روسيا انتظرت الفرصة طويلاً... وانتهزتها

اعلام وآليات تابعة لجيوش أميركا وروسيا وسوريا قرب القامشلي شرق الفرات في 12 فبراير 2020 (أ.ب)
اعلام وآليات تابعة لجيوش أميركا وروسيا وسوريا قرب القامشلي شرق الفرات في 12 فبراير 2020 (أ.ب)
TT

روسيا انتظرت الفرصة طويلاً... وانتهزتها

اعلام وآليات تابعة لجيوش أميركا وروسيا وسوريا قرب القامشلي شرق الفرات في 12 فبراير 2020 (أ.ب)
اعلام وآليات تابعة لجيوش أميركا وروسيا وسوريا قرب القامشلي شرق الفرات في 12 فبراير 2020 (أ.ب)

«ليست لدينا أي مصالح خاصة هناك، ولا نملك قواعد عسكرية أو مشروعات كبيرة، ولا استثمارات بالمليارات، ولا يوجد شيء خاص يستحق الحماية. ليس لدينا أي شيء هناك على الإطلاق».
كانت تلك هي الكلمات التي استخدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في توصيف الأوضاع في سوريا في شهر يونيو (حزيران) من عام 2011. وجاءت تلك التصريحات أيضاً في الوقت الذي كان الرئيس السوري بشار الأسد ينشر قواته العسكرية، ودباباته ومروحياته، في مواجهة المتظاهرين في شوارع البلاد. وطوال الوقت، كان المحللون السياسيون في موسكو ينظرون في أمر المرشحين المحتملين للحلول محل بشار الأسد على رأس السلطة في البلاد، عبر انقلاب سلمي غير دموي.
- هل كانت تصريحات بوتين الأولى مجرد خدعة؟
في عام 2015. عندما شنت المقاتلات الروسية الغارات الجوية في سوريا، كان الرئيس الروسي يفترض أن يثير الوجود الروسي الدائم في الداخل السوري حذراً شديداً. ومع ذلك، كان الجيش الروسي يتأهب لتوسيع مشاركته في الحرب الأهلية السورية، ولا سيما من خلال توسيع مهابط الطائرات المروحية في قاعدة حميميم الجوية. ومن جهة أخرى، يشير كثير من الحقائق المعروفة إلى نظرية مفادها أن الجانب الروسي، اعتباراً من عام 2011 لم يكن يتصور أن توفير الدعم العسكري المباشر والكبير للأسد هو من السيناريوهات محتملة التطبيق. ورغم بيانات الإنكار الرسمية، من المعتقد أن زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ومدير الاستخبارات الخارجية الروسية ميخائيل فرادكوف، إلى دمشق في عام 2012. كانت تتعلق بمناقشة شروط رحيل الرئيس بشار الأسد عن السلطة، وتشكيل حكومة انتقالية في البلاد. وفي محاولة لتوخي أقصى الحيطة والحذر في خياراتها، حافظت الحكومة الروسية على قنوات الاتصال المفتوحة مع قوى المعارضة السورية، كما استقبلت وفوداً من «المجلس الوطني السوري» المعارض. وثار كثير من اللغط إثر تصريحات السيد ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، وهو الممثل الروسي الخاص في منطقة الشرق الأوسط، بشأن إمكانية انتصار قوى المعارضة في الحرب الأهلية السورية.
في تلك الأثناء، كانت أجهزة الاستخبارات الروسية تُجري عدداً من الاتصالات غير المعلنة مع الحكام الجدد المحتملين في سوريا، من أمثال الجنرال المعارض مناف طلاس، الذي كان يقوم بزيارات دورية إلى مختلف العواصم في منطقة الشرق الأوسط. وحتى اليوم، لا يزال الاعتقاد سائداً لدى البعض داخل المعارضة، بإمكانية الانتصار النهائي للجنرال طلاس. ومع ذلك، فإن الأسد، المدعوم مباشرة من طهران، كان يصف تلك السيناريوهات بعدم الواقعية، وذلك من حسن الحظ بالنسبة للحكومة الروسية.
النقطة الأولى الجديرة بالذكر في هذا السياق، أن الكرملين كان ينظر إلى «الربيع العربي» من منظور السياسات الداخلية، حتى إن اندلاع الحرب الأهلية السورية تزامن مع بدء الولاية الرئاسية الثالثة للرئيس بوتين. وكان أنصاره يتعاملون مع انتفاضات «الربيع الروسي» و«الربيع العربي» كشكل من أشكال مقاومة «العدوان الأجنبي». لكنهم اختاروا، في وقت لاحق، عدم مساواة الاثنين، تحت أي ظرف من الظروف، تفادياً للارتباط مع الربيع العربي ذي الصبغة الاستبدادية الواضحة.
