منصورة عز الدين: كل شيء أعرفه عن الكتابة تعلمته من اهتمامي بالزراعة

صاحبة «بساتين البصرة» تقول إنها تدون أحلامها كأنها يوميات اللاوعي

منصورة عز الدين
منصورة عز الدين
TT

منصورة عز الدين: كل شيء أعرفه عن الكتابة تعلمته من اهتمامي بالزراعة

منصورة عز الدين
منصورة عز الدين

تخوض الكاتبة الروائية المصرية منصورة عز الدين، الآن، تجربة سردية جديدة من خلال منحة أدبية من «المدينة الدولية للفنون بباريس»، ستنجز خلالها كتابة تتناول عالم الطفولة وعلاقته بالذات وفضاء القص. وكانت الروائية قد أصدرت قبل فترة روايتها «بساتين البصرة». هنا حوار معها حول تفرغها لكتابة عملها الجديد، وروايتها الأخيرة:

> تخوضين حالياً في باريس تجربة جديدة مع الكتابة، حدثينا عنها...
- حصلت على منحة إقامة أدبية من «المدينة الدولية للفنون» بباريس و«المعهد الثقافي الفرنسي» للانتهاء من كتاب له علاقة بالذاكرة والطفولة وندوب الماضي. والحقيقة أن طيف هذا العمل يرافقني منذ سنوات، ولم أجد الوقت الكافي للتفرغ له لانشغالي بكتابات أخرى، لذا سعدت حين نال التصور الذي قدمته عن العمل هذه المنحة، كي أتفرغ له بعيداً عن أي ارتباطات أخرى. ولعل أهم ما في المحترفات الأدبية أنها توفر للكتاب والفنانين قدراً كبيراً من العزلة والتركيز على الكتابة والعمل في جو إبداعي ملائم، هذا بخلاف أن هناك نوعية معينة من الكتابة المنطوية على تفحص الماضي وفتح صناديقه المغلقة تتطلب مسافة مكانية، بعيداً عن المكان الذي جرت فيه الأحداث، إضافة إلى المسافة الزمانية التي تكفل بها مرور الوقت.
> إلى أي مدى تُؤثر أجواء «كورونا» على حُرية تلك التجربة من جهة، وعلى فضائك الخاص في الكتابة بشكل عام؟
- لأجواء «كورونا» تأثير كبير وثقيل على تجربة الإقامة في باريس، خصوصاً في ظل الإغلاق من السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً. آثار الوباء منطبعة على كل التفاصيل بطبيعة الحال، زرت باريس مرتين من قبل، والآن أراها في ضوء مختلف تماماً. أسير في شوارعها بالساعات، وألاحظ أن عقلي يسجل تلقائياً المستجدات التي أحدثها الوباء الحالي، وهذا مهم للعمل الذي أكتبه حالياً، إذ إنه على صلة به، وإن كانت صلة مخاتلة وغير مباشرة حتى الآن.
كما أن الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي يحد من التواصل بدرجة كبيرة، ويقلل من النشاطات الاجتماعية، وهذا يضعني في مواجهة مكثفة وشبه دائمة مع الكتابة خلال وجودي هنا. لكن ما يخفف الأمر أن لدي ذاكرة قريبة في مصر خاصة ببدايات جائحة «كورونا» وبالإغلاق الذي عايشته في القاهرة حينها. قد يتبدى كل هذا فيما أكتب حالياً، أقول قد لأننا لا يمكننا الجزم بأي شيء فيما يخص الكتابة سوى حين يكتمل العمل وننتهي منه فعلياً.
> نال كتابك «خطوات في شنغهاي» جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة أخيراً... حدثينا عن تلك «الخطوات»...
- زرت الصين مرتين؛ الأولى تمثلت في إقامة أدبية لمدة شهرين (سبتمبر/ أيلول وأكتوبر/ تشرين الأول 2018) في شنغهاي وخلالها ذهبت أيضاً إلى إقليم آنجي في رحلة لغابات البامبو هناك، والمرة الثانية كانت في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 بدعوة من مركز مو يان الدولي للكتابة بجامعة بكين، وزرت خلالها بكين وجوهاي ومقاطعة تشونج شان؛ مسقط رأس سون يات سين الملقب بأبي الصين الحديثة. والكتاب تدوين لمجريات هاتين الزيارتين مع التركيز على شنغهاي باعتبارها المدينة الصينية التي أقمت فيها لأطول فترة. الكتاب أيضاً عن مفهوم المسافة وعن الكتابة والذاكرة بشكل ما؛ وعن النظرة للآخر وللصين بوصفها آخر الدنيا وأرض الغرابة من وجهة نظر الكثيرين.
