منصورة عز الدين: كل شيء أعرفه عن الكتابة تعلمته من اهتمامي بالزراعة

صاحبة «بساتين البصرة» تقول إنها تدون أحلامها كأنها يوميات اللاوعي

منصورة عز الدين
منصورة عز الدين
TT

منصورة عز الدين: كل شيء أعرفه عن الكتابة تعلمته من اهتمامي بالزراعة

منصورة عز الدين
منصورة عز الدين

تخوض الكاتبة الروائية المصرية منصورة عز الدين، الآن، تجربة سردية جديدة من خلال منحة أدبية من «المدينة الدولية للفنون بباريس»، ستنجز خلالها كتابة تتناول عالم الطفولة وعلاقته بالذات وفضاء القص. وكانت الروائية قد أصدرت قبل فترة روايتها «بساتين البصرة». هنا حوار معها حول تفرغها لكتابة عملها الجديد، وروايتها الأخيرة:

> تخوضين حالياً في باريس تجربة جديدة مع الكتابة، حدثينا عنها...
- حصلت على منحة إقامة أدبية من «المدينة الدولية للفنون» بباريس و«المعهد الثقافي الفرنسي» للانتهاء من كتاب له علاقة بالذاكرة والطفولة وندوب الماضي. والحقيقة أن طيف هذا العمل يرافقني منذ سنوات، ولم أجد الوقت الكافي للتفرغ له لانشغالي بكتابات أخرى، لذا سعدت حين نال التصور الذي قدمته عن العمل هذه المنحة، كي أتفرغ له بعيداً عن أي ارتباطات أخرى. ولعل أهم ما في المحترفات الأدبية أنها توفر للكتاب والفنانين قدراً كبيراً من العزلة والتركيز على الكتابة والعمل في جو إبداعي ملائم، هذا بخلاف أن هناك نوعية معينة من الكتابة المنطوية على تفحص الماضي وفتح صناديقه المغلقة تتطلب مسافة مكانية، بعيداً عن المكان الذي جرت فيه الأحداث، إضافة إلى المسافة الزمانية التي تكفل بها مرور الوقت.
> إلى أي مدى تُؤثر أجواء «كورونا» على حُرية تلك التجربة من جهة، وعلى فضائك الخاص في الكتابة بشكل عام؟
- لأجواء «كورونا» تأثير كبير وثقيل على تجربة الإقامة في باريس، خصوصاً في ظل الإغلاق من السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً. آثار الوباء منطبعة على كل التفاصيل بطبيعة الحال، زرت باريس مرتين من قبل، والآن أراها في ضوء مختلف تماماً. أسير في شوارعها بالساعات، وألاحظ أن عقلي يسجل تلقائياً المستجدات التي أحدثها الوباء الحالي، وهذا مهم للعمل الذي أكتبه حالياً، إذ إنه على صلة به، وإن كانت صلة مخاتلة وغير مباشرة حتى الآن.
كما أن الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي يحد من التواصل بدرجة كبيرة، ويقلل من النشاطات الاجتماعية، وهذا يضعني في مواجهة مكثفة وشبه دائمة مع الكتابة خلال وجودي هنا. لكن ما يخفف الأمر أن لدي ذاكرة قريبة في مصر خاصة ببدايات جائحة «كورونا» وبالإغلاق الذي عايشته في القاهرة حينها. قد يتبدى كل هذا فيما أكتب حالياً، أقول قد لأننا لا يمكننا الجزم بأي شيء فيما يخص الكتابة سوى حين يكتمل العمل وننتهي منه فعلياً.
> نال كتابك «خطوات في شنغهاي» جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة أخيراً... حدثينا عن تلك «الخطوات»...
- زرت الصين مرتين؛ الأولى تمثلت في إقامة أدبية لمدة شهرين (سبتمبر/ أيلول وأكتوبر/ تشرين الأول 2018) في شنغهاي وخلالها ذهبت أيضاً إلى إقليم آنجي في رحلة لغابات البامبو هناك، والمرة الثانية كانت في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 بدعوة من مركز مو يان الدولي للكتابة بجامعة بكين، وزرت خلالها بكين وجوهاي ومقاطعة تشونج شان؛ مسقط رأس سون يات سين الملقب بأبي الصين الحديثة. والكتاب تدوين لمجريات هاتين الزيارتين مع التركيز على شنغهاي باعتبارها المدينة الصينية التي أقمت فيها لأطول فترة. الكتاب أيضاً عن مفهوم المسافة وعن الكتابة والذاكرة بشكل ما؛ وعن النظرة للآخر وللصين بوصفها آخر الدنيا وأرض الغرابة من وجهة نظر الكثيرين.
