طبيبات وممرضات في الصفوف الأمامية لمكافحة «كورونا»

اختبرن الموت على مدى عام كامل... وعملن لأشهر من دون يوم إجازة

عاملة صحة تتلقى لقاح «كورونا» في المركز الطبي للجامعة الأميركية ببيروت (رويترز)
عاملة صحة تتلقى لقاح «كورونا» في المركز الطبي للجامعة الأميركية ببيروت (رويترز)
TT

طبيبات وممرضات في الصفوف الأمامية لمكافحة «كورونا»

عاملة صحة تتلقى لقاح «كورونا» في المركز الطبي للجامعة الأميركية ببيروت (رويترز)
عاملة صحة تتلقى لقاح «كورونا» في المركز الطبي للجامعة الأميركية ببيروت (رويترز)

منذ فبراير (شباط) الماضي، وهنّ حبيسات مسافة الأمان، مسافة يحسبنها بدقة لتتحول إلى حاجز يقف بينهن وبين أحبائهن من أهل وأبناء، هن ممرضات وطبيبات انضممن منذ اللحظة الأولى لفرق مكافحة وباء كورونا، عملن لأشهر بلا يوم إجازة واحد، حزنّ لخيبة أصابت أمهات وآباء فقدوا أحد أبنائهم وفرحن لجدّة عادت إلى الحياة بعدما كان الفيروس أوصلها إلى حافة الموت. الممرضات والطبيبات لم يختبرن مشاعر متناقضة يوماً بقدر ما اختبرن هذا العام، إذ يتحدثن عن تعب وقوّة، عن يأس وأمل، عن رغبة بنزع السترة البيضاء والهروب، وعن إصرار على البقاء في الخطوط الأماميّة، أمّا الشعور الأصعب فكان الشعور بالذنب تجاه عائلاتهن، إذ غالباً ما كنّ يضطررن للغياب عن المنزل لساعات طويلة بسبب العمل، والبقاء بعيدات عن أحبائهن وإن كانوا في المنزل نفسه.
«منذ عام وأنا لم أضمّ أمي إلا مرة واحدة بعد شفائي مباشرة من كورونا، إذ لم أكن أقترب منها، نعيش في المنزل نفسه، ولكن مع الالتزام بالتباعد، إنها مسافة الأمان التي أفرضها على نفسي بسبب طبيعة عملي»، تقول الاختصاصية بالأمراض الجرثومية الدكتورة ميشال صليبا (37 عاماً)، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إنّ الهاجس الذي لم يفارقها لحظة هو احتمال نقل العدوى إلى والدتها البالغة من العمر 58 عاماً.
تتحدّث صليبا عن عام متعب ومضنٍ، عن عمل لساعات متواصلة وأشهر بلا يوم إجازة واحد، عن لحظات حزن وخوف واستسلام، وتقول: «نحن لسنا أبطالاً خارقين، نعم بكيت مراراً ربما مع كلّ مريض اعتنيت به وكنت متفائلة بشفائه ثمّ انتكست حالته وتوفي، مع كلّ مريض اعتنيت به وكنت أشعر بأنني عاجزة عن إنقاذه، بكيت عند مشهد المرضى ينتظرون غرفة يعالجون فيها أو يبحثون عن أجهزة أكسجين ولا يجدونها»، مضيفة: «فكّرت ربما للحظات أن أترك العمل، أن أدير ظهري للوباء وأسترح. لكنني لم أستطع، واجبي أن أكون هنا أحارب الوباء الذي يهدّد الناس، لذلك كنت أعود وبعزم». مقابل كلّ لحظة ضعف، تتحدّث صليبا عن لحظات شعور بالرضا وبالراحة النفسيّة نابع من كونها قادرة على المساعدة في مكافحة الوباء، فقد كان الأمل يتجدّد مع كلّ حالة شفاء ومع كلّ يوم ترى نفسها تقوم بواجبها.
لا تفارق وجه صليبا البسمة وهي تتحدّث عن تجربتها كطبيبة في الصفوف الأمامية، وتضحك بصوت مسموع حين تصف خوفها، لا سيّما بداية العمل مع الوباء حيث كانت تشعر بالعوارض كلّ لحظة. حين أصيبت صليبا بكورونا بداية شهر يناير (كانون الثاني) نسيت أنها طبيبة، سيطر عليها الخوف والهلع، أخذت تتصل بصديقاتها المقربات تسألهن عن احتمال أن تكون قد نقلت العدوى إلى أمها، وكنّ يرددن إجابات تعرفها وهي التي كانت من أولى الطبيبات اللاتي التحقن بفرق كورونا، لا سيّما أنها تعمل بمستشفى رفيق الحريري الجامعي أول مستشفى استقبل حالات كورونا في لبنان، ثمّ تبتسم وتقول: «الحمد لله والدتي لم تُصَب».
