منصورة عز الدين: كل شيء أعرفه عن الكتابة تعلمته من اهتمامي بالزراعة

صاحبة «بساتين البصرة» تقول إنها تدون أحلامها كأنها يوميات اللاوعي

منصورة عز الدين
منصورة عز الدين
TT

منصورة عز الدين: كل شيء أعرفه عن الكتابة تعلمته من اهتمامي بالزراعة

منصورة عز الدين
منصورة عز الدين

تخوض الكاتبة الروائية المصرية منصورة عز الدين، الآن، تجربة سردية جديدة من خلال منحة أدبية من «المدينة الدولية للفنون بباريس»، ستنجز خلالها كتابة تتناول عالم الطفولة وعلاقته بالذات وفضاء القص. وكانت الروائية قد أصدرت قبل فترة روايتها «بساتين البصرة». هنا حوار معها حول تفرغها لكتابة عملها الجديد، وروايتها الأخيرة:

> تخوضين حالياً في باريس تجربة جديدة مع الكتابة، حدثينا عنها...
- حصلت على منحة إقامة أدبية من «المدينة الدولية للفنون» بباريس و«المعهد الثقافي الفرنسي» للانتهاء من كتاب له علاقة بالذاكرة والطفولة وندوب الماضي. والحقيقة أن طيف هذا العمل يرافقني منذ سنوات، ولم أجد الوقت الكافي للتفرغ له لانشغالي بكتابات أخرى، لذا سعدت حين نال التصور الذي قدمته عن العمل هذه المنحة، كي أتفرغ له بعيداً عن أي ارتباطات أخرى. ولعل أهم ما في المحترفات الأدبية أنها توفر للكتاب والفنانين قدراً كبيراً من العزلة والتركيز على الكتابة والعمل في جو إبداعي ملائم، هذا بخلاف أن هناك نوعية معينة من الكتابة المنطوية على تفحص الماضي وفتح صناديقه المغلقة تتطلب مسافة مكانية، بعيداً عن المكان الذي جرت فيه الأحداث، إضافة إلى المسافة الزمانية التي تكفل بها مرور الوقت.
> إلى أي مدى تُؤثر أجواء «كورونا» على حُرية تلك التجربة من جهة، وعلى فضائك الخاص في الكتابة بشكل عام؟
- لأجواء «كورونا» تأثير كبير وثقيل على تجربة الإقامة في باريس، خصوصاً في ظل الإغلاق من السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً. آثار الوباء منطبعة على كل التفاصيل بطبيعة الحال، زرت باريس مرتين من قبل، والآن أراها في ضوء مختلف تماماً. أسير في شوارعها بالساعات، وألاحظ أن عقلي يسجل تلقائياً المستجدات التي أحدثها الوباء الحالي، وهذا مهم للعمل الذي أكتبه حالياً، إذ إنه على صلة به، وإن كانت صلة مخاتلة وغير مباشرة حتى الآن.
كما أن الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي يحد من التواصل بدرجة كبيرة، ويقلل من النشاطات الاجتماعية، وهذا يضعني في مواجهة مكثفة وشبه دائمة مع الكتابة خلال وجودي هنا. لكن ما يخفف الأمر أن لدي ذاكرة قريبة في مصر خاصة ببدايات جائحة «كورونا» وبالإغلاق الذي عايشته في القاهرة حينها. قد يتبدى كل هذا فيما أكتب حالياً، أقول قد لأننا لا يمكننا الجزم بأي شيء فيما يخص الكتابة سوى حين يكتمل العمل وننتهي منه فعلياً.
> نال كتابك «خطوات في شنغهاي» جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة أخيراً... حدثينا عن تلك «الخطوات»...
- زرت الصين مرتين؛ الأولى تمثلت في إقامة أدبية لمدة شهرين (سبتمبر/ أيلول وأكتوبر/ تشرين الأول 2018) في شنغهاي وخلالها ذهبت أيضاً إلى إقليم آنجي في رحلة لغابات البامبو هناك، والمرة الثانية كانت في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 بدعوة من مركز مو يان الدولي للكتابة بجامعة بكين، وزرت خلالها بكين وجوهاي ومقاطعة تشونج شان؛ مسقط رأس سون يات سين الملقب بأبي الصين الحديثة. والكتاب تدوين لمجريات هاتين الزيارتين مع التركيز على شنغهاي باعتبارها المدينة الصينية التي أقمت فيها لأطول فترة. الكتاب أيضاً عن مفهوم المسافة وعن الكتابة والذاكرة بشكل ما؛ وعن النظرة للآخر وللصين بوصفها آخر الدنيا وأرض الغرابة من وجهة نظر الكثيرين.
