«سندباد عصري»... نواة أدب الرحلة العربي

مغامرات طبيب شاب في المحيط الهندي قبل 83 عاماً

«سندباد عصري»... نواة أدب الرحلة العربي
TT

«سندباد عصري»... نواة أدب الرحلة العربي

«سندباد عصري»... نواة أدب الرحلة العربي

لم تقتصر إسهامات الدكتور حسين فوزي (1900 – 1988) على بحوثه ودراساته الرائدة في علوم البيولوجي والبحار والطب، فضلاً عن الموسيقى والتاريخ، إنما امتدت كذلك إلى أدب الرحلات عبر كتابه الأشهر «سندباد عصري» الذي صدرت طبعته الأولى عام 1938 ليضع النواة الأولى لهذا الأدب في السردية العربية الحديثة، ويستحق عن جدارة لقبه الأثير «سندباد العلوم والفنون».
الكتاب صدرت منه أخيراً طبعة جديدة في القاهرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «ذاكرة الكتابة»، ويضم مغامراته كأديب وطبيب شاب في المحيط الهندي، عبر رحلة بحثية على سفينة صغيرة مع مجموعة من الشباب أعضاء بعثات أجنبية استعاروا سفينة مصرية بضباطها وبحارتها واشتركوا مع بعض الاختصاصيين المصريين في دراسة مستفيضة لمياه البحر الأحمر والمحيط الهندي، وما تكنه من أسرار حية وجامدة. وكان من نصيب الدكتور حسين أن يركب هذه السفينة طوال رحلتها الهندية، وأن يشترك في بحوثها العلمية ويشرف على صحة ركابها. وهو يصف كتابه بأنه مستوحى من تلك الرحلة دون أن يكون له علاقة بالقصة الرسمية، وإنما هو صفحات ضمنها صوراً وخواطر أوحت بها جولاته في أنحاء المحيط الهندي، وحياته على ظهر السفينة «دون ادعاء أو حذلقة فنية».
كما يصف العمل بأنه بسيط العبارة يسرد الأحداث، ويصف الوقائع ليس تبعاً لقيمتها، بل تبعاً لما أثارته في نفسه من إحساس وفي ذهنه من تفكير.

مع التماسيح
من الوقائع والمشاهدات العجيبة التي يوردها الكتاب، ما حدث على نحو عشرة كيلومترات من مدينة كراتشي بالهند، حيث «مقام» لرجل مبروك حوله ينابيع ماء بارد وساخن وبركة يعيش في مياهها أكثر من مائة تمساح، وقد أحيطت بسور يطل منه الزائر على تلك الزواحف المفزعة وهي ممددة على شاطئ البركة كأنها جذوع أشجار لا تتحرك إلا حين تلقى إليها النذور من الأغنام المذبوحة. ويؤكد الدكتور حسين، أن من حسن حظه أنه لم ير يوم زيارته نذراً ولا ناذراً. لكن ما هي حكاية هذا الرجل المبروك؟ يقال إن اسمه «مانجويير»، وكان فقيراً هندوسياً، ويقال إن أصل التماسيح عائلة رجل شرير استولى على أموال اليتامى والأيامى إلى آخر ما هنالك من ضروب الشرور التي يظهر أنها كانت تلقى في العصور الخالية عقوبات أشد صرامة مما نعرف في عصورنا المادية، وجاء الشيخ مانجويير فدعا على المعتدي وأسرته أن يتحولوا إلى تماسيح وقد كان له ما أراد!

