عمار الحكيم... من النفوذ المذهبي إلى الدور الوطني

TT

عمار الحكيم... من النفوذ المذهبي إلى الدور الوطني

مما لا شك فيه أن السيد عمار الحكيم أدرك المتغيرات العراقية وتسارع أحداثها، فرسم خط سيره أو مساره وفقاً لاعتبارات جديدة فرضت نفسها على الواقع السياسي العراقي؛ اعتبارات تتطلب عدم القطيعة مع الماضي، لكنها تحتاج إلى مراجعته بشجاعة، فأسرع إلى ضبط ثوابته الخاصة والعامة بما يتلاءم مع تحولات سياسية واجتماعية وثقافية، كانت «انتفاضة تشرين» بخصوصيتها الشيعية أبرز تحدياتها، بعدما تركت موجتها الأولى ضربات قاسية على جدران البيت السياسي الشيعي، وفرضت على قاطنيه وقائع جديدة لم يعد ممكناً تجاوزها أو إنكارها، وشكلت امتحاناً صعباً لهم، ولكل من عمل في الشأن العام بعد سقوط نظام البعث، وأجبرتهم على إعادة تقييم دورهم وتحديد حجم نفوذهم.
قبل الانتفاضة أعاد عمار الحكيم قراءة المشهد العراقي، وأسرع في التقاط الإشارات، فخرج بحكمة من الخاص المكوناتي إلى العام الوطني، متجاوزاً التكلفة العالية لخطوته، وحتى لو تسببت في خسارته لعدة امتيازات، لكنه انتزع فرصة مكنته الانتقال من النفوذ المذهبي إلى الدور الوطني، فخرج عن الجماعة الطائفية من دون أن يخرج من الطائفة أو يخرج عليها، وانتقل إلى الفضاء الوطني بشروطه الجامعة الأوسع من الجماعة الضيّقة، في مرحلة اصطدمت الهوية الخاصة بالعامة، بعدما أعاد العراقيون، وخصوصاً الشيعة، تعريف هويتهم الوطنية واكتشاف حساسيتها؛ حساسية دفعت شيعة العراق إلى بلورة فهم آخر لدورهم وحجمهم الوطني، وبرزت قناعتهم بأن الاندماج الوطني يحمي الانتماء الروحي والعقائدي، وبأن الدولة الجامعة وحدها تحفظ خصوصية الجماعة وتضمن سلامتها وسلامة أبنائها.
وهذا ما أشار إليه الحكيم في خطابه يوم الجمعة الفائت بقوله: «إننا نعتقد أيضاً بأن هويتنا الشيعية لا تصان وحقوقنا كمواطنين لا تُستوفى إلا بهويتنا الوطنية العراقية الجامعة التي نشترك فيها مع غيرنا من شركاء الوطن، وهذا حال جميع المكونات في البلاد».
في الحالة العراقية الشيعية وضع عمار الحكيم يده على الجرح، ولفت إلى أن الطائفة ستحظى بالأمان يوم يكون الوطن موحداً، فقد انتبه ونبّه أنه لم يعد ممكناً للأحزاب الإسلامية الشيعية أن تعتمد على نفوذها فقط وتستقوي بأغلبيتها لكي تستمر في مشروعها، وأن تشبثها بخطابها العقائدي على حساب الشراكة الحقيقية المتعددة مذهبياً وعرقياً لن يساعدها على تجنب خسائر تلوح في الأفق، تهدد تداعياتها بتفكك الوطن وخسارة السلطة، نتيجة سياسة الاستقواء الحزبي على المواطن والمذهبي على الدولة، تحت ذريعة المظلومية واستخدامها وسيلة لتهميش الآخر المختلف وإقصاء الداخل المعترض، وإعادة إنتاج استبداد الأحزاب ذات البعد الواحد على غرار استبداد الشخص الواحد أو الحزب الواحد، أو الطائفة الواحدة.
في خطاب ساحة الخلاني شخّص عمار الحكيم محنة الشيعة العراقيين والعرب، بعدما أدت سياسة الانطواء الشيعي في العراق بعد التغيير والتي يتحمل جزءاً من مسؤوليتها الخارج الإقليمي إلى تحويلهم من أغلبية وطنية عراقية إلى أقلية مذهبية عربية، وكما جرى في بعض الدول، حيث تم ربطهم بمشاريع نفوذ إقليمية أضرت بمصالحهم الوطنية، فتعطل اندماجهم الوطني، ودفعوا ثمن قيام من صادروا قرارهم بترسيم حدودهم داخل أوطانهم، ودفعهم إلى التصرف كأقلية قلقة تقدم الخاص على حساب العام، ما تسبب في تشويه علاقتهم بفكرة الدولة، وهو ما يخالف تراثهم الثقافي والاجتماعي وحتى موروثهم الروحي، وهذا ما ذهب إليه عمار الحكيم بشكل واضح وصريح في قوله إن « المسلمين الشيعة في العراق وفي المنطقة العربية وفي كل مكان سيتمسكون بخيار الدولة والمواطنة، وسيستوفون حقوقهم في ظل دولهم لا بمعزل عنها، كما هو الحال في بقية الطوائف والمكونات، فهم جزء رئيسي وأصيل من أوطانهم، وعليهم أن يشاركوا في صنع القرار بوصفهم بُناة دولة وأمة، لا بوصفهم أبناء طائفة منعزلة أو منغلقة أو مرتبطة بخارج الحدود».
وعليه فإن خطاب عمار الحكيم في توقيته، وظروفه مسؤولية عليه وعلى دعاة الوطنية الشيعية في رسم الحد الفاصل ما بين مشاريع النفوذ المذهبي، وبين الانتقال إلى الدور الوطني الواسع عراقياً وعربياً.