أما النقطة الثانية فهي أن القيادة الروسية تعتقد أن أنظمة الحكم الراهنة قادرة على إرساء الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وأن من شأن أي تغيير في أنظمة الحكم في المنطقة أن يؤدي بدوره إلى تعزيز الدعم المباشر وغير المباشر للجماعات الإسلاموية في إقليم شمال القوقاز ومنطقة الفولغا الروسية. والأهم من ذلك، أن القيادة الروسية أرادت أن تثبت للقوى الغربية وللعالم العربي أنها عاقدة العزم، وبشدة، على أن يكون واضحاً أنه ليس من الممكن اتخاذ القرارات المهمة والمؤثرة بمعزل عن مشاورة القيادة السياسية في موسكو.
وبعد مرور 5 سنوات على انخراطها في الحرب السورية، يمكن لموسكو التباهي بوجود ما يمكن وصفه باللوبي السياسي والعسكري في البلاد. ويضم هذا اللوبي، من بين شخصيات أخرى، العميد سهيل الحسن، القائد العلوي للفرقة 25 من قوات المهام الخاصة (قوات النمر)، وكذلك أحمد العودة، وهو الزعيم الأسبق لجماعة «شباب السنة» المعارضة، وهو قائد اللواء الثامن من «الفيلق الخامس».
وفي بدايات «الربيع العربي»، كانت القيادتان الروسية والسورية تتلمسان الخطوات الأولى في تنمية التعاون المشترك. كانت السياسات الروسية إزاء الصراع داخل البلاد موضع نظر، وكانت تدعو الأطراف المعنية إلى الامتناع عن مواصلة التصعيد. وجاء التقارب في العلاقات بين الجانبين في بداية العام 2005، إثر القرار الروسي بشطب 73 في المائة من الديون السورية في الحقبة السوفياتية، في مقابل مشترياتها العسكرية من روسيا. وفي ذلك الوقت، رأى الأسد أن روسيا تشكل له فرصة سانحة لكسر طوق العزلة الدولية المفروضة من قبل الولايات المتحدة الأميركية بعد الرفض السوري المسبق لتقديم الدعم للولايات المتحدة في العراق. وعلى نحو مماثل، توترت علاقات الأسد مع الحكومة الفرنسية بشدة في أعقاب اغتيال رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني. كما كانت هناك خلافات أخرى مع دول عربية بشأن النفوذ الإيراني المتزايد في سوريا.
وبسبب الأثر التراكمي للاضطرابات الاقتصادية في روسيا، والعملية العسيرة لإصلاح المؤسسة الدفاعية، والتدهور العام للمكانة الروسية على الصعيد العالمي، كافح الكرملين بشدة لإثبات قوته على المسرح الدولي. وكان الوجود الروسي في سوريا مقتصراً على الاستطلاع، وعلى عدد من المرافق والمنشآت. فعلى سبيل المثال، كانت المنشأة البحرية في طرطوس تتألف فقط من رصيف ومبنيين صغيرين على الساحل. وجرى حل مكتب المستشار العسكري الروسي في سوريا بحكم الأمر الواقع، في حين فقد المستشارون الذين كانوا يقدمون المشورة للرئيس الراحل حافظ الأسد، إبان الحقبة السوفياتية، نفوذهم داخل النخبة السورية الحاكمة.
- تدخل إيراني
وفي عام 2013، اضطرت القيادة الروسية لإجلاء ضباطها من سوريا، خوفاً من المخاطر التي يشكلها الصراع الأهلي الدائر، في حين أن نشاط الشركات العسكرية الخاصة في البلاد كان طفيفاً، بل جرى تخفيضه من قبل الحكومة الروسية. وليس خافياً أن الأجهزة السرية السورية تجاهلت كثيراً من الطلبات الروسية بشأن تسليم المقاتلين الشيشانيين.
