موسكو أمام عاصفة من الأزمات في محيطها الحيوي

مشكلات الجمهوريات السوفياتية السابقة على خط التوتر المتفاقم بين روسيا والغرب

موسكو أمام عاصفة من الأزمات في محيطها الحيوي
TT

موسكو أمام عاصفة من الأزمات في محيطها الحيوي

موسكو أمام عاصفة من الأزمات في محيطها الحيوي

أعادت تطورات الوضع في أرمينيا، مع انزلاق الجمهورية السوفياتية السابقة، نحو انقسام غير مسبوق، واتساع موجة الاحتجاجات، والمطالبة باستقالة رئيس الوزراء نيكول باشينيان، الوضع في الفضاء السوفياتي السابق إلى الواجهة، على خلفية مواجهة موسكو عاصفة من الاضطرابات في محيطها.
وبدا أن أعمدة اللهب التي تتصاعد في عدد من الجمهوريات السوفياتية السابقة، مع تزايد معدلات الاستياء من أداء الحكومات، وتدهور مستوى الاقتصاد، وانعدام الآفاق... تنذر بمزيد من الفوضى في هذه المنطقة الحساسة بالنسبة إلى روسيا، والتي ظلت على مدى عقود بعد انهيار الدولة العظمى تحتل المرتبة الأولى على رأس اهتمامات السياسة الخارجية الروسية. ثم إنها أحد العناصر الأساسية لزيادة التوتر بين موسكو والغرب، على خلفية اتهام موسكو لحلف شمال الأطلسي «ناتو» بتنشيط مساعيه للتوسع شرقاً، واستخدام آليات «الثورة الملوّنة» لتشديد ما بات يعرف بـ«حزام أزمات» حول روسيا.
ينطلق خبراء روس من أن الأحداث الجارية في وقت متزامن في أكثر من بلد محيط تهدف إلى إشغال روسيا بهموم مباشرة على حدودها، ودفعها إلى الانخراط أكثر في معالجة أوضاعها... ما يقلّص من قدرتها على تنشيط سياساتها الخارجية في مناطق أخرى. وهكذا فإن جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، التي تشهد تقلبات ومطالب بالتغيير تغدو ساحة الصراع الأساسية بالنسبة إلى موسكو التي تتطلع منذ سنوات لتوسيع حضورها على المسرح الدولي.
الجبهة الرئيسية المشتعلة حالياً هي أرمينيا. إذ قادت محاولة «الانقلاب العسكري» بحسب وصف رئيس الوزراء نيكول باشينيان قبل أسابيع في الجمهورية القوقازية الصغيرة إلى بروز وضع خطر في البلاد على خلفية الانقسام الحاد داخل كل من المؤسسة العسكرية والشارع الأرميني حول مطلب إطاحة باشينيان والدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة تعيد ترتيب الصفوف الداخلية بعد الهزيمة المرة التي تجرعتها أرمينيا في مواجهات الحرب الأخيرة مع أذربيجان. وكما هو معروف أسفرت هذه المواجهات عن اضطرار أرمينيا إلى التخلي عن جزء كبير من أراضي إقليم ناغورنو قره باغ المتنازع عليه مع «جارتها» أذربيجان، بما في ذلك مدينة شوشة الاستراتيجية التي تحظى بأهمية رمزية كبرى في الذاكرة الوطنية الأرمينية.
وصحيح أن التحركات في أرمينيا مرتبطة بتلك الهزيمة، لكن بدا أن لها سماتها الخاصة؛ الجيش يبدأ، الشعب يدعمه. ووفقاً لهذا «السيناريو»، تتطور الأحداث في بلد يعتبر حليفاً لروسيا. غير أن العامل الروسي هو الذي لعب دور الفتيل المشتعل في برميل من البارود في جمهورية ومنطقة مضطربتين تحملان إرثاً قديماً من الصراع الثقافي السياسي والعسكري.
- غلطة باشينيان القاتلة
قبل أسبوعين أطلق نيكول باشينيان تصريحاً أثار عاصفة من الجدل عندما أشار إلى أن صواريخ «إسكندر» التي زوّدت روسيا بها الجيش الأرمني في وقت سابق، لم تعمل بشكل جيد خلال الحرب، بل إن مستوى فعاليتها لم يتجاوز 10 في المائة.