المنطقة التجريبية لنشر الجيش اللبناني في الجنوب مرهونة بتدخل واشنطن

جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

المنطقة التجريبية لنشر الجيش اللبناني في الجنوب مرهونة بتدخل واشنطن

جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

توقف مصدر دبلوماسي غربي بارز أمام الأجواء التي سادت اجتماع اليوم الأول من الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، برعاية أميركية، الذي عقد على المستويين السياسي والعسكري، وقال إنه لم يحقق أي تقدّم وكاد يراوح مكانه، كاشفاً عن أن السبب الأول والأخير يكمن في أن تصاعد وتيرة الخلاف بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو حول مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية حضر بامتياز من خلال المداخلات التي جرت بين الوفد الأميركي بشقيه العسكري والسياسي وسفير إسرائيل لدى أميركا يحيئيل ليتر الذي تحدث بلغة عالية السقوف؛ احتجاجاً على ضم إيران للخلية المكلفة بتثبيت وقف إطلاق النار ومراقبة تنفيذه بين «حزب الله» وإسرائيل، في مقابل عدم إلحاق بلاده بها.

ومع أن المصدر الدبلوماسي أكد أمام أصدقائه أن الخلية، كما أُبلغ لبنانياً، لم تشكَّل بصورة نهائية، وأن ما يتم تناقله حول تركيبتها يتراوح بين ثلاثية تضم الولايات المتحدة، ولبنان وإيران، ورباعية بانضمام قطر إليها، وخماسية بإلحاق باكستان بها، ما يعني أن حسم مَنْ تضم من الدول يبقى رهن المشاورات، ما يفسر عدم تبلُّغ لبنان رسمياً بأسماء الدول الأعضاء فيها ليكون في وسعه بأن يبني على الشيء مقتضاه، رغم أن لبنان يؤيد أي جهد لتثبيت وقف النار كمدخل للبحث في وضع جدول زمني لانسحاب إسرائيل، في مقابل نشر الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها تدريجياً.

نازحون عائدون إلى مدينة النبطية حيث الدمار يلف المكان (أ.ب)

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» من مصدر مواكب للأجواء التي سادت الاجتماع التفاوضي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، بأن السفير ليتر، الذي يرأس وفد بلاده إلى المفاوضات أبدى تشدداً باعتراضه على استبعاد بلاده من الخلية التي انبثقت عن بدء المفاوضات الأميركية - الإيرانية حول مذكرة التفاهم في سويسرا برعاية باكستانية - قطرية، في مقابل ضم إيران إليها، وهذا يخالف ما تعهّدت به الإدارة الأميركية بإخراجها من الملف اللبناني ونزع سلاح «حزب الله».

