روسيا انتظرت الفرصة طويلاً... وانتهزتها

اعلام وآليات تابعة لجيوش أميركا وروسيا وسوريا قرب القامشلي شرق الفرات في 12 فبراير 2020 (أ.ب)
اعلام وآليات تابعة لجيوش أميركا وروسيا وسوريا قرب القامشلي شرق الفرات في 12 فبراير 2020 (أ.ب)
TT

روسيا انتظرت الفرصة طويلاً... وانتهزتها

اعلام وآليات تابعة لجيوش أميركا وروسيا وسوريا قرب القامشلي شرق الفرات في 12 فبراير 2020 (أ.ب)
اعلام وآليات تابعة لجيوش أميركا وروسيا وسوريا قرب القامشلي شرق الفرات في 12 فبراير 2020 (أ.ب)

«ليست لدينا أي مصالح خاصة هناك، ولا نملك قواعد عسكرية أو مشروعات كبيرة، ولا استثمارات بالمليارات، ولا يوجد شيء خاص يستحق الحماية. ليس لدينا أي شيء هناك على الإطلاق».
كانت تلك هي الكلمات التي استخدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في توصيف الأوضاع في سوريا في شهر يونيو (حزيران) من عام 2011. وجاءت تلك التصريحات أيضاً في الوقت الذي كان الرئيس السوري بشار الأسد ينشر قواته العسكرية، ودباباته ومروحياته، في مواجهة المتظاهرين في شوارع البلاد. وطوال الوقت، كان المحللون السياسيون في موسكو ينظرون في أمر المرشحين المحتملين للحلول محل بشار الأسد على رأس السلطة في البلاد، عبر انقلاب سلمي غير دموي.
- هل كانت تصريحات بوتين الأولى مجرد خدعة؟
في عام 2015. عندما شنت المقاتلات الروسية الغارات الجوية في سوريا، كان الرئيس الروسي يفترض أن يثير الوجود الروسي الدائم في الداخل السوري حذراً شديداً. ومع ذلك، كان الجيش الروسي يتأهب لتوسيع مشاركته في الحرب الأهلية السورية، ولا سيما من خلال توسيع مهابط الطائرات المروحية في قاعدة حميميم الجوية. ومن جهة أخرى، يشير كثير من الحقائق المعروفة إلى نظرية مفادها أن الجانب الروسي، اعتباراً من عام 2011 لم يكن يتصور أن توفير الدعم العسكري المباشر والكبير للأسد هو من السيناريوهات محتملة التطبيق. ورغم بيانات الإنكار الرسمية، من المعتقد أن زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ومدير الاستخبارات الخارجية الروسية ميخائيل فرادكوف، إلى دمشق في عام 2012. كانت تتعلق بمناقشة شروط رحيل الرئيس بشار الأسد عن السلطة، وتشكيل حكومة انتقالية في البلاد. وفي محاولة لتوخي أقصى الحيطة والحذر في خياراتها، حافظت الحكومة الروسية على قنوات الاتصال المفتوحة مع قوى المعارضة السورية، كما استقبلت وفوداً من «المجلس الوطني السوري» المعارض. وثار كثير من اللغط إثر تصريحات السيد ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، وهو الممثل الروسي الخاص في منطقة الشرق الأوسط، بشأن إمكانية انتصار قوى المعارضة في الحرب الأهلية السورية.
في تلك الأثناء، كانت أجهزة الاستخبارات الروسية تُجري عدداً من الاتصالات غير المعلنة مع الحكام الجدد المحتملين في سوريا، من أمثال الجنرال المعارض مناف طلاس، الذي كان يقوم بزيارات دورية إلى مختلف العواصم في منطقة الشرق الأوسط. وحتى اليوم، لا يزال الاعتقاد سائداً لدى البعض داخل المعارضة، بإمكانية الانتصار النهائي للجنرال طلاس. ومع ذلك، فإن الأسد، المدعوم مباشرة من طهران، كان يصف تلك السيناريوهات بعدم الواقعية، وذلك من حسن الحظ بالنسبة للحكومة الروسية.
النقطة الأولى الجديرة بالذكر في هذا السياق، أن الكرملين كان ينظر إلى «الربيع العربي» من منظور السياسات الداخلية، حتى إن اندلاع الحرب الأهلية السورية تزامن مع بدء الولاية الرئاسية الثالثة للرئيس بوتين. وكان أنصاره يتعاملون مع انتفاضات «الربيع الروسي» و«الربيع العربي» كشكل من أشكال مقاومة «العدوان الأجنبي». لكنهم اختاروا، في وقت لاحق، عدم مساواة الاثنين، تحت أي ظرف من الظروف، تفادياً للارتباط مع الربيع العربي ذي الصبغة الاستبدادية الواضحة.