على الفور ردّت هيئة الأركان العامة لجيش أرمينيا بعنف على رئيس الوزراء، وألقت باللوم عليه في كل المشكلات. وعندما سخر أحد كبار الجنرالات من تصريحات باشينيان، أصدر الأخير أمراً بإقالته. وكانت تلك الإقالة الشرارة التي أشعلت فتيل الاضطرابات الأخيرة. إذ ردت رئاسة الأركان ببيان وقّعه 40 من كبار الجنرالات اتهموا فيه باشينيان بإهانة الجيش وطالبوا باستقالته فوراً. وسرعان ما انضمت المعارضة الأرمينية، التي ركبت موجة خيبة الأمل بسبب الهزيمة العسكرية الأخيرة، إلى مطالب المؤسسة العسكرية عبر تنظيم احتجاجات حاشدة وإعلان عزمها الذهاب إلى النهاية... وفي النتيجة، بات باشينيان يواجه، مثل رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، هتافات «ارحل».
وفي هذا السياق، وإذا كانت سلطات بيلاروسيا نجحت بمساعدة روسيا في الحفاظ على الوضع المحلي، على الأقل حتى اعتماد الدستور البيلاروسي الجديد، فإنه من غير المرجح في أرمينيا أن يهدأ الوضع بسرعة. وصحيح أن رئيس الوزراء لديه مؤيدون... لكن هؤلاء أقل عدداً بكثير من المعارضين. ومن ناحية أخرى، مع أن أرمينيا لم تنقسم تحت وقع الاحتجاجات المطالبة باستقالة باشينيان، تماماً مثلما حدث في بيلاروسيا... فإن ثمة انقساماً في أرمينيا حصل بطريقة أخرى. إذ وقفت الشرطة إلى جانب المتظاهرين، وأعلنت وزارة الدفاع الانحياز إلى رئيس الوزراء خلافاً لموقف رئاسة أركان الجيش التي تدير عملياً القطعات العسكرية. وفي الوقت نفسه، فإن الوضع لا يزال مرشحاً للتأرجح. ولقد كتب إدمون ماروكيان، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب «أرمينيا الساطعة»، على صفحته على موقع «فيسبوك» قائلاً: «لقد دخلت البلاد في حالة من الاضطراب وانعدام اليقين، وهو أمر محفوف بالعواقب الوخيمة».
- بيلاروسيا تستعد لموجة احتجاجات جديدة واسعة
في هذه الأثناء، في دولة مجاورة أخرى لروسيا غرباً هي بيلاروسيا... تستمر المحاكمات ضد المعارضين. وعلى الرغم من احتجاجات الغرب، فإن القيادة البيلاروسية في العاصمة مينسك تتخلص تدريجياً من أولئك الذين يمكنهم قيادة أو تنظيم الاحتجاجات ضد السلطات.
هؤلاء جارٍ إرسالهم إلى السجن لتغيير رأيهم. ولقد أعلن الاتحاد الأوروبي أخيراً أنه يتابع عن كثب ما يحدث في بيلاروسيا، بما في ذلك اضطهاد المدافعين عن حقوق الإنسان وممثلي النقابات العمالية والمحامين وكذلك محاكمات الصحافيين. وقال بيتر ستانو، المتحدث باسم خدمة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي: «يجب أن يتوقف هذا الأمر، فهو غير مقبول في أوروبا القرن الحادي والعشرين. الاتحاد الأوروبي يعتقد أنه بدلاً من كل هذه الإجراءات وعمليات التخويف التي تأتي بنتائج عكسية، يجب أن تركز السلطات على إطلاق حوار على مستوى البلاد لحل الأزمة الحالية في البلاد. إلا أن السلطات البيلاروسية، مع ذلك، لا ترغب في الدخول في هذا الحوار. إذ تعتقد مينسك أن مثل هذا الحوار قد حصل بالفعل، ومن خلال «مجلس الشعب لعموم بيلاروسيا». وللعلم، يمنح دعم مندوبي هذا التجمع الشعبي الرئيس ألكسندر لوكاشينكو الفرصة للبقاء في منصبه حتى الانتخابات الرئاسية القادمة. وهو سيتمسك بإحكام بذلك.