وقال المصدر إن رئيس الوفد الأميركي اضطر للتدخل مرات للرد على السفير الإسرائيلي في محاولة لتنعيم موقفه بطمأنته بأن إشراك إيران ضروري في الخلية لتضغط على «حزب الله» لإلزامه بالتقيد بما ورد في مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية بالحفاظ على وحدة لبنان وسيادته على كافة أراضيه.

ونقل عن لسان مصدر دبلوماسي أميركي في بيروت قوله إنه لا مجال للربط بين المسارين: اللبناني والإيراني، وقد حُسم ولا عودة عن القرار في هذا الخصوص. وهذا ما أكده الرئيس ترمب مراراً ويردده باستمرار وزير خارجيته ماركو روبيو، وبالتالي لا داعي للقلق ولا مبرر للتشدد من قبل إسرائيل، إفساحاً في المجال أمام التوافق على المنطقة التجريبية التي يفترض أن ينتشر فيها الجيش اللبناني بغياب أي سلاح غير شرعي التزاماً من الحكومة بحصريته بالدولة، على أن تكون النموذج الذي سينسحب تلقائياً على المناطق الأخرى التي يُفترض أن ينتشر فيها الجيش تدريجياً بعد انسحاب إسرائيل على دفعات من الجنوب حتى الحدود الدولية.

وكشف المصدر اللبناني عن أن الوفد العسكري حضر إلى واشنطن ولديه خطة متكاملة لانتشار الجيش في الجنوب في المنطقة التي تنسحب منها إسرائيل تباعاً، على أن يأتي انسحابها ضمن جدول زمني يتم الاتفاق عليه في مفاوضات واشنطن، في مقابل إخلاء «حزب الله» لجنوب الليطاني واستعداده للبحث في تسليم سلاحه بوصفه شأناً داخلياً، شرط أن يتعهّد بعدم استخدامه أو التنقل به وصولاً لاحتوائه بحسب الخطة التي كانت وضعتها قيادة الجيش وتبنّاها مجلس الوزراء لتطبيق حصرية السلاح.

وبالنسبة للمنطقة التجريبية التي طُرحت في جولة المفاوضات السابقة، فإن الأجواء المشحونة التي سيطرت على الاجتماع الأول من الجولة الخامسة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي على المستويين السياسي والعسكري حالت، كما يقول المصدر، دون التوافق على المنطقة التي ستكون نموذجاً مبدئياً لنشر الجيش، وإنما ضمن خطة تنسحب تدريجياً على المناطق الأخرى التي يفترض على إسرائيل أن تنسحب منها حتى الحدود الدولية.

مواطنة لبنانية تتفقد منزلها المدمر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة النبطية (أ.ب)

ورداً على سؤال، لفت المصدر إلى أن لبنان اقترح قبل اندلاع المواجهة بين «حزب الله» وإسرائيل، على امتداد الحافة الأمامية لشمال نهر الليطاني المطل على جنوبه، أن تضم المنطقة التجريبية الأولى قلعة الشقيف والبلدات المحيطة بها بهدف تحييد النبطية وجوارها عن الحرب المشتعلة بينهما، لكن بسبب احتلال إسرائيل قلعة الشقيف والبلدات المحيطة بها ومحاولتها السيطرة على تلة علي الطاهر قد نضطر لاختيار منطقة تجريبية بديلة ما دامت إسرائيل لن تنسحب من القلعة، فيما يرفض «حزب الله» إخلاء التلة؛ لما تتمتع به من موقع استراتيجي يطل على شمال إسرائيل.

ورأى أن عدم استعداد إسرائيل للانسحاب من الشقيف ودفاع «حزب الله» المستميت عن التلة قد يعطي الأولوية لاختيار البلدات الواقعة في قضاء صور؛ نظراً لأن القضاء أقل اشتعالاً من قضاء النبطية الذي يضم قرى تقع على الحافة الأمامية لشمال النهر المطل على جنوبه، إضافة إلى أن «حزب الله» يقاوم بشدة محاولات إسرائيل للسيطرة على تلة علي الطاهر كونها تشكل له خط الدفاع الأول والأخير عن مواقعه في شمال النهر.