أما النقطة الثانية فهي أن القيادة الروسية تعتقد أن أنظمة الحكم الراهنة قادرة على إرساء الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وأن من شأن أي تغيير في أنظمة الحكم في المنطقة أن يؤدي بدوره إلى تعزيز الدعم المباشر وغير المباشر للجماعات الإسلاموية في إقليم شمال القوقاز ومنطقة الفولغا الروسية. والأهم من ذلك، أن القيادة الروسية أرادت أن تثبت للقوى الغربية وللعالم العربي أنها عاقدة العزم، وبشدة، على أن يكون واضحاً أنه ليس من الممكن اتخاذ القرارات المهمة والمؤثرة بمعزل عن مشاورة القيادة السياسية في موسكو.
وبعد مرور 5 سنوات على انخراطها في الحرب السورية، يمكن لموسكو التباهي بوجود ما يمكن وصفه باللوبي السياسي والعسكري في البلاد. ويضم هذا اللوبي، من بين شخصيات أخرى، العميد سهيل الحسن، القائد العلوي للفرقة 25 من قوات المهام الخاصة (قوات النمر)، وكذلك أحمد العودة، وهو الزعيم الأسبق لجماعة «شباب السنة» المعارضة، وهو قائد اللواء الثامن من «الفيلق الخامس».
وفي بدايات «الربيع العربي»، كانت القيادتان الروسية والسورية تتلمسان الخطوات الأولى في تنمية التعاون المشترك. كانت السياسات الروسية إزاء الصراع داخل البلاد موضع نظر، وكانت تدعو الأطراف المعنية إلى الامتناع عن مواصلة التصعيد. وجاء التقارب في العلاقات بين الجانبين في بداية العام 2005، إثر القرار الروسي بشطب 73 في المائة من الديون السورية في الحقبة السوفياتية، في مقابل مشترياتها العسكرية من روسيا. وفي ذلك الوقت، رأى الأسد أن روسيا تشكل له فرصة سانحة لكسر طوق العزلة الدولية المفروضة من قبل الولايات المتحدة الأميركية بعد الرفض السوري المسبق لتقديم الدعم للولايات المتحدة في العراق. وعلى نحو مماثل، توترت علاقات الأسد مع الحكومة الفرنسية بشدة في أعقاب اغتيال رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني. كما كانت هناك خلافات أخرى مع دول عربية بشأن النفوذ الإيراني المتزايد في سوريا.
وبسبب الأثر التراكمي للاضطرابات الاقتصادية في روسيا، والعملية العسيرة لإصلاح المؤسسة الدفاعية، والتدهور العام للمكانة الروسية على الصعيد العالمي، كافح الكرملين بشدة لإثبات قوته على المسرح الدولي. وكان الوجود الروسي في سوريا مقتصراً على الاستطلاع، وعلى عدد من المرافق والمنشآت. فعلى سبيل المثال، كانت المنشأة البحرية في طرطوس تتألف فقط من رصيف ومبنيين صغيرين على الساحل. وجرى حل مكتب المستشار العسكري الروسي في سوريا بحكم الأمر الواقع، في حين فقد المستشارون الذين كانوا يقدمون المشورة للرئيس الراحل حافظ الأسد، إبان الحقبة السوفياتية، نفوذهم داخل النخبة السورية الحاكمة.
- تدخل إيراني
وفي عام 2013، اضطرت القيادة الروسية لإجلاء ضباطها من سوريا، خوفاً من المخاطر التي يشكلها الصراع الأهلي الدائر، في حين أن نشاط الشركات العسكرية الخاصة في البلاد كان طفيفاً، بل جرى تخفيضه من قبل الحكومة الروسية. وليس خافياً أن الأجهزة السرية السورية تجاهلت كثيراً من الطلبات الروسية بشأن تسليم المقاتلين الشيشانيين.
