مواد مشعة في موقع إيراني تثير الشكوك حيال نيات طهران النووية

الغرب يعتمد مقاربة موحدة متعددة الأطراف… وبايدن يدرس تقديم مساعدات إنسانية

داخل منشأة نطنز النووية الإيرانية (أ.ف.ب)
داخل منشأة نطنز النووية الإيرانية (أ.ف.ب)
TT

مواد مشعة في موقع إيراني تثير الشكوك حيال نيات طهران النووية

داخل منشأة نطنز النووية الإيرانية (أ.ف.ب)
داخل منشأة نطنز النووية الإيرانية (أ.ف.ب)

كشف دبلوماسيون أن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذريّة عثروا على آثار مواد مشعّة في عينات أخذوها من أحد المواقع في إيران، ما أثار مزيداً من الشكوك حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى مقاربة جديدة لوقف انتهاكات النظام في طهران لتعهداته بموجب خطة العمل المشتركة الشاملة وقرار مجلس الأمن رقم 2231.
وتزامنت هذه التسريبات عما يتضمنه أحدث تقارير مفتشي الوكالة الدولية للدولية للطاقة الذرية حول البرنامج النووي الإيراني بالتزامن مع اجتماع هو الأول من نوعه منذ انسحاب الرئيس السابق دونالد ترمب من الاتفاق النووي عام 2018 لوزراء الخارجية؛ الأميركي أنطوني بلينكن والبريطاني دومينيك راب والفرنسي جان - إيف لودريان والألماني هايكو ماس، وسط ترحيب غربي برغبة الرئيس جو بايدن في عودة الولايات المتحدة إلى هذا الاتفاق، والاضطلاع بدور قيادي على الساحة الدولية. وأصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً مختصراً لا يتضمن تفاصيل حول مناقشات الوزراء عبر الفيديو، علماً بأنه أشار إلى أن النقاش شمل مواضيع إيران والصين وروسيا وميانمار وتغير المناخ وجائحة «كوفيد - 19». وقال الناطق باسم وزارة الخارجية نيد برايس إن الوزراء «أكدوا مركزية العلاقة عبر الأطلسي في التعامل مع التحديات الأمنية والمناخية والاقتصادية والصحية وغيرها من التحديات التي يواجهها العالم»، مضيفاً أن بلينكن «شدد على التزام الولايات المتحدة العمل المنسق للتغلب على التحديات العالمية».
وأكد دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط» أنه «من المهم أن نعود إلى اعتماد سياسات متعددة الأطراف للتغلب على التحديات الدولية»، معتبراً أن «الدور القيادي للولايات المتحدة أمر لا غنى عنه في هذا السياق». وأشار إلى أن هذه المقاربة «ستعتمد مع ملف إيران النووي وغيره من الملفات الأخرى التي تواجهنا في عالم اليوم»، مستدركاً أن «هناك حاجة إلى إطار إقليمي جديد من أجل التوصل إلى أي تسوية محتملة مع إيران»، علماً بأن ذلك «يسري أيضاً على الملف النووي مع كوريا الشمالية»، في إشارة إلى احتمال العمل على إحياء المحادثات السداسية لجعل شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية.
- المواد المشعة
وفي غضون ذلك، نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن عدة دبلوماسيين أن المواقع التي عثر فيها على المواد المشعة في إيران زادت الشكوك، لا سيما أن السلطات الإيرانية كانت منعت المفتشين الدوليين من الوصول إلى تلك المواقع لعدة أشهر العام الماضي.
ومع أن تقرير المفتشين لم يوضح ما إذا كان تطوير الأسلحة المشتبه فيه حديثاً، تعتقد الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأجهزة الاستخبارات الغربية أن إيران كان لديها برنامج أسلحة نووية سرّي حتى عام 2003، علماً بأن طهران تنفي أي محاولة للحصول على مثل هذه الأسلحة. ولفتوا إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تسعى للحصول على تفسيرات من إيران. ولم يجر إطلاع الدول الأعضاء في الوكالة بعد على نتائج تحليل العينات.
وسمحت السلطات الإيرانية للمفتشين بزيارة موقعين مشتبه فيهما الخريف الماضي. وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي في حينه، إن تحليل العينات التي جمعت سيستوجب أشهراً. وأفادت تقارير بأن أحد المواقع في أباده (جنوب أصفهان) الذي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدث عنه في سبتمبر (أيلول) 2019 باعتباره موقعاً لمنشأة نووية سرّية.