وعليه، فإن اليوم التالي من الجولة الخامسة سيفتح الباب مجدداً أمام البحث بالمنطقة التجريبية وتحديد حدودها، وهذا يبقى رهن تدخل واشنطن الضاغط على تل أبيب لإقناعها بتسهيل انتشار الجيش في المنطقة النموذجية الأولى كبديل عن قلعة الشقيف وجوارها. فهل يتجاوب نتنياهو مع ترمب أم أنه يصر بالرد عليه في لبنان؟


خلافاً للمتوقع... النسيان يمنح الذكاء الاصطناعي فهماً أفضل

تفيد الدراسة بأن الذاكرة المحدودة قد تساعد النماذج على تعلّم القواعد بكفاءة أكبر
تفيد الدراسة بأن الذاكرة المحدودة قد تساعد النماذج على تعلّم القواعد بكفاءة أكبر
TT

خلافاً للمتوقع... النسيان يمنح الذكاء الاصطناعي فهماً أفضل

تفيد الدراسة بأن الذاكرة المحدودة قد تساعد النماذج على تعلّم القواعد بكفاءة أكبر
تفيد الدراسة بأن الذاكرة المحدودة قد تساعد النماذج على تعلّم القواعد بكفاءة أكبر

توصلت دراسة جديدة إلى أن تزويد النماذج بذاكرة محدودة تشبه بعض خصائص الذاكرة البشرية يمكن أن يحسن قدرتها على تعلم القواعد اللغوية، خصوصاً عندما تتدرب باستخدام كميات محدودة من النصوص.

اختبر الباحثان أبهيشيك ثاما من جامعة أمستردام، وميشا هايلبرون من معهد ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي فكرة قديمة في العلوم المعرفية، مفادها أن نسيان التفاصيل الدقيقة للكلمات والجمل قد يساعد الإنسان على التركيز على الأنماط المتكررة واستخلاص القواعد العامة للغة.

تعتمد نماذج اللغة الحديثة عادة على الاحتفاظ بقدر كبير من المعلومات عن الكلمات التي تعالجها داخل السياق. وقد يبدو منطقياً أن تؤدي زيادة المعلومات المتاحة للنموذج إلى تحسين عملية التعلم، لكنّ الباحثِين اختبروا فرضية معاكسة: هل يمكن أن يصبح النموذج أفضل إذا نسي بعض التفاصيل تدريجياً؟

لهذا الغرض، أضاف الفريق آلية بسيطة لتلاشي الذاكرة داخل نماذج لغوية مبنية على بنية «المحوّل» أو (Transformer). وأطلق الباحثون على هذه النماذج اسم «محوّلات الذاكرة العابرة»، لأنها لا تحتفظ بجميع الكلمات السابقة بالمستوى نفسه من الدقة.

مع مرور الكلمات داخل النموذج، تبدأ التفاصيل الأقدم في التلاشي، بينما تبقى الكلمات الأقرب متاحة بصورة أوضح. ويحاكي ذلك، بصورة مبسطة، الطريقة التي لا يحتفظ فيها الإنسان بالنص الحرفي الكامل لكل جملة يسمعها، لكنه يستطيع تذكر معناها وأنماطها الأساسية.

لفت البحث إلى أن النسيان التدريجي يدفع النموذج إلى التركيز على الأنماط العامة (شاترستوك)

التدريب على كمية لغوية محدودة

دُرّبت النماذج باستخدام معيار «BabyLM»، وهو مجموعة بيانات صُممت لتقريب كمية اللغة التي قد يتعرض لها الإنسان خلال مراحل النمو. وسمح ذلك للباحثين بمقارنة النماذج التقليدية مع النماذج ذات الذاكرة المتلاشية في ظروف لا تعتمد على مليارات الكلمات كما يحدث مع الأنظمة التجارية الكبيرة.

