قيادة راشفورد لحملة معالجة الآثار الضارة للعنصرية ليست كافية

مهاجم مانشستر يونايتد ولاعبون آخرون يلعبون دوراً كبيراً في مسألة جدالية لم يتم حلها بعد

تعرَّض راشفورد ولاعبون آخرون لإساءات عنصرية في الآونة الأخيرة 
فرحة الانتصارات تعود مجدداً إلى تشيلسي (إ.ب.أ)
تعرَّض راشفورد ولاعبون آخرون لإساءات عنصرية في الآونة الأخيرة فرحة الانتصارات تعود مجدداً إلى تشيلسي (إ.ب.أ)
TT

قيادة راشفورد لحملة معالجة الآثار الضارة للعنصرية ليست كافية

تعرَّض راشفورد ولاعبون آخرون لإساءات عنصرية في الآونة الأخيرة 
فرحة الانتصارات تعود مجدداً إلى تشيلسي (إ.ب.أ)
تعرَّض راشفورد ولاعبون آخرون لإساءات عنصرية في الآونة الأخيرة فرحة الانتصارات تعود مجدداً إلى تشيلسي (إ.ب.أ)

عاد نجم مانشستر يونايتد والمنتخب الإنجليزي، ماركوس راشفورد، ليلعب دور القائد مرة أخرى، حيث ألقى الضوء على مشكلة لا ينبغي أن تكون موجودة من الأساس. ولم يكن راشفورد يرغب هذه المرة في الحديث عن مشكلة ضرورة تقديم وجبات الطعام المجانية لأطفال المدارس الفقراء، بل كان يريد التحدث عن العنصرية وآثارها الضارة، ليس فقط على ضحاياها، ولكن على المجتمع الذي يسمح لها بالتفاقم.
وكان راشفورد واحداً من العديد من لاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز الذين تعرضوا لإساءات عنصرية على حسابهم على وسائل التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة، بل لم يكن راشفورد الوحيد من لاعبي مانشستر يونايتد الذي يتعرض لهذه العنصرية. ومع ذلك، من غير المعروف حتى الآن العدد الإجمالي للاعبين الذين تم استهدافهم، أو عدد الرسائل العنصرية التي أرسلت إليهم. وفي الحقيقة، لا يوجد من هو قادر على – أو حتى يرغب في – معرفة عدد هذه الرسائل العنصرية.
وفي سلسلة من ثلاث تغريدات على موقع «تويتر»، اعترف راشفورد بشكل غير مباشر بأنه تعرض لإساءات عنصرية (وأكد ناديه هذه الحقيقة)، لكنه أراد توضيح نقطة أوسع. وكتب نجم مانشستر يونايتد يقول: «نعم، أنا رجل أسود وأعيش كل يوم وأنا فخور بذلك. ولن يتمكن أي شخص، أو أي تعليق، من أن يجعلني أشعر بأي شيء مختلف. لذلك آسف إذا كنتم تبحثون عن رد فعل قوي، فبكل بساطة لن تجدوا ما تبحثون عنه هنا».
وأضاف «أنا لا أنشر لقطات أو صورا من الرسائل التي أتلقاها. سيكون من غير المسؤول القيام بذلك، وكما يمكنكم أن تتخيلوا فإنه لا يوجد شيء جديد في هذه الرسائل. لدي أطفال جميلة من جميع الألوان تتابعني ولا يجب أن يقرأوا مثل هذه الرسائل. ألوان جميلة بحيث لا يجب إلا الاحتفال بها».
وقد اعترف الجميع بأن كرة القدم تواجه تحدياً كبيراً في التعامل مع العنصرية. وكان الدوري الإنجليزي الممتاز والاتحاد الإنجليزي لكرة القدم من بين الجهات التي أدانت الإساءات العنصرية التي تعرض لها اللاعبون الأسبوع الماضي، ودعا كل منهما شركات وسائل التواصل الاجتماعي إلى بذل المزيد من الجهد للقضاء على هذه العنصرية من على منصات التواصل الاجتماعي، وهو أمر ممكن بالتأكيد عندما نعلم أن شركة «فيسبوك»، المالكة لإنستغرام، لديها قيمة سوقية تبلغ 735 مليار دولار، أي أعلى من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لبعض الدول الغنية!
لكن هناك تحديات معقدة في هذه النقطة الفنية، وهو الأمر الذي ربما يستحق التوضيح بإيجاز. وهذه هي نفس التحديات التي ستواجه الحكومة - التي دعت الأصوات البارزة من أصحاب البشرة السمراء في كرة القدم للحديث علانية عن تجاربهم مع العنصرية على الإنترنت قبل أسبوع واحد فقط - وهي تنظر في مشروع قانون الأضرار على الإنترنت، والذي من المتوقع طرحه على البرلمان هذا العام.
ويتمثل التحدي الأول في تحديد مدى المشكلة والنقطة التي تتحول عندها الأمور من شيء غير مقبول إلى شيء مكروه وعنصري. فهناك بعض الكلمات والعبارات والصور التي تخالف القانون وقواعد شركات التواصل الاجتماعي. وهناك كلمات وعبارات وصور أخرى، في الوقت الحالي، لا تخالف هذه القوانين والقواعد ولا يزال من الممكن تكييفها وتعديلها بحيث يمكن استخدامها من قبل أولئك الذين يرغبون في توجيه الإساءات العنصرية. فأين هو الخط الفاصل بالضبط؟
