موسكو أمام عاصفة من الأزمات في محيطها الحيوي

مشكلات الجمهوريات السوفياتية السابقة على خط التوتر المتفاقم بين روسيا والغرب

موسكو أمام عاصفة من الأزمات في محيطها الحيوي
TT

موسكو أمام عاصفة من الأزمات في محيطها الحيوي

موسكو أمام عاصفة من الأزمات في محيطها الحيوي

أعادت تطورات الوضع في أرمينيا، مع انزلاق الجمهورية السوفياتية السابقة، نحو انقسام غير مسبوق، واتساع موجة الاحتجاجات، والمطالبة باستقالة رئيس الوزراء نيكول باشينيان، الوضع في الفضاء السوفياتي السابق إلى الواجهة، على خلفية مواجهة موسكو عاصفة من الاضطرابات في محيطها.
وبدا أن أعمدة اللهب التي تتصاعد في عدد من الجمهوريات السوفياتية السابقة، مع تزايد معدلات الاستياء من أداء الحكومات، وتدهور مستوى الاقتصاد، وانعدام الآفاق... تنذر بمزيد من الفوضى في هذه المنطقة الحساسة بالنسبة إلى روسيا، والتي ظلت على مدى عقود بعد انهيار الدولة العظمى تحتل المرتبة الأولى على رأس اهتمامات السياسة الخارجية الروسية. ثم إنها أحد العناصر الأساسية لزيادة التوتر بين موسكو والغرب، على خلفية اتهام موسكو لحلف شمال الأطلسي «ناتو» بتنشيط مساعيه للتوسع شرقاً، واستخدام آليات «الثورة الملوّنة» لتشديد ما بات يعرف بـ«حزام أزمات» حول روسيا.
ينطلق خبراء روس من أن الأحداث الجارية في وقت متزامن في أكثر من بلد محيط تهدف إلى إشغال روسيا بهموم مباشرة على حدودها، ودفعها إلى الانخراط أكثر في معالجة أوضاعها... ما يقلّص من قدرتها على تنشيط سياساتها الخارجية في مناطق أخرى. وهكذا فإن جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، التي تشهد تقلبات ومطالب بالتغيير تغدو ساحة الصراع الأساسية بالنسبة إلى موسكو التي تتطلع منذ سنوات لتوسيع حضورها على المسرح الدولي.
الجبهة الرئيسية المشتعلة حالياً هي أرمينيا. إذ قادت محاولة «الانقلاب العسكري» بحسب وصف رئيس الوزراء نيكول باشينيان قبل أسابيع في الجمهورية القوقازية الصغيرة إلى بروز وضع خطر في البلاد على خلفية الانقسام الحاد داخل كل من المؤسسة العسكرية والشارع الأرميني حول مطلب إطاحة باشينيان والدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة تعيد ترتيب الصفوف الداخلية بعد الهزيمة المرة التي تجرعتها أرمينيا في مواجهات الحرب الأخيرة مع أذربيجان. وكما هو معروف أسفرت هذه المواجهات عن اضطرار أرمينيا إلى التخلي عن جزء كبير من أراضي إقليم ناغورنو قره باغ المتنازع عليه مع «جارتها» أذربيجان، بما في ذلك مدينة شوشة الاستراتيجية التي تحظى بأهمية رمزية كبرى في الذاكرة الوطنية الأرمينية.
وصحيح أن التحركات في أرمينيا مرتبطة بتلك الهزيمة، لكن بدا أن لها سماتها الخاصة؛ الجيش يبدأ، الشعب يدعمه. ووفقاً لهذا «السيناريو»، تتطور الأحداث في بلد يعتبر حليفاً لروسيا. غير أن العامل الروسي هو الذي لعب دور الفتيل المشتعل في برميل من البارود في جمهورية ومنطقة مضطربتين تحملان إرثاً قديماً من الصراع الثقافي السياسي والعسكري.
- غلطة باشينيان القاتلة
قبل أسبوعين أطلق نيكول باشينيان تصريحاً أثار عاصفة من الجدل عندما أشار إلى أن صواريخ «إسكندر» التي زوّدت روسيا بها الجيش الأرمني في وقت سابق، لم تعمل بشكل جيد خلال الحرب، بل إن مستوى فعاليتها لم يتجاوز 10 في المائة.