ورغم أن الاتفاق النووي لعام 2015 الذي شاركت فيه الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا، بالإضافة إلى ألمانيا، يحد من قدرات إيران على إنتاج مواد نووية، قامت الأخيرة باختراقات ادعت أنها رد على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018. وهي عملت على زيادة كمية الأورانيوم التي يمكنها تخصيبها والنقاء المسموح بتخصيبه، وأبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أخيراً أنها تستعد لزيادة التخصيب إلى نسبة 20 في المائة. وأعلنت أيضاً أنها تخطط لإنتاج معدن الأورانيوم الذي يمكن استخدامه كعنصر في صنع الأسلحة النووية.
وعبرت القوى الأوروبية عن قلقها العميق من تحركات طهران، محذرة من أنه «لا يوجد استخدام مدني موثوق به» لهذا العنصر. وقال وزراء الخارجية البريطاني والفرنسي والألماني الشهر الماضي، إن «إنتاج معدن الأورانيوم له تداعيات عسكرية خطيرة».
وأكدت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن حلفاء واشنطن الإقليميين، وبينهم المملكة العربية السعودية ودول الخليج، يعارضون عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي بصيغتها الأصلية. وأشار الرئيس جو بايدن إلى أنه يرغب في مخاطبة العناصر الأخرى التي تقلق دول الشرق الأوسط، بما في ذلك برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وأفعالها الإقليمية الخبيثة.
- مبادرة إنسانية
من جهة أخرى، لمح مسؤولون أميركيون إلى أن إدارة بايدن تدرس طرقاً لتخفيف المتاعب المالية على إيران من دون رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضها سلفه الرئيس ترمب كخطوة نحو إحياء الاتفاق النووي لعام 2015. وتشمل بعض الخيارات دعم منح قرض من صندوق النقد الدولي لتخفيف الأعباء الناجمة عن فيروس «كورونا» وتخفيف العقوبات التي حالت دون وصول المساعدات الدولية الخاصة بالفيروس إلى إيران. ويمكن للرئيس جو بايدن التوقيع على قرار تنفيذي يعكس قرار الانسحاب من خطة العمل المشتركة الشاملة. لكن المسؤولين أكدوا أن موضوع إصدار إعفاءات من العقوبات للسماح لإيران ببيع النفط في السوق الدولية ليس قيد الدراسة الجادة حالياً.
ولطالما انتقد بايدن قرار ترمب الانسحاب من الاتفاق، معتبراً أن ذلك قصّر «مدة الاختراق» التي تحتاج إليها طهران لصنع سلاح نووي. لكن إدارته تصر على أن تعود إيران إلى «الامتثال التام» لخطة العمل قبل أن تمضي الولايات المتحدة إلى أبعد من ذلك. ورفض المبعوث الأميركي الجديد لإيران روبرت مالي التعليق على هذه الأنباء. غير أن الناطق باسم وزارة الخارجية نيد برايس أقر بأن الولايات المتحدة تريد التشاور مع الحلفاء الأوروبيين الذين كانوا جزءاً من الاتفاق قبل السماح بمساعدة ضد فيروس «كورونا» أو أي مساعدة أخرى. وقال: «قبل أن نعلن أي تغييرات في السياسة على هذا المنوال، نريد التأكد من أننا أجرينا تلك المشاورات، ونحن بصدد القيام بذلك الآن».
ويتمثل أحد أكبر التحديات التي تواجهها الإدارة الجديدة في موجة العقوبات التي فرضها ترمب في وقت متقدم من عهده والتي تستهدف إيران بسبب رعايتها للإرهاب. ويشمل ذلك قرار فرض عقوبات على البنك المركزي الإيراني، علماً بأن أي تخفيف للعقوبات - حتى لأسباب إنسانية - يمكن أن يفشل إذا استمر هذا التصنيف ضد البنك المركزي الذي يشرف فعلياً على كل النشاطات المالية لإيران.
وفي هذا السياق، يسعى مشرعون للدفع باتجاه الإبقاء على العقوبات على طهران، كما يدعو بعض منهم إلى الحذر من العودة إلى الاتفاق النووي. وفي هذا الإطار، طرح عدد من الجمهوريين مشروع قرار في مجلس الشيوخ يعارض عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق. وقال السيناتور الجمهوري ريك سكوت، عراب المشروع، إن «الرئيس ترمب كان محقاً في التخلي عن اتفاق إيران النووي المتهور، الذي قادنا الرئيس أوباما نحوه». وأعرب سكوت عن ترحيبه بانضمام عدد من زملائه له والاعتراض على العودة إلى الاتفاق النووي «من دون تغييرات جذرية عليه»، وتابع سكوت مشيداً بالعقوبات التي فرضتها إدارة ترمب على إيران، فشدد على أهمية عدم رفعها إلى أن تتعاون طهران كلياً، و«أن يتم التحكم بقدراتها على تطوير سلاح نووي وصواريخ باليستية». ودعا سكوت، بايدن، إلى التعاون مع الكونغرس في هذا الملف «لحماية أمن الولايات المتحدة القومي والمصالح الأميركية وأمن إسرائيل».