هناك كثير من الفرضيات بشأن الوقت الذي اتخذ فيه الكرملين قراره بالتدخل العسكري في سوريا. ووفقاً لأحد الافتراضات، نظرت القيادة الروسية في خطط التدخل في عام 2013، عقب طلب المساعدة من قبل الأسد. وجرى طرح هذه الفكرة للمناقشة بعد ذلك خلال موسم ما قبل الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، وكذلك بعد زيارة قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، قاسم سليماني، إلى روسيا في يوليو (تموز) من عام 2015. لكن قاسم سليماني بالكاد فتح البوابات السورية أمام موسكو. فقد كان المستشارون العسكريون الروس قد حددوا موقع القاعدة العسكرية الروسية القادمة في سوريا قبل زيارة الجنرال سليماني إلى موسكو. وفي الأثناء ذاتها، قامت القوات الخاصة بتجهيز محيط «مطار باسل الأسد» الدولي في اللاذقية. علاوة على ذلك، بدأت الأعمال التحضيرية لإنشاء مركز التنسيق في بغداد مع المختصين الروس قبل ما يقرب من عام من تشكيل تحالف مكافحة الإرهاب، الذي يضم كلاً من روسيا وإيران والعراق، والصين لاحقاً.
بدأ النفوذ الروسي في سوريا في التصاعد اعتباراً من عام 2013، إثر الاتفاق بين بوتين والرئيس الأميركي باراك أوباما بشأن تدمير الأسلحة الكيماوية السورية. وجرى تذكير النظام السوري بأن الفرصة الراهنة هي الأخيرة في تجنب تدخل البلدان الأجنبية بقوة في سوريا. وسنحت فرصة جديدة لمزيد من التقدم على مسار العلاقات الروسية - السورية في عام 2015، وذلك عندما كانت القيادة السورية ومؤيدوها في «الفلك» الإيراني قد أصيبوا بحالة نفسية انهزامية شديدة. وثار قليل من الشكوك بأن الصراع الدائر في أوكرانيا، الذي دفع بالعلاقات الروسية مع العالم الغربي إلى مسار المواجهة، قد أصبح محفزاً لاتخاذ الكرملين قراره بالتدخل في سوريا.
لم يتمكن بوتين، الذي حوّله ضم شبه جزيرة القرم إلى شخصية تاريخية، من تحمُّل العقوبات الاقتصادية المفروضة بعد عام 2014، أو أن يرى بلاده توصف بالقلعة الكبيرة المحاصرة. وكان الهدف الأساسي هو تحويل روسيا إلى دولة مُهابة، لا يمكن للآخرين تجاهل كلمتها بسهولة. ثم رأينا كيف أنه ألحق فريق قاديروف المسلم بالمفاوضات الشيشانية، كما نشر مرتزقة قطب الأعمال الروسي العملاق يفيغني بريغوزين في مهام عسكرية خارج البلاد، وكلف أجهزة الاستخبارات العسكرية الروسية بالتخلص من الشخصيات غير المرغوب فيها. وبرغم ذلك، كان اللاعبون الرئيسيون في المسرح الدولي سعداء للغاية لرؤية القيادة الروسية تضطلع بالسيطرة على مجريات الأمور في الحرب الأهلية السورية؛ حيث يتعين على روسيا تحمل أعباء الأزمة السورية كافة، مع مسؤولية بقاء نظام حكم الأسد المتحجر على قيد الحياة.
- الحرب والسلام
جاءت عبارة رئيس الوزراء الفرنسي الراحل جورج كليمنصو «إن صناعة الحرب أيسر بكثير من صناعة السلام» لتجسد بكل دقة جوهر الصعوبات التي تكتنف أي صراع وتنشأ عنه.
فكيف سيمكن للنظام السوري، المدعوم من روسيا، التعامل مع كوارث المجاعة والخراب في البلاد؟
وفي محاولة للوصول إلى حل إقليمي وسط في سوريا، يواجه الكرملين سؤالاً بشأن التغيير في النظام السياسي السوري. ويعد تحول نظام الحكم في سوريا هو الشرط الذي تطالب به مختلف القوى الأجنبية، قبل البدء في ضخ الأموال إلى البلاد. كما أنه يعد شرط الاستقرار طويل الأمد لنظام الأسد، الذي يواجه باستمرار الأزمات تلو الأزمات، سواء أكانت في النفط أم في الغذاء. وتغيير النظام الحاكم، على غرار تجارب أخرى، ليس من الخيارات القابلة للتطبيق في الواقع السوري. فقد جرى استثمار كثير من الموارد في النظام السوري الحاكم برئاسة الأسد، إلى درجة يصعب معها التخلي عنها بكل سهولة.
علاوة على ما تقدم، فإن القيادة الروسية اليوم هي أقل اهتماماً بالوصول إلى حل وسط مع القوى الغربية، مما كانت عليه قبل 5 سنوات من الآن. لقد شرعت روسيا بحزم في اتخاذ موقف انعزالي يصعب تغييره، حتى لو كانت لديها الرغبة في ذلك، وهو ما لم يكن واضحاً.
- باحث روسي
- خاص بـ«الشرق الأوسط»