على الفور ردّت هيئة الأركان العامة لجيش أرمينيا بعنف على رئيس الوزراء، وألقت باللوم عليه في كل المشكلات. وعندما سخر أحد كبار الجنرالات من تصريحات باشينيان، أصدر الأخير أمراً بإقالته. وكانت تلك الإقالة الشرارة التي أشعلت فتيل الاضطرابات الأخيرة. إذ ردت رئاسة الأركان ببيان وقّعه 40 من كبار الجنرالات اتهموا فيه باشينيان بإهانة الجيش وطالبوا باستقالته فوراً. وسرعان ما انضمت المعارضة الأرمينية، التي ركبت موجة خيبة الأمل بسبب الهزيمة العسكرية الأخيرة، إلى مطالب المؤسسة العسكرية عبر تنظيم احتجاجات حاشدة وإعلان عزمها الذهاب إلى النهاية... وفي النتيجة، بات باشينيان يواجه، مثل رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، هتافات «ارحل».
وفي هذا السياق، وإذا كانت سلطات بيلاروسيا نجحت بمساعدة روسيا في الحفاظ على الوضع المحلي، على الأقل حتى اعتماد الدستور البيلاروسي الجديد، فإنه من غير المرجح في أرمينيا أن يهدأ الوضع بسرعة. وصحيح أن رئيس الوزراء لديه مؤيدون... لكن هؤلاء أقل عدداً بكثير من المعارضين. ومن ناحية أخرى، مع أن أرمينيا لم تنقسم تحت وقع الاحتجاجات المطالبة باستقالة باشينيان، تماماً مثلما حدث في بيلاروسيا... فإن ثمة انقساماً في أرمينيا حصل بطريقة أخرى. إذ وقفت الشرطة إلى جانب المتظاهرين، وأعلنت وزارة الدفاع الانحياز إلى رئيس الوزراء خلافاً لموقف رئاسة أركان الجيش التي تدير عملياً القطعات العسكرية. وفي الوقت نفسه، فإن الوضع لا يزال مرشحاً للتأرجح. ولقد كتب إدمون ماروكيان، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب «أرمينيا الساطعة»، على صفحته على موقع «فيسبوك» قائلاً: «لقد دخلت البلاد في حالة من الاضطراب وانعدام اليقين، وهو أمر محفوف بالعواقب الوخيمة».
- بيلاروسيا تستعد لموجة احتجاجات جديدة واسعة
في هذه الأثناء، في دولة مجاورة أخرى لروسيا غرباً هي بيلاروسيا... تستمر المحاكمات ضد المعارضين. وعلى الرغم من احتجاجات الغرب، فإن القيادة البيلاروسية في العاصمة مينسك تتخلص تدريجياً من أولئك الذين يمكنهم قيادة أو تنظيم الاحتجاجات ضد السلطات.
هؤلاء جارٍ إرسالهم إلى السجن لتغيير رأيهم. ولقد أعلن الاتحاد الأوروبي أخيراً أنه يتابع عن كثب ما يحدث في بيلاروسيا، بما في ذلك اضطهاد المدافعين عن حقوق الإنسان وممثلي النقابات العمالية والمحامين وكذلك محاكمات الصحافيين. وقال بيتر ستانو، المتحدث باسم خدمة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي: «يجب أن يتوقف هذا الأمر، فهو غير مقبول في أوروبا القرن الحادي والعشرين. الاتحاد الأوروبي يعتقد أنه بدلاً من كل هذه الإجراءات وعمليات التخويف التي تأتي بنتائج عكسية، يجب أن تركز السلطات على إطلاق حوار على مستوى البلاد لحل الأزمة الحالية في البلاد. إلا أن السلطات البيلاروسية، مع ذلك، لا ترغب في الدخول في هذا الحوار. إذ تعتقد مينسك أن مثل هذا الحوار قد حصل بالفعل، ومن خلال «مجلس الشعب لعموم بيلاروسيا». وللعلم، يمنح دعم مندوبي هذا التجمع الشعبي الرئيس ألكسندر لوكاشينكو الفرصة للبقاء في منصبه حتى الانتخابات الرئاسية القادمة. وهو سيتمسك بإحكام بذلك.
