خزنة آمنة في شمال فرنسا لربع مليون قطعة من كنوز متحف اللوفر

لحمايتها من خطر الفيضانات

TT

خزنة آمنة في شمال فرنسا لربع مليون قطعة من كنوز متحف اللوفر

في إجراء يعدّ الأكثر طموحاً في تاريخه، شرع متحف اللوفر في تنفيذ مشروع مدته خمس سنوات لنقل ربع مليون عمل فني إلى موقع تخزين حديث للغاية على بعد 120 ميلاً في شمال فرنسا. على مدار 16 شهراً، قامت مجموعة من الشاحنات بنقل الكنوز بهدوء من الطابق السفلي للمتحف بوسط باريس، ومن غيرها من المواقع إلى مركز حفظ اللوفر، وهو حصن ثقافي أقيم في بلدة ليفين بالقرب من مدينة «لينس».
وجرى بالفعل نقل 100 ألف عمل فني، بما في ذلك اللوحات، والسجاد، والمنسوجات، والمنحوتات الكبرى، والتماثيل الصغيرة، والأثاث والقطع الزخرفية التي يعود تاريخها إلى العصور القديمة وحتى القرن التاسع عشر.
ومع إغلاق المتاحف في فرنسا بسبب الوباء، أصبح لدى جان لوك مارتينيز، مدير متحف اللوفر، متسع من الوقت. وبالفعل قام الثلاثاء الماضي باصطحاب مجموعة صغيرة من المراسلين الصحافيين في جولة في الموقع التشغيلي الجديد، والذي يهدف إلى أن يصبح أحد أكبر مراكز البحوث الفنية في أوروبا واستقبال خبراء المتاحف والعلماء من جميع أنحاء العالم. يقع متحف اللوفر على أرض منخفضة على طول ضفاف نهر السين. وفي عام 2016، كانت الفيضانات في باريس شديدة لدرجة أن المتحف تعرض للتهديد؛ مما أدى إلى تنفيذ عملية طارئة على مدار الساعة لتغليف القطع ووضعها في صناديق لنقل آلاف القطع الفنية من المخزن تحت الأرض إلى أرض مرتفعة. بدأ مشروع الحفظ في مدينة ليفين بتكلفة 60 مليون يورو (نحو 73 مليون دولار) في أواخر عام 2017، في استجابة حتمية لارتفاع النهر الذي لا يمكن التنبؤ به.
وخلال الجولة، قال مارتينيز «الحقيقة هي أن متحفنا في منطقة فيضان، وكان لا يمكنك التقاط وتحريك المنحوتات الرخامية. كان هناك خطر من ارتداد مياه الصرف الصحي، وفي هذه الحالة كان من الممكن أن تتسبب المياه القذرة ذات الرائحة الكريهة في إلحاق الضرر بالأعمال الفنية، وكان علينا إيجاد حل عاجل».
فكر متحف اللوفر قبل أن يرفض فكرة بناء موقع قريب من باريس نظراً للتكاليف الباهظة وغير العملية. وبدلاً من ذلك، اختار المتحف منطقة «ليفين» التي تبعد 10 دقائق سيراً على الأقدام من ملحق متحف اللوفر في بلدة لينس المجاورة والذي افتتح في عام 2012.
الجدير بالذكر، أن هذه المنطقة من فرنسا التي كانت يوماً ما مركز تعدين مزدهراً لم تتعافَ بعد اقتصادياً من القصف الذي عانت منه في الحرب العالمية الأولى وانهيار صناعة الفحم. كانت السلطات المحلية شديدة الحرص على توسيع وجود متحف اللوفر وجذب الزوار لدرجة أنها باعت جزءاً كبيراً من الأرض لمركز الحفظ مقابل مبلغ رمزي قدره يورو واحد.
يبدو الهيكل الزجاجي والخرساني والفولاذي، الذي افتتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 وكأنه مخبأ على طراز «باوهاوس» مدفون جزئياً وسط المناظر الطبيعية.