إيران تنفذ أحكاماً نهائية صدرت بحق مدانين على صلة باحتجاجات يناير

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)
تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)
TT

إيران تنفذ أحكاماً نهائية صدرت بحق مدانين على صلة باحتجاجات يناير

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)
تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

قال حمزة خليلي النائب الأول لرئيس السلطة القضائية الإيرانية اليوم (الاثنين)، إن قضايا من اعتقلوا خلال احتجاجات شهدتها البلاد مطلع هذا العام تم البت فيها، ويجري الآن تنفيذ الأحكام النهائية الصادرة بحقهم.

واجتاحت احتجاجات مناهضة للحكومة البلاد في يناير (كانون الثاني)، وأخمدتها حملة قمع وصفت بأنها الأكبر في تاريخ إيران.

ونقلت وكالة «ميزان» التابعة للسلطة القضائية عن خليلي، قوله: «تم البت في قضايا العناصر الإرهابية ومثيري الشغب (فيما يتعلق بأحداث) يناير. وصدرت أحكام نهائية في بعضها، ويجري حالياً تنفيذها. ونفذت أحكام في بعض القضايا خلال الأيام القليلة الماضية، وسيتم الإعلان عنها. لن يكون هناك أي تساهل مع المدانين في هذه القضايا».

وفي الأسبوع الماضي، أعدمت إيران 3 رجال بعد إدانتهم بقتل اثنين من أفراد الشرطة خلال الاضطرابات التي وقعت في وقت سابق من العام، مما أثار مخاوف بين جماعات معنية بحقوق الإنسان، مثل هنجاو، من أن طهران تسرع وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام بحق معتقلين سياسيين ومحتجين في وقت تتصاعد فيه الضغوط العسكرية والدولية عليها، حسبما أوردت وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال خليلي إن السلطة القضائية لن تتهاون مع من قال إنهم «متسللون ومرتزقة وخونة يتعاونون مع العدو» في وقت اعتقلت فيه السلطات مئات خلال الشهر الحالي منذ بدء الحرب.


ترمب يجمِّد ضربات الطاقة... ومحادثات أميركية- إيرانية تختبر التهدئة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

ترمب يجمِّد ضربات الطاقة... ومحادثات أميركية- إيرانية تختبر التهدئة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا، خلال اليومين الماضيين، محادثات «جيدة للغاية ومثمرة» بشأن إنهاء المواجهة في الشرق الأوسط، معلناً تأجيل أي ضربات عسكرية على محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة في إيران لمدة 5 أيام، في تحول لافت، بعد تهديد سابق ببدء هذه الضربات مع انتهاء مهلة فتح مضيق هرمز.

ويأتي الإعلان الأميركي في وقت لا تزال فيه الحرب تتسع على أكثر من محور، من مضيق هرمز إلى طهران ولبنان، مع استمرار الهجمات المتبادلة، وتصاعد التحذيرات بشأن البنية التحتية للطاقة، وازدياد القلق من أن أي تعثر في الاتصالات الجارية قد يعيد التصعيد إلى مستوى أعلى خلال أيام قليلة.

إعلان ترمب

كتب ترمب، بأحرف كبيرة على منصة «تروث سوشيال»: «يسعدني أن أُعلن أن الولايات المتحدة الأميركية، ودولة إيران، قد أجريتا، خلال اليومين الماضيين، محادثات جيدة للغاية ومثمرة، بشأن التوصل إلى تسوية كاملة وشاملة تنهي المواجهة بيننا في الشرق الأوسط».