حتى الآن تبدو السلطات البيلاروسية مقتنعة بأنها ما زالت قادرة، عبر الدعم الروسي الكامل، على مواجهة موجات الاحتجاج، غير أن المعارضة لوّحت مع بداية الربيع بـ«انطلاقة جديدة لثورة شعبية» لإطاحة «آخر الديكتاتوريات في أوروبا»... كما وصفت حكم لوكاشينكو.
- أوكرانيا... توقعات مقلقة
في ثاني كبرى الجمهوريات السوفياتية، السابقة بعد روسيا، ثمة مَن تخوف من الانزلاق نحو مواجهة عسكرية جديدة.
هنا أيضاً في أوكرانيا احتجاجات تكاد تكون متواصلة، وهي تعلو وتخفت في مناسبات مختلفة. وأهم الاحتجاجات الحالية تحركت بسبب الحكم على الناشط سيرغي ستيرنينكو لمدة 7 سنوات و3 أشهر بتهمة تصفية أحد المشاركين المناهضين لتحركات الميدان. فقد اجتاحت المسيرات جميع أنحاء البلاد، وطالب المتشددون بالإفراج عن ستيرنينكو وإجراء إصلاح قضائي. وأعطت المعارضة الرئيس فلاديمير زيلينسكي أسبوعاً للتفكير... أما بعد ذلك فهي تعد بإطلاق «ميدان جديد».
المتطرفون ليسوا كل المجتمع الأوكراني، لكن إذا كان المرء يتابع استطلاعات الرأي الاجتماعية، فإن تصنيف زيلينسكي ينخفض بشكل حاد، ولذلك يزيد حضور الراديكاليون. ولا يخفي خبراء روس قناعة بأن «الشيء الوحيد الذي يمكن أن يصرف الناس عن متاعبهم، ويسقط موجة الاحتجاج، هو تفعيل الجيش الأوكراني في جنوب البلاد. وبناءً على ذلك، لا بد من توقع مرحلة جديدة من الحرب في حوض الدونباس». ومن جانب ثانٍ، تصاعد الصراع في شرق أوكرانيا وجنوبها من جديد خلال الشهر الأخير، وزادت أعداد الانتهاكات لنظام وقف النار ما أوقع مزيداً من القتلى والجرحى من كلا الجانبين. ومن وجهة النظر الأوكرانية، فإن التصعيد مرتبط بعدد من الظروف، منها رغبة روسيا في صرف الأنظار داخلياً وأوروبياً عن ملف المعارض الروسي أليكسي نافالني. وهناك من يقول إن انخفاض شعبية الرئيس الأوكراني بسبب الإخفاق في الوفاء بوعود التسوية السلمية لمشكلة حوض الدونباس، مع تدني أداء الاقتصاد، وتزايد الديون، وتداعيات تفشي فيروس (كوفيد 19) مع فشل برنامج التطعيم، كلها «عناصر تدفع كييف إلى الهروب إلى أمام».
- استعداد لتصعيد متبادل
هنا تبرز مفارقة لافتة، إذ تبدو كل من موسكو وكييف مستعدة لتصعيد الموقف الميداني، وينطلق كل طرف من مصالح خاصة. موسكو سرّعت خلال الأسابيع الأخيرة منح الجنسية لمواطني إقليمي لوغانسك ودونيتسك الانفصاليين، وهي تتحدث بنشاط متزايد عن استعدادها لحماية «مواطنيها» في شرق أوكرانيا، بينما تتزايد الفعاليات الشعبية في الإقليمين التي تطالب بالانضمام إلى روسيا. وثمة من يقول إن موسكو أيضاً «تتأهب للهروب إلى الأمام، في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة عليها، وعودة الإدارة الأميركية الجديدة للتلويح بضرورة معاقبة موسكو على ضم شبه جزيرة القرم، عبر تزويد أوكرانيا بأسلحة فتاكة، ومضاعفة العقوبات على الروس».