ربع أطفال اليمن بلا لقاحات وسط تحريض حوثي

انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)
انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)
TT

ربع أطفال اليمن بلا لقاحات وسط تحريض حوثي

انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)
انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)

لا تزال الجماعة الحوثية تواصل منع حملات التحصين الجماعية للأطفال في مناطق سيطرتها، بالتزامن مع تصاعد خطاب التحريض ضد اللقاحات، في وقت تكشف فيه بيانات دولية عن اتساع فجوة التحصين في اليمن، ووصولها إلى مستويات تنذر بعودة أمراض قاتلة يمكن الوقاية منها.

وتشير البيانات إلى أن نحو ربع الأطفال اليمنيين لم يحصلوا على جميع اللقاحات الموصَى بها، بينما يصنف 17 في المائة منهم ضمن الأطفال الذين لم يتلقوا أي جرعة لقاح على الإطلاق، في واحدة من أكبر فجوات التحصين على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقال سكان في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، إن العاصمة المختطفة ومدناً أخرى خاضعة للحوثيين تعاني منذ نحو شهرين من انعدام اللقاحات في مراكز رعاية الأمومة والطفولة، موضحين أن بعض اللقاحات ظهرت لاحقاً في صيدليات خاصة بأسعار مرتفعة، رغم أنها تقدم مجاناً ضمن برامج التحصين المدعومة دولياً.

مليون طفل في اليمن لم تصلهم خدمات التحصين الروتينية (الأمم المتحدة)

وأضاف السكان -وبينهم عاملان في المجال الطبي- أن هذا الوضع أثار حالة من الذعر بين الأسر التي تخشى تعرُّض أطفالها للأمراض؛ خصوصاً مع اختفاء اللقاحات من المراكز الصحية الحكومية، بعد أن كانت متاحة بصورة منتظمة.

وكان الحوثيون قد منعوا في وقت سابق حملات التطعيم الجماعية التي كانت تنفَّذ من منزل إلى منزل بتمويل دولي، مبررين ذلك بخطاب تحريضي يصوِّر اللقاحات على أنها جزء من «مؤامرة غربية»، مع السماح في فترة محدودة بتوفيرها داخل مراكز رعاية الأمومة والطفولة في المدن الرئيسية.

تحذير من تفشي الأمراض

وحذَّرت لجنة الإنقاذ الدولية من التداعيات المتزايدة لتراجع خدمات التحصين في اليمن، مشيرة إلى أن أكثر من عقد من الصراع وضع النظام الصحي تحت ضغط شديد، وكانت خدمات التحصين الروتيني من بين أكثر الخدمات تضرراً.

وقالت المنظمة إنها بدأت منذ عام 2024، ومع تنامي الحملة العدائية ضد اللقاحات، تنفيذ استراتيجية للتغيير الاجتماعي والسلوكي تقوم على مسارين؛ أولهما تزويد أفراد المجتمع الموثوق بهم بالمعلومات اللازمة، وإشراك مقدمي الرعاية في أدوات عملية تعزز الثقة باللقاحات، والثاني مساعدة المانحين على الوصول إلى مزيد من الأطفال.

وأظهرت دراسة مسحية أجريت لمصلحة المنظمة في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية، أن الأطفال كانوا يكملون جدول التطعيم بدرجة أكبر عندما يثق مقدمو الرعاية باللقاحات، ويعتقدون أنها تحمي الأطفال، بما يؤكد أهمية الثقة في رفع معدلات التحصين.