هناك كثير من الفرضيات بشأن الوقت الذي اتخذ فيه الكرملين قراره بالتدخل العسكري في سوريا. ووفقاً لأحد الافتراضات، نظرت القيادة الروسية في خطط التدخل في عام 2013، عقب طلب المساعدة من قبل الأسد. وجرى طرح هذه الفكرة للمناقشة بعد ذلك خلال موسم ما قبل الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، وكذلك بعد زيارة قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، قاسم سليماني، إلى روسيا في يوليو (تموز) من عام 2015. لكن قاسم سليماني بالكاد فتح البوابات السورية أمام موسكو. فقد كان المستشارون العسكريون الروس قد حددوا موقع القاعدة العسكرية الروسية القادمة في سوريا قبل زيارة الجنرال سليماني إلى موسكو. وفي الأثناء ذاتها، قامت القوات الخاصة بتجهيز محيط «مطار باسل الأسد» الدولي في اللاذقية. علاوة على ذلك، بدأت الأعمال التحضيرية لإنشاء مركز التنسيق في بغداد مع المختصين الروس قبل ما يقرب من عام من تشكيل تحالف مكافحة الإرهاب، الذي يضم كلاً من روسيا وإيران والعراق، والصين لاحقاً.
بدأ النفوذ الروسي في سوريا في التصاعد اعتباراً من عام 2013، إثر الاتفاق بين بوتين والرئيس الأميركي باراك أوباما بشأن تدمير الأسلحة الكيماوية السورية. وجرى تذكير النظام السوري بأن الفرصة الراهنة هي الأخيرة في تجنب تدخل البلدان الأجنبية بقوة في سوريا. وسنحت فرصة جديدة لمزيد من التقدم على مسار العلاقات الروسية - السورية في عام 2015، وذلك عندما كانت القيادة السورية ومؤيدوها في «الفلك» الإيراني قد أصيبوا بحالة نفسية انهزامية شديدة. وثار قليل من الشكوك بأن الصراع الدائر في أوكرانيا، الذي دفع بالعلاقات الروسية مع العالم الغربي إلى مسار المواجهة، قد أصبح محفزاً لاتخاذ الكرملين قراره بالتدخل في سوريا.
لم يتمكن بوتين، الذي حوّله ضم شبه جزيرة القرم إلى شخصية تاريخية، من تحمُّل العقوبات الاقتصادية المفروضة بعد عام 2014، أو أن يرى بلاده توصف بالقلعة الكبيرة المحاصرة. وكان الهدف الأساسي هو تحويل روسيا إلى دولة مُهابة، لا يمكن للآخرين تجاهل كلمتها بسهولة. ثم رأينا كيف أنه ألحق فريق قاديروف المسلم بالمفاوضات الشيشانية، كما نشر مرتزقة قطب الأعمال الروسي العملاق يفيغني بريغوزين في مهام عسكرية خارج البلاد، وكلف أجهزة الاستخبارات العسكرية الروسية بالتخلص من الشخصيات غير المرغوب فيها. وبرغم ذلك، كان اللاعبون الرئيسيون في المسرح الدولي سعداء للغاية لرؤية القيادة الروسية تضطلع بالسيطرة على مجريات الأمور في الحرب الأهلية السورية؛ حيث يتعين على روسيا تحمل أعباء الأزمة السورية كافة، مع مسؤولية بقاء نظام حكم الأسد المتحجر على قيد الحياة.
- الحرب والسلام
جاءت عبارة رئيس الوزراء الفرنسي الراحل جورج كليمنصو «إن صناعة الحرب أيسر بكثير من صناعة السلام» لتجسد بكل دقة جوهر الصعوبات التي تكتنف أي صراع وتنشأ عنه.
فكيف سيمكن للنظام السوري، المدعوم من روسيا، التعامل مع كوارث المجاعة والخراب في البلاد؟
وفي محاولة للوصول إلى حل إقليمي وسط في سوريا، يواجه الكرملين سؤالاً بشأن التغيير في النظام السياسي السوري. ويعد تحول نظام الحكم في سوريا هو الشرط الذي تطالب به مختلف القوى الأجنبية، قبل البدء في ضخ الأموال إلى البلاد. كما أنه يعد شرط الاستقرار طويل الأمد لنظام الأسد، الذي يواجه باستمرار الأزمات تلو الأزمات، سواء أكانت في النفط أم في الغذاء. وتغيير النظام الحاكم، على غرار تجارب أخرى، ليس من الخيارات القابلة للتطبيق في الواقع السوري. فقد جرى استثمار كثير من الموارد في النظام السوري الحاكم برئاسة الأسد، إلى درجة يصعب معها التخلي عنها بكل سهولة.
علاوة على ما تقدم، فإن القيادة الروسية اليوم هي أقل اهتماماً بالوصول إلى حل وسط مع القوى الغربية، مما كانت عليه قبل 5 سنوات من الآن. لقد شرعت روسيا بحزم في اتخاذ موقف انعزالي يصعب تغييره، حتى لو كانت لديها الرغبة في ذلك، وهو ما لم يكن واضحاً.
- باحث روسي
- خاص بـ«الشرق الأوسط»



الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
TT

الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)

تكبدت الجماعة الحوثية خلال الأسابيع الماضية خسائر بشرية متزايدة في عدد من جبهات القتال، إثر محاولات هجومية وتسللات ميدانية نفذتها ضد مواقع القوات الحكومية، انتهى معظمها بالفشل بعد مواجهات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفها وتدمير معدات عسكرية، وفق ما أفادت به مصادر عسكرية وميدانية.

وقالت المصادر إن العشرات من عناصر الجماعة سقطوا بين قتيل وجريح في جبهات متفرقة شملت مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، خلال محاولات للتقدم نحو مواقع الجيش اليمني، في خروق متكررة للتهدئة التي ترعاها الأمم المتحدة منذ ما قبل 2022.

وأكدت المصادر أن القوات الحكومية تمكنت من إحباط عدد من الهجمات الحوثية خلال الفترة الأخيرة، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد معارك استمرت ساعات في بعض المواقع، مُوقِعةً في صفوفهم خسائر بشرية ومادية.

وأظهرت بيانات الجماعة الحوثية نفسها مقتل ما لا يقل عن 15 من عناصرها خلال شهر مايو (أيار) الماضي، بينهم ثمانية ينتحلون رتباً عسكرية مختلفة، من بينها «لواء» و«مقدم» و«رائد» و«نقيب».

جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وذكرت النسخة الحوثية من وكالة «سبأ» أن الجماعة شيّعت خلال الفترة نفسها قتلاها في صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها، من دون الكشف عن ظروف مقتلهم أو المواقع التي سقطوا فيها.

وضمت قائمة القتلى المعلنة كلاً من علي محمد الشوكاني، وعلي عبد الله الحالمي، وعبد الرحمن الأحوس، وعبد الرحمن المتوكل، وعلي عبد الباسط إسحاق، وطارق عوض مرحب، وعبد الغني فضل مهدي، ومحمد ناجي الحدي، إلى جانب سبعة آخرين.

