خزنة آمنة في شمال فرنسا لربع مليون قطعة من كنوز متحف اللوفر

لحمايتها من خطر الفيضانات

TT

خزنة آمنة في شمال فرنسا لربع مليون قطعة من كنوز متحف اللوفر

في إجراء يعدّ الأكثر طموحاً في تاريخه، شرع متحف اللوفر في تنفيذ مشروع مدته خمس سنوات لنقل ربع مليون عمل فني إلى موقع تخزين حديث للغاية على بعد 120 ميلاً في شمال فرنسا. على مدار 16 شهراً، قامت مجموعة من الشاحنات بنقل الكنوز بهدوء من الطابق السفلي للمتحف بوسط باريس، ومن غيرها من المواقع إلى مركز حفظ اللوفر، وهو حصن ثقافي أقيم في بلدة ليفين بالقرب من مدينة «لينس».
وجرى بالفعل نقل 100 ألف عمل فني، بما في ذلك اللوحات، والسجاد، والمنسوجات، والمنحوتات الكبرى، والتماثيل الصغيرة، والأثاث والقطع الزخرفية التي يعود تاريخها إلى العصور القديمة وحتى القرن التاسع عشر.
ومع إغلاق المتاحف في فرنسا بسبب الوباء، أصبح لدى جان لوك مارتينيز، مدير متحف اللوفر، متسع من الوقت. وبالفعل قام الثلاثاء الماضي باصطحاب مجموعة صغيرة من المراسلين الصحافيين في جولة في الموقع التشغيلي الجديد، والذي يهدف إلى أن يصبح أحد أكبر مراكز البحوث الفنية في أوروبا واستقبال خبراء المتاحف والعلماء من جميع أنحاء العالم. يقع متحف اللوفر على أرض منخفضة على طول ضفاف نهر السين. وفي عام 2016، كانت الفيضانات في باريس شديدة لدرجة أن المتحف تعرض للتهديد؛ مما أدى إلى تنفيذ عملية طارئة على مدار الساعة لتغليف القطع ووضعها في صناديق لنقل آلاف القطع الفنية من المخزن تحت الأرض إلى أرض مرتفعة. بدأ مشروع الحفظ في مدينة ليفين بتكلفة 60 مليون يورو (نحو 73 مليون دولار) في أواخر عام 2017، في استجابة حتمية لارتفاع النهر الذي لا يمكن التنبؤ به.
وخلال الجولة، قال مارتينيز «الحقيقة هي أن متحفنا في منطقة فيضان، وكان لا يمكنك التقاط وتحريك المنحوتات الرخامية. كان هناك خطر من ارتداد مياه الصرف الصحي، وفي هذه الحالة كان من الممكن أن تتسبب المياه القذرة ذات الرائحة الكريهة في إلحاق الضرر بالأعمال الفنية، وكان علينا إيجاد حل عاجل».
فكر متحف اللوفر قبل أن يرفض فكرة بناء موقع قريب من باريس نظراً للتكاليف الباهظة وغير العملية. وبدلاً من ذلك، اختار المتحف منطقة «ليفين» التي تبعد 10 دقائق سيراً على الأقدام من ملحق متحف اللوفر في بلدة لينس المجاورة والذي افتتح في عام 2012.
الجدير بالذكر، أن هذه المنطقة من فرنسا التي كانت يوماً ما مركز تعدين مزدهراً لم تتعافَ بعد اقتصادياً من القصف الذي عانت منه في الحرب العالمية الأولى وانهيار صناعة الفحم. كانت السلطات المحلية شديدة الحرص على توسيع وجود متحف اللوفر وجذب الزوار لدرجة أنها باعت جزءاً كبيراً من الأرض لمركز الحفظ مقابل مبلغ رمزي قدره يورو واحد.
يبدو الهيكل الزجاجي والخرساني والفولاذي، الذي افتتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 وكأنه مخبأ على طراز «باوهاوس» مدفون جزئياً وسط المناظر الطبيعية.