> البعض يعتبر أدب الرحلة ليس بأدب، وأنه لا يعكس العصر الذي نعيش، بل هو فن تراثي قديم؟
- لقد بدأت مشواري مع القراءة بأدب الرحلات، واستمر اهتمامي به مع الوقت، لكن مع التركيز على كتابات الرحالة القدامى. أظن أن المشكلة تكمن أحياناً في كون البعض يتوقع من أدب الرحلة أن يظل كما كان دون النظر إلى التغيرات الهائلة التي أحدثتها ثورة الاتصالات والمعلومات. يمكن لأي شخص يمتلك حاسوباً أو هاتفا ذكياً الآن التجول افتراضياً في مدن ومتاحف بعيدة عنه كل البعد، كما أن معظم المعلومات عن الدول والثقافات الأخرى متاحة الآن على الإنترنت ومن خلال السينما والتلفزيون، وبالتالي فمن يكتب في أدب الرحلة يواجه تحدياً كبيراً يتمثل في: ما الذي يمكن أن يضيفه في عصر كعصرنا؟ هل ينتظره القراء ليعرفهم بعادات شعب معين وبمطبخه وثقافته؟ أظن أن الإضافة الأهم تتمثل في جماليات الكتابة وفي خصوصية تجربة هذا الكاتب أو ذاك في بلدٍ بعينه. أدب الرحلات في النهاية ينتمي إلى الفن، ومن الظلم حصره في أن يكون وسيلة لغاية ما. قد نستفيد من الأعمال الفنية والأدبية، من الناحية المعرفية، لكنها أوسع من فكرة الاستفادة بمعناها الضيق، إذ من الأفضل تقييمها والنظر إليها نقدياً انطلاقاً من معايير جمالية وفنية بحتة. حين أقرأ «سفر نامة» للرحالة والشاعر الفارسي ناصر خسرو، مثلاً، أعرف الكثير عن الشام ومصر في عصره، لكن هل الصورة التي رسمها بكلماته حقيقية؟ هل رؤيته للمدن التي زاراها غير مشوبة بالتخييل؟ لا يمكنني الجزم، وفي الحقيقة فإن ما يهمني أكثر أن عمله هذا مكتوب بفنية عالية ومُلهِم جداً لي كما أنه يعبر عن رؤية هذا الرحالة والشاعر المتفلسف خاصة للحواضر الأهم في عصره.
هذه الذاتية لا تتقادم، وفي رأيي أنها مطلوبة أكثر الآن، في وقت تتوفر فيه كل المعلومات بضغطة زر، ما لا يتوفر إلا بكتابة مشغولة ومبذول فيها جهد هو رؤية كاتب بعينه لمكان ما.
> على ذكر التراث... أبحرتِ في أعماق مدينة الأئمة والفلسفة وعلوم الكلام في «بساتين البصرة»... لماذا البصرة تحديداً؟
- لا أظن أن هناك بين عشاق اللغة العربية وآدابها من لا يكن محبة خاصة للعراق وحواضرها القديمة، لذا أرى أن الولع بهذه البقعة ليس مستغرباً، وبالنسبة لي تحظى البصرة بمكانة خاصة، لأنني أراها في ضوء العقول المهمة التي عاشت فيها والمعارك الفكرية والأسئلة التي طُرِحت، خلال الفترة المذكورة في جزء من العمل، وما تلاها.
هذا بشكل عام، لكن فيما يخص «بساتين البصرة»، فالرواية تنطلق من حلم وارد في كتاب «تفسير الأحلام الكبير» المنسوب للإمام محمد بن سيرين، رآه رجل مجهول وحكاه للإمام الحسن البصري. وبالتالي فهذا الحلم حدد لي منذ البداية البصرة القديمة كحيز مكاني، وزمن الحسن البصري كحيز زمني.
> من واقع هذه الرواية كيف تتأملين الأحلام كمادة مُحفزة للكتابة؟