لا ترى صليبا أنّ الأمر يختلف بين الطبيب والطبيبة فالموضوع إنساني بحت بالنسبة لها، وظروف عمل الطبيب والطبيبة يتشابهان، والابتعاد عن الأسرة وشروط الوقاية والتضحيات لا تختلف حسب الجنس. واعتبرت أنّ ما يواجه الطبيب في لبنان ليس فقط وباء كورونا، بل الوضع الاقتصادي الصعب، فانهيار قيمة العملة الوطنية جعلت معظم اللبنانين وبمن فيهم الأطباء يفقدون قيمة رواتبهم، وبالتأكيد بقاء الطبيبة أو الطبيب في لبنان لا يرتبط بالناحية المادية، لا سيّما أنّ العروض متاحة حالياً للسفر.
تشكل الطبيبات أكثر من 40 في المائة من الطاقم الطبي الموجود في لبنان الذي يضم نحو 15 ألف طبيب وطبيبة، حسبما يوضح نقيب الأطباء في بيروت شرف أبو شرف، مشيراً في حديث مع «الشرق الأوسط»، إلى أنّ هذه النسبة سترتفع مع الدفعات الجديدة، إذ إن نسبة الطبيبات الجدد أكثر من الأطباء في عدد لا بأس به من الاختصاصات.
ويشير أبو شرف إلى أنّ النسبة الكبرى من الطبيبات كما الأطباء وبسبب طبيعة عملهم هم على احتكاك يومي مع الوباء، وإن لم يكن كلّهم في الخطوط الأمامية، لافتاً إلى أنّ أوّل حالة إصابة في الطاقم الطبي كان لطبيبة، وأنّ لبنان فقد طبيبة واحدة، وهي فردوس صفوان التي توفيت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، جراء إصابتها بفيروس كورونا.
حتى اللحظة، لا تشعر صليبا برغبة في الهجرة للعمل خارج لبنان، ليس فقط لأنّها لا تقوى على ترك والدتها وحدها، بل أيضاً لعدم تحملها ترك لبنان وهو يواجه هذا الوباء في أصعب ظرف اقتصادي، فهي تأمل في أن ينتصر لبنان على هذا الوباء لتعانق والدتها، ومن ثمّ «تطفئ هاتفها وتأخذ إجازة طويلة».
وكان الطاقم الطبي خسر في لبنان 500 طبيب وطبيبة هاجروا إلى دول خليجية أو أوروبية والولايات المتحدة، حيث وجدوا فرص عمل أفضل، بعدما خسرت رواتبهم أو بدل أتعابهم 80 في المائة من قيمتها بسبب انهيار العملة الوطنية.
في موضوع مكافحة كورونا، قد لا تختلف يوميات الطبيبات عن يوميات الممرضات، فهنّ أيضاً يتحدثن عن التعب والهواجس نفسها، لا سيما خلال الشهرين الأولين من العام الحالي، حين ارتفعت أعداد الإصابات في لبنان بشكل غير مسبوق، فوصلت المستشفيات إلى ما يزيد على طاقتها الاستيعابية.
فاطمة عبيد (47 عاماً) كانت واحدة من أولى الممرضات اللاتي انضممن إلى فريق كورونا في مستشفى رفيق الحريري، لا تزال تذكر اسم أول مشتبه فيه دخل المستشفى واسم أول إصابة. تروي عبيد لـ«الشرق الأوسط»، تفاصيل الساعات الأولى لاستقبال مرضى كورونا: «لم يكن عددنا كطاقم تمريضي يعمل في قسم كورونا يتجاوز 4 أشخاص، كنا مدربين على التعامل مع الأوبئة مثل (إيبولا) و(سارس) و(إتش وان إن وان). ولكنّ كورونا كان جديداً، نعم خفنا، ولكنّ الواجب كان أقوى»، تقول عبيد إنها لم تتردد لحظة في أن تكون على الخطوط الأمامية لمواجهة كورونا، فهي لطالما كانت تشارك في أعمال تطوعيّة ترى فيها خدمة لمجتمعها.
بداية الجائحة، عملت عبيد لما يزيد على 3 أشهر بلا يوم إجازة واحد، ولساعات تزيد على 12 ساعة يومياً، «لم يكن عددنا كافياً، عملنا لساعات متواصلة، تعبنا، بكينا، ولكن مع الوقت بدأ عدد الممرضين والممرضات العاملين بكورونا يرتفع، فكان ضغط العمل يخفّ ولكنّه لم يصبح يوماً مريحاً»، تقول عبيد.