تمتص التربة الجوفية من الرمل الطباشيري فوق طبقة الأساس الطباشيرية الأمطار الزائدة، ويعمل نظام خاص لكشف التسرب على عزل السقف بشكل مزدوج. وقد تم تزويد المكان بأنظمة أمنية معقدة لحمايته من الاعتداءات الإرهابية والحريق، وهناك عدد من مصابيح الإضاءة الخضراء الساطعة المعلقة في جميع أنحاء المنشأة الغرض منها حبس وقتل أعداء خطرين مثل خنفساء الأثاث الشائعة. تقوم الشاحنات بنقل الأعمال الفنية إلى مرآب، حيث يتم تفريغها ووضعها في غرفة مؤقتة للتأقلم مع محيطها والتخلص من الملوثات. وهناك ستة أقبية تخزين ذات جدران خرسانية تمتد على مساحة تقارب 2.4 فدان. وهناك مساحات للحرفيين والمرممين والباحثين والمصورين من متحف اللوفر وكذلك مساحة للوافدين من المتاحف الأخرى أيضاً. يأمل متحف اللوفر أن يوفر الموقع يوماً ما ملاذاً للفن المعرض لخطر الدمار في البلدان التي تواجه الحروب والصراعات.
تجول مارتينيز في الأقبية بسقوفها المرتفعة وإضاءة الفلورسنت والنوافذ الممتدة من الأرض إلى السقف، وتوقف في أحدها، حيث تم تكديس قطع من الرخام والحجر مغلفة بالبلاستيك في صناديق خشبية على رفوف معدنية ثقيلة. وفي تصريح بنبرة اعتذار في صوته، قال مارتينيز «في مخزن محكم الإغلاق، ليس هناك الكثير لرؤيته. فكل شيء ملفوف بإحكام». وعلى رف مرتفع بالقرب من السقف، اكتشف مارتينيز عملاً معقداً من الرخام نحته الفنان بيرنيني ليكون قاعدة لتمثال قديم مشهور في متحف اللوفر. وبعد ذلك، على رف سفلي، أشار إلى قطعة من الحجر تزن 1300 رطل كانت ذات يوم جزءاً من مبنى بالقرب من الموقع اليوناني القديم، وكان ذلك تمثال «انتصار ساموثريس»، الذي يعد أحد أكثر التماثيل أهمية في مجموعة اللوفر. ي قبو قريب، قامت إيزابيل هاسلين، أمينة المعرض، بفحص وفهرسة أكثر من عشرة تماثيل صغيرة من الطين للإلهة الرومانية مينيرفا اكتُشفت في تركيا. قامت هاسلين برفع أحدها والذي أظهر امرأتين أخرجتهما للتو من درج خزانة معدنية، وشرحت كيف تم ترميمها بشكل سيئ بالغراء ودبوس معدني في الستينات. استطردت «نحن هنا قادرون على إجراء بحث عميق بعيداً عن صخب وضجيج باريس، وبعيداً عن القلق من الفيضانات. يا لها من راحة».
يضم متحف اللوفر 620 ألف عمل، وتعد مجموعة اللوفر الأكبر في العالم، حيث يعرض 35000 قطعة في باريس، في حين تضم باقي المتاحف الإقليمية الأخرى في فرنسا العدد نفسه تقريباً. وهناك أكثر من 250 ألف مطبوعة ومخطوطة هشة للغاية ولا تحتمل التعرض للضوء محفوظة في المخزن في متحف اللوفر في باريس في طابق مرتفع آمن من الفيضانات.
وبحسب لبريس ماثيو، مدير مركز الحماية، فإن القبو ليس الملجأ الوحيد للأعمال الفنية غير المرئية في متحف اللوفر؛ إذ إن بعضها مخفي في مناطق تخزين أخرى في أماكن مختلفة من المتحف ويجري الاحتفاظ بالبعض الآخر في أماكن سرية في جميع أنحاء البلاد، حيث تم نقلها للحفظ الآمن لسنوات. وبحلول نهاية ديسمبر (كانون الأول)، تم نقل 80 في المائة من الأعمال من مناطق الفيضانات.
في هذه العملية، قام القيّمون على المعرض ببعض الاكتشافات المدهشة، حيث اكتشفوا صندوقاً خشبياً مهملاً مليئاً بقطع خزفية عمرها 6000 عام من مدينة سوسة الفارسية القديمة قام المرممون بتجميعها في إناء. وهناك اكتشاف آخر من سوسة عبارة عن كتف حجري، وهو جزء من تمثال بالمتحف يبلغ عمره 4000 عام للإلهة «ناروندي». وفي حين كان مارتينيز يتجول في قاعات المركز بصحبة ماري لافاندير، مديرة متحف اللوفر في لينس، عثرا على صندوق جلدي من القرن الثامن عشر مزين بزهور ذهبية ربما كانت تحمل تاجاً. التقطت لافاندير صورة على هاتفها المحمول وقالت «أرى شيئاً كهذا، وأقول لنفسي، حقاً إننا نحمي كل كنوز المتحف ومراحل تطوره طوال تاريخه».
- خدمة «نيويورك تايمز»



مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)

أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري عن إطلاق منصة «شات EGYPT» لمواجهة الشائعات، ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، بوصفها أكبر منصة رقمية وتفاعلية موحدة لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن المنصة أداة ذكية للتحقق من المعلومات، وتعزيز إتاحة الحقيقة من مصدرها الرسمي.

ووفق ما ذكره مركز المعلومات على صفحته، الاثنين، «تمثل المنصة أداة متكاملة لرصد الشائعات والتحقق منها والرد عليها، اعتماداً على منهج مؤسسي يضمن إتاحة المعلومة الصحيحة من مصدرها الرسمي وفي التوقيت المناسب».

وتضم المنصة 4 أقسام رئيسية، هي: «ركن الأخبار، والتوعية، والإحصائيات، واستفسارات المواطنين».

وتعتمد المنصة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل النصوص والصور ومقاطع الفيديو، وربطها بالسياق الزمني والمعلوماتي الصحيح، بما يساعد على اكتشاف المحتوى المضلل والتلاعب بالمعلومات مبكراً، وفق ما نشره مركز معلومات مجلس الوزراء، مؤكداً أنه تم إدخال أكثر من 21 ألف عنصر بياني على المنصة حتى الآن، بالإضافة إلى التصريحات اليومية للمسؤولين في وسائل الإعلام.

وتعتمد المنصة على التكامل والتنسيق المؤسسي بين الوزارات والهيئات والمحافظات، من خلال نظام عمل لا مركزي يتيح لكل جهة رسمية إدراج البيانات والمعلومات المعتمدة الخاصة بها وفقاً لاختصاصاتها، بما يضمن سرعة تصحيح المعلومات المتداولة.

ووفق المتخصصة في الإعلام الرقمي وعضو مجلس إدارة مركز أبحاث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة الدكتورة سارة فوزي فإن «منصة Chat Egypt لمكافحة الشائعات التي أطلقها المنتدى خطوة مهمة نحو توظيف التكنولوجيا في خدمة الوعي ودعم التحقق من المعلومات، ومواجهة المحتوى المضلل، وتعزيز قدرة المواطن على الوصول إلى معلومات أكثر دقة وموثوقية».

وتضيف فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن المعركة الحقيقية مع الشائعة لا تبدأ بعد انتشارها، بل قبل ذلك من خلال بناء مناعة معرفية ورقمية لدى الجمهور؛ لأن حماية الوعي تبدأ من حماية الحقيقة، ومواجهة الشائعة تبدأ بمُواطن يعرف كيف يسأل ويتحقق قبل أن يصدق أو يشارك المعلومة، فيتحول هنا المواطن إلى مدقق معلومات بصورة استباقية بدلاً من تورطه في نشر الشائعة».

وتعد منصة «شات EGYPT» خطوة جديدة نحو سرعة رصد الشائعات، والتحقق منها، والرد عليها، بما يحد من انتشارها قبل اتساع نطاق تداولها، وفق ما ذكره مركز المعلومات.

ويرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا» محمد فتحي أن منصة «شات EGYPT» خطوة مهمة لمواجهة الشائعات، ونقل الأمر من منطق رد الفعل المتأخر إلى منطق الإتاحة الفورية للمعلومة الرسمية، في بيئة تنتشر فيها الشائعة أسرع من التصحيح.