وأضاف: «استناداً إلى نبرة وطبيعة هذه المحادثات المتعمقة والمفصلة والبنَّاءة، والتي ستستمر طوال الأسبوع، فقد وجهتُ وزارة الحرب بتأجيل جميع الضربات العسكرية ضد محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة في إيران لمدة 5 أيام، وذلك رهناً بنجاح الاجتماعات والمناقشات الجارية».

وكان ترمب قد هدد، السبت، بضرب محطات الطاقة الإيرانية إذا لم تعمد طهران إلى إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل خلال 48 ساعة، وهي مهلة كان يفترض أن تنتهي مساء الاثنين. ولكن إعلانه الجديد ربط أي تصعيد إضافي بنتيجة الاتصالات الجارية مع الإيرانيين.

ويمثل هذا الموقف تحولاً عن تصريح أدلى به ترمب الجمعة، حين قال إنه لا يريد وقفاً لإطلاق النار، مضيفاً أن الحوار ممكن، ولكنه لا يريد هدنة.

هرمز والطاقة

وبقي مضيق هرمز في قلب الأزمة خلال الساعات الأخيرة. فقبل إعلان ترمب، واصلت طهران رفع سقف التهديد، مؤكدة أن أي هجوم على جزرها أو سواحلها سيقود إلى توسيع دائرة الخطر إلى كامل الممرات البحرية في الخليج العربي، مع تلويح باستخدام ألغام بحرية وتعطيل خطوط الوصول.

وترافقت هذه التحذيرات مع تأكيدات إيرانية بأن العبور عبر مضيق هرمز للدول «غير المتخاصمة ما زال ممكناً»، ولكنه يخضع للتنسيق مع طهران. وفي الوقت نفسه نفت السفارة الإيرانية لدى الهند ما تردد عن تقاضي مليوني دولار من السفن العابرة، وقالت إن هذه المزاعم لا تمثل الموقف الرسمي الإيراني.

وقالت وزارة الطاقة الإيرانية إن القطاع تعرض لخسائر كبيرة خلال الحرب؛ مشيراً إلى أضرار مالية بالغة نتيجة إصابة شبكات النقل والتوزيع، والضغوط التي تعرضت لها محطات التوليد، ولكنها شددت على أنها مستعدة لإدارة «أسوأ السيناريوهات».

وأضاف مسؤولون إيرانيون أن استهداف بعض المحطات لا يعني بالضرورة انهيار الشبكة سريعاً؛ لأن من الممكن إعادة توزيع الأحمال بين المحطات المختلفة وإعادة التيار خلال مدد قصيرة حسب حجم الضرر. كما قالت شركة الكهرباء في أرومية شمال غربي البلاد، إن الشبكة استقرت سريعاً رغم تعرض منطقة سكنية في المدينة لهجوم.

جبهات مفتوحة

ميدانياً، لم ينعكس الإعلان الأميركي فوراً على وتيرة القتال. فقد أفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارات شديدة في شرق وشمال وغرب طهران، بينها شارع بيروزي؛ حيث مقرات قيادية للجيش الإيراني و«الحرس الثوري».

كما عرضت وسائل إعلام إيرانية مقاطع قالت إنها توثق هجمات على مناطق سكنية في طهران وأرومية، مع ظهور فرق «الهلال الأحمر» وهي تحاول إجلاء المصابين. وفي تبريز شمال غربي البلاد، أعلنت السلطات المحلية مقتل 6 أشخاص وإصابة 6 آخرين جرَّاء استهداف مبنى سكني.

وفي خرم آباد غرب البلاد، قال رئيس البلدية إن 6 وحدات سكنية دُمرت بالكامل في ضربات جوية، ما أدى إلى مقتل 9 أشخاص وإصابة آخرين. وفي خير آباد ورامين، تحدثت تقارير رسمية عن مقتل 6 أشخاص، بينهم طفلان ووالداهما، وإصابة 28 آخرين، مع استمرار عمليات البحث تحت الأنقاض.

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه بدأ موجة واسعة من الضربات تستهدف بنى تحتية تابعة للنظام الإيراني في طهران. كما واصل إرسال تنبيهات متكررة إلى الإسرائيليين لدخول الأماكن المحمية بعد رصد صواريخ أُطلقت من إيران، قبل أن يعلن لاحقاً السماح بمغادرتها بعد تقييم الوضع.

