الرواية... من مخيال البراءة إلى جحيم الحرب

لؤي حمزة عباس يفكك «شفرات الأشياء الصغيرة»

الرواية... من مخيال البراءة إلى جحيم الحرب
TT

الرواية... من مخيال البراءة إلى جحيم الحرب

الرواية... من مخيال البراءة إلى جحيم الحرب

الأشياء الصغيرة «اليومية»، وربما المهملة والهامشية، التي تحفل بها حياتنا هي ما تلفت انتباه القاص الروائي لؤي حمزة عباس في روايته القصيرة (النوفيلا) الموسومة «حقائق الحياة الصغيرة» (2021)، فالروائي لا يبحث عن الأشياء والأحداث الكبيرة، لكنه يمنح هذه الأشياء الصغيرة حجماً مكبراً، كأنه يضعها تحت عدسة مكبرة، حيث يروح يستنطقها ويستغور عالمها الداخلي، ويفكك شفراتها السرية، لكي تنبض بالحياة، وتمنح الفرصة للقارئ لأن يتلقاها بعفوية وبراءة، وربما يعيد اكتشافها وتأويلها وصولاً إلى أنساقها المغيبة التي تنقله من عالم الأشياء الصغيرة إلى فضاء الأشياء، والدلالات والأحداث الكبرى...