وتراجعت تغطية لقاح الحصبة في اليمن إلى 41 في المائة عام 2025، مقارنة بـ63 في المائة عام 2012، وهو انخفاض انعكس بصورة مباشرة على تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

منع الحوثيين حملات التطعيم ساهم في عودة أمراض يمكن الوقاية منها (إعلام محلي)

وسجَّل اليمن خلال تفشي الحصبة عام 2024 نحو 27 ألفاً و517 إصابة، إضافة إلى 260 وفاة، وهي من بين أعلى حصائل الإصابات المسجلة عالمياً خلال ذلك العام. واستمرت معدلات الإصابة المرتفعة لاحقاً؛ إذ سجلت البلاد 11 ألفاً و354 حالة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2025 ومارس (آذار) 2026، وهو ثاني أعلى عدد إصابات في أي بلد حول العالم خلال تلك الفترة.

مليون طفل بلا تحصين

ولم تقتصر التداعيات على الحصبة؛ إذ سجل اليمن منذ عام 2021 نحو 452 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال المتحور، وكان 98 في المائة من المصابين من الأطفال دون الخامسة.

وتقدر «يونيسف» أن 17.8 مليون شخص في اليمن، غالبيتهم من الأطفال، يفتقرون إلى الوصول الكافي إلى الرعاية الصحية، بينما تشير تقديرات بداية العام الحالي إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية لم تكن تعمل، أو كانت معرضة لخطر الإغلاق بسبب نقص التمويل، وتقليص الشركاء الإنسانيين عملياتهم.

وتشير البيانات إلى أن نحو مليون طفل في اليمن لم تصل إليهم خدمات التحصين الروتينية على الإطلاق، بينما يمثل اليمن، إلى جانب السودان وسوريا، نحو 87 في المائة من جميع الأطفال الذين لم يتلقوا أي جرعة لقاح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تغطية لقاح الحصبة في اليمن تراجعت إلى 41 % عام 2025 (الأمم المتحدة)

وتضع هذه الأرقام اليمن باستمرار ضمن الدول التي تضم أعلى نسبة من الأطفال الذين لم يحصلوا على أي جرعة لقاح عالمياً، إلى جانب نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وترى «الإنقاذ الدولية» أن معالجة فجوة التحصين لا تتطلب مواجهة خطاب التشكيك باللقاحات فحسب، وإنما تحتاج أيضاً إلى استثمارات مباشرة في المراكز الصحية وسلاسل الإمداد والقوى العاملة الطبية، بما يضمن وصول اللقاحات إلى الأطفال بصورة منتظمة.

وتكشف نتائج الدراسة عن 4 أنماط رئيسية وراء التردد في التطعيم، تشمل المعتقدات الفردية وقرارات الأسرة وتأثير المجتمع، إضافة إلى المخاوف من الآثار الجانبية قصيرة المدى.

وأوضحت المنظمة أن بعض الأسر تركز على أعراض ظاهرة وفورية، مثل الحمى أو التورم أو صعوبة الحركة المؤقتة، بينما تبقى الفوائد بعيدة المدى للَّقاحات غير مرئية، ولا تظهر إلا مع مرور الوقت. كما يسهم تناقل قصص فردية عن أعراض جانبية في تضخيم المخاوف؛ خصوصاً عندما لا يحصل مقدمو الرعاية على إرشادات كافية بشأن التعامل مع تلك الأعراض.

وتحذِّر هذه المعطيات من أن استمرار تعطيل حملات التحصين وتراجع الخدمات الصحية قد يوسع دائرة الأمراض التي كان يمكن السيطرة عليها، ويضع ملايين الأطفال اليمنيين أمام مخاطر صحية متزايدة، في بلد أنهكته سنوات الحرب، وتراجع التمويل، وانهيار جزء كبير من بنيته الصحية.


«تثبيت الفائدة» في مصر... هل يحد من موجة التضخم؟

متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
TT

«تثبيت الفائدة» في مصر... هل يحد من موجة التضخم؟

متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)

أثار قرار تثبيت سعر الفائدة في مصر للشهر الرابع على التوالي تساؤلات حول التضخم الذي تشهده البلاد.