وأظهرت الاختبارات أن النماذج المزودة بآلية النسيان حققت أداء أفضل في تعلم اللغة وفي اختبارات تستهدف فهم البنية النحوية. كما استمرت النتائج عبر عمليات تدريب متعددة وانطلاقاً من إعدادات مختلفة للنماذج، ما أعطى مؤشراً على أن التحسن لم يكن نتيجة تجربة واحدة أو اختيار عشوائي محدد.

لكن الفائدة لم تتحقق من خلال النسيان وحده. فقد احتاج النموذج أيضاً إلى ما وصفه الباحثون بـ«الذاكرة الصدوية» القصيرة، التي تحتفظ بآخر ثلاث إلى سبع كلمات بصورة واضحة قبل أن تبدأ المعلومات في التلاشي.

توازن بين الحاضر والماضي

يبدو أن الجمع بين الذاكرة القريبة الواضحة والتلاشي التدريجي للمعلومات الأقدم كان العامل الحاسم في تحسين التعلم. فالاحتفاظ بعدد قليل من الكلمات الأخيرة يساعد النموذج على فهم العلاقات المحلية داخل الجملة، بينما يجبره نسيان الصياغات الأبعد على التركيز على الأنماط العامة بدلاً من حفظ التفاصيل الحرفية.

وتدعم هذه النتيجة اقتراحاً يعود إلى أبحاث في علم الإدراك خلال تسعينات القرن الماضي، يرى أن محدودية الذاكرة قد لا تكون مجرد عائق أمام تعلم اللغة، بل قد تكون جزءاً من الآلية التي تجعل التعلم ممكناً.

وتشير الدراسة أيضاً إلى أن نجاح نماذج «المحوّل» ذات القدرة الواسعة على الوصول إلى السياق لا يعني بالضرورة أن الذاكرة غير المحدودة هي الخيار الأفضل في جميع حالات التدريب، خصوصاً عندما تكون البيانات المتاحة قليلة.

توصل الباحثون إلى أن تحسّن التعلّم اللغوي لم يؤدِ إلى محاكاة أدق لسرعة القراءة البشرية (شاترستوك)

التحسن اللغوي

كشفت التجربة في الوقت نفسه عن نتيجة غير متوقعة، حيث حسنت التجارب العابرة تعلم اللغة وفهم القواعد وخفضت قدرة النماذج على توقع الزمن الذي يحتاج إليه البشر لقراءة الكلمات والجمل.

ويستخدم الباحثون عادة مقياساً يعتمد على مدى مفاجأة الكلمة داخل السياق للتنبؤ بسرعة القراءة البشرية. وفي دراسات كثيرة، يرتبط تحسن أداء النموذج اللغوي بقدرته الأفضل على توقع سلوك القارئ، لكن الدراسة الجديدة لم تجد هذا الارتباط.

ولم تتمكن التفسيرات الحالية من توضيح سبب هذا الاختلاف. ويشير ذلك إلى أن الآليات التي تساعد النظام على تعلم اللغة بكفاءة قد لا تكون هي نفسها التي تمكّنه من محاكاة طريقة معالجة الإنسان للغة أثناء القراءة.

دلالات لتطوير نماذج أصغر

لا تعني النتائج أن النسيان سيجعل جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي أفضل، فالدراسة تمثل اختباراً أولياً على نماذج صغيرة وفي ظروف تدريب محددة. لكنها تطرح اتجاهاً مختلفاً عن السعي المستمر إلى توسيع الذاكرة والسياق وحجم البيانات.