- الروائي الغائب
أحداث الرواية بكاملها تطل عبر منظور بطلها الصغير، غير المسمى، الطالب في المدرسة الابتدائية. ومن خلال سرد مبأر عبر ضمير الغائب الذي هو ليس جزءاً من السرد كلي العلم، بل هو شكل سردي موضوعي مبأر يسميه تودروف بـ«أنا الراوي الغائب»، حيث يمكن بسهولة استبدال الضمير الغائب «هو» بالضمير «أنا». ويلاحق بطل الرواية الصغير، عبر مخيال الطفولة البريء، أحداث عالمه الصغير الذي يتسع لاحقاً عندما يصبح جندياً ينام في خنادق الحرب وسواترها، بكثير من العفوية والبراءة، وأحياناً ينقل لنا مشاهد حياته من خلال «عين كاميرا» تدون بحيادية اللقطات المختلفة، وهو نهج يعتمده الروائي في أغلب قصصه ورواياته. وبطل الرواية في رؤيته وسرده مشبع بكم هائل من الحكايات الفولكلورية والقصص الخرافية والميثولوجية، من خلال حكايات جدته له أو من خلال الكتب التي يقرأها لجدته عن قصص الأنبياء، فضلاً عن قراءاته الخاصة وولعه بشكل خاص بالكتب التي تحدثه عن مدن العالم الساحرة، والتي حدثه عن بعضها ابن عمه البحار (سليم). وفجأة، يجد هذا البطل الصغير نفسه وقد أصبح جندياً في واحد من أنفاق الحرب المجنونة في شرق البصرة التي شنها صدام حسين لتأكل الأخضر واليابس، لكن وعي البطل الصغير البريء العفوي التلقائي، وربما الميثولوجي، يظل مهيمناً على وعي الجندي الصغير وهو يواجه آلة الحرب المرعبة.
ولم يكن البطل الصغير وحيداً في مواجهة العالم، بل كان يقف دائماً إلى جانبه صديقه جرذً ما، وغالباً ما يعامله معاملة المعرف بـ«أل التعريف» الدال على النوع، حيث يخاطبه ويصغي إليه، بل يستنجد به أحياناً للانتقام له من بعض زملائه الذين يعنفونه أو من بعض معلميه القساة، ومنهم المعاون عباس والمعلمون الذين يرتدون السفاري الزيتوني تشبهاً بالحزبيين في ذلك الوقت. كان يكتب للجرذان لتنتقم له، ثم يتوجه لأقرب فتحة من فتحات جحورها في حديقة المنزل أو تحت العتبة... ليرمي ما يكتب كلما ضايقه أحد الطلاب... ويكتب اسم الطالب أو المدرس عليها... ثم يلف الورقة ويرميها، وكأنه يحاكي سكان الكهوف القدامى في رسومهم البدائية داخل الكهوف وهم يصوبون سهامهم نحو طرائدهم، أو مثلما يفعل بعض السحرة للانتقام من شخص ما بكتابة اسمه والدعاء عليه لكي يحققوا فعل الانتقام.
ظل بطل الرواية طيلة حياته يشعر بالتماهي مع عالم الجرذ الصغير وهو يتذكر حكاية جدته. ولكن ما سر علاقة البطل بالجرذ؟ وهو سؤال أثاره البطل في حواره مع ابن عمه سليم، ولماذا الجرذ بالذات؟ وهو سؤال ظل مفتوحاً (ص 51).
يخيل لي أن البطل الصغير اختار الجرذ صديقاً وظلاً وتوأماً لكي يستطيع أن يحادثه ويبثه همومه، ربما بسبب نزعته الانطوائية وخشيته من الآخرين الذين قلما يقيم معهم حوارات واسعة. وربما يذكرنا هذا الاختيار برواية «كاتم الصوت» لمؤنس الرزاز، وبطلها يوسف الذي شعر بحاجته إلى شخص يقدم له اعترافاته، فاختار «سلافة» الصماء التي بدأ يبثها أسراره وهمومه. ويقدم الروائي مونولوجاً داخلياً للبطل المجند وهو يخاطب الجرذ: «أراقبك وأنت تتحرك، أستعيد مع كل حركة من حركاتك جانباً من حياتي... إنها أبواب حياتي التي قفزت فيها من الطفولة إلى الحرب» (ص 91). كأن البطل يشعر بأن عمره قد خطف مثل جرذ خائف عندما صار جندياً.
رواية لؤي حمزة عباس «حقائق الحياة الصغيرة» ليست مجرد ملاحقة لمراحل نمو بطل الرواية الصغير منذ أن كان فتى صغيراً في الدراسة الابتدائية حتى صار جندياً داخل جحيم الحرب، فهي ليست رواية التربية العاطفية التي كتبها غوستاف فلوبير، وليست مناسبة لتمييز مراحل «طقوس العبور» عبر المراحل العمرية المختلفة، بل هي أولاً وقبل كل شيء رواية عن الحرب، وعن الاستبداد والديكتاتورية. فالحرب تتقافز في الرواية، تماماً مثلما تتقافز الجرذان عبر التاريخ وفي خنادق الحرب، لكن الحرب لم تطل برأسها وثائقياً، وإنما من خلال أصدائها وصواريخها التي كانت تسقط على رؤوس الأبرياء وبيوتهم الآمنة، وتعيد تأسيس تقاليد عسكرة المجتمع وتدمير قيمه، كما نجد ذلك في إشاعة روح العنف والقسوة لدى الأجيال الجديدة من خلال قيام طلبة المدرسة الابتدائية بقيادة الطالب المشاكس شهاب الوحش بعملية اصطياد الجرذان والحيوانات الصغيرة، والتلذذ بتعذيبها وقتلها وحرقها. وهو مشهد ذكره بشخصية صدام حسين في طفولته، عندما كان يتلذذ بقتل الحيوانات الصغيرة، التي تومئ إلى شخصية عدوانية سادية.