> البعض يعتبر أدب الرحلة ليس بأدب، وأنه لا يعكس العصر الذي نعيش، بل هو فن تراثي قديم؟
- لقد بدأت مشواري مع القراءة بأدب الرحلات، واستمر اهتمامي به مع الوقت، لكن مع التركيز على كتابات الرحالة القدامى. أظن أن المشكلة تكمن أحياناً في كون البعض يتوقع من أدب الرحلة أن يظل كما كان دون النظر إلى التغيرات الهائلة التي أحدثتها ثورة الاتصالات والمعلومات. يمكن لأي شخص يمتلك حاسوباً أو هاتفا ذكياً الآن التجول افتراضياً في مدن ومتاحف بعيدة عنه كل البعد، كما أن معظم المعلومات عن الدول والثقافات الأخرى متاحة الآن على الإنترنت ومن خلال السينما والتلفزيون، وبالتالي فمن يكتب في أدب الرحلة يواجه تحدياً كبيراً يتمثل في: ما الذي يمكن أن يضيفه في عصر كعصرنا؟ هل ينتظره القراء ليعرفهم بعادات شعب معين وبمطبخه وثقافته؟ أظن أن الإضافة الأهم تتمثل في جماليات الكتابة وفي خصوصية تجربة هذا الكاتب أو ذاك في بلدٍ بعينه. أدب الرحلات في النهاية ينتمي إلى الفن، ومن الظلم حصره في أن يكون وسيلة لغاية ما. قد نستفيد من الأعمال الفنية والأدبية، من الناحية المعرفية، لكنها أوسع من فكرة الاستفادة بمعناها الضيق، إذ من الأفضل تقييمها والنظر إليها نقدياً انطلاقاً من معايير جمالية وفنية بحتة. حين أقرأ «سفر نامة» للرحالة والشاعر الفارسي ناصر خسرو، مثلاً، أعرف الكثير عن الشام ومصر في عصره، لكن هل الصورة التي رسمها بكلماته حقيقية؟ هل رؤيته للمدن التي زاراها غير مشوبة بالتخييل؟ لا يمكنني الجزم، وفي الحقيقة فإن ما يهمني أكثر أن عمله هذا مكتوب بفنية عالية ومُلهِم جداً لي كما أنه يعبر عن رؤية هذا الرحالة والشاعر المتفلسف خاصة للحواضر الأهم في عصره.
هذه الذاتية لا تتقادم، وفي رأيي أنها مطلوبة أكثر الآن، في وقت تتوفر فيه كل المعلومات بضغطة زر، ما لا يتوفر إلا بكتابة مشغولة ومبذول فيها جهد هو رؤية كاتب بعينه لمكان ما.
> على ذكر التراث... أبحرتِ في أعماق مدينة الأئمة والفلسفة وعلوم الكلام في «بساتين البصرة»... لماذا البصرة تحديداً؟
- لا أظن أن هناك بين عشاق اللغة العربية وآدابها من لا يكن محبة خاصة للعراق وحواضرها القديمة، لذا أرى أن الولع بهذه البقعة ليس مستغرباً، وبالنسبة لي تحظى البصرة بمكانة خاصة، لأنني أراها في ضوء العقول المهمة التي عاشت فيها والمعارك الفكرية والأسئلة التي طُرِحت، خلال الفترة المذكورة في جزء من العمل، وما تلاها.
هذا بشكل عام، لكن فيما يخص «بساتين البصرة»، فالرواية تنطلق من حلم وارد في كتاب «تفسير الأحلام الكبير» المنسوب للإمام محمد بن سيرين، رآه رجل مجهول وحكاه للإمام الحسن البصري. وبالتالي فهذا الحلم حدد لي منذ البداية البصرة القديمة كحيز مكاني، وزمن الحسن البصري كحيز زمني.
> من واقع هذه الرواية كيف تتأملين الأحلام كمادة مُحفزة للكتابة؟