وبمجرد أن ترسم هذا الخط الفاصل، فكيف سيتم التعامل مع من يتجاوزه؟ ولا تجري شرطة مانشستر الكبرى تحقيقات في الرسائل المرسلة لراشفورد فحسب، لكنها تجري تحقيقات أيضا في الرسائل المرسلة إلى زميليه في نادي مانشستر يونايتد، أنتوني مارسيال وأكسل توانزيبي. ومع ذلك، من غير المضمون أن تتمكن الشرطة من الوصول إلى الأشخاص المسؤولين عن القيام بذلك، نظرا لأن «التحقق من الهوية» لا يأتي دائماً من شركات وسائل التواصل الاجتماعي. لكن منظمة «كيك إت أوت» المناهضة للعنصرية تطالب بضرورة تغيير هذا الأمر.
وإذا كان من الممكن تحديد الجناة، فلا تزال هناك إمكانية لعدم توجيه تهم إليهم، لذلك لا تزال هناك العديد من الأسئلة بشأن العقوبات المناسبة من قبل شركات وسائل التواصل الاجتماعي. ويمكن لهذه الشركات أن تقوم بحظر الحسابات بالمسيئة بكل تأكيد، لكن ماذا لو ظهر هؤلاء المسيؤون عبر حسابات جديدة؟ هل تقوم الشركات حينئذ بحظر الجهاز (الكومبيوتر) الذي يستخدمه هؤلاء الأشخاص؟ أم تقوم بحظر عنوان بروتوكول الإنترنت الذي يستخدمونه (وربما حظر بقية أفراد العائلة على هذا العنوان أيضاً)؟ هذه هي الإجراءات التي تحجم شركات التواصل الاجتماعي عن اتخاذها، رغم أن الحكومة قد تتخذها الآن.
بعد ذلك، هناك تحركات وردود أفعال من جانب أندية كرة القدم، سواء بشكل فردي أو جماعي. ويمكن لهذه الأندية أن تمنع هؤلاء الأشخاص من حضور المباريات من الملعب، بل ومن الاشتراكات في عضوية هذه الأندية، ومن الحسابات الرقمية، بل وربما حتى من مشاهدة المباريات عبر شاشات التلفزيون (بشكل قانوني). ثم هناك سؤال يتعلق بمدة هذا الحظر، فهل يستمر إلى خمس سنوات أو عشر سنوات، أم مدى الحياة؟ في الحقيقة، لم يتم التوصل حتى الآن إلى نهج موحد ومتسق فيما يتعلق بهذه العقوبات المقترحة، رغم أن عقوبة الحظر لمدة خمس سنوات على جميع مباريات كرة القدم (والحظر مدى الحياة من مشاهدة مباريات مانشستر سيتي من الملعب) قد اتخذت بالفعل العام الماضي ضد الشخص الذي وجه إساءات عنصرية إلى رحيم سترلينغ.
هذه هي الجوانب الفنية، أما بالنسبة للأشخاص الذين يكافحون كل يوم ضد العنصرية في مجال كرة القدم، فلا يزال هناك أمل في إمكانية إيجاد حلول لهم. لكن هناك مشكلة أوسع نطاقاً ولا يمكن حلها بالقانون أو حتى بالمال. وتتمثل هذه المشكلة في أنه ما زالت هناك ثقافة التسامح مع الآراء العنصرية، وهي الثقافة التي توجد حالياً في المملكة المتحدة وخارجها. لكن يُحسب لكرة القدم أنها واضحة تماما في هذا الأمر، ويتبنى الدوري الإنجليزي الممتاز شعارا موجزا وواضحا في هذا الشأن وهو «لا مجال للعنصرية». أما رابطة الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز فشعارها هو «ليس اليوم أو أي يوم»، لكنه يشير إلى نفس المضمون أيضا. وعلاوة على ذلك، تقدم كل مسابقة الدعم اللازم للاعبيها وتعرب عن مناهضة العنصرية من خلال قيام اللاعبين بالجثو على الركبة قبل بداية المباريات، تعبيرا عن رفضهم للعنصرية.
هل توجد «عنصرية ممنهجة»؟ وهل يتم النظر لمتظاهري حركة «حياة السود مهمة» بنفس الطريقة التي يتم النظر بها إلى المتظاهرين الذين يرون أن فرض الإغلاق بسبب تفشي فيروس «كورونا» هو مجرد مؤامرة؟ هذه هي الأسئلة التي طرحتها وسائل الإعلام والسياسيون لدينا خلال العام الماضي، بدلاً من التساؤل عن سبب توقيف الرجال السود من قبل الشرطة بشكل أكبر من أقرانهم من أصحاب البشرة البيضاء، وعن السبب الذي يجعل أصحاب البشرة السمراء أكثر عرضة للسجن، وعن السبب الذي يجعل أصحاب البشرة السمراء - جنباً إلى جنب مع الرجال الذين ينتمون إلى أصول من جنوب آسيا – أكثر عرضة لرفض طلبات التوظيف مقارنة بما كان عليه الوضع قبل نحو 50 عاماً! ويجب أن ندرك أن لاعبي كرة القدم عبارة عن «أيقونات» يتجاوز تأثيرها ونفوذها الحدود، وأنهم مختلفون عنا في هذا الصدد، لكنهما مثلنا تماما في بقية الأمور، فهم يعانون كثيرا عندما يتعرضون للإساءات العنصرية، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو بشكل مباشر.