حتى الآن تبدو السلطات البيلاروسية مقتنعة بأنها ما زالت قادرة، عبر الدعم الروسي الكامل، على مواجهة موجات الاحتجاج، غير أن المعارضة لوّحت مع بداية الربيع بـ«انطلاقة جديدة لثورة شعبية» لإطاحة «آخر الديكتاتوريات في أوروبا»... كما وصفت حكم لوكاشينكو.
- أوكرانيا... توقعات مقلقة
في ثاني كبرى الجمهوريات السوفياتية، السابقة بعد روسيا، ثمة مَن تخوف من الانزلاق نحو مواجهة عسكرية جديدة.
هنا أيضاً في أوكرانيا احتجاجات تكاد تكون متواصلة، وهي تعلو وتخفت في مناسبات مختلفة. وأهم الاحتجاجات الحالية تحركت بسبب الحكم على الناشط سيرغي ستيرنينكو لمدة 7 سنوات و3 أشهر بتهمة تصفية أحد المشاركين المناهضين لتحركات الميدان. فقد اجتاحت المسيرات جميع أنحاء البلاد، وطالب المتشددون بالإفراج عن ستيرنينكو وإجراء إصلاح قضائي. وأعطت المعارضة الرئيس فلاديمير زيلينسكي أسبوعاً للتفكير... أما بعد ذلك فهي تعد بإطلاق «ميدان جديد».
المتطرفون ليسوا كل المجتمع الأوكراني، لكن إذا كان المرء يتابع استطلاعات الرأي الاجتماعية، فإن تصنيف زيلينسكي ينخفض بشكل حاد، ولذلك يزيد حضور الراديكاليون. ولا يخفي خبراء روس قناعة بأن «الشيء الوحيد الذي يمكن أن يصرف الناس عن متاعبهم، ويسقط موجة الاحتجاج، هو تفعيل الجيش الأوكراني في جنوب البلاد. وبناءً على ذلك، لا بد من توقع مرحلة جديدة من الحرب في حوض الدونباس». ومن جانب ثانٍ، تصاعد الصراع في شرق أوكرانيا وجنوبها من جديد خلال الشهر الأخير، وزادت أعداد الانتهاكات لنظام وقف النار ما أوقع مزيداً من القتلى والجرحى من كلا الجانبين. ومن وجهة النظر الأوكرانية، فإن التصعيد مرتبط بعدد من الظروف، منها رغبة روسيا في صرف الأنظار داخلياً وأوروبياً عن ملف المعارض الروسي أليكسي نافالني. وهناك من يقول إن انخفاض شعبية الرئيس الأوكراني بسبب الإخفاق في الوفاء بوعود التسوية السلمية لمشكلة حوض الدونباس، مع تدني أداء الاقتصاد، وتزايد الديون، وتداعيات تفشي فيروس (كوفيد 19) مع فشل برنامج التطعيم، كلها «عناصر تدفع كييف إلى الهروب إلى أمام».
- استعداد لتصعيد متبادل
هنا تبرز مفارقة لافتة، إذ تبدو كل من موسكو وكييف مستعدة لتصعيد الموقف الميداني، وينطلق كل طرف من مصالح خاصة. موسكو سرّعت خلال الأسابيع الأخيرة منح الجنسية لمواطني إقليمي لوغانسك ودونيتسك الانفصاليين، وهي تتحدث بنشاط متزايد عن استعدادها لحماية «مواطنيها» في شرق أوكرانيا، بينما تتزايد الفعاليات الشعبية في الإقليمين التي تطالب بالانضمام إلى روسيا. وثمة من يقول إن موسكو أيضاً «تتأهب للهروب إلى الأمام، في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة عليها، وعودة الإدارة الأميركية الجديدة للتلويح بضرورة معاقبة موسكو على ضم شبه جزيرة القرم، عبر تزويد أوكرانيا بأسلحة فتاكة، ومضاعفة العقوبات على الروس».
