نيويورك في صدارة المراكز المالية العالمية

TT

نيويورك في صدارة المراكز المالية العالمية

احتفظت نيويورك بالمركز الأول في أحدث قراءة لمؤشر المراكز المالية العالمية، في حين احتلت لندن المركز الثاني في مواجهة منافسة من شنغهاي ومراكز آسيوية أخرى.
ينظر المؤشر، الذي تعده مؤسسة زد - ين غروب البحثية ومقرها لندن ومعهد التنمية الصيني، في 143 معيارا مقدمة من أطراف خارجية مثل البنك الدولي ووحدة المعلومات التابعة لمجلة ذا إيكونوميست ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والأمم المتحدة.
واستنادا إلى 65507 تقييمات للمراكز المالية مقدمة من 10774 شخصا أجابوا على استقصاء للمؤشر عبر الإنترنت، ظلت نيويورك في المركز الأول بعد حصولها على 764 نقطة، في حين تراجعت لندن 23 نقطة إلى 743، لتسبق شنغهاي بنقطة واحدة.
وقال مايكل مينيلي الرئيس التنفيذي لزد - ين: «أربع نقاط كانت ستجعل سنغافورة الثانية مباشرة بعد نيويورك. الفروق ضئيلة بين المراكز العليا».
واحتلت مراكز مالية آسيوية ستة من بين المراكز العشرة الأولى على المؤشر مع ثلاثة من أوروبا منها فرانكفورت وزوريخ.
وتعتبر بورصة نيويورك (وول ستريت) أبرز مركز مالي في الولاية، التي تتمتع باستقطابات أباطرة المال والأعمال حول العالم.
وشهدت البورصات العالمية في عام 2020 الذي طغت عليه جائحة كوفيد - 19، حلقات من التخبط لتتمكن أخيرا من الحد من الخسائر بداية عام 2021 مع طموح الاستفادة من انتعاش للنمو.
وآخر أزمات شهدتها مدينة نيويورك على المستوى الاقتصادي، أزمة مالية عالمية بدأت من مدينة نيويورك وتحديدا في بورصة وول ستريت، التي سرعان ما انعكست على باقي بورصات العالم، ومن ثم عانت الحكومات لفترات طويلة، ما زال العالم لم يخرج منها حتى الآن.


مقالات ذات صلة

العقود الآجلة لـ«ناسداك 100» تقود خسائر الأسواق الأميركية

الاقتصاد متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

العقود الآجلة لـ«ناسداك 100» تقود خسائر الأسواق الأميركية

قادت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشر «ناسداك 100» خسائر الأسواق في التعاملات المبكرة، الاثنين، متأثرة بموجة بيع لأسهم شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أسعار البنزين بمحطة وقود تابعة لشركة «إكسون» في هانتسفيل بتكساس (أ.ف.ب)

«إكسون»: أميركا قد تستحوذ على 30 % من سوق الغاز الطبيعي المسال عالمياً بحلول 2030

توقّع نائب الرئيس الأول للغاز الطبيعي المسال بشركة «إكسون موبيل»، بيتر كلارك، أن تُواصل إمدادات الغاز الطبيعي المسال الأميركية نموها.

تحليل إخباري دونالد ترمب يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال مراسم أداء اليمين في البيت الأبيض 22 مايو 2026 (رويترز)

تحليل إخباري وارش وترمب على مسار تصادمي بسبب الفائدة

تضع الضغوط التضخمية المستمرة رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي كيفين وارش في مواجهة متزايدة مع الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الين الياباني والدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يرتفع والين قرب أعلى مستوى في 7 أشهر قبل اجتماعي «الفيدرالي» وبنك اليابان

ارتفع الدولار في التعاملات الآسيوية، يوم الاثنين، فيما حافظ الين على مكاسبه قرب أعلى مستوى له في سبعة أشهر.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

«غولدمان ساكس» و«جي بي مورغان» يرجحان رفع الفائدة الأميركية هذا الأسبوع

انضم «غولدمان ساكس» و«جي بي مورغان» إلى قائمة متزايدة من المؤسسات التي تتوقع أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة هذا الأسبوع.