- تناص مع «الأمير الصغير»
رواية لؤي حمزة عباس رواية تحتاج إلى قارئ خاص، ربما قارئ يمتلك روح طفل صغير برئ، مثل بطل الرواية ومخياله السحري الميثولوجي، وربما يمتلك أيضاً مخيال بطل رواية «الأمير الصغير» لأنطوان سانت أوكزبيري التي ذكرها لحبيبته الافتراضية (بلقيس)، وأخبرها عن هذا الأمير الصغير الذي يعيش بعيداً وحيداً على كوكبه: «تصوري أميراً وحيداً على كوكب بعيد، كل شيء صغير على كوكبه، وليس لديه سوى زهرة يرعاها، تحدثه ويحدثها»، حيث نكتشف أن هذا الأمير الصغير الذي كان بحجم نبتة صغيرة يعشق وردة، وكان يحادثها ويبثها همومه وأحلامه، لكنه في لحظة معينة يكتشف أنها قد خذلته عندما قررت أن تهجره وترحل بعيداً إلى كوكب آخر. وهذه الموتيفة الصغيرة ربما تذكرنا بعلاقة بطل الرواية الصغير بجارته (بلقيس) التي أحبها عن بعد من طرف واحد، ولم يجرأ على الاعتراف لها بحبه أو الاقتراب منها، مما دفعها إلى إقامة علاقة عاطفية مع ابن عمه البحار (سليم)، عندما فوجئ بهما وهما في موقف عاطفي ساخن، مما جعله يتهمهما بالخيانة لحبه غير المعلن، وهو أمرٌ قد ضاعف من غضبه، وربما دفعه إلى قتل الجرذ بحجر دون أن يحس بالأسف والحزن.
يخيل لي أن قصة أو (نوفيلا) «الأمير الصغير» كانت تمثل بصورة أو بأخرى النص الغائب للرواية الذي أقام معه المؤلف تناصات كثيرة، مثلما أقام تناصات أخرى مع العشرات من قصص الأطفال والحكايات الميثولوجية والشعبية، فضلاً عن تناصاته مع كتاب «الجرذ: والتاريخ الطبيعي والثقافي» تأليف جوناثان بيرت، ترجمة معن أبو الحسن، منشورات «كلمة» أبوظبي 2011.
وفي هذه الرواية، يرتفع الروائي لؤي حمزة عباس بمستوى منظوره السردي في التقاط نماذج الحياة اليومية الصغيرة التي تمثل هامشاً اجتماعياً، ويتجنب المتن المركزي الرسمي خاصة. ولكي يظل بعيداً عن المركز، نراه يعمد في الغالب إلى خلق أبطال صغار بمخيال بريء منفتح، ويمنحهم الفرصة لإعادة قراءة التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي لمدينة البصرة وأناسها، ربما كناية عن العراق نفسه. ولكي يعمق الإحساس بالبراءة، نراه يبتعد إلى حد كبير عن الإسقاطات السيكولوجية، ويحرص على تقديم منظر محايد موضوعي من خلال لقطات سريعة أشبه ما تكون بلقطات سينمائية وامضة، أو من خلال بناء بنية لمشهد روائي، ولكن غالباً عبر ترك «عين كاميرا» مفتوحة، من خلال منظور البطل المبأر الذي يتلقى إشارات العالم الخارجي وشفراته وعلاماته بعفوية وشفافية، ويتحول الوصف الروائي، خاصة في مظهره الشيئي الذي رسخته تقاليد «مدرسة النظر» في الرواية الفرنسية الجديدة، إلى عنصر مهم في تدعيم المنظور الموضوعي المحايد لمخيال البطل الصغير المنبهر بمرئيات العالم ورموزه وحكاياته.
لقد عمد الروائي إلى تجميد حركة الزمن عند مخيال البطل الصغير غير المسمى (كعادة المؤلف)، وكما فعل في روايته «مدينة الصور» التي بقي فيها بطل الرواية يمتلك وعياً طفولياً عندما أصبح شاباً، ويدفعنا إلى استذكار بطل سالنجر في «حارس حقل الشوفان» وليم كولفيلد. فرغم مرور الزمن الذي جعل من هذا الفتى الصغير جندياً في خنادق الحرب المجانية، فإن السرد المهيمن منذ بداية الرواية حتى نهايتها يتسم بوعي البطل الصغير ومخياله من فترات النضج اللاحقة، فقد كانت تومض بين فترة وأخرى، وظلت هي الأخرى محكومة إلى حد كبير بمخيال البراءة والعفوية والموضوعية الذي استهل به البطل الصغير سرده لحياته ولعالمه ومدينته البصرة.
لؤي حمزة عباس، روائي من طراز خاص، تعلم الشيء الكثير من محمود عبد الوهاب ومحمد خضير وفؤاد التكرلي، وحكايات الجدات، ومن تراث أدب الأطفال وكتب الفولكلور والميثولوجيا، فضلاً عن الرواية العالمية، واختار أن يكون حارس مخيال البراءة والطفولة والصدق بطريقة سردية باهرة.