لم تكتفِ عبيد بالانضمام إلى فريق كورونا، إذ عملت أيضاً على تشجيع 3 من أبنائها، وهم ممرضون، للانضمام إلى الطاقم التمريضي المخصص لكورونا. «أخبرتهم أنّ عدد الممرضين والممرضات غير كافٍ، وأنّ الواجب يحتم عليهم الانضمام. كنت فرِحة بأنهم لم يترددوا، فهناك وباء يهدد مجتمعنا ولا أريد أبنائي أن يكونوا على الحياد والمستشفيات بحاجة إليهم، لا أنكر أنني أخاف عليهم، ولكنني كنت لأخاف أكثر لو أنهم تخاذلوا». تأخذ عبيد نفساً عميقاً حين أسألها عن التعب، وتقول: «أي نوع من التعب تقصدين؟ الجسدي مقدور عليه ولكن النفسي صعب، تخيلي أنك تهتمين بمريض وأنت تعرفين أن فرص نجاته من الموت ضئيلة، أو أن تستقر حالة مريض ومن ثمّ يتوفّى؟ هذا فضلاً عن مشاهد تكررت لأشخاص يبحثون عن غرف أو أجهزة أكسجين وهم في حالة حرجة، أو لزملاء يصابون واحداً تلو الآخر، أراهم ينهارون ويبكون من الحمل الثقيل الملقى عليهم، أصبت بكآبة شعرت بتعب غير مسبوق، ربما فكّرت للحظات بالعودة ولكنّي لم ولن أفعلها». تتحدّث عبيد عن متاعب وضغوطات من نوع آخر، عن والدتها التي كانت تتصل بها مراراً وتكراراً وتطلب منها ترك العمل وتقول: «لا أريد أن أخسرك، هذا ما كانت تكرره أمي على مسامعي يومياً، وأنا عاجزة عن طمأنتها وجهاً لوجه، قلقها عليّ كان يتعبني».
طبيعة عمل عبيد وصَمَها، إذ تروي أنّ أخاها اتصل بها وطلب منها عدم زيارة قريتها خوفاً من أن تكون مصابة بكورونا وتنقل العدوى للآخرين. وتضيف: «لم يكن مرحباً بي حتى في بلدتي وبيتي، أعذرهم، الوباء كان جديداً والخوف كان أقوى من الحقائق العلمية».
تمرّ أيام وعبيد لا ترى أبناءها، فساعات عملها طويلة ودوامها غالباً ما يكون عكس دوامات أبنائها، وهذا أيضاً ليس سهلاً عليها، ولكنّها تعرف أنّ المهنة التي اختارتها تتطلب تضحيات. تعتبر عبيد أنّ أكثر ما يواجهها كامرأة تعمل في مجال التمريض لا يتعلق بكورونا، بل بطبيعة مهنة التمريض التي تضطرها للعودة إلى المنزل في ساعات متأخرة من الليل، هذا فضلاً عن حرصها الدائم بأن تبقى قوية حتى لا تقصر تجاه عائلتها او عملها.
رغم استمرار ارتفاع أرقام الإصابات بكورونا في لبنان وبطء عملية التلقيح ضد الفيروس، يبقى أمل عبيد بالانتهاء من الوباء كبيراً جداً، وعندها ستأخذ إجازة طويلة ربما تسافر خلالها أو تتجه إلى قريتها وتقضي ساعات مع عائلتها، لا سيما والدتها، لتعود بعدها إلى عملها بطاقة أكبر.
لا تنكر عبيد أنّ راتب الممرضة كما الممرض لا يقارن بالتضحيات التي يقدمونها، ولكنها تعتبر أنّ الأزمة الاقتصادية «على الجميع»، والممرضون كما الأطباء يحمل عملهم جانباً إنسانياً يجبرهم على الاستمرار.
ويُشار إلى أن هناك ما يزيد على 600 ممرضة وممرض هاجروا خلال السنوات الأخيرة إلى بلدان عربية وأوروبية، حيث توافرت لهم فرص عمل برواتب وحوافز أفضل بكثير مما تقدّمه مستشفيات لبنان، لا سيما أن قيمة رواتب العدد الأكبر منهم باتت لا تتجاوز 100 دولار شهرياً، رغم أن حياتهم معرّضة للخطر بشكل يومي.
وتشكّل الممرضات في لبنان نحو 80 في المائة من مجمل عدد الطاقم التمريضي، توفي منهن 3 ممرضات بسبب إصابتهن بكورونا (وممرضان اثنان)، أما عدد الإصابات فتجاوز 2000 بين ممرض وممرضة.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.