نزف مستمر

رجحت مصادر عسكرية يمنية أن يكون معظم هؤلاء القتلى الحوثيين قد لقوا مصرعهم في مواجهات مع قوات الجيش والمقاومة في جبهات مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، حيث شهدت تلك المحاور خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً حوثياً ومحاولات متكررة لاختراق خطوط التماس.

وتأتي هذه الخسائر في سياق ما تصفه مصادر عسكرية باستمرار النزف البشري في صفوف الجماعة، رغم تراجع وتيرة المعارك الواسعة مقارنة بسنوات الحرب السابقة.

لم يستثنِ الحوثيون صغار السن من التعبئة العسكرية والطائفية (أ.ف.ب)

وتحدثت تقارير يمنية عن استمرار تشييع قتلى حوثيين بصورة شبه يومية خلال الأشهر الماضية، بينهم قيادات ميدانية وعناصر ذات خبرة قتالية، ما يعكس حجم الخسائر التي تتعرض لها الجماعة في عدد من الجبهات.

كما أشارت المصادر إلى أن الحوثيين دفعوا خلال الفترة الأخيرة بتعزيزات بشرية إلى بعض مناطق التماس لتعويض النقص في المقاتلين والحفاظ على مواقعهم العسكرية، في ظل استمرار المواجهات المتقطعة مع القوات الحكومية.


مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
TT

مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)

انتهت حياة مغامر يمني كان يتسلق فوهة بركان خامد بشكل مأساوي وصادم، وتركت الكثير من الحزن والأسئلة التي يبحث أصحابها عن إجابة حول المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الواقعة، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي أجبرته وغيره على تحويل المخاطرة بحياتهم إلى مصدر دخل.

وشهدت مدينة دمت في محافظة الضالع (185 كيلومتراً جنوب صنعاء)، الجمعة، سقوط الشاب القعقاع بن عنتر داخل فوهة البركان الخامد شرق المدينة، التي تعدّ من أهم المزارات السياحية في البلاد، ولم تتمكن فرق الإنقاذ من انتشال جثته إلا صباح السبت، وسط اتهامات للسلطات الخاضعة للحوثيين بإهمال سلامة الزوار والمتسلقين.

وعُرف القعقاع بين زوار فوهة البركان التي يتعارف اليمنيون على تسميتها بـ«حرضة دمت»، كأحد أبرز الوجوه المرتبطة بالمكان، إذ اعتاد النزول إلى المنحدرات الصخرية الحادة وكتابة أسماء الزوار على جدران الفوهة مقابل مبالغ مالية بسيطة، مستنداً إلى خبرة طويلة ومهارة اكتسبها عبر سنوات من التعامل مع الموقع شديد الخطورة.

وتعارف الكثيرون على تشبيه الشاب المغامر بشخصية «سبايدرمان» في سلسلة الأفلام الأميركية الشهيرة، وبعد الحادثة المأساوية تناقلوا مقطع فيديو تحدث فيه عن إدراكه حجم المخاطرة بحياته واضطراره لذلك.

غير أن الحادثة التي هزت اليمنيين وعدداً كبيراً من مستخدمي وسائل التواصل في البلاد العربية، لم تكن مجرد نهاية مأساوية لمغامر اشتهر بجرأته في تسلق المنحدرات الخطرة، والنزول إلى أعماق الفوهة البركانية، بل أعادت تسليط الضوء على الظروف التي جعلت من تلك المغامرات عملاً يومياً ومصدراً للدخل، في بلد أنهكته الحرب، وتراجعت فيه فرص العمل إلى مستويات غير مسبوقة.

ورفض كثيرون اختصار القصة في مغامرة فردية أو اتهام الراحل بالتهور، ورأى ناشطون أن القعقاع لم يكن يبحث عن الإثارة بقدر ما كان يبحث عن لقمة العيش، مشيرين إلى أن المخاطر التي واجهها يومياً كانت بالنسبة له وسيلة لإعالة نفسه وأسرته في ظل أوضاع اقتصادية قاسية.