- الأحلام منبع أساسي من منابع الإلهام والتخييل عندي منذ بدأت الكتابة. علاقتي بها قوية ومن عاداتي الدائمة تدوين أحلامي؛ كأنها يوميات اللا وعي في مقابل يومياتي الواعية التي أدونها من وقت لآخر أيضاً. المقارنة بين المدونتين (تلك الخاصة بالأحلام وتلك الخاصة بالواقع) ملهمة ومثيرة للخيال جداً بالنسبة لي. بعض أعمالي نبتت فكرتها من حلم حلمت به، ثم اشتغلت عليه لاحقاً. أتذكر هنا قصة «ليل قوطي» ورواية «أخيلة الظل» اللتين بدأتا من حلمين عابرين. غير أن الإلهام لا ينحصر في أحداث الأحلام أو تفاصيلها، بل الأهم من وجهة نظري استلهام منطق الأحلام، أو بالأحرى لا منطقها، وكذلك سيولتها؛ سيولة الأماكن وانتفاء فكرة الزمن فيها.
لكن بعيداً عن أحلامي الشخصية، أهتم بالقراءة المكثفة عن الأحلام وتفسيراتها في الثقافات المختلفة، خصوصاً في الثقافة الإسلامية التي أرى أنها تتعامل مع الأحلام بفنية نادرة.
وخلاصة تجربتي مع الأحلام تكمن في أن كثيراً من الأشياء في الإبداع تحدث تلقائياً وانطلاقاً من اللا وعي؛ وهو انعكاس للاوعي الكاتب والنص معاً. المطلوب فقط أن يسعى الكاتب للإنصات إلى منطق نصه، وهو منطق مهموس ويكاد يكون هشاً ومتطايراً، لذا يحتاج إلى جهد من الكاتب لالتقاطه وفهمه.
> هناك إشارة مركزية في الرواية للحدث التاريخي الشهير الخاص باعتزال واصل بن عطاء لمجلس الإمام الحسن البصري، حدثينا عن دلالة هذا المشهد بالنسبة لك وتوظيفه روائياً؟
- هي دلالة مركزية بالفعل، لأن هذا الحدث ليس فقط نقطة انطلاق للجزء الذي يدور في البصرة بالرواية ولمصائر شخصياته، بل أساساً لأن الأسئلة التي يطرحها العمل ككل تنطلق من هذا الحدث، أو بالأحرى من فكر الاعتزال ككل: السؤال عن القدر وهل الإنسان مسير أم مخير؟ وسؤال مرتكب الكبيرة والمنزلة بين المنزلتين، وكذلك الآجال عند المعتزلة. لذا فمن أهم التأويلات التي وصلتني للرواية تأويل من صديقة متعمقة في الفلسفة الإسلامية، قرأت الرواية في ضوء فلسفة الاعتزال.
> ما هي أبرز عناوين الكتب التراثية التي استفدتِ منها ككاتبة؟
- أنا من عشاق الجاحظ، أعود إليه باستمرار وأستمتع برفقته، واستفدت كذلك من مؤلفات أبي هلال العسكري والتوحيدي وابن الجوزي. أحب أيضاً الشعر العربي القديم، ولا أتصور حياتي بدون قراءة طرفة بن العبد وامرئ القيس وأبي العلاء المعري والمتنبي ولبيد والنابغة الذبياني والقائمة تطول. هناك أيضاً تراث التصوف العربي والفارسي، والسير الشعبية و«ألف ليلة وليلة» الذي أعتبره نصاً مرجعياً بالنسبة لي، وكتب الجغرافيا القديمة؛ خصوصاً تلك التي تتموه فيها الحدود الفاصلة بين الخيال وبين الجغرافيا كعلم، وقد استمتعت كثيراً بقراءة هذا النوع من الكتب خلال رحلة كتابة «جبل الزمرد».
أدين بالكثير كذلك للمعاجم العربية القديمة، وأنظر إليها كأعمال إبداعية أكثر من كونها قواميس، أقرأ فقرات من «لسان العرب» يومياً، وأرجع للثعالبي وابن جني وعبد القاهر الجرجاني دوماً، سوف أنسى نصوصاً مؤثرة بالتأكيد، كما يحدث كل مرة، لكن عموماً أنا من المهتمين بالأساطير والملاحم القديمة، ولا يقتصر هذا الاهتمام على التراث العربي فقط، بل يشمل حضارات وثقافات أخرى منها الحضارة الصينية القديمة والحضارة اليونانية على سبيل المثال لا الحصر.
> لكِ اهتمامات خاصة بـ«البستنة»، كيف يمكنك تأمل ذلك الرابط بين بستنة الحديقة والأزهار، وبين بساتين الكتابة؟
- أكرر كثيراً أن كل شيء أعرفه عن الكتابة تعلمته من اهتمامي بالزراعة: الصبر، العناية بالتفاصيل، الانتباه إلى البيئة المحيطة، وأبذل أقصى ما أستطيع من جهد على أمل أن يثمر إذا كانت الظروف مواتية. فما أجملها من ثمرة تسقط فوق طاولة الكتابة.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».