مركز معلومات مجلس الوزراء يبرز منصة مكافحة الشائعات (فيسبوك)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح المنصة مرهون بعدة عوامل، أولها الدقة والتحديث المستمر، وكذلك الشفافية، وذكر المصدر في كل معلومة، والاعتراف بحدود ما تعرفه المنصة بدلاً من التخمين لمجرد الرد والاستجابة، وأيضاً سرعة الاستجابة نفسها وكذلك الانتشار والتوعية؛ فالمنصة لن تكون مفيدة ما لم تصل إلى الشباب على المنصات التي يستخدمونها بالفعل، كما أن مواجهة الشائعات لا تقتصر على الأدوات التقنية، بل تحتاج إلى تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، وإلى سياسة اتصال حكومي تتيح المعلومات استباقياً، فالمنصة أداة قوية، لكنها جزء من منظومة».

وكان مجلس الوزراء قد ناقش في ديسمبر (كانون الأول) ضرورة أن تكون هناك وحدات رصد مبكر في جميع الوزارات لرصد الشائعات وبحثها، والرد عليها وتفنيدها في مهدها؛ حتى يتم وضع حد مبكر لانتشارها.

وعدّت صاحبة مبادرة «ثورة الذكاء الاصطناعي» إيمان الوراقي هذه المنصة «خطوة مهمة؛ لأنها تنقل مواجهة الشائعات من ردود الفعل المتأخرة إلى التحقق السريع، وتمنح المواطن طريقاً مباشراً إلى المعلومة الموثوقة من مصدرها». وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الاختبار الحقيقي لهذه المنصة لن يكون مع إطلاقها بل عند أول شائعة كبرى تنتشر أسرع من قدرة المؤسسات على الرد عليها».

وأضافت الوراقي: «التحدي الحقيقي هو أن تقدم المنصة للمواطن (الحقيقة من مصدرها) بصورة سريعة، واضحة، ومسنودة بالأدلة، لا أن تكتفي بنفي ما يتم تداوله، كما أن مواجهة الشائعات لا تعني مطاردة كل منشور كاذب، فالأهم هو معالجة البيئة التي تجعل الشائعة قابلة للتصديق والانتشار، وفي مقدمتها غياب المعلومة أو تأخرها أو غموضها».

وتناول الاجتماع المشار إليه آنفاً لمجلس الوزراء «العمل على إعداد مشروع قانون ينظم إتاحة وتداول البيانات امتثالاً لحكم المادة (68) من الدستور، بما يحقق التوازن بين تحقيق الشفافية، وتوافر المعلومات والبيانات والإحصاءات، وحماية المعلومات والبيانات السرية، وبين تحقيق الردع والتصدي الفعال للشائعات والأخبار الكاذبة».


«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
TT

«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)

يقترب الفيلم الأردني «بومة»، الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، من حياة امرأة دفعتها نشأتها القاسية إلى انتزاع مكانتها داخل عالم تحكمه سطوة الرجال. ومن خلال بطلة تتوسل العنف لحماية نفسها، يفتح المخرج زيد أبو حمدان أسئلة عن الوصم والانتماء وحدود الخيارات المتاحة للنساء في بيئة اجتماعية تضيق فيها فرص الحماية والاستقلال، متتبعاً صراعها حين توقظ علاقتها بطفلين حاجتها إلى العائلة، وتضعها أمام مسؤولية الرعاية بعدما اعتادت مواجهة الحياة وحيدة.

وتؤدي الممثلة ركين سعد شخصية تحمل آثار الإقصاء في علاقتها بنفسها وبالآخرين؛ إذ نشأت من دون اسم عائلة يوفر لها الحماية، في بيئة يرتبط فيها الاعتراف الاجتماعي بالنسب وشبكات القرابة. ويصبح البحث عن مكان داخل هذا المجتمع معركة مستمرة، وتغدو قدرتها على فرض حضورها تعويضاً عن غياب السند. ومن هنا تنشأ المفارقة التي تحكم حياتها: كلما اتسعت مساحة نفوذها، ظل إحساسها بالأمان مهدداً، وبقي عليها أن تثبت قوتها من جديد.

وتدور أحداث الفيلم في أحياء مهمّشة من عمّان، حيث تعيش بومة داخل عالم تتداخل فيه الجريمة مع تدبير شؤون الحياة اليومية، وتتحكم في علاقاته المصالح والخوف. وتبني لنفسها نفوذاً في مواجهة رجال العصابات وتجار المخدرات، قبل أن يدخل طفلان إلى حياتها، فتجد نفسها أمام أسئلة تتعلق بالأمومة والانتماء. وبالتزامن مع هذه العلاقة، تصعد قوة إجرامية أكثر تنظيماً تهدد موقعها، وتدفعها إلى المفاضلة بين الحفاظ على سلطتها وحماية المقربين منها.