وشهدت الفوهة عدة حوادث سقوط خلال السنوات الماضية، إلا أنه لم يجرِ اتخاذ أي إجراءات لتوفير وسائل السلامة والحماية للزوار.

المسؤولية القانونية والأخلاقية

أبدى عدد من رواد وسائل التواصل الاجتماعي تهكماً مريراً من طلبات زوار الفوهة البركانية بكتابة أسمائهم على المنحدرات الوعرة، متسائلين عن الفائدة التي يحصلون عليها والمكاسب التي يحققونها بتعريض حياة شخص للخطر في تنفيذ هذه المهمة المثيرة للسخرية، وبمقابل مادي لا يساوي أكثر من ثمن وجبة.

فوهة بركان دمت تعدّ من أشهر المزارات السياحية في اليمن (إعلام محلي)

إلا أن أبرز التساؤلات كانت حول مسؤولية الجماعة الحوثية التي تسيطر على المنطقة، وتديرها بأشدّ طرق الرقابة والهيمنة الأمنية والعسكرية.

يرى خبير قانوني أن المسؤولية في هذه الحادثة لا تقع على طرف واحد، فبينما كان القعقاع على دراية بالمخاطر التي يواجهها، واستمر في ممارسة نشاطه سنوات طويلة، وهو ما يندرج قانونياً ضمن مفهوم القبول بالمخاطرة أو مساهمة المتضرر في الضرر، إلا أن ذلك لا يلغي واجبات الجهات المختصة التي تسيطر على المنطقة وتديرها.

ويوضح الخبير الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، لإقامته في مناطق سيطرة الجماعة، أنه، ما دام المزار السياحي يقع تحت سيطرة الجماعة الحوثية، وتعمل على إدارته وتحصيل الموارد منه، فإن ذلك يُلزمها بتوفير جميع وسائل السلامة للزوار والعاملين فيه، سواء كانوا يعملون كموظفين تابعين لها، أو مقدمي خدمات للزوار بمقابل مالي.

الشاب المغامر كان يستعرض مهاراته أمام الزوار ليحظى بتعاطفهم وتشجيعهم (فيسبوك)

وأضاف أن المسؤولية القانونية تمتدّ إلى أبعد من ذلك، فحتى لو لم يكن المزار يخضع لإدارة سياحية، ولا يجري تحصيل الرسوم فيه، فإن إلزام مرتاديه بإجراءات السلامة يبقى واجباً ما دام المكان يحظى بتلك الشهرة والإقبال الكبيرين.

ويُستثنى من ذلك، بحسب الخبير القانوني، المغامرات الفردية التي ينطلق فيها الأشخاص، سواء كأفراد أو مجموعات، في مناطق بعيدة عن التجمعات العامة، فهناك يتحمل المغامر مسؤوليته منفرداً، ولا تتحمل أي جهة مسؤولية حمايته، إلا في حال طلب منها مساعدته وإنقاذه حال تعرضه للخطر.

غياب وسائل السلامة

يلفت السكان ورواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن المنطقة تعدّ من أهم التجمعات السكانية القريبة من خطوط التماس مع الحكومة الشرعية والجيش اليمني، وتقع على الخط الرئيسي الرابط بين العاصمة المختطفة صنعاء ومدينة عدن وعدد من المحافظات.

الآلاف من أهالي مدينة دمت وزوارها يودعون القعقاع بعد انتشال جثته (إكس)

كما تعدّ دمت إحدى أهم المدن التي تحقق للجماعة الحوثية إيرادات مالية كبيرة، بحكم موقعها والحركة التجارية فيها، وتبادل السلع الذي يجري فيها بين مناطق سيطرة الجماعة ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وتعدّ فوهة البركان من أبرز المواقع الطبيعية والسياحية في المنطقة، وتستقبل أعداداً متزايدة من الزوار.