تمتص التربة الجوفية من الرمل الطباشيري فوق طبقة الأساس الطباشيرية الأمطار الزائدة، ويعمل نظام خاص لكشف التسرب على عزل السقف بشكل مزدوج. وقد تم تزويد المكان بأنظمة أمنية معقدة لحمايته من الاعتداءات الإرهابية والحريق، وهناك عدد من مصابيح الإضاءة الخضراء الساطعة المعلقة في جميع أنحاء المنشأة الغرض منها حبس وقتل أعداء خطرين مثل خنفساء الأثاث الشائعة. تقوم الشاحنات بنقل الأعمال الفنية إلى مرآب، حيث يتم تفريغها ووضعها في غرفة مؤقتة للتأقلم مع محيطها والتخلص من الملوثات. وهناك ستة أقبية تخزين ذات جدران خرسانية تمتد على مساحة تقارب 2.4 فدان. وهناك مساحات للحرفيين والمرممين والباحثين والمصورين من متحف اللوفر وكذلك مساحة للوافدين من المتاحف الأخرى أيضاً. يأمل متحف اللوفر أن يوفر الموقع يوماً ما ملاذاً للفن المعرض لخطر الدمار في البلدان التي تواجه الحروب والصراعات.
تجول مارتينيز في الأقبية بسقوفها المرتفعة وإضاءة الفلورسنت والنوافذ الممتدة من الأرض إلى السقف، وتوقف في أحدها، حيث تم تكديس قطع من الرخام والحجر مغلفة بالبلاستيك في صناديق خشبية على رفوف معدنية ثقيلة. وفي تصريح بنبرة اعتذار في صوته، قال مارتينيز «في مخزن محكم الإغلاق، ليس هناك الكثير لرؤيته. فكل شيء ملفوف بإحكام». وعلى رف مرتفع بالقرب من السقف، اكتشف مارتينيز عملاً معقداً من الرخام نحته الفنان بيرنيني ليكون قاعدة لتمثال قديم مشهور في متحف اللوفر. وبعد ذلك، على رف سفلي، أشار إلى قطعة من الحجر تزن 1300 رطل كانت ذات يوم جزءاً من مبنى بالقرب من الموقع اليوناني القديم، وكان ذلك تمثال «انتصار ساموثريس»، الذي يعد أحد أكثر التماثيل أهمية في مجموعة اللوفر. ي قبو قريب، قامت إيزابيل هاسلين، أمينة المعرض، بفحص وفهرسة أكثر من عشرة تماثيل صغيرة من الطين للإلهة الرومانية مينيرفا اكتُشفت في تركيا. قامت هاسلين برفع أحدها والذي أظهر امرأتين أخرجتهما للتو من درج خزانة معدنية، وشرحت كيف تم ترميمها بشكل سيئ بالغراء ودبوس معدني في الستينات. استطردت «نحن هنا قادرون على إجراء بحث عميق بعيداً عن صخب وضجيج باريس، وبعيداً عن القلق من الفيضانات. يا لها من راحة».
يضم متحف اللوفر 620 ألف عمل، وتعد مجموعة اللوفر الأكبر في العالم، حيث يعرض 35000 قطعة في باريس، في حين تضم باقي المتاحف الإقليمية الأخرى في فرنسا العدد نفسه تقريباً. وهناك أكثر من 250 ألف مطبوعة ومخطوطة هشة للغاية ولا تحتمل التعرض للضوء محفوظة في المخزن في متحف اللوفر في باريس في طابق مرتفع آمن من الفيضانات.
وبحسب لبريس ماثيو، مدير مركز الحماية، فإن القبو ليس الملجأ الوحيد للأعمال الفنية غير المرئية في متحف اللوفر؛ إذ إن بعضها مخفي في مناطق تخزين أخرى في أماكن مختلفة من المتحف ويجري الاحتفاظ بالبعض الآخر في أماكن سرية في جميع أنحاء البلاد، حيث تم نقلها للحفظ الآمن لسنوات. وبحلول نهاية ديسمبر (كانون الأول)، تم نقل 80 في المائة من الأعمال من مناطق الفيضانات.
في هذه العملية، قام القيّمون على المعرض ببعض الاكتشافات المدهشة، حيث اكتشفوا صندوقاً خشبياً مهملاً مليئاً بقطع خزفية عمرها 6000 عام من مدينة سوسة الفارسية القديمة قام المرممون بتجميعها في إناء. وهناك اكتشاف آخر من سوسة عبارة عن كتف حجري، وهو جزء من تمثال بالمتحف يبلغ عمره 4000 عام للإلهة «ناروندي». وفي حين كان مارتينيز يتجول في قاعات المركز بصحبة ماري لافاندير، مديرة متحف اللوفر في لينس، عثرا على صندوق جلدي من القرن الثامن عشر مزين بزهور ذهبية ربما كانت تحمل تاجاً. التقطت لافاندير صورة على هاتفها المحمول وقالت «أرى شيئاً كهذا، وأقول لنفسي، حقاً إننا نحمي كل كنوز المتحف ومراحل تطوره طوال تاريخه».
- خدمة «نيويورك تايمز»



بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
TT

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

عاد المخرج والمصوِّر السينمائي السعودي بلال البدر من لوس أنجليس عام 2017، وفي ذهنه درسٌ ظلَّ يرافقه طيلة 5 سنوات من العمل في هوليوود: لا تكفي المعدات الجيدة لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها. وحين أنجز «علكة» بعد نحو عامين من الكتابة والتحضير، اختبر ذلك الدرس بحكاية سعودية راهن فيها على الإنسان قبل الصورة.

شكسبير يكتب «شيلة»

مشروع بلال المقبل سيكون نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم (الشرق الأوسط)

أول قاعدة تعلّمها البدر خلال دراسته في لوس أنجليس هي أن القصة، أو السيناريو، تسبق كل شيء. ويقول: «منذ بداية دراستي السينما، كان التركيز على اتصال الفنان بذاته وثقافته، وأن يروي القصص التي يعرفها ويشعر بها».

ويضيف: «أتذكّر أول درس في مبادئ الإخراج، حين قال الأستاذ: أنا لا أستطيع أن أُخرج فيلماً يابانياً؛ لأنني لم أزر اليابان ولا أتحدث لغتها. بقيتْ هذه الجملة معي؛ لأنني أؤمن بأن السينما، في أبسط تعريفاتها، هي أن تروي قصة بالضوء. ولا تستطيع أن تروي قصة لا تعرف تفاصيلها، أو كما أحب أن أقول: ما تجيب (تُحضر) شكسبير يكتب (شيلة)».

ويؤكد البدر أنه خلال 5 سنوات قضاها في هوليوود، وجد أن كثيراً من الأفلام التي عمل فيها كانت تُصنع بمعدات واستوديوهات أقلّ بكثير مما هو متاح محلياً اليوم، لكن الاهتمام الأكبر كان بالكتابة والقصة. ويضيف: «عندنا أحياناً يحدث العكس؛ نبدأ بالكاميرا والاستوديو والتقنية، ثم نبحث عن القصة».

ويتابع: «إن كان هناك شيء واحد بقي معي من تلك التجربة، فهو أن الوصول إلى العالمية لا يكون بتقليد الآخر، ولا بجعل الآخر يروي قصصنا. العالمية تأتي عندما نحكي قصصنا نحن؛ من ثقافتنا وهويتنا، وهذا ما فعلته السينما الكورية حين جعلت قصصها محلية في أصولها، لكنها عالمية في وصولها».