وقد تساعد قيود الذاكرة المصممة بعناية على بناء نماذج تتعلم بصورة أكثر كفاءة عند نقص البيانات، أو على تطوير أنظمة أصغر تستطيع استخلاص القواعد بدلاً من الاعتماد على حفظ أكبر كمية ممكنة من النصوص. وتفتح الدراسة بذلك سؤالاً جديداً أمام أبحاث الذكاء الاصطناعي: هل تحتاج النماذج دائماً إلى ذاكرة أكبر أم أن القدرة على نسيان المعلومات غير الضرورية قد تكون جزءاً من التعلم الأفضل؟


اغتيال عناصر القوات السورية... نمط متكرر وخلل أمني كبير

عناصر من الجيش السوري على مركبة عسكرية في دير حافر بريف حلب خلال يناير 2026 (رويترز)
عناصر من الجيش السوري على مركبة عسكرية في دير حافر بريف حلب خلال يناير 2026 (رويترز)
TT

اغتيال عناصر القوات السورية... نمط متكرر وخلل أمني كبير

عناصر من الجيش السوري على مركبة عسكرية في دير حافر بريف حلب خلال يناير 2026 (رويترز)
عناصر من الجيش السوري على مركبة عسكرية في دير حافر بريف حلب خلال يناير 2026 (رويترز)

لم تكن عملية اغتيال عنصرين تابعين للجيش السوري قرب مدينة منبج شرق حلب، مؤخراً، الأولى من نوعها، بل مثّلت نمطَ هجمات متكرراً ضد القوات الحكومية، كاشفةً عن خلل إداري وأمني كبير تستغله التنظيمات المناهضة للإدارة السورية الجديدة في استهداف المنتسبين.

وأكدت إدارة الإعلام والاتصال بوزارة الدفاع السورية، في 20 يونيو (حزيران) الحالي، مقتل جنديين ينتميان إلى «الفرقة الـ76»، إثر تعرضهما لاستهداف من قبل مجهولين قرب مدينة منبج، وكانا يستقلان دراجة نارية على أحد الطرق القريبة من منبج عندما تعرضا لإطلاق نار مباشر.

ورصدت «الشرق الأوسط»، منذ سقوط نظام الأسد، كثيراً من الحوادث المشابهة ضد عناصر الأمن والجيش السوري، غالباً ما تقع خلال توجههم إلى نقاط خدمتهم أو مغادرتهم إياها، مستقلين دراجات نارية أو متنقلين بشكل متقطع، وهو ما يعدّه كثيرون غياباً لتدابير الحماية ولتنظيم آلية إبدال الأفراد.

وشهد ريف حلب كثيراً من حوادث الاغتيال خلال هذا العام، أبرزها مقتل عنصرين من الجيش السوري في مارس (آذار) الماضي، وآخر يتبع وزارة الداخلية في شهر أبريل (نيسان) الماضي، قرب بلدة الراعي، وغيرهما من الحوادث التي جرت في غالبية المحافظات السورية من درعا واللاذقية وريف حماة وحمص.

إحراج الدولة السورية

ازدادت المطالب التي تحث المنتسبين على تجنب التنقل الفردي وعلى عدم ارتداء الزي العسكري أو استخدام الدراجات النارية في المناطق المنقطعة التي ترتفع فيها معدلات الخطر ويصعب وصول الدعم إليها.

وهذا ما شدد عليه أيضاً مدير مكتب وزير الداخلية السوري، الرائد خالد العبد الله، في حديثه عن وجود تعاميم متكررة من وزارتي الدفاع والداخلية، تخص منع ارتداء الزي الرسمي خارج أوقات العمل، وضرورة التزام إجراءات الأمان المطلوبة في ظل الأوضاع السورية الراهنة. وهو يرى أن الهدف المباشر من هذه العمليات التي تشنها الجماعات المناهضة للإدارة الجديدة، من تنظيم «داعش» وفلول النظام البائد، يتمثل في «محاولة إحراج الدولة السورية».

هجوم استهدف حافلة مبيت للجيش السوري على طريق رأس العين كانت آتية من قاعدة الرميلان بالحسكة يوم 11 مايو الماضي (متداولة)

ورغم تأكيده على العمل الحثيث لبسط الأمن والقضاء على التنظيمات والجماعات المسلحة، وقطع شوطٍ كبيرٍ على هذه الطريق الشاقة، فإنه لم يفوت فرصة الإشارة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى «استمرار التحديات الداخلية والخارجية التي تعمل الدولة السورية على تجاوزها وإنهاء خطرها».

