه القوات حيثما تشاء في العاصمة أو خارجها، عدّها البعض ذات بُعد «قبلي».
وتشير تقديرات إلى وجود 4 ملايين قطعة سلاح بيد المسلحين والمواطنين، وهو ما حدا بالأمم المتحدة لدق جرس الخطر، مطالبة بحل مشكلة الجيوش، وعدّتها أكبر خطر يهدد الانتقال الديمقراطي في السودان.
- جيش وميليشيات خلفيات
منذ أكثر من نصف قرن، كانت هنالك «ميليشيا» أو قوة متمردة واحدة تقاتل الجيش السوداني، بدأت بقوات «أنانيا» الجنوبية التي أسسها قادة بالجيش السودان، وخاضت حرباً ضد القوات الحكومية استمرت منذ الاستقلال حتى ما عرف باتفاقية «أديس أبابا» للسلام 1972 بين القوات المتمردة والحكومة المركزية، في عهد الرئيس جعفر نميري، وبموجبها توقفت الحرب لمدة 10 سنوات، وتم استيعاب هذه القوات لتكون جزءاً من الجيش السوداني.
لكن الحرب تجددت مرة أخرى، بتمرد الضباط الذين تم استيعابهم من قوات «أنانيا» في الجيش النظامي، بقيادة العقيد الراحل جون قرنق دمبيور، تحت لافتة الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي خاضت حرباً ضد الحكومة السودانية منذ العام 1983، انتهت بتوقيع اتفاقية السلام المعروفة باتفاقية «نيفاشا» 2005، وبموجبها، تم الاعتراف بقواتها التي تحمل اسم «الجيش الشعبي لتحرير السودان»، واستوعب قادتها في الحكومة المركزية، ونال قائدها جون قرنق منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية، وخلفه بعد رحيله في حادث الطائرة الشهيرة، رئيس جنوب السودان الحالي سلفاكير ميارديت.
في العام 2003، تمرّد بعض أبناء إقليم دارفور وكوّنوا حركتين مسلحتين (حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة)، وخاضت الحركتان حروباً ضد الجيش السوداني خلال عهد نظام الإسلاميين، قبل أن تتشظّى لثلاث حركات، اثنتان منها باسم «حركة تحرير السودان»، ثم توالت الانشقاقات في هذه الحركات لتولد من رحمها عشرات المجموعات المسلحة، وظلت هذه الحركات تقاتل الجيش السوداني حتى توقيع اتفاقية «سلام جوبا» أكتوبر (تشرين الأول) 2020.
ونصت اتفاقية السلام الموقعة مع هذه الحركات، على عمليات دمج وإعادة تأهيل وتسريح قوات هذه الحركات في الجيش السوداني، في غضون 60 يوماً من توقيع الاتفاقية، لكن السلطات المركزية لم تلتزم بالمدة المحددة، فسارعت هذه القوات للقدوم للعاصمة الخرطوم بكامل عتادها وآلياتها، بانتظار إكمال الترتيبات الأمنية، الأمر الذي أثار مخاوف بين المواطنين من احتمال نشوب قتال داخل المدن وبين المدنيين.
- حركتان خارج دائرة السلام
لم توقع الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، على اتفاقية سلام جوبا، برغم أنهما تعدان من كبرى الحركات المسلحة عتاداً ومقاتلين.
وتتكون الحركة الشعبية لتحرير السودان من مقاتلين سودانيين، انحازوا للحركة الأم في جنوب السودان، وبعد انفصال الجنوب احتفظوا بقواتهم، ولاحقاً عادت للتمرد مرة أخرى، وتسيطر الآن على منطقة «كاودا» في ولاية جنوب كردفان، وبعض المناطق في ولاية النيل الأزرق، أما حركة تحرير السودان الدارفورية، فقد انشقت هي الأخرى رأسياً، ليقود الجناح الذي يسيطر على بعض المناطق في جبل مرة بدارفور، عبد الواحد محمد نور. وبعد تصدع تنظيمات الإسلاميين ولحمايته، كوّن الرئيس المعزول عمر البشير، ما عرف بـ«قوات الدعم السريع»، وكان الهدف من تكوينها مواجهة الحركات المسلحة في دارفور، قبل أن يستخدمها البشير كقوات تابعة له، بعد أن تزايدت شكوكه من احتمالات الإطاحة به من قِبل الجيش النظامي.
لكن هذه القوات تخلت عن البشير بقيام الثورة، ولعبت دوراً مقدراً في الضغط على القيادة العسكرية للانحياز للجماهير المطالبة بالتغيير، ولهذا الدور وبحكم وجودها بل و«سيطرتها» على عدد من المرافق المهمة، تم اختيار قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) عضواً بالمجلس العسكري الانتقالي، ثم نائباً لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، بعد توقيع الوثيقة الدستورية بين المدنيين والقادة العسكريين، والتي قضت بتقاسم السلطة بينهما.
- أعداد ومواقع مجهولة للقوات
بهذا المحمول القتالي، فإن الخرطوم العاصمة تستضيف أكثر من 5 جيوش؛ هي «الجيش النظامي، وقوات الدعم السريع، وقوات حركة تحرير السودان/جناح مناوي، وقوات العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم (وزير المالية الحالي) وقوات أخرى تابعة لحركات منشقة من الحركات الأم»، كلها تحوم في طرقات الخرطوم بكامل عتادها وسياراتها ذات الدفع الرباعي في شوارعها.