وبالفعل، ظهرت أولى بوادر التصعيد مع توجّه الرئيس زيلينسكي إلى استخدام أداة «مجلس الأمن القومي والدفاع» لتبني عقوبات ضد نواب معروفين لهم علاقات مع السلطات الروسية، بتهم تمويل الإرهاب... ومن هؤلاء فيكتور ميدفيدتشوك (القريب من الرئيس فلاديمير بوتين) وزوجته أوكسانا مارشينكو. وأيضاً هناك قرارات بإغلاق قنوات تلفزيونية مملوكة لمؤيدي ميدفيدتشوك – تاراس كوزاك، وهي «112 أوكرانيا» و«زيك تي في» و«نيوس ون». وجرى تنفيذ قرار «مجلس الأمن القومي والدفاع» بمرسوم رئاسي... ويعتبر هذ القرار ساري المفعول فور نشره.
أيضاً، ربط ليونيد كرافتشوك، ممثل أوكرانيا في «مجموعة الاتصال الثلاثية» تفاقم العنف في الدونباس بالعقوبات الشخصية ضد ميدفيدتشوك وكوزاك، قائلاً: «أعتقد أن هذا يرجع إلى حقيقة أن أوكرانيا بدأت في اتخاذ إجراءات، وأن زيلينسكي فرض عقوبات على القنوات الموالية لروسيا ودعايتها. إنهم شعروا أن أوكرانيا انتقلت من الأقوال إلى الأفعال. بالإضافة إلى ذلك، كيف قيمت أوروبا تصرفات روسيا، والوضع مع (نورد ستريم 2). وخطابات بايدن وفريقه. لقد أدركت روسيا أن الوضع لم يكن في صالحها وبدأت في إظهار أن لديها أيضاً القوة، ويمكنها فعل شيء ما».
في المقابل، كتب يفغيني مورايف، النائب السابق في البرلمان الأوكراني من المعارضة، ومالك القناة التلفزيونية «ناش» على صفحته في موقع «فيسبوك» قائلاً: «أفهم أن لدى الرئيس كثيراً من المستشارين وكتّاب السيناريو الذين يهمسون في أذنه أن الحرب ستشطب كل شيء... لكن الأمر ليس كذلك. هذا خطأ فادح... قبل أن تبدأ اللعب بالعضلات، تحتاج إلى الحصول على العقول. خلال السنوات الأخيرة في المنطقة غير الخاضعة للسيطرة، تلقى الأوكرانيون ما يقرب من 400 ألف جواز سفر روسي، ما يعني أن الحرب ستكون مختلفة وواسعة النطاق. لن تكون هناك حاجة للأقنعة بعد الآن».
ومن جهته، قال المتحدث باسم الوفد الأوكراني في «مجموعة الاتصال الثلاثية» أليكسي أريستوفيتش إن خطة السلام الجديدة للدونباس، التي اقترحتها فرنسا وألمانيا، ستناقش من قبل المستشارين السياسيين لرؤساء دول «رباعية النورماندي» بحلول نهاية مارس (آذار) الحالي. ويعتقد ممثل الإقليمين الانفصاليين في «مجموعة الاتصال الثلاثية» سيرغي غارماش، أن روسيا غير راضية عن مبادرات ألمانيا وفرنسا، ولذا فإنها تجهز لتحرك عسكري في الدونباس، ما قد يصبح سبباً لإدخال «قوات حفظ السلام الروسية» فيها. ووفقاً لغارماش، فإن الغرض هو خلق «واقع جديد في الدونباس» يجعل المقترحات الألمانية الفرنسية «غير قابلة للتطبيق، وبالتالي، يسمح لموسكو بالحفاظ على الصراع وفقاً للنموذج الأبخازي». وهنا، تجدر الإشارة إلى أن أكثر من 90 في المائة من سكان إقليم أبخازيا الذي أعلن انفصالاً من جانب واحد عن جمهورية جورجيا يحملون حالياً جنسيات روسية. ثم إن موسكو اعترفت في وقت سابق باستقلال الإقليم، مع استقلال أوسيتيا الجنوبية التي تشهد وضعاً مماثلاً تماماً.
- حالتان محرجتان في مولدوفا وجورجيا
> انطلاقاً من أوكرانيا، والكلام عن سعي موسكو لاعتماد «النموذج الأبخازي»، هنا إطلالة على الوضع في كل من جمهوريتي مولدوفا المتاخمة لأوكرانيا، وجورجيا نفسها.