مقالات ذات صلة


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».


اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
TT

اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)

بين فريق بدأ الموسم بطريقة قوية، وآخر لا يزال يبحث عن نفسه بعد عودته إلى دوري الأضواء، يحل بايرن ميونيخ ضيفاً ثقيلاً على مستضيفه شالكه (السبت) في الجولة الثانية من دوري الدرجة الأولى الألماني لكرة القدم. ويخوض النادي البافاري مباراته الثانية في «البوندسليغا» بثقة كبيرة بعد البداية التي قدَّمها في حملة الدفاع عن لقبه، عندما تغلَّب على شتوتغارت (5-1) في الجولة الأولى. ولم يستغرق بايرن وقتاً طويلاً لإظهار ما يمكن أن يقدِّمه هذا الموسم. وجاء الفوز الكبير على شتوتغارت بعد الانتصار على بروسيا دورتموند في كأس السوبر، وأعقب ذلك الفوز على أوسنابروك (4-1) في كأس ألمانيا.

ويحظى النادي البافاري بميزة استثنائية، إذ إنه لم يعد يعتمد على مصدر واحد للخطورة، في ظلِّ قدرته على صناعة الفرص من الأطراف والعمق، مع دور بارز لجوشوا كيميتش في تنظيم اللعب، والفرنسي مايكل أوليسيه في الثلث الهجومي، كما بدأ الوافد المغربي الجديد إسماعيل صيباري مشواره مع الفريق بصورة لافتة بعدما صنع هدفين أمام شتوتغارت. ولا يزال الهداف الإنجليزي هاري كين يمثّل النقطة الأهم في هجوم بايرن، حتى لو لم يسجِّل في المباراة الأولى، حيث إنَّ وجوده يمنح الفريق أكثر من خيار في الثلث الأخير، سواء عندما يتحرَّك داخل منطقة الجزاء أو عندما يتراجع لتسلُّم الكرة والمشاركة في بناء الهجمة. ومع لويس دياز وأوليسيه وبقية العناصر الهجومية، سيكون لدى بايرن ما يكفي من الحلول إذا حاول شالكه إغلاق المساحات أمام المرمى.

وعلى الجانب الآخر، لم تكن بداية شالكه بالهدوء نفسه. الفريق خسر أمام أوغسبورغ بثلاثية نظيفة في الجولة الأولى، بعدما تلقَّى هزائم ثقيلة أمام أتالانتا، وريال مدريد في فترة الإعداد. وبينما أظهر شالكه قدرته على التسجيل عندما فاز (5-2) على هالهشير في كأس ألمانيا و(5-صفر) على هيسن كاسل ودياً، فإنَّ مشكلته الأساسية حتى الآن تتمثَّل في الحفاظ على التوازن عندما يواجه منافساً قادراً على الضغط المستمر. وتميل كفة المواجهات المباشرة لصالح بايرن الذي فاز في آخر 12 مباراة أمام شالكه، وسجَّل خلالها 42 هدفاً مقابل هدفين فقط سكنت شباكه.