من جهته، أشار المحامي نجيب عبد الله إلى أن عدم قدرة فرق الإنقاذ على الوصول إلى جثة القعقاع يكشف عن إهمال كبير واستهتار بحياة مرتادي المزار، وعدم التفكير بحمايتهم أو التخطيط لمثل هذه الحالات التي يمكن أن تتكرر كثيراً، إلى جانب احتمالية وقوع حوادث سقوط جماعية.

الحركات البهلوانية منحت الشاب القعقاع بعض النقود قبل أن تسلبه حياته (إكس)

وبيَّن عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أن تحصيل رسوم أو تحقيق إيرادات من أي مزار سياحي، يجعل الجهة المشرفة عليه مسؤولة بشكل كامل عن توفير السلامة والحماية لمرتاديه وتأمينهم، وعليها تنفيذ جميع إجراءات الحماية والسلامة، وتنبيه الزوار إلى المخاطر بشكل واضح ووضع قواعد للالتزام بالتعليمات، ولا تسقط مسؤوليتها إلا في حال تجاوز الزوار تلك التعليمات، أو وقوع حوادث خارجة عن السيطرة.

وتأخرت فرق الدفاع المدني التابع للجماعة الحوثية في البدء بأعمال الإنقاذ إلى وقت متأخر من يوم الحادثة، في حين تبرع رجل أعمال من المنطقة بمبلغ 2 مليون ريال (3738 دولاراً، حيث يفرض الحوثيون سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً) كمكافأة لمن ينتشل جثة المغامر القعقاع، والتي انتهت صباح اليوم التالي.


بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الحرب التي تدخل تداعياتها الشهر الرابع، يستمرُّ الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة بعد أسبوع من جولة مفاوضات جديدة تستضيفها القاهرة لم تخرج بنتائج نهائية بعد.

وتتباين تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن إمكانية أن تشمل التسوية المرتقبة بين واشنطن وطهران الملف الفلسطيني، بينما أكدوا أن وقف الحرب سيسمح بتفرغ أميركي أكبر لملف الاتفاق في القطاع، والضغط على الأطراف لتحقيق تقدُّم حقيقي.

 

تسوية محتملة وشيكة

 

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي تتوسَّط بلاده بين إيران والولايات المتحدة في منشور السبت على منصة «إكس»: «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى، مع توقُّع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف: «نحن على ثقة بأنَّ اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكِّل أساساً متيناً لسلام دائم»، من دون أن يوضِّح هل ستشمل التسوية ملف غزة أم لا.

غير أنَّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لمّح للقطاع في تصريحات صحافية، الجمعة، بالقول: «لن نتخلى أبداً عن (حزب الله)، وإنهاء الحرب سيشمل لبنان وسائر الجبهات».

ولا يعتقد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات»، الدكتور سعيد عكاشة، أنَّ مذكرة التسوية المطروحة بين واشنطن وطهران قد تشمل ملف قطاع غزة، مؤكداً أنَّ توقيع المذكرة قد يفتح الباب لمنح الإدارة الأميركية مهلة شهرين على الأقل للتفرغ والاهتمام بملف غزة بشكل أكبر بعد توقيع مذكرة التسوية ودفع الاتفاق المتعثر.

بالمقابل، يرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن «إيران تريد أن تشمل التسوية لبنان ومناطق أخرى، وهذا المأمول، ولا نعرف متغيرات الأمور ستصل إلى ماذا خلال الساعات المقبلة»، معتقداً أنَّ مفاوضات القاهرة، التي لم تغلق بشكل كامل، تشي بأنَّه لا تزال هناك رؤية قائمة نحو التوصُّل لتسويات كثيرة في ملف قطاع غزة، لاسيما فيما يتعلق بالميليشيات المتعاونة مع تل أبيب، وسلاح القطاع، وانسحاب إسرائيل، تزامناً مع تسوية ملف إيران.