وبالفعل، ظهرت أولى بوادر التصعيد مع توجّه الرئيس زيلينسكي إلى استخدام أداة «مجلس الأمن القومي والدفاع» لتبني عقوبات ضد نواب معروفين لهم علاقات مع السلطات الروسية، بتهم تمويل الإرهاب... ومن هؤلاء فيكتور ميدفيدتشوك (القريب من الرئيس فلاديمير بوتين) وزوجته أوكسانا مارشينكو. وأيضاً هناك قرارات بإغلاق قنوات تلفزيونية مملوكة لمؤيدي ميدفيدتشوك – تاراس كوزاك، وهي «112 أوكرانيا» و«زيك تي في» و«نيوس ون». وجرى تنفيذ قرار «مجلس الأمن القومي والدفاع» بمرسوم رئاسي... ويعتبر هذ القرار ساري المفعول فور نشره.
أيضاً، ربط ليونيد كرافتشوك، ممثل أوكرانيا في «مجموعة الاتصال الثلاثية» تفاقم العنف في الدونباس بالعقوبات الشخصية ضد ميدفيدتشوك وكوزاك، قائلاً: «أعتقد أن هذا يرجع إلى حقيقة أن أوكرانيا بدأت في اتخاذ إجراءات، وأن زيلينسكي فرض عقوبات على القنوات الموالية لروسيا ودعايتها. إنهم شعروا أن أوكرانيا انتقلت من الأقوال إلى الأفعال. بالإضافة إلى ذلك، كيف قيمت أوروبا تصرفات روسيا، والوضع مع (نورد ستريم 2). وخطابات بايدن وفريقه. لقد أدركت روسيا أن الوضع لم يكن في صالحها وبدأت في إظهار أن لديها أيضاً القوة، ويمكنها فعل شيء ما».
في المقابل، كتب يفغيني مورايف، النائب السابق في البرلمان الأوكراني من المعارضة، ومالك القناة التلفزيونية «ناش» على صفحته في موقع «فيسبوك» قائلاً: «أفهم أن لدى الرئيس كثيراً من المستشارين وكتّاب السيناريو الذين يهمسون في أذنه أن الحرب ستشطب كل شيء... لكن الأمر ليس كذلك. هذا خطأ فادح... قبل أن تبدأ اللعب بالعضلات، تحتاج إلى الحصول على العقول. خلال السنوات الأخيرة في المنطقة غير الخاضعة للسيطرة، تلقى الأوكرانيون ما يقرب من 400 ألف جواز سفر روسي، ما يعني أن الحرب ستكون مختلفة وواسعة النطاق. لن تكون هناك حاجة للأقنعة بعد الآن».
ومن جهته، قال المتحدث باسم الوفد الأوكراني في «مجموعة الاتصال الثلاثية» أليكسي أريستوفيتش إن خطة السلام الجديدة للدونباس، التي اقترحتها فرنسا وألمانيا، ستناقش من قبل المستشارين السياسيين لرؤساء دول «رباعية النورماندي» بحلول نهاية مارس (آذار) الحالي. ويعتقد ممثل الإقليمين الانفصاليين في «مجموعة الاتصال الثلاثية» سيرغي غارماش، أن روسيا غير راضية عن مبادرات ألمانيا وفرنسا، ولذا فإنها تجهز لتحرك عسكري في الدونباس، ما قد يصبح سبباً لإدخال «قوات حفظ السلام الروسية» فيها. ووفقاً لغارماش، فإن الغرض هو خلق «واقع جديد في الدونباس» يجعل المقترحات الألمانية الفرنسية «غير قابلة للتطبيق، وبالتالي، يسمح لموسكو بالحفاظ على الصراع وفقاً للنموذج الأبخازي». وهنا، تجدر الإشارة إلى أن أكثر من 90 في المائة من سكان إقليم أبخازيا الذي أعلن انفصالاً من جانب واحد عن جمهورية جورجيا يحملون حالياً جنسيات روسية. ثم إن موسكو اعترفت في وقت سابق باستقلال الإقليم، مع استقلال أوسيتيا الجنوبية التي تشهد وضعاً مماثلاً تماماً.
- حالتان محرجتان في مولدوفا وجورجيا
> انطلاقاً من أوكرانيا، والكلام عن سعي موسكو لاعتماد «النموذج الأبخازي»، هنا إطلالة على الوضع في كل من جمهوريتي مولدوفا المتاخمة لأوكرانيا، وجورجيا نفسها.