وكانت آخر مواجهة بين الفريقين في مايو (أيار) 2023 وانتهت بفوز بايرن بنصف دستة أهداف، في حين انتهت آخر مباراة على ملعب شالكه بفوز النادي البافاري بهدفين دون رد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. ويدخل بايرن المباراة مع بعض الغيابات، أبرزها طارق بوخمان، وسيرج غنابري، وجمال موسيالا. أما شالكه فيغيب عنه بريان لاسمه، وأدريان غانتنباين؛ بسبب الإصابة، بالإضافة إلى رون شالنبرغ للإيقاف.

من جانبه، يبدو بروسيا دورتموند الطرف الأكثر جاهزية قبل رحلته إلى هوفنهايم (السبت)، بعدما افتتح الموسم بالفوز على هامبورغ بهدفين نظيفين، ثم أكد بدايته القوية بانتصار كبير بخماسية نظيفة على إتش إي بي سي هامبورغ في كأس ألمانيا، في مباراتين حافظ خلالهما على نظافة شباكه. وفي المقابل، يدخل هوفنهايم المواجهة بعد خسارة مثيرة (2-3) أمام كولن، رغم أنه تقدَّم مرتين وكان قريباً من الخروج بنتيجة إيجابية. وتشير البداية إلى أن هوفنهايم يملك ما يكفي من الحلول الهجومية لإزعاج دورتموند، لكنه لا يزال بحاجة إلى معالجة مشكلاته الدفاعية. بعد استقبال 3 أهداف في المباراة الأولى.

ويفتقر دورتموند إلى جهود نيكو شلوتربيك؛ بسبب إصابة في الكاحل، إلى جانب إيقاف صامويل إيناسيو وإصابة الوافد الجديد جيانيس كونستانتيلياس. ويمثّل القناص الغيني سيرهو غيراسي أحد أبرز مفاتيح دورتموند الهجومية، فيما سيبقى أندريه كراماريتش مصدر الخطورة الأهم لهوفنهايم، خصوصاً بعد تسجيله هدفي فريقه من ركلتَي جزاء أمام دورتموند في المواجهة الأخيرة بين الفريقين. ويلتقي (السبت) أيضاً باير ليفركوزن مع ضيفه يونيون برلين، رافعاً شعار «لا بديل عن الفوز»، وبعرض مقنع لمصالحة جماهيره بعد حسرة الخسارة (2-3) أمام إلفرسبرغ الصاعد لـ«البوندسليغا» للمرة الأولى في تاريخه.

ويملك ليفركوزن أيضاً سجلاً يمنحه بعض الثقة، بعدما خسر مرة واحدة فقط في آخر 11 مواجهة له أمام يونيون برلين في «البوندسليغا». لكن يونيون فاز في آخر لقاء بينهما بهدف راني خضيرة في فبراير (شباط) الماضي. واستهل يونيون برلين مشواره في «البوندسليغا» بتعادل مثير أمام آينتراخت فرانكفورت (3-3) بعدما كان متأخراً (1-3). ويتطلع لايبزيغ لمواصلة بدايته الرائعة للموسم الجديد من «البوندسليغا» حينما يحل ضيفاً على فيردر بريمن (السبت). وسجَّل لايبزيغ 9 أهداف دون أن تهتز شباكه في أول مباراتين له بالموسم، حيث تغلب على بروسيا مونشنغلادباخ بثلاثية نظيفة في «البوندسليغا» بجانب فوزه على آينتراخت ترير بـ6 أهداف دون رد في كأس ألمانيا، في الوقت الذي يحتاج فيه بريمن إلى رد فعل سريع بعد خسارته الثقيلة (1-4) أمام فرايبورغ في الجولة الأولى، عقب موسم سابق نجا فيه الفريق بصعوبة من صراع الهبوط. ويلتقي (السبت) مونشنغلادباخ مع إلفرسبرغ، وبادربورن مع فرايبورغ، على أن يلتقي (الأحد) هامبورغ مع ماينز، وآينتراخت فرانكفورت مع أوغسبورغ.


ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)

في ليلة من ليالي خريف عام 2000، رصيف ميناء بوينس آيرس كان شاهداً على خطى فتى نحيل، تملأ عينيه دهشة مشوبة بالقلق، يحمل في حقيبته الصغيرة أحلاماً تفوق بنيته الجسدية الضعيفة. لم يكن يملك ليونيل أندريس ميسي حينها سوى موهبة فطرية خارقة، ونقص في هرمونات النمو كاد يعصف بمسيرته قبل أن تبدأ.

الفتى الذي لم يتوقف عن الركض خلف حلمه

عائلته المثقلة بالأعباء الاقتصادية في روزاريو بالأرجنتين، لم تكن تبحث عن مجد كروي بقدر ما كانت تبحث عن نادٍ يتكفل بنفقات علاجه الباهظة.

عندما وقعت عينا كشافي نادي برشلونة على هذا الساحر الصغير، لم يكن لديهم متسع من الوقت لإحضار عقد رسمي، فصيغ أول التزام على منديل ورقي في مقهى كاتالوني. ذلك المنديل لم يكن مجرد ورقة، بل كان وثيقة إعادة كتابة تاريخ كرة القدم الحديثة.

ليونيل ميسي وضع بصمة تهديفية لا تُنسى بفضل التسجيل والصناعة (أ.ف.ب)

على مدار أكثر من ربع قرن، لم يكن ميسي مجرد لاعب يركض بركل الكرة، بل كان رساماً يخط برجليه اليسرى لوحات سريالية على العشب الأخضر، وموسيقياً يضبط إيقاع الملاعب العالمية، ليمسي عبر السنين الفكرة الثابتة في عالم دائم التغير، والأسطورة الحية التي روضت المستديرة حتى انصاعت له طواعية.

من أزقة روزاريو إلى أضواء لاماسيا

ولد ليونيل ميسي في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) لعام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين بمدينة روزاريو الأرجنتينية، ونشأ في عائلة عاشقة لكرة القدم بدأت تلمح عبقريته منذ سن الخامسة. انضم الصغير إلى نادي نيويلز أولد بويز المحلي، لكن تشخيص إصابته بنقص هرمون النمو وهو في الحادية عشرة من عمره مَثّل المنعطف الأبرز في حياته.

وفي ظل عجز الأندية الأرجنتينية عن تمويل علاجه، ظهرت أكاديمية لاماسيا التابعة لنادي برشلونة باعتبارها طوق نجاة، لينتقل الفتى إلى إسبانيا وتبدأ رحلة صقل الجوهرة النادرة التي غَيّرت موازين اللعبة عالمياً.

العصر الذهبي وتأسيس الإمبراطورية الكاتالونية

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

تمثل مسيرة ميسي مع نادي برشلونة الإسباني العصر الأزهى في تاريخ النادي الكاتالوني، حيث صعد إلى الفريق الأول عام ألفين وأربعة ليتعلم بجانب الساحر البرازيلي رونالدينيو قبل أن يصبح المحرك الأساسي لمنظومة التيكي تاكا الشهيرة. وعلى مدار سبعة عشر عاماً بالقميص البلوغرانا، خاض ميسي سبعمائة وثمانية وسبعين مباراة، ومزق شباك الخصوم بستمائة واثنين وسبعين هدفاً، محققاً عشرة ألقاب في الدوري الإسباني، وأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، وسبعة كؤوس لملك إسبانيا، بالإضافة إلى ثلاثية تاريخية في كل من كأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبية.

ليونيل ميسي وجوزيه مورينيو (رويترز)

محطات الارتحال من حديقة باريس إلى شمس ميامي

في صيف عام ألفين وواحد وعشرين، وفي مشهد درامي أبكى الملايين، غادر ميسي كامب نو مجبراً بسبب الأزمة المالية الخانقة للنادي، ليتجه إلى العاصمة الفرنسية وينضم إلى باريس سان جيرمان.

ورغم أن التجربة الباريسية لم تحمل الزخم العاطفي ذاته، فإنه أضاف إلى خزائنه لقبين في الدوري الفرنسي ولقباً في كأس السوبر الفرنسية، قبل أن يقرر خوض تجربة جديدة في الملاعب الأميركية رفقة إنتر ميامي، ليقود الفريق سريعاً لتحقيق أول ألقابه التاريخية بالفوز بكأس الدوريات، ويحدث ثورة شعبية غير مسبوقة للعبة في الولايات المتحدة.