«بتروناس»: ستكون هناك مشكلة هيكلية في الطلب إذا استمرت الأسعار في الارتفاع

حفارة نفط تعمل بالقرب من احتياطي نفط خام في حقل نفط حوض بيرميان بالقرب من ميدلاند بولاية تكساس (رويترز)
حفارة نفط تعمل بالقرب من احتياطي نفط خام في حقل نفط حوض بيرميان بالقرب من ميدلاند بولاية تكساس (رويترز)
TT

«بتروناس»: ستكون هناك مشكلة هيكلية في الطلب إذا استمرت الأسعار في الارتفاع

حفارة نفط تعمل بالقرب من احتياطي نفط خام في حقل نفط حوض بيرميان بالقرب من ميدلاند بولاية تكساس (رويترز)
حفارة نفط تعمل بالقرب من احتياطي نفط خام في حقل نفط حوض بيرميان بالقرب من ميدلاند بولاية تكساس (رويترز)

قال تنجكو محمد توفيق تنجكو عزيز، الرئيس التنفيذي لشركة بتروناس الحكومية الماليزية للطاقة، يوم الاثنين، إن صانعي السياسات في آسيا يتجهون نحو مزيج طاقة يتسم بالبراغماتية بصورة أكبر.

وذكر في منتدى للطاقة في بانكوك: «لم يفرضوا سياسة قائمة على المثالية أو الآيديولوجية في مجال الوقود، والتي تجبر الناس على الاستجابة بطرق غير واقعية».

وأضاف أنه ستكون هناك مشكلة هيكلية في الطلب إذا استمرت الأسعار في الارتفاع لفترة طويلة للغاية.

وأدت حرب إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، الذي تسبب في ارتفاع أسعار النفط لمستويات قياسية في وقت سابق، في حين يتداول حالياً فوق 100 دولار للبرميل، وهو مرشح للاستمرار في الارتفاع مع تصاعد وتيرة الحرب.


الصين تشجع الشركات على التحوط من تقلبات العملة

أوراق نقدية من اليوان الصيني والدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من اليوان الصيني والدولار الأميركي (رويترز)
TT

الصين تشجع الشركات على التحوط من تقلبات العملة

أوراق نقدية من اليوان الصيني والدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من اليوان الصيني والدولار الأميركي (رويترز)

عادت القروض المصرفية الجديدة في الصين إلى النمو خلال أغسطس (آب)، لكنها جاءت أقل بكثير من توقعات الأسواق، في مؤشر على استمرار ضعف الطلب على الائتمان من الأسر والشركات، بينما كثَّفت السلطات تحركاتها لحماية المصدرين من الخسائر الناجمة عن ارتفاع اليوان.

وأظهرت حسابات استناداً إلى بيانات بنك الشعب الصيني أن البنوك قدمت قروضاً جديدة بقيمة 60 مليار يوان (نحو 8.95 مليار دولار) خلال أغسطس، بعدما سجَّلت القروض انكماشاً قياسياً بلغ 340 مليار يوان في يوليو (تموز).

وجاءت الأرقام أضعف بكثير من توقعات المحللين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، والبالغة 400 مليار يوان، كما ظلت دون مستوى 590 مليار يوان المسجل في الفترة نفسها من العام الماضي.

ويأتي ضعف الاقتراض في وقت لا يزال فيه الطلب المحلي يواجه ضغوطاً، مما يحد من إقبال الأسر والشركات على الحصول على تمويل جديد، رغم الإجراءات التي اتخذتها بكين لدعم النشاط الاقتصادي.

تحوُّط من قوة اليوان

وفي موازاة ذلك، طلبت هيئة تنظيم النقد الأجنبي الصينية من البنوك تشجيع المزيد من عملائها من الشركات على التحوُّط من مخاطر أسعار الصرف، وفقاً لمصادر مطلعة، في ظل ارتفاع اليوان وما يسببه من ضغوط على المصدرين.

وصدرت التوجيهات غير الرسمية خلال الأشهر الأخيرة، وطالبت البنوك بزيادة نسبة العملاء الذين يحمون تعرضهم للعملات الأجنبية باستخدام أدوات التحوط.

ويعكس التحرك قلق السلطات من تأثير ارتفاع اليوان على قطاع التصدير، الذي يمثل أحد أبرز مصادر الدعم للاقتصاد الصيني في ظل ضعف الطلب المحلي.

وارتفعت العملة الصينية بنحو 4.3 في المائة منذ بداية العام، لتتداول قرب أعلى مستوياتها في أربع سنوات مقابل الدولار، وهو ما يقلص قيمة الإيرادات الخارجية للشركات عند تحويلها إلى العملة المحلية.