وتنبع صعوبة وضعها من أن العنف الذي تستخدمه يحفظ لها مكانتها، لكنه يربطها أيضاً بمصدر الخطر. فقد تعلّمت قواعد الشارع وتبنّت أساليب الرجال المسيطرين عليه، حتى أصبحت القسوة جزءاً من الطريقة التي تقدم بها نفسها وتتعامل بها مع محيطها. ولهذا تبدو قدرتها على المواجهة محمّلة بثمن نفسي، فهي مطالبة بإخفاء ضعفها باستمرار.

ويمنح دخول الطفلين إلى حياتها هذا الصراع وجهاً أكثر خصوصية؛ إذ يضعها أمام احتياجات لا تستطيع تلبيتها بمجرد فرض النفوذ. فالرعاية تقتضي الصبر والثقة والقدرة على الاقتراب، وهي أمور يصعب على امرأة تشكّلت خبرتها عبر الخذلان أن تمنحها بسهولة. وتصبح علاقتها بهما اختباراً لما تستطيع تقديمه خارج حدود الحماية بالقوة، ويكتسب التفكير في المستقبل معنى مختلفاً بعدما صار لقراراتها أثر مباشر في حياة طفلين يعتمدان عليها.

ويرى الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي أن المخرج زيد أبو حمدان راهن في فيلم «بومة» على شخصية استثنائية، تفرض قانونها الخاص على المكان الذي تعيش فيه، وتستمد سلطتها من قدرتها على إخضاع الآخرين لقواعدها، بعيداً عن القانون العام الذي يُفترض أن ينظم حياة الجميع.

صُوِّر الفيلم في مواقع أردنية عدَّة (حساب ركين سعد على «فيسبوك»)

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الظاهرة موجودة في مجتمعات مختلفة حول العالم، بينما تأتي خصوصية المعالجة من إسناد هذه القوة المفرطة إلى امرأة تمارس سطوتها على محيطها».ويؤكد أن «ركين سعد تعاملت مع الشخصية بجدية واضحة»، مشيراً إلى أن الخط الإنساني يمثل جانباً مهماً في بنائها؛ لأنه يكشف مواضع الضعف داخل امرأة تبدو قادرة على السيطرة وفرض إرادتها. ويلفت إلى أن الجانب العاطفي الكامن فيها يجعلها تفقد قدراً من سطوتها، ويمنح الصراع بُعداً يتصل بما يحدث داخل الشخصية حين تصبح مشاعرها مؤثرة في قراراتها وقدرتها على الاحتفاظ بنفوذها.

ومع تبدّل موازين القوة حولها، تتكشف هشاشة الموقع الذي انتزعته بسنوات من المواجهة؛ فالنفوذ الشخصي يصبح معرّضاً للتراجع أمام منظومة إجرامية أوسع تنظيماً، بينما يضاعف ارتباطها بالطفلين إحساسها بالخطر. وتزداد المفاضلة تعقيداً لأن التخلي عن السلطة قد يعيد إليها شعورها القديم بالعجز، في حين أن التشبث بها يطيل بقاءها داخل دائرة التهديد. أما احتمال الرحيل، فيحمل سؤالاً عما تستطيع أن تكونه بعيداً عن المكان الذي صنع اسمها.

ويأخذ الشناوي على الفيلم «ارتفاع حدة التعبير على مستويات متعددة؛ فالموسيقى والأداء والأحداث، إلى جانب الصوت والصورة، تتضافر في صناعة حالة متواصلة من الصخب». ويؤكد أنه كان يتمنى مساحة أكبر من الهدوء الدرامي تسمح بتخفيف هذه الحدة، «لأن رسالة الفيلم وصلت بالفعل، لكن كان بالإمكان إيصالها بدرجة أقل من الصخب، مع الحفاظ على مضمونها وتأثيرها الإنساني».

فيلم «بومة» من تأليف زيد أبو حمدان وإخراجه، وبطولة ركين سعد، وجوانا عريضة، ومجد عيد، ونبيل الراعي، وفرح بسيسو، وحنان حلو.


قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
TT

قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)

جددت لفتة من مسؤول تركي دبلوماسية كرة القدم، بإهدائه رئيس الوزراء المصري قميص نادي طرابزون التركي الذي يلعب لصالحه قائد منتخب مصر محمد صلاح.

وتجسدت دبلوماسية كرة القدم في مواقف عدة وأحداث سابقة ربطت بين كرة القدم والسياسة، كان من بينها أنباء نشرتها صحف تركية قبل شهر عن ترحيب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بلقاء محمد صلاح في القصر الرئاسي بأنقرة، بعد استقراره في النادي التركي، وفق ما ذكره رئيس النادي، دون تحديد موعد محدد للَّقاء المرتقب.

وفي الأيام الماضية، خطف الاهتمام مشهد مسؤول بالجناح التركي في معرض «تراثنا» الذي يقام في القاهرة وتشارك فيه دول كثيرة، وهو يهدي رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، نسخة من قميص نادي طرابزون سبور التركي، وقد كُتب عليها اسم محمد صلاح، في لفتة طريفة حظيت باهتمام وانتشار واسع في وسائل الإعلام التركية والعربية.

جاء ذلك على هامش افتتاح مدبولي الدورة الثامنة لمعرض «تراثنا 2026» لدعم الحرف اليدوية والتراثية، تحت شعار «أصل الحكاية»؛ إذ تفقَّد الجناح التركي بالمعرض في مشهد حظي باهتمام لافت؛ خصوصاً مع ظهور علامات السعادة على وجه مدبولي ومرافقيه من الوزراء والمسؤولين، لدى تسلمه القميص المميز للفريق التركي الذي يحمل اسم قائد منتخب مصر محمد صلاح.

يذكر أن المعرض المقام في مركز مصر الدولي للمعارض، خلال الفترة من 17 إلى 24 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي يحظى بمشاركة تركية هي الأولى من نوعها.

كما زار مدبولي جناح المملكة المغربية (ضيف شرف المعرض)، وجناح دولة الإمارات العربية المتحدة، وجناح جمهورية الجزائر. ولدى تفقده الجناح التركي اطَّلع مدبولي على جانب متميز من الحرف والفنون التي تعكس عراقة التراث التركي، بينما أكد القائمون على الجناح أهمية معرض «تراثنا» كنافذة إقليمية ودولية ملهمة لإبراز هذه الفنون والتقاليد الأصيلة، ومد جسور التواصل والتقارب الثقافي.

ويرى الناقد الرياضي المصري أيمن أبو عايد أن «العلاقات المصرية التركية قديمة وممتدة خلال عصر الدولة المصرية الحديثة، وهناك علاقات مصاهرة كثيرة بين البلدين امتدت عقوداً طويلة. وكان الاستقبال الأسطوري الذي حظي به صلاح بعد انتقاله إلى الدوري التركي معبراً عن عمق تلك العلاقات، مكرراً ما حظي به من قبل في ليفربول مع الجماهير الإنجليزية. ولفتة المسؤول التركي أكدت أن الرياضة وصلاح من أدوات قوة مصر الناعمة التي تساعد في امتداد علاقاتها وتجديدها».

محمد صلاح في نادي طرابزون التركي (فيسبوك)

ومنذ انتقاله إلى صفوف طرابزون سبور في أغسطس (آب) الماضي، يحظى اللاعب المصري محمد صلاح باهتمام إعلامي واسع في تركيا، وأشار البعض إلى إمكانية انعكاس هذا الاهتمام على شعبية النادي، وعلى مكانة المدينة وتأثيرها على مستوى الرياضة والسياحة.

ويضيف أبو عايد لـ«الشرق الأوسط»: «طبعاً المسؤول التركي يعلم أهمية صلاح وشعبيته الكبيرة في مصر، وإهداء قميصه إلى رئيس الوزراء يعد تعبيراً عن سعادة تركيا، مسؤولين وجماهير، بانتقال صلاح للَّعب في طرابزون سبور التركي؛ حيث كان لوجوده دور في الدعاية والترويج للمدينة».

وامتد الاهتمام بصلاح في تركيا إلى الإعلان عن إطلاق اسمه على الشارع الذي يقيم فيه، كما شهدت مدينة طرابزون رسم جدارية ضخمة تحمل صورته بقميص النادي.