في مولدوفا، تتزايد السجالات حول المنطقة الأمنية على نهر الدنيستر، الخاضعة لسيطرة جنود حفظ السلام الروس. وهناك 3 أطراف مشاركة في «مهمة حفظ السلام» هناك هي مولدوفا وسلطة «ترانسنيستريا» وروسيا... ولا يمكن للأطراف الثلاثة الاتفاق.
هذا المرض يأخذ أشكالاً مزمنة، إذ تعتبر قوات حفظ السلام الروسية القوة الرئيسة في الوحدة الثلاثية. ويُظهر الجانب المولدوفي، من خلال الخطوات التي اتخذها أخيراً، عزمه على تعطيل المهمة. ومن ثم، إخراج قوات حفظ السلام الروسية من منطقة بريدنوستروفيه المولدوفية الانفصالية التي تحظى بدعم روسي، وهي دعوة كررتها القيادة المولدوفية أكثر من مرة خلال الشهر الأخير. أما السبب المباشر الجديد للتصعيد، فوقع عندما قررت مولدوفا تنظيم فعاليات غير مسبوقة لإحياء ذكرى اندلاع الحرب التي قادت إلى انفصال الإقليم في العام 1992. وكان وفد مولدوفا إلى لجنة المراقبة المشتركة على نهر الدنيستر، قد أخطر مركز التنسيق المشترك كتابياً بالعمل على تنظيم فعالية في قرية كورزوفو سيجري من خلالها إحياء الذكرى السنوية الـ29 لبدء «إجراءات الكفاح من أجل سلامة جمهورية مولدوفا واستقلالها».
وللعلم، في مثل هذا اليوم من عام 1992 بدأت الحرب على نهر الدنيستر بالفعل من هذه القرية. وفي إقليم بريدنيستروفيه الانفصالي، يعد تاريخ ومكان إحياء المناسبة صفعة على الوجه. في غضون ذلك، شدد ممثلو مولدوفا في لجنة التنسيق المشتركة على الجانب البريدنيستروفي أنه «لا ينبغي أن يسمح بأعمال استفزازية يمكن أن تعطل النظام العام، ودُعي ممثلو بعثة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وأوكرانيا للمساعدة في مراقبة الوضع في المنطقة الأمنية أثناء إحياء المناسبة»، فيما اعتبر ممثلو الإقليم تصرفات مولدوفا بمثابة «استفزاز». من جانب متصل، فإن كورزوفو بلدة تقع في ضواحي مدينة دوبوساري على الضفة اليسرى لنهر الدنيستر، وتعتبرها مولدوفا قرية مستقلة، بينما يدعي قادة إقليم بريدنوستروفيه أنها تحت ولايته. ولذا، عندما تحاول مولدوفا تنظيم بعض الفعاليات مثل الانتخابات، فإن الجانب الانفصالي يعرقلها دائماً.
في جورجيا، التي لا تبعد كثيراً عن هذه الأجواء العاصفة، تتزايد الاضطرابات أيضاً، بعدما أعلنت المعارضة الجورجية عن إطلاق سلسلة فعاليات واسعة لتنظيم احتجاجات طوال شهر مارس الحالي. وكانت شرارة الأحداث انطلقت في 26 فبراير (شباط) عندما بدأت أحزاب المعارضة في جورجيا احتجاجات متواصلة تطالب بالإفراج عن أحد الساسة المحليين البارزين، وتحديد موعد لانتخابات برلمانية جديدة مبكرة.
على هذه الخلفية، تراقب موسكو بحذر تصاعد الأوضاع في محيطها، وسط توقعات متشائمة، ومخاوف من احتمال أن تضطر للانزلاق نحو الانخراط في عمل عسكري في شرق أوكرانيا أو في مولدوفا. وفي الحالين تواجه روسيا مخاطر توسيع المواجهة مع الغرب عموماً، والانشغال أكثر بمحيط ملتهب يزيد من مشكلاتها القائمة أصلاً، على الصعيدين الداخلي والخارجي. ولعل ما يزيد الأمر دقة أن روسيا تتحضر هذا العام لاستحقاق انتخابات البرلمان الروسي... الذي بدا مبكراً أنه محاط بعدد من الأزمات، لا تقتصر على ملف المعارض أليكسي نافالني، وما تصفه موسكو بأنه «محاولات غربية للتدخل واستفزاز ثورة شعبية داخلية».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.