- الأحلام منبع أساسي من منابع الإلهام والتخييل عندي منذ بدأت الكتابة. علاقتي بها قوية ومن عاداتي الدائمة تدوين أحلامي؛ كأنها يوميات اللا وعي في مقابل يومياتي الواعية التي أدونها من وقت لآخر أيضاً. المقارنة بين المدونتين (تلك الخاصة بالأحلام وتلك الخاصة بالواقع) ملهمة ومثيرة للخيال جداً بالنسبة لي. بعض أعمالي نبتت فكرتها من حلم حلمت به، ثم اشتغلت عليه لاحقاً. أتذكر هنا قصة «ليل قوطي» ورواية «أخيلة الظل» اللتين بدأتا من حلمين عابرين. غير أن الإلهام لا ينحصر في أحداث الأحلام أو تفاصيلها، بل الأهم من وجهة نظري استلهام منطق الأحلام، أو بالأحرى لا منطقها، وكذلك سيولتها؛ سيولة الأماكن وانتفاء فكرة الزمن فيها.
لكن بعيداً عن أحلامي الشخصية، أهتم بالقراءة المكثفة عن الأحلام وتفسيراتها في الثقافات المختلفة، خصوصاً في الثقافة الإسلامية التي أرى أنها تتعامل مع الأحلام بفنية نادرة.
وخلاصة تجربتي مع الأحلام تكمن في أن كثيراً من الأشياء في الإبداع تحدث تلقائياً وانطلاقاً من اللا وعي؛ وهو انعكاس للاوعي الكاتب والنص معاً. المطلوب فقط أن يسعى الكاتب للإنصات إلى منطق نصه، وهو منطق مهموس ويكاد يكون هشاً ومتطايراً، لذا يحتاج إلى جهد من الكاتب لالتقاطه وفهمه.
> هناك إشارة مركزية في الرواية للحدث التاريخي الشهير الخاص باعتزال واصل بن عطاء لمجلس الإمام الحسن البصري، حدثينا عن دلالة هذا المشهد بالنسبة لك وتوظيفه روائياً؟
- هي دلالة مركزية بالفعل، لأن هذا الحدث ليس فقط نقطة انطلاق للجزء الذي يدور في البصرة بالرواية ولمصائر شخصياته، بل أساساً لأن الأسئلة التي يطرحها العمل ككل تنطلق من هذا الحدث، أو بالأحرى من فكر الاعتزال ككل: السؤال عن القدر وهل الإنسان مسير أم مخير؟ وسؤال مرتكب الكبيرة والمنزلة بين المنزلتين، وكذلك الآجال عند المعتزلة. لذا فمن أهم التأويلات التي وصلتني للرواية تأويل من صديقة متعمقة في الفلسفة الإسلامية، قرأت الرواية في ضوء فلسفة الاعتزال.
> ما هي أبرز عناوين الكتب التراثية التي استفدتِ منها ككاتبة؟
- أنا من عشاق الجاحظ، أعود إليه باستمرار وأستمتع برفقته، واستفدت كذلك من مؤلفات أبي هلال العسكري والتوحيدي وابن الجوزي. أحب أيضاً الشعر العربي القديم، ولا أتصور حياتي بدون قراءة طرفة بن العبد وامرئ القيس وأبي العلاء المعري والمتنبي ولبيد والنابغة الذبياني والقائمة تطول. هناك أيضاً تراث التصوف العربي والفارسي، والسير الشعبية و«ألف ليلة وليلة» الذي أعتبره نصاً مرجعياً بالنسبة لي، وكتب الجغرافيا القديمة؛ خصوصاً تلك التي تتموه فيها الحدود الفاصلة بين الخيال وبين الجغرافيا كعلم، وقد استمتعت كثيراً بقراءة هذا النوع من الكتب خلال رحلة كتابة «جبل الزمرد».
أدين بالكثير كذلك للمعاجم العربية القديمة، وأنظر إليها كأعمال إبداعية أكثر من كونها قواميس، أقرأ فقرات من «لسان العرب» يومياً، وأرجع للثعالبي وابن جني وعبد القاهر الجرجاني دوماً، سوف أنسى نصوصاً مؤثرة بالتأكيد، كما يحدث كل مرة، لكن عموماً أنا من المهتمين بالأساطير والملاحم القديمة، ولا يقتصر هذا الاهتمام على التراث العربي فقط، بل يشمل حضارات وثقافات أخرى منها الحضارة الصينية القديمة والحضارة اليونانية على سبيل المثال لا الحصر.
> لكِ اهتمامات خاصة بـ«البستنة»، كيف يمكنك تأمل ذلك الرابط بين بستنة الحديقة والأزهار، وبين بساتين الكتابة؟
- أكرر كثيراً أن كل شيء أعرفه عن الكتابة تعلمته من اهتمامي بالزراعة: الصبر، العناية بالتفاصيل، الانتباه إلى البيئة المحيطة، وأبذل أقصى ما أستطيع من جهد على أمل أن يثمر إذا كانت الظروف مواتية. فما أجملها من ثمرة تسقط فوق طاولة الكتابة.



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!