حلّ لغز التفاف أصداف القواقع نحو اليمين أو اليسار

تمتلك غالبية القواقع أصدافاً تلتف نحو اليمين في حين يلتف عدد قليل منها نحو اليسار (دورية كارنت بيولوجي)
تمتلك غالبية القواقع أصدافاً تلتف نحو اليمين في حين يلتف عدد قليل منها نحو اليسار (دورية كارنت بيولوجي)
TT

حلّ لغز التفاف أصداف القواقع نحو اليمين أو اليسار

تمتلك غالبية القواقع أصدافاً تلتف نحو اليمين في حين يلتف عدد قليل منها نحو اليسار (دورية كارنت بيولوجي)
تمتلك غالبية القواقع أصدافاً تلتف نحو اليمين في حين يلتف عدد قليل منها نحو اليسار (دورية كارنت بيولوجي)

اكتشف باحثون جيناً معيناً يُحدِّد ما إذا كانت أصداف القواقع ستلتف نحو اليمين أم نحو اليسار؛ وهو اكتشاف قد يساعد في فهم الأسس الجينية التي تحدد «التماثل الجانبي» أو ما يُعرف بـ«اليدوية» في أجسام البشر.

ووفق نتائج دراستهم المنشورة، الجمعة، في دورية «كارنت بيولوجي»، نجح باحثون من جامعة نوتنغهام البريطانية وجامعة توهوكو اليابانية في حل هذا اللغز من خلال دراسة قواقع برية من نوع «إيهادرا» في اليابان، سعياً لفهم الأسباب التي تجعل إحدى القواقع تبدو كصورة مرآتية لأخرى.

وتوصل الباحثون إلى أن اتجاه الالتفاف، أو ما يُعرف بـ«التناظر المرآتي»، في صدفة القوقعة يعود إلى اختلافات طبيعية في جين مسؤول عن إنتاج بروتين يُدعى «الميوسين»، يساعد الخلايا على الحركة وعلى تغيير شكلها من خلال تفاعله مع بروتينات أخرى لتشكيل الهيكل الداخلي للخلية.

وأفادوا في بيان، الجمعة: «إن التناظر المرآتي في اللبنات الأساسية للحياة يؤدي إلى تكوين أجسام تتسم هي الأخرى بخصائص معينة، وهو الأساس الذي يفسر، على سبيل المثال، وجود القلب في الجانب الأيسر من جسم الإنسان، أو التفاف أصداف القواقع غالباً نحو اليمين».

وتكتسب هذه النتيجة أهميتها من كونها تساعد في فهم العوامل المشتركة التي تحدد كيفية تطور الجانبين الأيسر والأيمن لدى مختلف كائنات المملكة الحيوانية. كما تأتي في توقيت متزامن مع الإعلان عن حصول العلماء الذين كشفوا لغز نشوء «التناظر المرآتي» على جائزة نوبل الأسبوع الماضي.

التناظر المرآتي

ويعتقد الباحثون أن تغيرات طفيفة في بروتين «الميوسين» تؤثر في كيفية التفاف الخلايا، سواء باتجاه عقارب الساعة أو عكس اتجاهها، خلال المراحل الأولى من النمو. وهذا الالتفاف هو ما يحدد اتجاه التناظر المرآتي لصدفة القوقعة البالغة وأعضاء جسمها.

يقول البروفسور أنجوس دافيسون، المؤلف الرئيسي للدراسة: «تبيَّن أن تغييرات طفيفة في أحد جينات الميوسين تؤدي إلى ظهور قواقع ذات بنية معكوسة، كصورة في مرآة، ومع ذلك تظل هذه الحيوانات سليمة وقادرة على العيش بشكل طبيعي».

ورغم أن غالبية القواقع تمتلك أصدافاً تلتف نحو اليمين، فإن أصداف عدد لا بأس به منها تلتف نحو اليسار. وحتى الآن، لم يكن سبب ذلك معروفاً.

وعلى عكس القواقع، تُظهر جميع الحيوانات الأخرى تقريباً نمطاً ثابتاً من عدم التناظر؛ إذ يرتبط أي انعكاس نادر في مواقع أعضاء الجسم عادةً بحدوث مشكلات أثناء التطور الجنيني.