ليونيل ميسي (رويترز)

ملحمة الآلام والآمال والتتويج بالذهب العالمي

لطالما كانت العلاقة بين ميسي والقميص الأرجنتيني مزيجاً معقداً من الحب الجارف والانتقادات الحادة بسبب المقارنات المستمرة مع الراحل دييغو مارادونا، خاصة بعد خسارته لثلاثة نهائيات متتالية في كوبا أميركا ونهائي كأس العالم عام 2014.

لكن القصة لم تكن لتنتهي دون إنصاف تاريخي، إذ عاد البرغوث ليقود بلاده إلى حقبة ذهبية بدأت بالتتويج بكأس كوبا أميركا عام 2021 في قلب البرازيل، تلاها الفوز بكأس فيناليسيما، ثم الذروة التاريخية في مونديال قطر 2022 برفع كأس العالم المستعصية، قبل أن يختتم مشواره القاري بالحفاظ على لقب كوبا أميركا لعام 2024.

لتتواصل رحلته الدولية المذهلة حتى بصم على ظهوره الأخير والمونديالي السادس في نهائي كأس العالم الولايات المتحدة كندا والمكسيك 2026 أمام إسبانيا.

العناق بين ميسي ويامال بدا وكأنه إعلان رمزي عن انتقال الشعلة بين جيلين (رويترز)

جوائز فردية غير قابلة للكسر على عرش البالون دور

طوال هذه المسيرة، احتكر النجم الأرجنتيني المنصات الفردية محققاً أرقاماً قياسية تبدو عصية على التحطيم في المستقبل القريب. وتربع ميسي على عرش جائزة الكرة الذهبية لثماني مرات باعتباره أكثر لاعب في التاريخ تحقيقاً لهذا الإنجاز، ونال الحذاء الذهبي الأوروبي في ست مناسبات، بالإضافة إلى تتويجه بجائزة الأفضل من الاتحاد الدولي لكرة القدم ثلاث مرات، وهو اللاعب الوحيد في التاريخ الذي حصد جائزة أفضل لاعب في بطولة كأس العالم مرتين، وذلك في نسختي البرازيل وقطر.

لقطة ميسي الأيقونية وهو يرفع كأس العالم 2022 (أ.ف.ب)

الصدمة المدوية وبيان الوداع التاريخي عبر «إنستغرام»

بعد مسيرة دولية ملحمية دامت لواحد وعشرين عاماً بقميص لالبيلسيستي، صدم ليونيل ميسي الأوساط الرياضية العالمية بإعلان اعتزاله اللعب دولياً رسمياً. وجاء الوداع الأخير عبر بيان مؤثر للغاية نشره الساحر الأرجنتيني على حسابه الرسمي في منصة «إنستغرام»، مؤكداً بكلمات حزينة تقطر شجناً أن القرار كان مؤلماً ويمس روحه في الأعماق، لكنه أدرك أن الوقت قد حان ليترجل عن صهوة جواده الدولي ويفسح المجال أمام المواهب الشابة الصاعدة.

كان مورينيو قد واجه ميسي مراراً خلال فترات قيادته لريال مدريد قبل أن يوجّه إليه الرسالة التقديرية (حساب ميسي في «إنستغرام»)

وكشف ميسي في ثنايا رسالته الوداعية أنه خطّ كلمات هذا البيان يدوياً في الحادي والعشرين من يوليو (تموز)، أي بعد يومين فقط من نهائي المونديال الأخير، غير أن الرحيل المفجع لوالده «خورخي ميسي» في شهر أغسطس (آب) عزز لديه اليقين التام بالاعتزال، لينهي النجم البالغ من العمر 39 عاماً مسيرته برصيد إعجازي يبلغ 207 مباريات دولية سجل خلالها 125 هدفاً، مغادراً من الباب الكبير وبراحة بال تامة بعد أن أفرغ كل ما في جعبته لوطنه.

النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي ووالده خورخي (رويترز)

عندما تودع كرة القدم جزءاً من روحها الجميلة

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

لم تكن مسيرة ليونيل ميسي مجرد إحصائيات جافة تُسجل في دفاتر الاتحاد الدولي، بل كانت مدرسة في الإصرار والعبقرية التي تثبت كيف يمكن للجسد الضئيل أن يقهر العمالقة بالفطرة والذكاء. ومع إغلاق هذا الفصل الدولي الأخير وتحول ميسي إلى مشجع يناصر بلاده من المدرجات، تدرك كرة القدم أنها لن تودع مجرد لاعب عظيم، بل ستودع حقبة بأكملها وجزءاً من روحها التي جعلت الملايين يعشقون المستديرة.