محاكمة جديدة لساركوزي بعد أسبوعين من إدانته بالفساد

الرئيس الأسبق متهم بانتهاك قانون تمويل الانتخابات

ساركوزي أصبح منذ انتهاء ولايته في عام 2012 ضيفاً أليفاً على قضاة التحقيق والمحاكم (أ.ب)
ساركوزي أصبح منذ انتهاء ولايته في عام 2012 ضيفاً أليفاً على قضاة التحقيق والمحاكم (أ.ب)
TT

محاكمة جديدة لساركوزي بعد أسبوعين من إدانته بالفساد

ساركوزي أصبح منذ انتهاء ولايته في عام 2012 ضيفاً أليفاً على قضاة التحقيق والمحاكم (أ.ب)
ساركوزي أصبح منذ انتهاء ولايته في عام 2012 ضيفاً أليفاً على قضاة التحقيق والمحاكم (أ.ب)

من بين جميع نزلاء قصر الإليزيه الذين تعاقبوا على رئاسة الجمهورية منذ سبعين عاماً، لم يعرف الفرنسيون رئيساً لحق به هذا الكم من الاتهامات والفضائح والمحاكمات كالذي يقض مضجع الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي. فهذا الأخير أصبح منذ انتهاء ولايته في عام 2012 ضيفاً أليفاً لقضاة التحقيق والمحاكم. وأمس، كان ساركوزي على موعد مع محاكمة جديدة تأتي بعد أسبوعين فقط على إدانته بالفساد وبسوء استخدام السلطة، والحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات، إحداها نافذة، في القضية المسماة «التنصت»، بحيث أصبح أول رئيس جمهورية يحكم عليه بالسجن مع النفاذ. وإذا كان فريق المحامين الذي يدافع عن ساركوزي قد قدم طلباً لاستئناف الحكم، فإن ضرراً معنوياً وسياسياً قد لحق به وسيكون له حكماً تأثير على مستقبله السياسي بالنظر لأوضاع حزب «الجمهوريون» اليميني الكلاسيكي الذي سعى ليكون مرشحه الرئاسي في العام 2012، لكنه فشل في مسعاه. لكن الرئيس الأسبق ما زال يتمتع بشعبية مرتفعة لدى المحازبين والمناصرين، بل إن كثيرين يريدونه مرشحهم للانتخابات الرئاسية المقبلة، نظراً لغياب شخصية يمينية بارزة تفرض نفسها للمنافسة الرئاسية، ربيع العام المقبل، تعطل السيناريو المكتوب سلفاً الذي يضع الرئيس إيمانويل ماكرون في مواجهة مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف، وهو تكرار لما حصل في منافسة عام 2017. هكذا، فإن صورة ساركوزي «المنقذ» تنهار أكثر فأكثر مع عودته أمام المحكمة الجزائية مجدداً بعد أسبوعين فقط من انتهاء محاكمته الأخيرة. وهذه المرة، يمثل ساركوزي مع 13 شخصاً من الذين رافقوه في حملته الرئاسية لعام 2012، التي خسرها بوجه منافسه الاشتراكي فرنسوا هولاند. وثمة حملة أخرى ستعود إلى الواجهة لاحقاً بحر هذا العام، وتتناول ما اتفق على تسميته «التمويل الليبي» لحملته الرئاسية الأولى في عام 2007. ومنذ أن بدأت تتكشف أوائل الخيوط بشأنها، برز بوضوح أن الفضيحة التي دأب الرئيس الأسبق على نفيها، لها تشعبات أمنية وسياسية. وذهب البعض إلى الربط بين التمويل الليبي وبين «الشراسة» التي أبداها ساركوزي في الدفع باتجاه التدخل العسكري الدولي في ليبيا في عام 2011، والتخلص من العقيد معمر القذافي، بعد أن كانت باريس قد فرشت السجاد الأحمر تحت قدميه ومكنته من أن ينصب خيمته الشهيرة في حديقة قصر مارينيي، الذي لا يفصله عن قصر الإليزيه سوى طريق عرضه لا يتعدى الأمتار العشرة.