في مولدوفا، تتزايد السجالات حول المنطقة الأمنية على نهر الدنيستر، الخاضعة لسيطرة جنود حفظ السلام الروس. وهناك 3 أطراف مشاركة في «مهمة حفظ السلام» هناك هي مولدوفا وسلطة «ترانسنيستريا» وروسيا... ولا يمكن للأطراف الثلاثة الاتفاق.
هذا المرض يأخذ أشكالاً مزمنة، إذ تعتبر قوات حفظ السلام الروسية القوة الرئيسة في الوحدة الثلاثية. ويُظهر الجانب المولدوفي، من خلال الخطوات التي اتخذها أخيراً، عزمه على تعطيل المهمة. ومن ثم، إخراج قوات حفظ السلام الروسية من منطقة بريدنوستروفيه المولدوفية الانفصالية التي تحظى بدعم روسي، وهي دعوة كررتها القيادة المولدوفية أكثر من مرة خلال الشهر الأخير. أما السبب المباشر الجديد للتصعيد، فوقع عندما قررت مولدوفا تنظيم فعاليات غير مسبوقة لإحياء ذكرى اندلاع الحرب التي قادت إلى انفصال الإقليم في العام 1992. وكان وفد مولدوفا إلى لجنة المراقبة المشتركة على نهر الدنيستر، قد أخطر مركز التنسيق المشترك كتابياً بالعمل على تنظيم فعالية في قرية كورزوفو سيجري من خلالها إحياء الذكرى السنوية الـ29 لبدء «إجراءات الكفاح من أجل سلامة جمهورية مولدوفا واستقلالها».
وللعلم، في مثل هذا اليوم من عام 1992 بدأت الحرب على نهر الدنيستر بالفعل من هذه القرية. وفي إقليم بريدنيستروفيه الانفصالي، يعد تاريخ ومكان إحياء المناسبة صفعة على الوجه. في غضون ذلك، شدد ممثلو مولدوفا في لجنة التنسيق المشتركة على الجانب البريدنيستروفي أنه «لا ينبغي أن يسمح بأعمال استفزازية يمكن أن تعطل النظام العام، ودُعي ممثلو بعثة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وأوكرانيا للمساعدة في مراقبة الوضع في المنطقة الأمنية أثناء إحياء المناسبة»، فيما اعتبر ممثلو الإقليم تصرفات مولدوفا بمثابة «استفزاز». من جانب متصل، فإن كورزوفو بلدة تقع في ضواحي مدينة دوبوساري على الضفة اليسرى لنهر الدنيستر، وتعتبرها مولدوفا قرية مستقلة، بينما يدعي قادة إقليم بريدنوستروفيه أنها تحت ولايته. ولذا، عندما تحاول مولدوفا تنظيم بعض الفعاليات مثل الانتخابات، فإن الجانب الانفصالي يعرقلها دائماً.
في جورجيا، التي لا تبعد كثيراً عن هذه الأجواء العاصفة، تتزايد الاضطرابات أيضاً، بعدما أعلنت المعارضة الجورجية عن إطلاق سلسلة فعاليات واسعة لتنظيم احتجاجات طوال شهر مارس الحالي. وكانت شرارة الأحداث انطلقت في 26 فبراير (شباط) عندما بدأت أحزاب المعارضة في جورجيا احتجاجات متواصلة تطالب بالإفراج عن أحد الساسة المحليين البارزين، وتحديد موعد لانتخابات برلمانية جديدة مبكرة.
على هذه الخلفية، تراقب موسكو بحذر تصاعد الأوضاع في محيطها، وسط توقعات متشائمة، ومخاوف من احتمال أن تضطر للانزلاق نحو الانخراط في عمل عسكري في شرق أوكرانيا أو في مولدوفا. وفي الحالين تواجه روسيا مخاطر توسيع المواجهة مع الغرب عموماً، والانشغال أكثر بمحيط ملتهب يزيد من مشكلاتها القائمة أصلاً، على الصعيدين الداخلي والخارجي. ولعل ما يزيد الأمر دقة أن روسيا تتحضر هذا العام لاستحقاق انتخابات البرلمان الروسي... الذي بدا مبكراً أنه محاط بعدد من الأزمات، لا تقتصر على ملف المعارض أليكسي نافالني، وما تصفه موسكو بأنه «محاولات غربية للتدخل واستفزاز ثورة شعبية داخلية».



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.