ويرجح الرقب في ضوء استمرار مناقشات القاهرة أن ملف غزة لا يزال قائماً ومطروحاً على الطاولة، لافتاً إلى أنَّ تصريحات وزارة الخارجية الإيرانية تعزِّز الاعتقاد بأنَّ ملف غزة قد يكون ضمن ملفات التسوية الإقليمية الشاملة المقبلة بشكل كامل.

مشيعون يحملون جثمان فلسطيني قُتل في غارة إسرائيلية خلال موكب جنازته بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشدد إسرائيلي

 

ولم تُكشَف بنود تسوية طهران وواشنطن بعد، غير أنَّ وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، صرَّح الجمعة، بأنَّ تل أبيب تتوقَّع من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الالتزام بالمصلحة المشتركة الأميركية - الإسرائيلية في ملف إيران، مشدِّداً على أنَّ تل أبيب «لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة».

وفي ضوء هذه الرؤية الإسرائيلية، يرجح عكاشة أن «إسرائيل ستواصل تعطيل الاتفاق، و(حماس) ستساعدها على ذلك بإصرارها على الاحتفاظ بما تبقَّى لديها من سلاح متهالك»، متوقعاً أن تستمر إسرائيل في البقاء بالمساحات المحتلة بالقطاع، والعمل على تنفيذ مخطط التهجير عبر تضييق المساحات الخاضعة لسيطرة الفلسطينيين؛ وقد يصل الإسرائيليون إلى 75 في المائة من 60 في المائة حالياً، ويحصرون الفلسطينيين في 25 في المائة فقط من مساحة القطاع، دون تصعيد عسكري شامل في القطاع لأنَّ ضريبته كبيرة في مواجهة مع المدنيين في ظلِّ أن (حماس) لم تعد قوة عسكرية مؤثرة.

بالمقابل، يحذر الرقب من أنَّه حال تمَّ إنهاء الملفَين اللبناني والإيراني دون الوصول إلى رؤية تسوية واضحة تجاه غزة، فإنَّ ذلك سيثير مخاوف كبرى تكمن في أن يتفرَّد الاحتلال الإسرائيلي بالقطاع، لا سيما أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعدُّ غزة الورقة الأضعف، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فإنَّه يجد نفسه بحاجة ماسة للحصول على أصوات المؤيدين والناخبين من خلال مواصلة ارتكاب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

مسار الوسطاء

 

ووسط تلك المخاوف، تذهب المطالب الدولية إلى أهمية أن تكون التسوية شاملة كل المنطقة، وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 9 يونيو (حزيران) الحالي في منشور على منصة «إكس»: «يجب أن تتوقف جميع الهجمات فوراً. ويجب الالتزام الكامل باتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة».

وجاءت تلك التصريحات الأممية بينما كانت المحادثات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء في القاهرة مستمرة للتوصُّل إلى اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وسط اتفاق على مبدأ حصر السلاح في غزة بيد هيئة فلسطينية «متفق عليها»، مع انتظار لرد إسرائيل، بحسب مصدر فلسطيني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ووسط هذه التطورات، فإنَّ وقف «حرب إيران» قد يساعد على تغيير الأمور، وتتجه الإدارة الأميركية لصبِّ اهتمام أكبر على ملف غزة، مما يتيح للوسطاء للضغط على «حماس» ومحاولة التقدُّم في المفاوضات، ويكون في المقابل هناك انسحاب إسرائيلي حقيقي، بحسب تقديرات عكاشة.

ويعتقد الرقب أن مساعي القاهرة والوسطاء تستمر بنشاط في هذا التوقيت الحرج بتاريخ المنطقة لمحاولة دفع «اتفاق غزة» للأمام، بناء على تسوية مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكداً أهمية أن تنتهي جولة المفاوضات الحالية بالقاهرة بحلٍّ ينهي عراقيل مشروع نتنياهو الرامي إلى استمرار الحرب والتدمير في قطاع غزة.