رسائل متقابلة

أصدرت الجهات العسكرية الإيرانية خلال الساعات الماضية سلسلة بيانات عن شن هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المُسيَّرة على إسرائيل ودول الجوار. وقال «الحرس الثوري» إنه مصمم على الرد على أي تهديد «بالمستوى الذي يحقق الردع»، محذراً من أن استهداف الكهرباء الإيرانية سيقابل باستهداف منشآت مماثلة في إسرائيل، ودول ترتبط بالبنية العسكرية الأميركية في المنطقة.

وأضاف البيان أن القوات الأميركية هي التي بدأت الحرب عبر استهداف بنى مدنية، وأن إيران لم تستهدف محطات التحلية في المنطقة، ولكنها سترد إذا تعرضت محطات الكهرباء الإيرانية للهجوم. وجاء في إحدى العبارات: «أنتم استهدفتم مستشفياتنا ومراكز الإغاثة ومدارسنا، ونحن لم نفعل ذلك، ولكن إذا استهدفت الكهرباء فسنستهدف الكهرباء».

وفي بيان آخر، حذر المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية القوات الأميركية والإسرائيلية، من أنها «تحت مراقبة كاملة»، وأن الاختباء داخل مناطق سكنية لن ينقذها.

كما أعلن الجيش الإيراني إسقاط طائرتين مسيَّرتين «انتحاريتين» قال إنهما تابعتان للجيش الأميركي قبل وصولهما إلى أهداف بحرية قرب بندر عباس.

ارتفاع عدد الضحايا

وعدد قتلى الحرب 4200 شخص مع دخول النزاع يومه الرابع والعشرين. وقالت وكالة «نشطاء حقوق الإنسان» في إيران، إن ما لا يقل عن 3231 شخصاً قُتلوا في إيران، بينهم 1407 مدنيين و1167 من أفراد الجيش، بينما لم يُحسم وضع الباقين بعد.

وفي لبنان، تجاوز عدد القتلى ألف شخص مع تكثيف الضربات الإسرائيلية على «حزب الله». كما سقط عشرات القتلى في إسرائيل ودول عربية. وتحدثت تقارير إسرائيلية سابقة عن أكثر من 140 إصابة في الضربات التي طالت محيط ديمونة وعراد في النقب، في واحدة من أكثر الضربات الإيرانية حساسية منذ بداية الحرب.

وعلى الصعيد الاقتصادي، واصلت الحرب الضغط على أسواق الطاقة والملاحة. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من تضرر أكثر من 40 منشأة طاقة في 9 دول في الشرق الأوسط منذ بدء الصراع، بينما ظلت الأنظار مركزة على مضيق هرمز بوصفه الممر الأشد حساسية لأي تصعيد لاحق.

وفي الداخل الإيراني، تحدثت بلدية طهران عن تضرر 24 ألف وحدة سكنية، بينها مائة مبنى يحتاج إلى تدعيم خاص أو إعادة بناء. كما سُجلت قيود على حركة بعض السفن من وإلى كيش، وازدحام مروري كثيف على الطرق المؤدية إلى شمال إيران، في صورة تعكس تأثير الحرب على الحياة اليومية إلى جانب الميدان والسياسة.


تقرير: رهان إسرائيل على انتفاضة إيرانية من الداخل لم يتحقق

إيرانيون – أميركيون يرفعون لافتات ويرددون هتافات خلال مظاهرة ضد النظام الإيراني في لوس أنجليس الأحد (أ.ب)
إيرانيون – أميركيون يرفعون لافتات ويرددون هتافات خلال مظاهرة ضد النظام الإيراني في لوس أنجليس الأحد (أ.ب)
TT

تقرير: رهان إسرائيل على انتفاضة إيرانية من الداخل لم يتحقق

إيرانيون – أميركيون يرفعون لافتات ويرددون هتافات خلال مظاهرة ضد النظام الإيراني في لوس أنجليس الأحد (أ.ب)
إيرانيون – أميركيون يرفعون لافتات ويرددون هتافات خلال مظاهرة ضد النظام الإيراني في لوس أنجليس الأحد (أ.ب)

مع اندلاع المواجهة مع إيران، قدّم رئيس جهاز «الموساد» ديفيد برنياع خطة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وحسب برنياع، فإن جهازه كان قادراً، خلال أيام من بدء الحرب، على تحريك المعارضة الإيرانية ودفعها إلى احتجاجات وأعمال تمرد قد تتطور إلى تهديد مباشر لبقاء النظام.