> البعض يعتبر أدب الرحلة ليس بأدب، وأنه لا يعكس العصر الذي نعيش، بل هو فن تراثي قديم؟
- لقد بدأت مشواري مع القراءة بأدب الرحلات، واستمر اهتمامي به مع الوقت، لكن مع التركيز على كتابات الرحالة القدامى. أظن أن المشكلة تكمن أحياناً في كون البعض يتوقع من أدب الرحلة أن يظل كما كان دون النظر إلى التغيرات الهائلة التي أحدثتها ثورة الاتصالات والمعلومات. يمكن لأي شخص يمتلك حاسوباً أو هاتفا ذكياً الآن التجول افتراضياً في مدن ومتاحف بعيدة عنه كل البعد، كما أن معظم المعلومات عن الدول والثقافات الأخرى متاحة الآن على الإنترنت ومن خلال السينما والتلفزيون، وبالتالي فمن يكتب في أدب الرحلة يواجه تحدياً كبيراً يتمثل في: ما الذي يمكن أن يضيفه في عصر كعصرنا؟ هل ينتظره القراء ليعرفهم بعادات شعب معين وبمطبخه وثقافته؟ أظن أن الإضافة الأهم تتمثل في جماليات الكتابة وفي خصوصية تجربة هذا الكاتب أو ذاك في بلدٍ بعينه. أدب الرحلات في النهاية ينتمي إلى الفن، ومن الظلم حصره في أن يكون وسيلة لغاية ما. قد نستفيد من الأعمال الفنية والأدبية، من الناحية المعرفية، لكنها أوسع من فكرة الاستفادة بمعناها الضيق، إذ من الأفضل تقييمها والنظر إليها نقدياً انطلاقاً من معايير جمالية وفنية بحتة. حين أقرأ «سفر نامة» للرحالة والشاعر الفارسي ناصر خسرو، مثلاً، أعرف الكثير عن الشام ومصر في عصره، لكن هل الصورة التي رسمها بكلماته حقيقية؟ هل رؤيته للمدن التي زاراها غير مشوبة بالتخييل؟ لا يمكنني الجزم، وفي الحقيقة فإن ما يهمني أكثر أن عمله هذا مكتوب بفنية عالية ومُلهِم جداً لي كما أنه يعبر عن رؤية هذا الرحالة والشاعر المتفلسف خاصة للحواضر الأهم في عصره.
هذه الذاتية لا تتقادم، وفي رأيي أنها مطلوبة أكثر الآن، في وقت تتوفر فيه كل المعلومات بضغطة زر، ما لا يتوفر إلا بكتابة مشغولة ومبذول فيها جهد هو رؤية كاتب بعينه لمكان ما.
> على ذكر التراث... أبحرتِ في أعماق مدينة الأئمة والفلسفة وعلوم الكلام في «بساتين البصرة»... لماذا البصرة تحديداً؟
- لا أظن أن هناك بين عشاق اللغة العربية وآدابها من لا يكن محبة خاصة للعراق وحواضرها القديمة، لذا أرى أن الولع بهذه البقعة ليس مستغرباً، وبالنسبة لي تحظى البصرة بمكانة خاصة، لأنني أراها في ضوء العقول المهمة التي عاشت فيها والمعارك الفكرية والأسئلة التي طُرِحت، خلال الفترة المذكورة في جزء من العمل، وما تلاها.
هذا بشكل عام، لكن فيما يخص «بساتين البصرة»، فالرواية تنطلق من حلم وارد في كتاب «تفسير الأحلام الكبير» المنسوب للإمام محمد بن سيرين، رآه رجل مجهول وحكاه للإمام الحسن البصري. وبالتالي فهذا الحلم حدد لي منذ البداية البصرة القديمة كحيز مكاني، وزمن الحسن البصري كحيز زمني.
> من واقع هذه الرواية كيف تتأملين الأحلام كمادة مُحفزة للكتابة؟