جزيرة عجيبة
يبرز أسلوب حسين فوزي الذي يتسم بأناقة مخيلة ورشاقة أسلوبية وروح مرحة، فيروي أنه هبط إلى مجموعة من الجزر المهجورة على مقربة من شاطئ حضرموت، المسكون منها واحدة فقط تسمى جزيرة «الحلانية»، لافتاً إلى أن مجموع سكانها نساء ورجالاً لا يتعدى أبطال حكاية «علي بابا والأربعون حرامي»، ويعيشون في بضع عشرة كوخاً من حجارة رص بعضها فوق بعض بغير خرسانة، وغُطيت سطوحها بأعشاب البحر المجففة لا زرع فيها ولا ضرع، وثمة عين ماء آسن لا ثانية لها تروي ظمأ عرب الحلانية، وبضعة حجارة تحيط بمصلاهم وأخرى تدل على موتاهم. لا هم في طريق قوافل أو بواخر، ولا هم يستطيعون التجوال خارج الحدود المحمية، حيث يصيدون السمك بالحراب، بينهم وبين العمار سفر أيام وليال تقل وتكثر تبعاً للريح حين تملأ شراع المراكب. الغرباء يمرون بهؤلاء السكان فيقايضونهم على أسماكهم الجافة بخبز وأرز.
بحس فكاهي يحكي مغامرته في تلك الجزيرة قائلاً «دخلنا ذات عصر بين جزر خوريا موريا وألقينا مرسانا أمام الحلانية، وكنت أراقب الشاطئ بمنظاري فرأيت راية حمراء وقف بجوارها رجل، نزلنا بأرض الجزيرة ولم تكن الراية سوى شال عمامة شيخ الحلانية نشره فوق عكازه واجتمع حوله بضعة أفراد حفاة نصف عراة واسعي المحاجر هابطي الوجنات تبرق عيونهم جوعاً. كانوا رجال حكومة الحلانية، فهذا الكبير الرأس المقطوع الأذن هو وزير الحربية، ولا ريب فهو قلق يكشر عن أنيابه بلا سبب واضح، أما هذا الربعة الحديد يحمل حربة الصيد فلعله وزير الاقتصاد، ويظهر أن الشيخ يجمع إلى رئاسة الحكومة وزرات الأديان والصحة والمعارف والخارجية. وقد اجتمعت حكومة الحلانية في أصيل هذا اليوم على شاطئ ثغرها المنيف لمفاوضات مهمة مع قبطان سفينتنا موضوعها رغيف عيش نتعشى به، وقمت أنا بمهمة الترجمة بين شيخ العرب وبين القومندان الاسكتنلندي. ولعل الذكاء المصري كان عوني على أعمال الترجمة أكثر من لغتي العربية؛ فهذا الشيخ أو هذا الرئيس للحكومة يتكلم العربية بلغة قحطانية أو حميرية أو حضرمية ولما كنت ضعيفاً نوعاً في فهم اللهجات فقد اعتمدت على نظري أكثر من سمعي في فهم ما يقوله الشيخ، ويقيناً كان يطلب منا رغيف عيش يتعشى به. وقد فهمت أنه مضى على آخر سفينة وقفت بجزيرتهم خمسون يوماً، وقد فرغ خبزهم وأرزهم فهم لا يأكلون منذ أسبوعين سوى السمك المشوي ويخشون أن تنبض بئرهم الوحيدة فيموتون عطشاً.
ويقارن بين تلك الجزيرة وبين ما أحس به حين كان في زيارة لجزيرة «سان» أمام ساحل فرنسا الشمالي الغربي؛ فقد رأى هناك جزيرة منخفضة يعيش بضعة آلاف من أهلها تحت رحمة موجة عنيفة من أمواج المد تجرفهم وتترك جزيرتهم لا أثر فيها ولا حياة، مشيراً إلى أن ثمة إحساساً ضيقاً يعتريه أمام هذا الفزع الخيالي ناشئاً عن عدم توصله إلى فهم الدافع لهذه البشرية أن تصر على العيش تحت سيف الخطر على مقربة من فوهات براكين غادرة مثل «سترومبلي» و«كاراكاتوا» التي تصب حممها المدمرة بين الحين والآخر!

فتاة بومباي
حين يصف الدكتور حسين فوزي بعض المدن يكتب ما يعتقده بصراحة ودون تجميل أو دبلوماسية. يقول على سبيل المثال «بومباي حاضرة كبرى اجتمع لها من ضروب السوء المعماري مما يكفي أن يطمس على جمال فلورنسا وروما وباريس وفيينا، ولو أن طيراً أبابيل تكلفت بعملية توزيع بعض مباني بومباي فحملتها وألقتها على هذه المدن فإنه يمكنك أن تقول يا رحمن يا رحيم على فن العمارة في حواضر الجمال! والسبب في ذلك يعود برأيه إلى أن العهد الفيكتوري في عمارتها امتزج أقبح امتزاج بالفن الإسلامي الهندي فكانت النتيجة تلك القباب والأعمدة التي تقذي العين بصلفها وغطرستها ولا منطقيتها.
ويمتدح الذوق والرقي لدى المرأة الهندية، معلقاً على فتاة رآها في بهو الفندق تنتمي إلى طائفة خرجت من إيران بعد الفتح الإسلامي واستقرت في مدينة سكانها أهل جاهٍ وثراء، فهم يمتلكون المصانع والمصارف والمتاجر في بومباي، وتتكون منهم أرستقراطية مالية في بلد المال، بيض الوجوه رقيقو الحاشية، تمتاز نساؤهم بحسن الذوق بملبسهن فلا يتخيرن تلك الألوان التي تتكالب عليها بعض النساء هناك هي والعطور والبخور لتوقعك في شبه إغماء مزمن من طول إقامتك في الهند.