وعرض برنياع، وفق تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز»، هذه الخطة أيضاً على مسؤولين كبار في إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب خلال زيارة إلى واشنطن في منتصف يناير (كانون الثاني).

وتبنّى نتنياهو الطرح، رغم شكوك أبداها مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى، إلى جانب تحفظات داخل بعض الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية بشأن واقعيته. ومع ذلك، بدا أن نتنياهو وترمب يميلان إلى مقاربة متفائلة، تقوم على أن استهداف قيادات إيرانية في بداية الصراع، بالتوازي مع عمليات استخباراتية تهدف إلى تحفيز تغيير داخلي، قد يفضي إلى انتفاضة واسعة تنهي الحرب سريعاً.

وفي خطاب له مع بداية الحرب، دعا ترمب الإيرانيين إلى «تولي زمام حكومتهم»، قائلاً: «الأمر متروك لكم لتأخذوه»، وذلك بعد حثهم على الاحتماء من القصف.

تعثر سيناريو الانتفاضة

بعد ثلاثة أسابيع على اندلاع الحرب، لم تظهر حتى الآن أي مؤشرات على انتفاضة داخل إيران، بحسب الصحيفة. وتشير تقديرات استخباراتية أميركية وإسرائيلية إلى أن النظام الإيراني، رغم تعرضه لضغوط، لا يزال متماسكاً، في حين أسهم الخوف الواسع من أجهزة الأمن والجيش في تقليص فرص اندلاع تمرد داخلي أو تحرك جماعات مسلحة عبر الحدود.

ويبدو أن الرهان على قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تحفيز انتفاضة شعبية كان إحدى الثغرات الأساسية في التخطيط للحرب التي اتسع نطاقها في المنطقة. فبدلاً من أن ينهار النظام من الداخل، عزز موقعه وصعّد المواجهة، منفذاً ضربات متبادلة استهدفت قواعد عسكرية ومدناً وسفناً في الخليج، إضافة إلى منشآت نفط وغاز.

ويستند هذا التقييم إلى مقابلات مع أكثر من عشرة مسؤولين حاليين وسابقين من الولايات المتحدة وإسرائيل ودول أخرى، تحدث معظمهم شريطة عدم الكشف عن هوياتهم؛ نظراً لحساسية القضايا الأمنية خلال الحرب، في حين عكست آراؤهم تبايناً بشأن فرص حدوث انتفاضة داخل إيران.

ومنذ خطاب دونالد ترمب الأول مع بداية الحرب، تراجع المسؤولون الأميركيون عن الحديث علناً عن احتمالات التمرد داخل إيران، رغم بقاء بعضهم على قدر من التفاؤل بإمكانية حدوثه. وفي المقابل، ورغم لهجة أكثر حذراً، لا يزال بنيامين نتنياهو يؤكد أن الحملة الجوية الأميركية – الإسرائيلية ستلقى دعماً من قوى على الأرض.

وأضاف أن «من المبكر القول ما إذا كان الشعب الإيراني سيستغل الظروف التي نعمل على خلقها للنزول إلى الشارع. آمل أن يحدث ذلك، ونعمل من أجل هذا الهدف، لكن القرار في النهاية يعود إليهم».

غير أن مصادر مطلعة تشير إلى أن نتنياهو عبّر في جلسات مغلقة عن استياء من عدم تحقق تقديرات «الموساد» بشأن تحريك الشارع الإيراني. وخلال اجتماع أمني بعد أيام من بدء الحرب، أبدى قلقه من احتمال أن يقرر دونالد ترمب إنهاء المواجهة في أي لحظة، في وقت لم تُثمر فيه العمليات الاستخباراتية النتائج المرجوة.

وحسب مسؤولين أميركيين وإسرائيليين حاليين وسابقين، فإن نتنياهو استند، قبيل اندلاع الحرب، إلى تقديرات «الموساد» المتفائلة بإمكان حدوث انتفاضة داخل إيران، لإقناع ترمب بأن إسقاط النظام هدف قابل للتحقق.