ويرى خبراء أن «إجراءات البنك المركزي المصري تستهدف محاصرة نسبة التضخم على المستوى القصير»، وتوقعوا «ارتفاع نسب التضخم في نهاية العام الحالي بسبب تأثير الاضطرابات الإقليمية على أسعار الطاقة».

وقررت لجنة السياسة النقدية بـ«البنك المركزي»، مساء الخميس، «الإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير»، ووفق إفادة لـ«المركزي» يتم تثبيت سعري العائد، الإيداع والإقراض، لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية عند 19 في المائة و19.5 في المائة و20 في المائة على الترتيب، إلى جانب «الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.5 في المائة».

وهذه المرة الرابعة التي يقرر فيها «المركزي» تثبيت سعر الفائدة منذ أبريل (نيسان) الماضي، وتعقد لجنة السياسات النقدية بـ«البنك المركزي» اجتماعها الدوري كل ستة أسابيع (45 يوماً)، ويتبقى لها ثلاثة اجتماعات خلال العام الحالي، في ظل ترقب الأسواق لتطورات التضخم وسعر الصرف وأسعار الطاقة العالمية.

وبحسب بيان «المركزي» جاء القرار «انعكاساً لتقييم لجنة السياسيات النقدية لآخر تطورات التضخم وتوقعاته».

وشهد المعدل السنوي للتضخم العام ارتفاعاً طفيفاً في يوليو (تموز) الماضي ليبلغ 14.9 في المائة مقابل 14.3 في المائة في يونيو (حزيران) الماضي، بينما سجل المعدل الأساسي للتضخم 14.7 في المائة في يوليو مقابل 14.3 في المائة عن الشهر السابق له، وفق «المركزي»، الذي أشار إلى أن «التطورات الشهرية للأسعار أظهرت استقراراً مع انخفاض أسعار بعض السلع والخدمات».

البنك المركزي المصري قرر تثبيت سعر الفائدة (رويترز)

ويقول عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع» وليد جاب الله: «كان من المتوقع أن يتخذ البنك المركزي قرار تثبيت أسعار الفائدة مرة أخرى». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الفارق بين سعر الفائدة ونسب التضخم يسمح للبنك المركزي باتخاذ قرار التثبيت، ذلك أن الزيادة في نسب التضخم جاءت طفيفة وليست بنسب عالية».

وعدّ قرار التثبيت «تشديداً نقدياً تتخذه الحكومة في ظل حالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد العالمي».

ووفق بيان «البنك المركزي» فإن «النشاط الاقتصادي على الصعيد العالمي شهد تباطؤاً طفيفاً متأثراً بالتقلبات الجيوسياسية، وضعف الطلب، في حين لا يزال التضخم مرتفعاً بشكل عام، مع تفاوت الضغوط التضخمية عبر الاقتصادات، ما أدى لتباين قرارات السياسة النقدية للبنوك المركزية».

وأشار البيان إلى أن «آفاق الاقتصاد العالمي تتسم بعدم اليقين ولا تزال عرضة لمجموعة من المخاطر، من أهمها استمرار التوترات الإقليمية لفترة أطول، وتجدد اضطرابات سلاسل الإمداد».

ولا يعني استمرار تثبيت أسعار الفائدة، قدرة الاقتصاد المصري على الحد من نسب التضخم، وفق جاب الله، مضيفاً أنه «من الصعب انخفاض مستويات التضخم في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة».

ورجح «ارتفاع نسب التضخم مع نهاية العام الحالي إلى نسب أقل من 17 في المائة، في ظل استمرار الاضطرابات الجيوسياسية»، مشيراً إلى أن «البنك المركزي فضل التريث بتثبيت أسعار الفائدة لترقب التطورات والأوضاع العالمية خصوصاً على صعيد أسعار الطاقة».

الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة يوضح أن «إجراءات البنك المركزي الحالية تستهدف محاصرة التضخم على المستوى القصير»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «من المتوقع زيادة معدلات التضخم مع بداية العام المقبل خصوصاً مع عدم انخفاض أسعار البترول بسبب الاضطرابات الإقليمية».