وفي المقابل، تتطور القواقع اليابانية، سواء تلك التي تلتف أصدافها نحو اليسار أو نحو اليمين، بشكل طبيعي وهي في المرحلة الجنينية، دون أي مؤشرات على وجود أمراض أو اعتلالات.

قارن الباحثون نتائجهم بتلك المتعلقة بقواقع البرك، التي تُعد فيها الأفراد ذات الالتفاف الأيسر نادرة؛ إذ تؤدي طفرة في جين مختلف إلى ظهور قواقع ذات أصداف تلتف نحو اليسار، لكنها تتسبب في الوقت نفسه في تطور غير طبيعي لهذه القواقع.

قال البروفسور دافيسون: «بما أن الحيوانات الأخرى تتبع عادةً مخططاً ثابتاً للجانبين الأيسر والأيمن في الجسم، فإن دراسة القواقع قد تساعدنا في فهم سبب غياب هذا التباين لدى هذه الحيوانات».


غسان سعد: دوري في «قساطل» قريب من حياتي

الممثل اللبناني في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل اللبناني في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

غسان سعد: دوري في «قساطل» قريب من حياتي

الممثل اللبناني في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل اللبناني في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

قال الفنان اللبناني غسان سعد، إن دوره في فيلم «قساطل» قريب من حياته، ومن علاقته بالعمل وأسرته وأهل قريته، موضحاً أن المخرج كريم قاسم استلهم تفاصيل الشخصية من معرفته به، وبقدرته على الجمع بين وظيفته في مصلحة المياه، واهتمامه بالمسرح والموسيقى مما جعل التجربة تتيح له التعبير عن مشاعر وخبرات عاشها بالفعل، بعدما وجد في طريقة المخرج ما يساعده على الظهور أمام الكاميرا بطبيعته.

وأضاف سعد، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن دخوله السينما جاء بالمصادفة، حين تعرف إليه قاسم خلال وجوده في القرية، إذ كان يشارك في النشاط المسرحي لفرقة تقدم عرضاً كل عام، موضحاً أن تعارفهما قاده إلى المشاركة في فيلم «موندوف»، قبل أن يتجدد التعاون بينهما في «قساطل»، بعدما أبدى المخرج سعادته بالتجربة الأولى ورغبته في تقديم عمل آخر معه.

وتدور أحداث «قساطل» حول موظف متقاعد في مصلحة المياه، يُستدعى للبحث عن قسطل مفقود يربك الحياة في قرية لبنانية، كما يعيش حزن فقدان صديق توفي بسبب تسرب غاز، لتتشابك مهمته مع علاقاته بأهل المكان وتفاصيل حياتهم اليومية.

ويُعرض الفيلم في «مهرجان الجونة السينمائي»، بعدما شهد عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية للدورة الستين من مهرجان «كارلوفي فاري» السينمائي الدولي في جمهورية التشيك.

وأوضح سعد أنه عمل نحو 35 عاماً في مصلحة المياه بمنطقة جبل لبنان، وأن خروجه من الوظيفة عام 2021 لم ينهِ صلته بالعمل، إذ ظل أهل القرية يستعينون به لخبرته ومعرفته بالشبكة، مشيراً إلى أن هذه العلاقة المستمرة كانت من التفاصيل التي عرفها المخرج عنه، فوجد في حياته مادة لفيلم يجمع بين مسؤولياته اليومية واهتماماته الفنية، التي حافظ عليها إلى جانب الوظيفة.

تقترب قصة الفيلم من حياة بطله الحقيقية (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أن المسرح والموسيقى ظلا حاضرين في حياته طوال سنوات العمل، فكان يذهب نهاراً إلى مصلحة المياه، ويشارك ليلاً في البروفات المسرحية، مستفيداً من قدرته على تنظيم وقته، مؤكداً أنه يعزف الأكورديون بالسماع، من دون دراسة للنوتة الموسيقية، وأن كريم قاسم اهتم بالطريقة التي يوفق بها بين هذه الأنشطة، وبانتقاله من متابعة الخزانات ومحطة الضخ إلى الوقوف على المسرح.