أحفاد بن بطوطة
يتوقف دكتور فوزي بشكل خاص عند جزيرة المهل في مالي، والتي سبق وكتب عنها رحالة المغرب بن بطوطة قبله بستمائة عام قائلاً «ولقد زرت الجزر بعدك بستمائة عام فوجدت النساء محجبات يتوارين خلف الأبواب؛ إذ ما مر بها الغريب ويرمقنه بعيونهن الحوراء الحارة من فوق أسوار حديقتهن».
ويسهب في وصفه لتلك المغامرة قائلاً «لمست أقدامي الجزيرة وأنا أتحرق شوقاً لمشاهدة الجزر التي سبق وكتب عنها رحالة طنجة الفذ ابن بطوطة وأمنّي نفسي بلحظات هي ملك للفن الخالص حين أمتع سائر روحي برؤية الجمال الرائح والغادي في غير احتشام زائف وخجل متصنع. بدت لنا الجزيرة كالأحلام ونحن نراها على امتداد البصر زمردة في عقد الجزر المرجانية التي تحيط باللاجون. ميناء طبيعي تحيط به مجموعة من الجزر تتخللها منحدرات خطيرة لا سبيل إلى اجتيازها أو تتحطم السفن فيها تحطيماً ما عدا المعبر الوحيد الذي لا يسلكه إلا كل ملاح قدير».
ويخلص الدكتور حسين فوزي في كتابه الشيق المبكر إلى أنه ركب البحر كثيراً قبل أن يعيش تسعة أشهر بطولها على ظهر هذه السفينة العلمية فلم يعرف إلا القليل عن حياة البحر، ذلك أن المسافر بالبواخر الكبيرة يعيش داخلها أكثر مما يعيش على سطحها وهو في اللحظات التي يتمشى ويلقي نظرة عابرة على البحر مرة مقابل عشر نظرات فضولية للركاب من حوله. وهكذا لا يعرف البحر إلا من يكابده على ظهر سفينة صغيرة طولها لا يتعدى الأربعين متراً، وحمولتها ثلاثمائة طن.



هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟
TT

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي هي في جوهرها معركة ثقافية تتعلق بتزييف الوعي العام وخداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائر رأسمالية تستهدف تحقيق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض وموارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً.

ويقول أرنو توريا كلوتييه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى، إن جميع من في العالم أصبحوا من أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الجديدة» وأننا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك.

إن لديهم أسباباً وجيهة للقلق؛ فإذا كان الجميع ذوي توجه أخضر، فكيف نبرر الكارثة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضطرابات المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بالأساس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضاً أعداء شرسين، والمدهش أنه حتى المرتزقة، عديمو الرحمة، يتخفون وراء شعارات نبيلة يأتي في مقدمتها اللون الأخضر.

ويوضح العلماء الثلاثة أن البيئة ليست مسألة بسيطة تتعلق بقناعات أخلاقية أو سياسية، كما أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تلك المفروضة على معظمنا للعمل لمصلحة شركة كبيرة ملوثة للبيئة، أو استخدام سيارة للذهاب إلى العمل أو شراء أغذية غير عضوية لأنها أرخص، أو المعاناة من التلوث الناتج عن منجم أو ازدحام السيارات أو الإسراف في استخدام الطاقة لتدفئة المساكن السيئة العزل، بل أيضاً القيود المفروضة على معظم الشركات لخفض التكاليف عن طريق زيادة التلوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة من خلال إغفال هذه القيود وكيفية تطبيقها بلا مساواة، ومن ثم قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا جميعاً في القارب نفسه. هذا الوهم جميل بقدر ما هو خطير.

إن المصدر الرئيس للأزمة البيئية هو أننا نستهلك كثيراً، فإذا تمكنا من استهلاك ما هو ضروري فقط لتلبية احتياجاتنا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحياناً التخلص من الشعور بالذنب إزاء إقدامنا على شراء ملابس جديدة، فهم يودون أن يضعوا كل ثقل خيارات الاستهلاك على عاتق المستهلكين وحدهم كأفراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مواطنات ومواطنين يتمتعون أيضاً بسلطة اجتماعية.