«بغيماليون»؛ هو عنوان المحاكمة الجديدة التي انطلقت أمس في قصر العدل في باريس، وسط حضور إعلامي واسع وتغطية شاملة. و«بيغماليون» هو اسم شركة العلاقات العامة التي كلفتها إدارة حملة ساركوزي الرئاسية تنظيم ما يزيد على أربعين مهرجاناً انتخابياً، بعضها يذكر بما تشهده الانتخابات الرئاسية الأميركية من بذخ وإسراف في الإنفاق الذي وصل إلى 42.8 مليون يورو، بينما يمنع القانون تخطي سقف الـ22.5 مليون. ويفسر هذا التجاوز بالقلق الذي كان ينتاب ساركوزي ومعاونيه من خسارة الانتخابات، الأمر الذي دفعهم باتجاه أكبر حشد حزبي وشعبي لتقليص الفارق. وللتغطية على هذا التجاوز في الإنفاق، عمدت شركة «بيغماليون» إلى تحرير فواتير مزورة لخدمات لم تقدمها لحزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» وهو الاسم السابق لحزب «الجمهوريون» الحالي. وبذلك تكون حملة ساركوزي قد التفت على القوانين وجعلت الحزب المذكور يغطي ما يزيد على 20 مليون يورو من نفقات انتخابية. وإذا ثبتت التهمة على الرئيس الأسبق، فقد يحكم عليه بالسجن لمدة عام ودفع غرامة قيمتها 3750 يورو. وبعد أن كانت المحكمة الدستورية قد وافقت على حسابات حملة ساركوزي، إلا أنها لاحقاً وبعد أن اندلعت الفضيحة، قررت الامتناع عن سداد 11 مليون يورو لميزانية الرئيس الأسبق، وهو المبلغ الذي تسهم فيه الدولة في إطار دعمها للحياة الديمقراطية، الأمر الذي دفع الحزب اليميني إلى تنظيم حملة تبرعات شعبية لسداد قيمة الإنفاق الإضافي.
ومنذ أن اندلعت هذه الفضيحة، التزم ساركوزي خط دفاع لم يحد، عنه وهو أنه «لم يكن على علم» بهذا الأمر، بحيث رمى التهمة على معاونيه ومديري حملته. وحجة ساركوزي أن مراجعة الحسابات والفواتير كانت منوطة بالمشرفين على حملته، وأبرزهم ثلاثة: غيوم لامبير، مدير الحملة، وجيروم لافريو، مساعده، وفيليب بريان، المسؤول المالي. يضاف إليهم ثلاثة مسؤولين من «بيغماليون» وشركاتها التابعة وهم: باستيان ميو وغي ألفيس، مؤسسا «بيغماليون»، وفرانك أتال، المدير السابق لـ«إيفانمت وشركاه». ويؤكد هؤلاء الثلاثة أنهم عملوا وفق التوجيهات التي جاءتهم من مديري الحملة. ويؤكد لامبير أنه وجه إلى ساركوزي رسالة ينبهه فيها من تجاوز سقف الإنفاق المسموح وإلى ضرورة الالتزام بما ينص عليه القانون. وخالف قاضي التحقيق في مطالعته ما يؤكده ساركوزي، إذ اعتبر أن الأخير «استفاد بدون أدنى شك من التجاوزات التي بينها التحقيق والتي سمحت له بأن يستخدم أموالاً في حملته للعام 2012 لا يجيزها القانون». ويضيف القاضي سيرج تورين أن «المرشح وفريقه الضيق اختارا تركيز الحملة على المهرجانات الضخمة والمكلفة وتكليف وكالات متخصصة عملية التنظيم»، في إشارة إلى «بيغماليون» والشركة المتفرعة عنها واسمها «إيفانت وشركاه». من هنا مسمى التهمة الموجهة لـساركوزي: «التمويل غير المشروع لحملة انتخابية». أما الأشخاص الـ13 الآخرون فقد وجهت إليهم تهم أعظم، منها التزوير وسوء استخدام الأمانة وفي حال ثبوتها، فإنها تفتح الباب لعقوبات أشد، على رأسها السجن لمدد طويلة، علماً بأن مساعد مدير الحملة اعترف على شاشة التلفزة بالتجاوزات وكشف الآلية المستخدمة لتغطية النفقات.
عندما كشف عن الفضيحة، اندلعت حرب داخل الحزب اليمين، ووجهت اتهامات بالاختلاس والإثراء الشخصي. ويؤمل من المحاكمة التي ستستمر طيلة شهر كامل أن تلقي الضوء على «مناطق الظل». أمس، غاب ساركوزي عن أولى الجلسات. وكان لافريو قد قدم طلباً سانده فيه المتهمون الآخرون بتأجيل المحاكمة بسبب إصابة محاميه بوباء «كوفيد – 19». بيد أن التأجيل، في حال وافقت عليه المحكمة، لن يغير في مسار الأمور شيئاً.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».