وبحسب المصادر، قدمت بعض الفروع المحلية لهيئة تنظيم النقد الأجنبي دعماً للشركات التي تزيد عمليات التحوط، شمل تغطية جزء من أقساط عقود خيارات العملات أو أقساطها كاملة.

كما طُلب من بعض البنوك في المقاطعات الأقل نشاطاً في التجارة الخارجية رفع نسب التحوط إلى المتوسط الوطني، بينما شُجعت المؤسسات المصرفية في المقاطعات الساحلية المعتمدة على التصدير على دفع النسبة إلى نحو 40 في المائة أو أكثر.

1.4 تريليون دولار

وتزايد بالفعل إقبال الشركات الصينية على المشتقات المالية لمواجهة مخاطر تقلب العملات. وبلغت القيمة الإجمالية لعقود مشتقات النقد الأجنبي التي أبرمتها الشركات نحو 1.4 تريليون دولار خلال النصف الأول من العام، بزيادة تقارب 40 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وارتفعت نسبة التحوط من مخاطر العملات على المستوى الوطني إلى 35.3 في المائة، بزيادة 5.3 نقطة مئوية عن نهاية 2025.

وجاء هذا التوسع مع استمرار ارتفاع اليوان، بينما أدت الحرب في إيران إلى زيادة التقلبات في أسواق العملات والطاقة. ولا يزال قطاع التصدير الصيني يسجل نشاطاً قوياً، مستفيداً من الطلب على المنتجات عالية التقنية والسلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من ضعف الإنفاق المحلي.

وقدرت تحليلات «غولدمان ساكس» خسائر الشركات الصينية المدرجة الناتجة عن تحركات العملات بنحو 70 مليار يوان خلال النصف الأول من العام، أي ما يعادل نحو 4 في المائة من إجمالي أرباحها، وهي أعلى خسائر من نوعها في عقد.

ورغم ذلك، أشار المحللون إلى أن هذه الخسائر ظلت قابلة للاستيعاب بفضل نمو أرباح الشركات الموجهة للتصدير.

وتضع البيانات الأخيرة السلطات الصينية أمام مشهد مزدوج: طلب محلي على الائتمان لا يزال ضعيفاً رغم عودة القروض إلى النمو، وقطاع تصدير قوي يواجه في المقابل ضغوطاً متزايدة من ارتفاع اليوان، مما يدفع بكين إلى توسيع استخدام أدوات التحوط لحماية أرباح الشركات.


هل تدفع اضطرابات الممرات البحرية الأسعار إلى الارتفاع؟

ناقلة النفط «هيلغا» (HELGA) عند إحدى محطات النفط البحرية الجنوبية في العراق وتستعد لتحميل النفط لتعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة النفط «هيلغا» (HELGA) عند إحدى محطات النفط البحرية الجنوبية في العراق وتستعد لتحميل النفط لتعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

هل تدفع اضطرابات الممرات البحرية الأسعار إلى الارتفاع؟

ناقلة النفط «هيلغا» (HELGA) عند إحدى محطات النفط البحرية الجنوبية في العراق وتستعد لتحميل النفط لتعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة النفط «هيلغا» (HELGA) عند إحدى محطات النفط البحرية الجنوبية في العراق وتستعد لتحميل النفط لتعبر مضيق هرمز (رويترز)

تضع اضطرابات الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، التجارة العالمية أمام صدمة جديدة في الإمدادات، مع انتقال آثار تعطل حركة الشحن من أسواق الطاقة إلى الغذاء والأسمدة والمعادن، بما يهدد بعودة الضغوط التضخمية عالمياً وإبقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول.

وبينما بلغت قيمة التجارة العالمية مستوى قياسياً عند 35 تريليون دولار في عام 2025، توقعت منظمة التجارة العالمية في مارس (آذار) الماضي تباطؤ نمو تجارة السلع العالمية بشكل ملحوظ إلى 1.9 في المائة خلال العام الحالي، مقارنة بـ4.6 في المائة في 2025، محذّرة من أن استمرار الحرب الأميركية - الإيرانية وارتفاع أسعار الطاقة وتعطل حركة النقل، قد يؤدي إلى مزيد من التباطؤ.