وأشار إلى أن «خبرته بالعمل سهلت عليه أداء المشاهد المرتبطة بالمياه، لأنه يعرف كيف يصعد إلى خزان القرية، ويدير توزيع المياه ويشغل محطة الضخ ويتعامل مع الأهالي، موضحاً أن المخرج تابعه أيضاً في المنزل، وتعرف إلى تفاصيل حياته خارج الوظيفة، وهو ما جعله يشعر بأن الشخصية قريبة منه في تصرفاتها وكلامها، وأنه يستطيع استيعاب المواقف التي تمر بها من خلال خبرته الخاصة.

طريقة الأداء

وبيّن سعد أن قاسم كان يشرح له فكرة المشهد وما يريد الوصول إليه، ثم يتيح له التعبير بأسلوبه، مع توجيهات تضبط الأداء والتصرفات، مشيراً إلى أن هذه الطريقة ساعدته على الدخول في الموقف سريعاً، لأنه لم يكن يشعر بأنه مطالب بتغيير طبيعته، مع حرص المخرج على تجنب المبالغة.

وتابع أن مشاركة أشخاص من القرية ساعدت على خلق ألفة أثناء التصوير، لأنهم يعرفون بعضهم بعضاً، ويتحدثون بطريقة قريبة من حياتهم اليومية، موضحاً أن بعض المشاركين لم تكن لديهم خبرة سابقة في التمثيل، لكنهم تحمسوا للتجربة، وأن وجوده مع جيرانه وأصدقائه خفف شعوره بغرابة العمل أمام الكاميرا، مع بقاء الحاجة إلى الالتزام بتعليمات المخرج وما يتطلبه كل مشهد.

وعن أصعب لحظات التصوير، قال إن المشهد الذي استعاد فيه ذكرى والدته الراحلة كان الأكثر تأثيراً فيه، موضحاً أنه كان شديد القرب منها، وأن الحديث عنها أعاد إليه مشاعر لم يستطع التحكم فيها.

وأضاف أن دموعه انهمرت أثناء الأداء، حين وجد نفسه يتحدث عن رعاية الأم، وعن صعوبة أن يرد لها الأبناء ما قدمته لهم، فامتزج الموقف الذي يؤديه بذكرياته الشخصية.

يعرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان الجونة (الشركة المنتجة)

وأوضح أن تأثره في ذلك المشهد جاء تلقائياً، وأنه لم يخطط للبكاء أو لحركة بعينها، بل استجاب لما أثاره الحوار في نفسه، مشيراً إلى أنه يعتمد على إحساسه في التعامل مع هذه المواقف، وأن قرب الشخصية من حياته أتاح له استدعاء مشاعر يعرفها، من دون أن يحتاج إلى تصور تجربة بعيدة عنه.

وذكر أن زواج ابنته كان أيضاً من الوقائع التي انتقلت من حياته إلى الفيلم، بعدما لاحظ المخرج تأثره بالمناسبة وتعلقه بأبنائه، فبنى مشهداً يستفيد من تلك التجربة، مؤكداً أن جانباً كبيراً من الشخصية مستمد من قصصه وعلاقاته وتصرفاته في البيت والعمل، وأن معرفته بهذه التفاصيل منحته مدخلاً إلى الأداء، خصوصاً في المشاهد التي تمس علاقته بأسرته وما يشعر به تجاهها.

عنوان الفيلم

وأشار سعد إلى أن عنوان «قساطل» يرتبط مباشرة بالمهنة التي قضى فيها سنوات طويلة، موضحاً أن المخرج استوحاه من عمله اليومي مع الأنابيب وشبكة المياه، وهذه التفاصيل المألوفة بالنسبة إليه أصبحت جزءاً من حكايته على الشاشة، وأن ما أسعده في التجربة هو قدرة قاسم على ملاحظة جوانب من حياته والجمع بينها، من العمل الذي يعرفه جيداً إلى الموسيقى والمسرح وعلاقته بأبنائه.