تشييع أحد عنصرين في الجيش السوري بعد استهدافهما من قبل مجهولين قرب منبج شمال شرقي حلب يوم 20 يونيو (سانا)

منبج أخطر الطرق

وتحدث أبو محمد الحسين، المسؤول عن كتلة حواجز في ريف حلب الشرقي، عن وجود مشكلة في عملية تنقل الأفراد، وعن طلبهم المتكرر توفير حافلات مبيت لإبدال عناصر المناوبات، خصوصاً في المناطق الريفية البعيدة عن مركز المدينة.

وأشار الحسين إلى تعرض أحد عناصر كتلته لمحاولة اغتيال على طريق منبج - الباب بريف حلب الشرقي، في نهاية شهر مارس الماضي؛ مما دفعه إلى إصدار أوامر خاصة بحركة تنقل عناصره.

وقال إن «سيارة مدنية عرضت نقل أحد عناصري إلى مدينة حلب، لكن وبعد قطعهم أميالاً عدة تذرعوا بأمر طارئ للعودة، وفور نزوله أطلق مرافق السائق رصاصات عدة من مسدسه على العنصر؛ اثنتان ارتطمتا بجعبة مخازنه وواحدة اخترقت قدمه، لينجو منها بأعجوبة».

وأوضح أن قرار تبديل المناوبات «يُتخذ مركزياً من قبل قادة القطاعات، وغالباً ما تُجرى العملية ليلاً؛ بسبب مناطق الخدمة البعيدة عن السكن... إضافة إلى قرار منع حمل السلاح والتجول في المناطق السكنية، وهذا الأمر يسهل استهداف العناصر».

ويضيف: «مع تكرار حوادث محاولات الاغتيال، أصدرت قراراً بمنع تبديل المناوبات ليلاً، وحظر التنقل بالسيارات المدنية أو الدرجات النارية التي أصبحت أيضاً هدفاً سهلاً، وحصره في السيارات التابعة لأمن الطرق».

وأكد أيضاً أنهم في انتظار الاستجابة لطلب تخصيص حافلة لنقل عناصر الحواجز الأمنية والعسكرية المنتشرة على طول طريق حلب - منبج، وهي «من أخطر الطرق البرية، التي تربط حلب بالأطراف وبمحافظة الرقة، إضافة إلى طبيعة المنطقة التي ظلت لسنوات تحت سيطرة النظام البائد و(قسد)».

صورة لما بعد تفجير حافلة مبيت كانت تنقل موظفي حراسة أمنية في حقل التيم بدير الزور خلال أكتوبر 2025 (متداولة)

منع الاحتفاظ بالأسلحة

ويختلف حيدر المحمد، وهو عنصر مهام خاصة، مع ما قيل، وعدّ أن «سيارات المبيت فعلياً هي الهدف السهل، وغالباً ما تتعرض للاستهداف؛ مما يجعل عملية تأمين العناصر تتجاوز هذه المشكلة بالضرورة».

ويرى أن القرارات التي جردت المنتسبين من الحفاظ على سلامتهم وهويتهم، هي السبب المباشر في ارتفاع معدلات الاغتيال، إلى جانب الحالة الاستثنائية التي تعيشها البلاد وعملية «تنظيف الجماعات التي تعتقد أنها قادرة على خلق الفوضى والرعب».

ويوضح أن أحد أهم هذه القرارات كان «منع ارتداء اللثام، ومنع الاحتفاظ بالأسلحة المقيدة، والتشديد على عدم حمل السلاح الشخصي، إلى جانب التساهل في قضية ارتداء الزي الرسمي، وبالتالي يكون العنصر مكشوفاً وهدفاً سهلاً لهذه الجماعات وهو دون سلاح للمقاومة».

في هذا الخصوص، يؤكد الرائد خالد العبد الله، على أن المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية تعمل على «تنفيذ حلول لتسهيل وتخفيف الحركة المنتظمة، بما يسهم في إنهاء الخطر، وتعزيز أمان منتسبيها».

ويشير أيضاً إلى أن حوادث الاستهداف ونمطها «يؤكدان عشوائيتها، فعدم اختيار أهداف محددة أو معرفة مسبقة بالعناصر المستهدفة محاولةٌ لخلق الفوضى وإرباك الدولة السورية».