الحكومة المصرية تكثف الرقابة على الأسواق لضبط أسعار السلع (وزارة التموين المصرية)

و«تعرضت أسواق الطاقة مجدداً لضغوط تصاعدية وازدادت تقلباتها وسط تزايد حدة التوترات الإقليمية، كما اتجهت أسعار السلع الزراعية نحو الارتفاع نتيجة للمخاوف المتعلقة بالإمدادات الناجمة عن التوترات الجيوسياسية»، وفق بيان «المركزي» المصري.

بدرة يلفت إلى أن «استمرار الأوضاع الإقليمية بالوضع الحالي سيترتب عليه ارتفاع في معدلات التضخم، وبالتالي سينعكس ذلك على ارتفاع سعر الفائدة مع نهاية العام الحالي».

كما يشير إلى أنه «حال حدوث أي توتر جديد بالمنطقة وارتفاع سعر برميل البترول عن (94 دولاراً) الحالية سيعني اتخاذ قرارات اقتصادية أكثر تشدداً للتحوط مع الآثار الجديدة».

وتوقع البنك «المركزي» أن «يبلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 5 في المائة في العام المالي (2025-2026)» إلى جانب «مواصلة النشاط الاقتصادي الحقيقي انخفاضه الطفيف في الربع الثاني من العام الحالي وذلك انعكاساً للتأثير السلبي للصراع الإقليمي».


الحوثيون يشدّدون قبضتهم الأمنية في إب

حشد حوثي في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة لتأييد الهجمات البرية والبحرية (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة لتأييد الهجمات البرية والبحرية (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يشدّدون قبضتهم الأمنية في إب

حشد حوثي في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة لتأييد الهجمات البرية والبحرية (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة لتأييد الهجمات البرية والبحرية (أ.ف.ب)

شدَّدت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران قبضتها الأمنية في محافظة إب، بالتزامن مع تصاعد التوتر والمواجهات على خطوط التماس المحيطة بها، ودَفعت بوحدات من قوات النخبة التابعة لها إلى مناطق قريبة من جبهات القتال مع محافظات تعز والحديدة والضالع.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة كثَّفت انتشارها الأمني في مدينة إب والمناطق القريبة من خطوط التماس غرب المحافظة، وعزَّزت وجودها في الطرق المؤدية إلى الجبهات، مع فرض رقابة مشددة على حركة السكان واتصالاتهم.

وتكتسب إب أهمية عسكرية بحكم موقعها؛ إذ تقع على خطوط إمداد تربط مناطق سيطرة الحوثيين بجبهات القتال في الحديدة وتعز والضالع، وتبعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء.

وحسب المصادر، نقل الحوثيون مقر قيادة المنطقة العسكرية التي تضم محافظات إب والضالع وتعز إلى مدينة دمت، الواقعة شرق إب، كما دفعوا بوحدتين من قوات النخبة المعروفة باسم «ألوية الصماد» إلى مناطق قريبة من خطوط التماس.

الحوثيون كثَّفوا انتشارهم العسكري والأمني في مدن وبلدات إب (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أن الجماعة دفعت بمقاتلين من أبناء إب إلى خطوط المواجهة، في حين أبقت وحدتي «الصماد» في مؤخرة الجبهة لمراقبة القوات ومنع أي عناصر محلية من الفرار أو التراجع خلال المواجهات.

ووفق المصادر، يعكس هذا الانتشار حالة من عدم الثقة بالمقاتلين الذين جرى تجنيدهم من أبناء المحافظة، في وقت تعمل فيه الجماعة على تشديد الرقابة الأمنية داخل المدن والبلدات وعلى الطرق المؤدية إلى مناطق القتال.

مركز لإدارة العمليات

حوّل الحوثيون مناطق شرق إب مركزاً لإدارة العمليات العسكرية المرتبطة بالجبهات المحيطة بالمحافظة، بالتزامن مع إعادة توزيع وحداتهم وانتشارهم في المناطق القريبة من خطوط التماس.

وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوتر العسكري على جبهات عدة، وفي وقت تواصل فيه الجماعة إحكام قبضتها الأمنية داخل المحافظة التي تُعدّ من أبرز مناطق التجنيد والإمداد التابعة لها.