وتكتسب اضطرابات الممرات البحرية أهمية خاصة بالنظر إلى اعتماد نحو 80 إلى 90 في المائة من حجم التجارة العالمية على النقل البحري، وفق بيانات دولية؛ ما يجعل أي تعطّل طويل في حركة الملاحة عاملاً مؤثراً في سلاسل الإمداد وتكاليف النقل وأسعار السلع. وبذلك، فإن تجارة عالمية تتجاوز قيمتها 35 تريليون دولار تعتمد في جانب كبير منها على الممرات البحرية، بما يجعل اضطراب هذه الممرات تهديداً مباشراً لتدفق السلع والإمدادات حول العالم.

«هرمز»... بوابة الطاقة

كان مضيق هرمز وحده يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية قبل حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلا أن طهران استخدمته ورقةً للضغط على أميركا والعالم؛ ما قلّل من عدد السفن المارة عبره من 125 سفينة يومياً تحمل سلعاً بجانب خُمس إمدادات الطاقة العالمية، إلى أقل من 10 سفن يومياً حالياً؛ وهو ما يوضح حجم نقص الإمدادات في السلع والطاقة بالنسبة للدول المستوردة للطاقة، فضلاً عن الأسمدة والكيماويات أيضاً.

وما دام أن النفط والغاز، اللذين يعدّان سلعاً أولية، يدخلان في معظم السلع تامة الصنع، فإن نقص المعروض منهما يعرّض الأسعار للارتفاع، وهو ما حدث بالفعل، وتخطت أسعار النفط حاجز الـ100 دولار للبرميل، والغاز حاجز الـ80 يورو في أوروبا. ومع استمرار إغلاق «هرمز»، تظل الأسعار مرشحة للارتفاع.

سفن تجارية راسية وسط الضباب في مضيق هرمز تنتظر العبور (أ.ب)

ورصدت «الشرق الأوسط» طوابير أمام محطات وقود في عدد من الدول، من بينها روسيا، والهند، وباكستان، والعراق، وليبيا، وكوريا الجنوبية واليابان، وسط شح في بعض إمدادات المنتجات المكررة، ولا سيما الديزل، الذي سجل ارتفاعات لافتة مقارنة بالنفط الخام.

وأفادت خدمة «غاز بادي» لتتبع أسعار الوقود، الجمعة الماضي، بأن متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة تجاوز 6 دولارات للغالون للمرة الأولى على الإطلاق، وذلك في ظل تقلص الإمدادات نتيجة لحرب إيران والهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية.

تظهر أسعار الوقود خارج محطة مخصصة للشاحنات الجمعة 4 سبتمبر الحالي في فيرفيو بولاية تينيسي الأميركية (أ.ب)

وتتعرض المنتجات المكررة، وتحديداً الديزل، لضربة مزدوجة؛ إذ إن قيود الشحن ما زالت قائمة في منطقة الخليج مع استمرار اضطرابات مصافي التكرير الروسية. ونتيجة لذلك؛ رفع «كومرتس بنك» توقعاته لسعر الديزل إلى 1200 دولار للطن من 950 دولاراً، ووقود الطائرات إلى 1230 دولاراً للطن من 980 دولاراً.

سيارات تصطف في طوابير للتزود بالوقود بمحطة بنزين تابعة لشركة «غازبروم» في موسكو (رويترز)

ويرى البنك الدولي أن «الهجمات على البنية التحتية للطاقة واضطرابات حركة الشحن في مضيق هرمز، الذي يستوعب نحو 35 في المائة من حجم تجارة النفط الخام العالمية المنقولة بحراً، أكبر صدمة في تاريخ إمدادات النفط..».

وتشير أحدث توقعات «آفاق أسواق السلع الأولية» الصادرة عن البنك الدولي في أواخر أبريل (نيسان) الماضي، إلى أن أسعار الطاقة مرشحة للارتفاع بنسبة 24 في المائة خلال العام الحالي، لتسجل أعلى مستوياتها منذ الحرب الروسية -الأوكرانية في 2022، في ظل الصدمة التي تلحقها الحرب في الشرق الأوسط بأسواق السلع العالمية.

كما يتوقع البنك الدولي ارتفاع أسعار السلع الأولية بوجه عام بنسبة 16 في المائة خلال 2026، مدفوعة بصورة رئيسية بارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، إلى جانب المستويات القياسية التي تسجلها أسعار عدد من المعادن الرئيسية.