«الخوف يكبح الاحتجاج»

في المقابل، نظر كثيرٌ من كبار المسؤولين الأميركيين، إلى جانب محللين في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، بعين الشك إلى هذا السيناريو. وأبلغ قادة عسكريون أميركيون ترمب أن الإيرانيين لن يخرجوا إلى الشوارع في ظل القصف، في حين قدّرت أجهزة الاستخبارات أن احتمال اندلاع انتفاضة واسعة تهدد النظام يبقى محدوداً، مستبعدة أن تؤدي الضربات الأميركية – الإسرائيلية إلى إشعال حرب داخلية.

وأكد المسؤول السابق في وزارة الخارجية والبيت الأبيض نيت سوانسون عدم وجود «خطة جدية» لتحفيزها، مشيراً إلى أن الخوف من القتل يدفع معظم الإيرانيين للبقاء في منازلهم رغم رفضهم للنظام. بدوره، أقرّ ترمب بأن انتشار قوات الأمن وإطلاق النار على المحتجين يشكّل «عقبة كبيرة» أمام أي تحرك شعبي قريب.

وأضاف نيت سوانسون، الذي عمل ضمن فريق التفاوض مع إيران في إدارة دونالد ترمب بقيادة ستيف ويتكوف حتى يوليو (تموز)، أنه لم يطّلع خلال سنوات عمله على أي «خطة جدية» داخل الحكومة الأميركية لتحفيز انتفاضة في إيران.

الخيار الكردي

رغم بقاء كثير من تفاصيل خطط «الموساد» طي الكتمان، فإن أحد محاورها تضمّن دعم توغل مجموعات كردية إيرانية متمركزة في شمال العراق داخل الأراضي الإيرانية، وفق «نيويورك تايمز».

وخلال الأيام الأولى من الحرب، كثّفت الطائرات الإسرائيلية ضرباتها على مواقع عسكرية وأمنية شمال غربي إيران، فيما بدا تمهيداً لتحركات محتملة لتلك القوات.

وفي إحاطة هاتفية في 4 مارس (آذار)، سُئل المتحدث العسكري الإسرائيلي ناداف شوشاني عما إذا كانت هذه الضربات تهدف إلى دعم هجوم كردي، فأجاب بأن العمليات في غرب إيران تركز على «إضعاف قدرات النظام وفتح الطريق نحو طهران وخلق حرية عمل»، من دون تأكيد مباشر لهذا السيناريو.

غير أن الحماسة الأميركية لفكرة استخدام الأكراد كقوة وكيلة تراجعت؛ وهو ما تسبب في تباين مع الجانب الإسرائيلي. ففي 7 مارس، وبعد أسبوع من بدء الحرب، قال ترمب إنه طلب صراحة من القيادات الكردية عدم إدخال قواتها إلى إيران، مضيفاً: «لا أريد للأكراد أن يتدخلوا... ولا أريد أن أراهم يُصابون أو يُقتلون».

وفي السياق نفسه، حذّرت تركيا الإدارة الأميركية من دعم أي تحرك كردي، وفق ما نقل دبلوماسي تركي، مشيراً إلى أن وزير الخارجية هاكان فيدان نقل هذا الموقف إلى نظيره الأميركي ماركو روبيو. وتعارض أنقرة، العضو في «ناتو»، أي نشاط مسلح كردي، في ظل مواجهتها حركات انفصالية داخل أراضيها.

انتفاضة لم تتبلور

من جهة أخرى، أفاد مسؤولون أميركيون اطّلعوا على تقديرات استخباراتية قبل الحرب بأن وكالة الاستخبارات المركزية درست سيناريوهات متعددة داخل إيران، وعدَّت أن انهيار النظام بشكل كامل احتمال ضعيف نسبياً.

وأشار مسؤولون آخرون إلى أن السلطات الإيرانية أظهرت قدرة على احتواء الاحتجاجات بسرعة، حتى في أوقات الضغط، كما حدث خلال احتجاجات يناير التي سقط خلالها آلاف القتلى.

وحسب التقييمات، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في انتفاضة شعبية، بل في احتمال حدوث انقسامات داخل أجنحة النظام نفسه، قد تدعم أطرافاً دينية متنافسة، من دون أن يقود ذلك إلى مسار ديمقراطي.

ورجّحت هذه التقديرات أن تتمكن التيارات المتشددة داخل النظام من الحفاظ على مفاصل السلطة.