وعن فوزه بجائزة أفضل ممثل في مهرجان «كارلوفي فاري»، قال سعد إنه تلقى الخبر في اتصال من كريم قاسم من جمهورية التشيك، ولم يصدق ما سمعه في البداية، حتى إنه سأله إن كان يمزح معه، موضحاً أن الجائزة كانت مفاجأة كبيرة له ولأسرته، وأن فرحته بها اقترنت بسعادته بنجاح الفيلم، بعدما بدأت علاقته بالسينما بلقاء عابر قاده إلى تجربتين متتاليتين مع المخرج.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أسيل اليعقوب... تفكيك الذاكرة والتاريخ عبر الفن

أسيل اليعقوب وعملها الفائز بجائزة إثراء (إنستغرام)
أسيل اليعقوب وعملها الفائز بجائزة إثراء (إنستغرام)
TT

أسيل اليعقوب... تفكيك الذاكرة والتاريخ عبر الفن

أسيل اليعقوب وعملها الفائز بجائزة إثراء (إنستغرام)
أسيل اليعقوب وعملها الفائز بجائزة إثراء (إنستغرام)

يواصل مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي «إثراء» دعمه للحركة الفنية والإبداعية في العالم العربي من خلال «جائزة إثراء للفنون». وفي الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، أعلن المركز فوز الفنانة والكاتبة الكويتية أسيل اليعقوب بالجائزة في دورتها السابعة، خلال حفل أُقيم في مقره بمدينة الظهران.

ويحمل العمل الفائز عنوان «نباتات مجهولة»، ويستمر عرضه في متحف «إثراء» حتى مارس (آذار) 2027، إلى جانب الأعمال الفنية التي تأهلت إلى القائمة النهائية وحصلت على منح إنتاج.

يعكس عمل «نباتات مجهولة» انشغال أسيل اليعقوب بتاريخ المنطقة المادي والاجتماعي والثقافي، حيث تضع الروايات والذاكرة الثقافية تحت النقد والتحليل، مقدمةً أعمالاً تقف في مواجهة التصورات التاريخية السائدة.

عمل «نباتات مجهولة» (موقع الفنانة)

نباتات مجهولة

تَخْرُجُ منحوتات النباتات المجهولة من الأدراج، ومن سطح الخزائن الفولاذية المخصصة لحفظ الملفات. هذه النباتات مُنْتَجة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. يحوي التركيب الفني أيضاً، رسومات غرافيتية تحاكي الأسلوب التوثيقي للسجلات العلمية. تضع أسيل اليعقوب المتلقي أمام مقارنة بين النبات المتحرر من الأدراج التي تحفظ العينات النباتية وبين رسمه التوضيحي المعلّق على الجدار، لتفتح بذلك نقاشاً حول آليات التصنيف العلمي للنباتات وحدودها. ووفقاً للبيان الفني للعمل، يعتمد علماء النبات عند اكتشاف نوع جديد على مقارنته بالأنواع الموثقة سابقاً في السجلات العلمية، قبل منحه اسماً لاتينياً وإلحاقه بتوصيف جغرافي يحدد موطنه. كأن هوية النبات تختلط بهوية جديدة تحددها السجلات العلمية. تقدم الفنانة في شرح العمل مثالاً على زهرة الخزامى المعروفة في السعودية والكويت ومناطق أخرى، حيث تحمل الزهرة اسم «ديكسونيا»، وهو اسم أطلقه عليها عالم النبات البريطاني ويليام توريل، تكريماً للباحثة التي جمعت عيّنات الزهرة من منطقة الخليج وبعثت بها إلى الباحثين. كانت الزهرة حينها اكتشافاً جديداً بالنسبة إلى توريل، رغم أن لها اسماً محلياً وتاريخاً وعلاقة وثيقة بالناس والبيئة التي تنمو فيها. استقت أسيل من منهج التصنيف هذا، فكرة ابتكار نباتات هجينة متخيَّلة تجمع بين المحلي والغربي، رسمتها وصنفتها بدقة كأنها نباتات حقيقية، مشككةً فيما يمكن قبوله كحقيقة علمية في أرشيفات التصنيف النباتي لمنطقة الخليج، متسائلةً عمَّن يملك حق إطلاق المسميات وتحديد أبعاد المعرفة والتوثيق.