وتحذّر توقعات البنك من أن انتقال هذه الصدمة من أسواق الطاقة إلى الغذاء سيؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية، بما قد يطيل أمد ارتفاع أسعار الفائدة ويزيد تكاليف الاقتراض والديون.

وحذَّر البنك الدولي من أن أسعار السلع الأساسية قد تشهد مزيداً من الارتفاع إذا تصاعدت أعمال القتال أو استمرت اضطرابات الإمدادات الناجمة عن الحرب لفترة أطول من المتوقع. وفي هذا السيناريو، قد يرتفع معدل التضخم في الاقتصادات النامية إلى 5.8 في المائة خلال العام الحالي، وهي نسبة لم يتجاوزها التضخم خلال العقد الماضي بأكمله سوى في عام 2022.

من الطاقة إلى الغذاء

لا تتوقف تداعيات اضطراب الممرات البحرية عند أسواق الطاقة؛ إذ بدأت آثارها تمتد إلى الغذاء عبر تكاليف النقل والأسمدة وإمدادات الحبوب.

وسجلت أسعار القمح العالمية ارتفاعات ملحوظة خلال أغسطس (آب) الماضي وبداية سبتمبر (أيلول) الحالي، حيث ارتفع مؤشر الحبوب لمنظمة «فاو» بنسبة 2.2 في المائة في أغسطس، مسجلاً أعلى مستوى له منذ مايو (أيار) 2024.

وتستحوذ روسيا وأوكرانيا معاً على نحو ربع صادرات القمح العالمية؛ ما يجعل اضطرابات الملاحة والتصدير في البحر الأسود عاملاً مؤثراً في أسواق الغذاء العالمية.

وفي بداية شهر سبتمبر الحالي، قال ألكسندر غروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، إن موسكو لا ترى مبرراً لاستئناف اتفاق الحبوب في البحر الأسود، في وقت تواصل فيه روسيا وأوكرانيا استهداف منشآت تصدير الحبوب التابعة لكل منهما.

مُزارع يحصد الذرة 8 سبتمبر الحالي بالقرب من فورست سيتي بولاية ميسوري (أ.ب)

وتأتي الأسمدة في مقدمة مصادر القلق الأخرى؛ إذ تعتمد أسواقها بدرجة كبيرة على إمدادات من منطقة الشرق الأوسط؛ ما يجعل استمرار اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز عاملاً إضافياً قد يرفع تكاليفها ويؤثر في تكاليف الإنتاج الزراعي.

وتُظهر توقعات البنك الدولي أن أسعار الأسمدة ستشهد ارتفاعاً بنسبة 31 في المائة عام 2026، مدفوعةً بقفزة لافتة وصلت إلى 60 في المائة في أسعار اليوريا. كما يُتوقّع أن تبلغ القدرة على تحمّل تكاليف الأسمدة أسوأ مستوياتها منذ عام 2022، بما يضغط على دخول المزارعين ويُعرّض إنتاج المحاصيل في المستقبل للخطر.

وفي حال طال أمد الصراع، فإن هذه الضغوط المتراكمة على إمدادات الغذاء وقدرة الأسر على تحمّله قد تدفع ما يصل إلى 45 مليون شخص إضافي إلى حالة انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال العام الحالي، وفق برنامج الأغذية العالمي.

المعادن تحت الضغط

لا تقتصر آثار الصدمة على الطاقة والغذاء؛ إذ تشير توقعات البنك الدولي إلى أن أسعار المعادن الأساسية، بما فيها الألمنيوم والنحاس والقصدير، ستبلغ ذروات تاريخية، انعكاساً لقوة الطلب المرتبط بصناعات مثل مراكز البيانات والمركبات الكهربائية والطاقة المتجددة.

أما المعادن الثمينة، فتواصل تسجيل مستويات قياسية في الأسعار والتقلب، مع ترجيحات بارتفاع متوسط أسعارها بنسبة 42 في المائة عام 2026، مدفوعةً بتنامي الطلب على أصول الملاذ الآمن في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي.

التضخم... الحلقة التالية

تتمثل إحدى أبرز مخاطر صدمات السلع في انتقالها من الأسواق الأولية إلى التضخم ثم إلى السياسة النقدية.