ولا يعرف أحد على وجه الدقة الأعداد الفعلية للمقاتلين في السودان، ولا عدد الأسلحة القتالية، بيد أن بعض التقديرات تشير إلى أن هناك أكثر من 4 ملايين قطعة سلاح قتالية بيد المواطنين والمسلحين، في الوقت الذي تنهال فيه الأسلحة على البلاد من دول الجوار الملتهبة وعلى وجه الخصوص ليبيا، التي يشارك في حربها مقاتلون سودانيون محسوبون على حركات مسلحة سودانية، ينتظر أن تتم إعادتهم للبلاد، بعد توقيع الاتفاقية الليبية.
- جرس إنذار
في إحاطته الدورية الأولى لمجلس الأمن الدولي، دقّ رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) الألماني فولكر بيرتيس، جرس إنذار، قال فيه: «السلام لن يتحقق في السودان، في ظل وجود 3 جيوش»، وفي الحقيقة فإن الجيوش أكثر من ثلاثة بكثير.
إنذار بيرتيس ليس الوحيد الذي تم دقه، بل الصدام المسلح الذي حدث بين تنظيمين منشقين من واحدة من الحركات «تمازج» في الخرطوم، وتبادل إطلاق النار بينهما، واستيلاء حركة تحرير السودان – جناح مني أركو مناوي لمكاتب اللجنة الأولمبية السودانية وما رافق ذلك من أحداث، تعد أكثر من جرس إنذار.
- اتفاقية جوبا
يرجع الخبير الأمني اللواء متقاعد محمد الأمين إسماعيل المجذوب إلى خلل جوهري في اتفاقية سلام جوبا، لأن الترتيبات الأمنية الواردة فيها تشمل كل القوات والميليشيات التي ورثتها الحكومة الانتقالية من النظام السابق، ولم تحدد أعداد القوات المشمولة بعمليات الدمج والتسريح ومناطق التجميع.
ورأى أن عدم توفير الموارد المالية للترتيبات الأمنية مع هذه للقوات غير المحددة العدد أو المكان، أخرت عمليات الدمج والتسريح المنصوص عليها في الاتفاقية - نصت الاتفاقية على البدء فيها بعد 60 يوماً من التوقيع - وأضاف: «جاءت هذه الجيوش للخرطوم لوضع الحكومة أمام الأمر الواقع».
ونفى الخبير الأمني احتمال وجود مخاوف على السلطة من وجود هذه القوات في الخرطوم، لكنه حذر من احتمالات حدوث اشتباكات بين هذه القوات، وقال: «بدأت تظهر سيولة واختلالات أمنية في الخرطوم التي كانت تصنف من بين أكثر العواصم أمناً، لكن لا يخشى من هذه الجيوش على السلطة، لكن الخوف من اندلاع نزاع بين أفراد هذه الميليشيات مع قوات نظامية أخرى».
ويقبع الخطر، بحسب المجذوب، من احتمال حدوث اشتباكات فردية بين أفراد القوات قد تتطور إلى اشتباكات عامة، ولمواجهة ذلك يشدد على أهمية عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن والدفاع، يحدد مواقع تجميع هذه القوات، والشروع في الترتيبات الأمنية فوراً، حتى لو لم تتوفر الأموال اللازمة للعملية.
وأرجع بعض الاختلالات الحادثة الآن إلى خلل وضعف مرتبط باتفاقية «سلام جوبا»، بقوله: «الاتفاقية تحوي الكثير من المجاملات، لذلك تركت الكثير من التفاصيل دون حسم»، وتابع: «حين أتى وقت التطبيق برز شيطان التفاصيل».
ونوه بتزايد أعداد القوات المتجهة للخرطوم، بما في ذلك قوات قادمة من خارج الحدود، وقال: «هناك قوات في ليبيا في طريقها إلى السودان، وهي تتبع حركات العدل والمساواة وتحرير السودان وتمازج»، وتابع: «إلى جانب جيوش حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان وحركة تمازج الموجودة حالياً في الخرطوم، هناك مجموعات المحسوبة عليها قادمة من ليبيا، يضاف إليها جيشا مجموعة عبد العزيز الحلو ومجموعة عبد الواحد محمد نور».
بيد أن المجذوب بدا واثقاً بقدرة الجيش على استيعاب هذه القوات، وقال: «القوات المسلحة مستعدة لاستيعاب وتدريب أي أعداد تنضم لها، لأنها تملك استعداداً استخبارياً بالتنسيق مع المخابرات العامة، يمكنها من التنبؤ بالأزمات قبل وقوعها».
وشدد على أهمية تسريع تنفيذ الترتيبات الأمنية من قبل جهات أمنية عسكرية، وعدم تركه للمفاوضين السياسيين، مستدلاً بما سمّاه فشل اتفاقية السلام السودانية (نيفاشا)، بقوله: «ما أضعف اتفاق نيفاشا، أن الوفد المفاوض سياسي، ورغم ذلك نفذ الترتيبات الأمنية».
ولا يرى المجذوب صعوبات عسكرية في دمج قوات الدعم السريع، عن طريق اعتمادها فرقة للتدخل السريع أو القوات الخاصة داخل الجيش، لكن الخطر الذي يواجه هذه العملية يكمن في مصير قيادتها، وقال: «أين ستذهب القيادة؟».
ونسب المجذوب إلى «تسريبات» أن بعض حركات الكفاح المسلح، تربط بين ترتيبات دمجها، ودمج قوات الدعم السريع، مثلما تربط خروجها من الخرطوم بخروج الدعم السريع.
واستبعد حدوث تحالفات بين الحركات المسلحة وقوات الدعم السريع، لكونها كانت الخصم لهذه الحركات «وبينهما ما صنعه الحداد في الخشب»، فضلاً عن أن عقيدة الدعم السريع قامت على مجابهة هذه الحركات.



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».