الحوثيون حولوا مناطق شرق إب مركزاً لإدارة العمليات العسكرية (إعلام محلي)

وتزامن ذلك مع مرور عام على حملة اعتقالات واسعة نفَّذتها الجماعة في إب، وطالت أكثر من 115 من الكوادر التربوية والأكاديمية والطبية والهندسية، وفق مصادر محلية.

وقالت المصادر إن الحملة استمرت أكثر من ثلاثة أشهر، من أواخر مايو (أيار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وأُفرج عن 14 معتقلاً منهم على فترات متفاوتة، كان آخرهم قبل نحو أسبوع، في حين لا يزال البقية محتجزين.

وحسب مصادر محلية، لا يزال عدد من المطلوبين للحوثيين عاجزين عن مغادرة المحافظة باتجاه مناطق سيطرة الحكومة، في حين تمكنت نحو 260 أسرة من مغادرة مناطق سيطرة الجماعة والوصول إلى المناطق الحكومية.

وفي سياق متصل، كشفت سهام العباب، ابنة التربوي صديق العباب، عن تدهور الحالة الصحية لوالدها المحتجز لدى الحوثيين منذ أكثر من عام، وسط عجز أسرته عن زيارته أو الاطمئنان على وضعه الصحي.

طلبة جامعة صنعاء أخضعتهم الجماعة الحوثية للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)

وقالت إن والدها اتصل بالأسرة قبل أيام، وإن التعب كان واضحاً في صوته، مضيفة أن الأسرة لا تعرف طبيعة حالته الصحية ولا تستطيع رؤيته أو الاطمئنان عليه.

وأضافت أن المكالمة تركت أثراً نفسياً كبيراً عليها، مشيرة إلى أن صوت والدها ظل حاضراً في ذاكرتها بعد انتهاء الاتصال.

وكانت الابنة تحدثت في وقت سابق عن المعاناة التي تعيشها أسرتها جراء غياب والدها، وقالت إنه ترك وراءه عائلة صغيرة تحتاج إلى سند، في حين يقبع في السجن من دون أن تعرف الأسرة التهمة الموجهة إليه.

واختطف الحوثيون التربوي صديق العباب خلال حملة اعتقالات واسعة استهدفت مئات الأشخاص في محافظات إب وتعز والبيضاء، وطالت أطباء ومعلمين ومحامين وموظفين وشخصيات اجتماعية، وفق مصادر محلية.

احتجاز بلا مسار قانوني

من جهته، قال زكريا الجابري إن والده محتجز قسراً لدى جماعة الحوثيين منذ 12 يونيو (حزيران) 2025 في مقر الأمن السياسي بمدينة إب.

وأوضح أن الأسرة لم تتمكن من التواصل معه سوى ثلاث مرات، وأن الزيارة الوحيدة التي سُمح بها جرت بعد أكثر من 11 شهراً على احتجازه، قبل أن تمنع الأسرة لاحقاً من زيارته.

وأضاف أن الحوثيين اكتفوا بالسماح لوالده بإجراء اتصالات هاتفية محدودة، في حين لا تعرف الأسرة ظروف احتجازه أو وضعه الصحي والنفسي، رغم علم الجهة التي تحتجزه بأنه يعاني مشكلات صحية.

مسيّرة حوثية أُطلقت باتجاه ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (أ.ف.ب)

وقال الجابري إن الأسرة حاولت خلال الفترة الماضية التواصل مع جهات وأشخاص عدة بحثاً عن إجابة أو مساعدة، إلا أن الرد كان في أحيان كثيرة أن المسؤولين عن القضية لا يعلمون شيئاً، وأن الجهة المسؤولة عنها موجودة في صنعاء.

وتساءل عن الجهة التي أصدرت أمر احتجاز والده، وعن أسباب عدم إحالته إلى النيابة، ولماذا لم تُبلغ الأسرة بالتهم الموجهة إليه أو بمساره القانوني.

وقال إن الأسرة لا تعرف «من يملك القرار ومن يستطيع إنهاء هذا الاحتجاز»، معتبراً أن استمرار احتجاز والده تسبب في آثار نفسية واجتماعية كبيرة على أفراد الأسرة.

كما عدّ أن قضيته تعكس، حسب وصفه، غياب جهة رسمية واضحة يمكن للأسرة اللجوء إليها، رغم محاولاتها المتكررة طلب المساعدة من الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ووجهاء وأعيان المنطقة.