ويقول البنك الدولي في هذا الإطار، إن ارتفاع أسعار السلع الأساسية الناجم عن هذه الصدمات سيؤدي إلى زيادة التضخم وإضعاف النمو في جميع أنحاء العالم.

أما في الاقتصادات النامية، فمن المتوقع الآن أن يبلغ متوسط التضخم 5.1 في المائة في عام 2026 وفق افتراضات خط الأساس؛ أعلى من نقطة مئوية كاملة مما كان متوقعاً قبل الحرب وزيادة عن 4.7 في المائة العام الماضي. كما سيتدهور النمو في الاقتصادات النامية، حيث يؤثر ارتفاع أسعار الضروريات على الدخل وستواجه الصادرات من الشرق الأوسط قيوداً حادة.

متسوقون بمتجر للبقالة في شيكاغو 10 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ويرى البنك الدولي أن الاقتصادات المتأثرة بشكل مباشر بالصراع ستكون هي الأكثر تضرراً، «وقد يشهد 70 في المائة من البلدان المستوردة للسلع الأساسية وأكثر من 60 في المائة من البلدان المصدرة للسلع الأولية في مختلف أنحاء العالم نمواً أكثر ضعفاً مقارنة بمستويات يناير (كانون الثاني)».

كما أشار البنك الدولي إلى أنه «يكفي تراجع إنتاج النفط بنسبة 1 في المائة، بدافع عوامل جيوسياسية، فترتفع الأسعار بمتوسط يبلغ 11.5 في المائة». والأخطر من ذلك أن هذه الصدمات لا تبقى محصورة في سوق النفط، بل تمتد آثارها إلى أسواق السلع الأساسية الرئيسية الأخرى، بحدّة تفوق الأوضاع الطبيعية بنحو 50 في المائة.

صراع الطاقة بين أميركا والصين

يربط الدكتور شريف هنري، خبير الاقتصاد الكلي، التطورات الحالية بالتنافس الاقتصادي والاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، ويرى أن الطاقة تمثل إحدى الأدوات الرئيسية في هذا الصراع.

وقال هنري لـ«الشرق الأوسط» إن الولايات المتحدة الأميركية وضعت أهدافاً اقتصادية بعيدة المدى تستخدم حرب إيران فيها ورقةً لصالح وضعها الاقتصادي، ألا وهي «إضعاف الاقتصاد الصيني، من خلال قطع مصادر الطاقة عنه».

وتستورد الصين نفطها من إيران ودول الخليج وجزءاً من فنزويلا وروسيا، ومع توسع حرب إيران، وإغلاق مضيق هرمز، صار لازماً على الصين البحث عن بديل آخر.

أضاف هنري أن: «الشرق الأوسط أو بالأحرى العالم صار ضحية الصراع الخفي بين أميركا والصين... هذا الصراع من شأنه أن يرفع أسعار النفط والغاز والسلع والغذاء لفترة من الزمن، حتى تتحقق الأهداف الأميركية... لأن أميركا تستورد أكثر من إجمالي صادرات الصين».

ولفت إلى أنه بالنظر إلى مستويات الأسعار الحالية والمتوقعة خلال فترة لا تقل عن عامين إلى ثلاثة، ستجد أن «الولايات المتحدة أعدت العدّة لإطالة زمن حرب إيران وزيادة التضخم العالمي من جديد والضغط على عملات العالم، وإضعاف الدولار أمام سلة العملات الرئيسية، حتى في حالة رفع (الفيدرالي) للفائدة... وهو ما يعني زيادة الصادرات الأميركية التي صارت البديل لأوروبا ومعظم دول العالم لبيع الطاقة».

وقال هنري: «إن هذا لن يحدث إلا من خلال إعادة تسعير الممرات البحرية»، مشيراً هنا إلى استحواذ أميركا على نفط فنزويلا وضمانه لمدة 50 عاماً؛ حتى تضمن أمن الطاقة لديها وسط هذه الاضطرابات الدولية.

ومع اتساع نطاق الصدمة من النفط إلى الغاز والأسمدة والغذاء والمعادن، تبدو الممرات البحرية أكثر من مجرد طرق لعبور السلع؛ إذ أصبحت أحد المحددات الرئيسية لتكلفة الإمدادات العالمية، وبالتالي لمسار التضخم والنمو وأسعار الفائدة ونمو الاقتصاد العالمي في المرحلة المقبلة.