- الأحلام منبع أساسي من منابع الإلهام والتخييل عندي منذ بدأت الكتابة. علاقتي بها قوية ومن عاداتي الدائمة تدوين أحلامي؛ كأنها يوميات اللا وعي في مقابل يومياتي الواعية التي أدونها من وقت لآخر أيضاً. المقارنة بين المدونتين (تلك الخاصة بالأحلام وتلك الخاصة بالواقع) ملهمة ومثيرة للخيال جداً بالنسبة لي. بعض أعمالي نبتت فكرتها من حلم حلمت به، ثم اشتغلت عليه لاحقاً. أتذكر هنا قصة «ليل قوطي» ورواية «أخيلة الظل» اللتين بدأتا من حلمين عابرين. غير أن الإلهام لا ينحصر في أحداث الأحلام أو تفاصيلها، بل الأهم من وجهة نظري استلهام منطق الأحلام، أو بالأحرى لا منطقها، وكذلك سيولتها؛ سيولة الأماكن وانتفاء فكرة الزمن فيها.
لكن بعيداً عن أحلامي الشخصية، أهتم بالقراءة المكثفة عن الأحلام وتفسيراتها في الثقافات المختلفة، خصوصاً في الثقافة الإسلامية التي أرى أنها تتعامل مع الأحلام بفنية نادرة.
وخلاصة تجربتي مع الأحلام تكمن في أن كثيراً من الأشياء في الإبداع تحدث تلقائياً وانطلاقاً من اللا وعي؛ وهو انعكاس للاوعي الكاتب والنص معاً. المطلوب فقط أن يسعى الكاتب للإنصات إلى منطق نصه، وهو منطق مهموس ويكاد يكون هشاً ومتطايراً، لذا يحتاج إلى جهد من الكاتب لالتقاطه وفهمه.
> هناك إشارة مركزية في الرواية للحدث التاريخي الشهير الخاص باعتزال واصل بن عطاء لمجلس الإمام الحسن البصري، حدثينا عن دلالة هذا المشهد بالنسبة لك وتوظيفه روائياً؟
- هي دلالة مركزية بالفعل، لأن هذا الحدث ليس فقط نقطة انطلاق للجزء الذي يدور في البصرة بالرواية ولمصائر شخصياته، بل أساساً لأن الأسئلة التي يطرحها العمل ككل تنطلق من هذا الحدث، أو بالأحرى من فكر الاعتزال ككل: السؤال عن القدر وهل الإنسان مسير أم مخير؟ وسؤال مرتكب الكبيرة والمنزلة بين المنزلتين، وكذلك الآجال عند المعتزلة. لذا فمن أهم التأويلات التي وصلتني للرواية تأويل من صديقة متعمقة في الفلسفة الإسلامية، قرأت الرواية في ضوء فلسفة الاعتزال.
> ما هي أبرز عناوين الكتب التراثية التي استفدتِ منها ككاتبة؟
- أنا من عشاق الجاحظ، أعود إليه باستمرار وأستمتع برفقته، واستفدت كذلك من مؤلفات أبي هلال العسكري والتوحيدي وابن الجوزي. أحب أيضاً الشعر العربي القديم، ولا أتصور حياتي بدون قراءة طرفة بن العبد وامرئ القيس وأبي العلاء المعري والمتنبي ولبيد والنابغة الذبياني والقائمة تطول. هناك أيضاً تراث التصوف العربي والفارسي، والسير الشعبية و«ألف ليلة وليلة» الذي أعتبره نصاً مرجعياً بالنسبة لي، وكتب الجغرافيا القديمة؛ خصوصاً تلك التي تتموه فيها الحدود الفاصلة بين الخيال وبين الجغرافيا كعلم، وقد استمتعت كثيراً بقراءة هذا النوع من الكتب خلال رحلة كتابة «جبل الزمرد».
أدين بالكثير كذلك للمعاجم العربية القديمة، وأنظر إليها كأعمال إبداعية أكثر من كونها قواميس، أقرأ فقرات من «لسان العرب» يومياً، وأرجع للثعالبي وابن جني وعبد القاهر الجرجاني دوماً، سوف أنسى نصوصاً مؤثرة بالتأكيد، كما يحدث كل مرة، لكن عموماً أنا من المهتمين بالأساطير والملاحم القديمة، ولا يقتصر هذا الاهتمام على التراث العربي فقط، بل يشمل حضارات وثقافات أخرى منها الحضارة الصينية القديمة والحضارة اليونانية على سبيل المثال لا الحصر.
> لكِ اهتمامات خاصة بـ«البستنة»، كيف يمكنك تأمل ذلك الرابط بين بستنة الحديقة والأزهار، وبين بساتين الكتابة؟
- أكرر كثيراً أن كل شيء أعرفه عن الكتابة تعلمته من اهتمامي بالزراعة: الصبر، العناية بالتفاصيل، الانتباه إلى البيئة المحيطة، وأبذل أقصى ما أستطيع من جهد على أمل أن يثمر إذا كانت الظروف مواتية. فما أجملها من ثمرة تسقط فوق طاولة الكتابة.



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».