حياة معاكسة

ضمن اهتمام أسيل بالبحث في البيئة النباتية ومدى ارتباط وتفاعل الإنسان الخليجي معها، قدمت في عام 2018 بالتعاون مع الفنانة الكويتية علياء فريد، عملاً بعنوان «حياة معاكسة: حديقة نباتية مضيئة مخصصة للأشجار» وهو عمل تركيبي أُنْشِئَ خصيصاً لمركز جميل للفنون بدبي وعُرض على سطح المركز ممثِّلاً حديقة نباتية مجتمعية. يتألف العمل من نباتات وأشجار اصطناعية مضيئة موزعة على ست جزر، تحمل أسماء أحياء حضرية توجد بها هذه الأشجار، ومنها الشارقة، وتشونغشان في الصين، والأحمدي بالكويت. وتتنوع الأشجار الاصطناعية بين النخيل والصفصاف والزنبق والكرز وغيرها.

حياة معكوسة (موقع الفنانة)

يطرح العمل عدة مفارقات، فهذه الأشجار المضاءة اندمجت مع مكونات الأحياء والأماكن العامة في الدول الخليجية رغم أنها مستوردة من الصين. ومن ناحية أخرى يمكن النظر إليها على أنها محاولة لاستعادة علاقتنا بالطبيعة بعد أن سيطر التوسع العمراني على المشهد، إلا أنها ليست طبيعية. تتساءل أسيل أيضاً عن سبب ميلنا غير المفهوم لاستبدال الاصطناعي بالواقعي، مع أن الاصطناعي أقل استدامة من المكونات الطبيعية المنسجمة مع البيئة، وقد أثبت العمل الفني نفسه هذه الفكرة، فبعد مرور أقل من عام منذ عرض العمل، تعرضت أجزاءه إلى التلف بفعل حرارة الشمس.

مائة جندي

من الملاحَظ أن التركيز على المفارقات، وتسليط الضوء على التباين من خلال البحث التاريخي الذي تقدمه أسيل في أعمالها، هو أسلوب فني يميزها وتستعين به أيضا بوصفه أداة للسخرية، كما نرى في فيلم «مائة جندي يتشقلب» الذي عُرض لأول مرة على منصة الفن المعاصر بالكويت، عام 2020. الفيلم عبارة عن مونتاج جديد لمجموعة من المواد الأرشيفية التي جمعتها على مدار أربع سنوات، من نشرات الأخبار والمقابلات والإعلانات والمسرحيات والمسلسلات التلفزيونية والرسوم الكاريكاتورية وغيرها. يبدأ سرد الحكاية بمشاهد للحياة اليومية التي عاشها البريطانيون تحت شمس الكويت، تمهيداً لحدث إلغاء معاهدة الحماية البريطانية عام 1961 وإعلان استقلال الكويت. ثم تتسلسل أحداث دبلوماسية وتطورات عسكرية تمتد حتى وقتنا الحاضر.

شارة فيلم «مائة جندي يتشقلب» (موقع الفنانة)

يرافق الفيلم موسيقى من تأليف ملحنين كلاسيكيين مثل سيرغي بروكوفييف ومغنين مثل عبد الله الرويشد. اعتمدت الفنانة أسلوباً يمزج بين المشاهد الجادة، مثل لقطات اجتياح الكويت والمفاوضات، وبين لقطات مرحة، ومنها مقتطفات من الدور الشهير الذي لعبه الفنان عبد الحسين عبد الرضا لشخصية صدام حسين، ومقطع لمستر ريجيرز المقدم الأميركي المعروف لبرامج الأطفال، وهو يغني للجيرة الطيبة والأصدقاء. كما نلمس التباين بين المرئي والمسموع مثل شارة الفيلم، التي تقدم مشهداً من الرسوم المتحركة لمائة جندي يتشقلبون ويتكوم بعضهم على بعض، في حين تسمع وقع أقدام الجنود وهم يستجيبون للأوامر، كما نسمع إيقاعات المارشات العسكرية. هذا الأسلوب الذي اتبعته الفنانة يضع المتفرج أمام عرض يسخر فيه مشهد من آخر ويسخر فيه الصوت من الصورة. ينتهي الفيلم بمقاطع مؤثرة من أحداث سياسية ألمَّت بالمنطقة، مع ذكر المسافة التي يبعد بها كل بلد عن الكويت.