«علكة»... رهان على الإنسان

«علكة» كان المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي (الشرق الأوسط)

يرى بلال البدر في فيلم «علكة» المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي. أنتج الفيلم على نفقته، ويسمّي الأمر «زكاة الفن»، وأمضى نحو عامين في إعداده.

واختار لبطولة قصة الحب طفلاً من ذوي «متلازمة داون»، وحرص على تقديمه بطلاً يقود الأحداث؛ لا حالة تستدعي شفقة المشاهد. يقول: «ركّزت عليه بصفته بطل فيلم سينمائي»، مضيفاً: «كان هو من يقود سرد القصة».

ويقول: «أعتقد أن (علكة)، الذي حصد 7 جوائز وأكثر من 35 ترشيحاً مهرجانياً، نجح في الوصول إلى العالم، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في إيصال رسالته إلى قطاع الأفلام في السعودية: أنك تستطيع الوصول إلى العالم بإمكانات بسيطة، إذا ركّزت على القصة وقدّمت شيئاً حقيقياً نابعاً من ثقافتك وهويتك».

امتد اهتمام المخرج السعودي بالإنسان؛ من شخصيات أفلامه إلى من يقفون أمام كاميرته... ففي «حكاية إنسان»، حقّقت حلقة ظهر فيها مندوب توصيل أكثر من مليون مشاهدة خلال أقل من 24 ساعة. ثم اتصل المندوب طالباً حذفها، رغم أنه وافق على التصوير، فاستجاب البدر فوراً.

ويقول إن فريقه أعدّ، في مناسبة أخرى، مادة تضمّ مندوبي توصيل تحدّثوا معه، لكنه امتنع عن نشرها بعدما رفضوا الظهور فيها. ويفسّر ذلك بقوله: «الإنسان أهم من المحتوى، ولا أريد أن أستغل أحداً لصناعة حلقة أو تحقيق مشاهدات».

صورة تخدم الحكاية

في «سِوار» كانت رواية القصة بإيقاع درامي هادئ وحركة الكاميرا محسوبة (الشرق الأوسط)

لا يمنح البدر الكاميرا حقّ قيادة الفيلم. ففي «سِوار»، الذي تولّى تصويره سينمائياً، يربط محدودية حركة الكاميرا بإيقاع القصة الهادئ. يقول: «في (سِوار) كنا نروي القصة بإيقاع درامي هادئ، ولذلك كانت حركة الكاميرا محسوبة ومحدودة. السؤال بالنسبة إليّ ليس: لماذا تتحرك الكاميرا؟ بل: لماذا تتحرك الآن؟».

ويضيف: «منذ بداية الفيلم كان الأسلوب البصري واضحاً؛ الكاميرا توثّق القصة، ولا تقترب منها كثيراً ولا تبتعد كثيراً إلا عندما يكون هناك دافع في القصة. تحرّكت الكاميرا عندما كان هناك حدث يستدعي الحركة، وثبتت عندما كان دورها أن تراقب. كثرة حركة الكاميرا تفقد الحركة معناها».

ورداً على سؤال عن أول قرار سيتخذه لو عاد إلى بداياته، يقول البدر: «سألغي محاولة ملاحقة (الترند) وتقليد نجاحات الآخرين. سأبدأ من ثقافتي وهويتي، ومن القصص الإنسانية التي تحرّكني وتشبهني، وأبحث عن الحكايات القريبة مني؛ عن الناس والتفاصيل التي أعرفها وأشعر بها، ثم أحاول أن أرويها بطريقتي».

يخطط البدر لأن يكون مشروعه المقبل نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم. يقول: «أريد أن أصنع فيلماً يشبهنا، ويحمل ثقافتنا، وفي الوقت نفسه يكون قادراً على المنافسة في شباك التذاكر والوصول إلى الجمهور العالمي».

ويرى أن المملكة تضمّ اليوم جيلاً جديداً من صنّاع الأفلام، ومواهب درست السينما وعاشت تجارب مختلفة، إلى جانب جمهور تغيّر كثيراً.


8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».