ويلفت العلماء إلى أنه في جوهر هذه الحجة تكمن فكرة تفترض أن المستهلك ستكون لديه السلطة والسيادة أو حتى السيطرة الكاملة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فقط احتياجات المستهلكين، أليس كذلك؟

من وجهة نظر أخلاقية يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن من المغالطة والتضليل تحميلنا نحن المستهلكين العاديين مسؤولية انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج القلم الذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنتاجه، فضلاً عن الظروف البيئية والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضاً ممارسة سيطرة حقيقية على هذا الإنتاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأساس ملكاً للشركة، إذ يكون الزبون بعيداً جداً عن أن يكون المالك.

والمؤكد أن الاستهلاك ليس بالضرورة عملاً من أعمال الحرية، ففي أميركا الشمالية أصبح شراء سيارة ضرورة في بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نقل عام كبيرة، ففي ثلاثينات القرن العشرين قلصت شركات «ستاندرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شبكة النقل العام للترام الكهربائي وتفكيكها في 45 مدينة بالولايات المتحدة. وهو ما يثبت أن الخضوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بالأمر النادر بل إنه اتجاه قوي في السوق يفضل تركيز رؤوس الأموال ومركزيتها من خلال السباق المستمر لتحقيق الأرباح.

كما أن جزءاً لا بأس به من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستهلاكنا غير مرغوب فيها بقدر ما هي مقيدة، خاصة بالنسبة للفئات الأشد فقراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كانوا يعيشون خارج المراكز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة.

وخلافاً للفرد الثري الذي يسافر عدة مرات في السنة بالطائرة، فإن الانبعاثات الصادرة عن الأشخاص الأقل حظاً ليست من باب الرفاهية، لكنها في كثير من الأحيان ضرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية اليوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضاً إلقاء اللوم على أفراد هذه الأسرة لعدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خارج ميزانيتهم في ظل خضوع المواد الغذائية لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى.

ويخلص العلماء الثلاثة إلى أنه بالطريقة نفسها فإن الأسر ذات الدخل المنخفض التي تكون من فئة المستأجرين عموماً نادراً ما تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحياناً إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز.

وفي كثير من الأحيان تكون مبانيها معزولة عزلاً سيئاً، فضلاً عن أنه نادراً ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قد تعمل بالفحم أو الغاز، كما يمكن أن تؤدي معايير البناء المطبقة حالياً أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة.


شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى
TT

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع الصامتة، وذلك في مجموعتها القصصية «صندوق أرابيسك» الصادرة أخيراً في القاهرة عن دار «الأدهم».

فضلاً عن أن النصوص تطمح في مجملها لأن تكون لسان حال الشخصيات الصامتة، معبرةً عن أحلامها وصدماتها الدفينة التي يبدو أنها استقرت في «صندوق» مغلق لم يعد بإمكان أحد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو أن تلك الشخصيات أدمنت السكوت واعتادت التجاهل من الآخرين، حتى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل».

على هذه الخلفية، تتعدد النماذج المثيرة للتأمل بين دفتي المجموعة مثل العجوز البسيطة ذات الملابس المهترئة التي تريد أن تصبح واحدة من «حفيدات السندريلا»، والأب الذي يشعر بالعجز وهو يطالع عبر واجهات المحال أسعار الملابس الضرورية لابنته، فضلاً عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طاقة تحرر داخلية والخوف الذي يصبح إدماناً والدموع التي تصدر عن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين.

تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كأداة لعرض الحدث، فضلاً عن اللجوء إلى التصوير الفانتازي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق.

ويبدو أن اسم المجموعة «صندوق أرابيسك» يكتسب دلالته ورمزيته من حالة التعقيد والتشابك، كما في فن الأرابيسك، التي تعكس واحدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخل المجموعة، وكذلك حالة التكتم والسرية لهواجس الإنسان المؤلمة التي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«وسط ظلام ليلة عاصفة تنازل فيها القمر عن عرش السماء، وقفت وحيدة مذعورة يلفها الصقيع ويتسلل إلى داخلها، يزلزلها، يكاد يقتلعها من مكانها، تحاول التشبث بالفراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتتساءل... كيف تبدل حالها هكذا ما بين عشية وضحاها؟ بالأمس القريب، كانت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطفال، تتردد أصداؤها في الفضاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أسرار حفظتها وأطبقت عليها بين الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق.

كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الدافئة في أعشاشها، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فزال عنها الرداء، وهجرها الأحباب، صارت قاحلة المحيا بذراعين مصلوبتين تستميتان من أجل البقاء، يمزق نياط قلبها إعراض الناس عنها حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والونس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً:

- ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!».