محللون: بوريس جونسون يقود بريطانيا نحو التفكك

الانفصالية نيكولا ستيرجن زعيمة الحزب الوطني الاسكوتلندي (أ.ف.ب)
الانفصالية نيكولا ستيرجن زعيمة الحزب الوطني الاسكوتلندي (أ.ف.ب)
TT

محللون: بوريس جونسون يقود بريطانيا نحو التفكك

الانفصالية نيكولا ستيرجن زعيمة الحزب الوطني الاسكوتلندي (أ.ف.ب)
الانفصالية نيكولا ستيرجن زعيمة الحزب الوطني الاسكوتلندي (أ.ف.ب)

عندما نظم استفتاء في اسكوتلندا، أحد الأقاليم الأربعة (إضافة إلى إنجلترا وويلز وآيرلندا الشمالية) التي تشكل بمجملها المملكة المتحدة، في سبتمبر (أيلول) ٢٠١٤ حول انفصاله بعد أكثر من ثلاثة قرون من الوحدة، حذر عدد من رؤساء وزراء سابقين، مثل جون ميجر وتوني بلير، من أن المملكة في طريقها إلى التفكك.
الاستفتاء لم ينجح وصوت ٥٥ في المائة لصالح البقاء، مقابل ٤٥ في المائة لصالح الانفصال. تنفست حكومة لندن المركزية الصعداء واعتبرت أن الاستفتاء وضع حدا للمطالبات الانفصالية. إلا أن الحزب الوطني الاسكوتلندي وضع شرطا بأن استفتاء آخر قد ينظم في حالة الإخلال بالعلاقة «المادية» التي تربط الطرفين.
ومنذ جائحة «كورونا» ونيكولا ستيرجن الوزيرة الأولى في الحكومة الاسكوتلندية تفرض أجندتها السياسية استعدادا لتنظيم استفتاء آخر ترفضه لندن. ولهذا يرى كثير من ناخبي بريطانيا أن رئيس الوزراء بوريس جونسون توقف عن العمل كرئيس وزراء لعموم المملكة المتحدة منذ أزمة «كورونا» في مارس (آذار) الماضي. فمنذ ذلك الوقت، صار جونسون يتعامل باعتباره رئيسا تنفيذيا لإنجلترا، يتلقى الأوامر من التكنوقراط ومن مستشاريه العلميين. أما في شمال بريطانيا، نرى أن ستيرجن، هي من تتخذ القرارات، وتحدد للاسكوتلنديين ما إذا كان يمكنهم الخروج من منازلهم أو المشاركة في تجمعات عامة. كما تعقد مؤتمرا صحافيا يوميا عن أزمة «كورونا» يتم بثه على الهواء مباشرة، كما لو كانت رئيس دولة. وفي إطار تعديل دستوري تم قبل نحو 20 عاما من أجل «القضاء على النزعة القومية»، تم نقل مسؤولية وضع السياسات الصحية إلى حكومات الأقاليم. ولكن النزعة القومية ما زالت حية، بل وتتمدد اليوم، حتى أصبح البعض يطلقون على بريطانيا اسم «المملكة المفككة» وليس «المملكة المتحدة، بحسب الكاتب البريطاني مارتن إيفانز. وكان لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دور فعال في إحياء النزعة الانفصالية في اسكوتلندا.
وقد صوت نحو ثلثي الاسكوتلنديين لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء العام الذي أجري في بريطانيا في يونيو (حزيران) 2016 وأسفر عن تصويت الأغلبية لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وجاءت الأزمة الصحية الناجمة عن جائحة فيروس «كورونا» المستجد لتجعل تفكك بريطانيا أقرب. فرغم أن أخطاء استراتيجية في مكافحة «كورونا» في كل من لندن وإدنبرة (عاصمة اسكوتلندا) لم تختلف كثيرا، فإن السياسية البارعة ستيرجن جعلتها تبدو كذلك، وجعلت الاسكوتلنديين يشعرون كما لو كانوا أصبحوا مستقلين عن بريطانيا وهو ما راق لهم تقريبا، بحسب تحليل إيفانز رئيس تحرير الملحق الأدبي لصحيفة «التايمز» البريطانية، الذي نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء.
ويرى إيفانز أن شخصية جونسون نفسه تمثل عاملا سلبيا رئيسيا بالنسبة لمعسكر بقاء بريطانيا موحدة. وقد أثار تقديم جونسون في صورة مهرج هزلي من الطبقة العليا روح الدعابة الإنجليزية، في جذب الأصوات لصالحه في الدوائر الانتخابية للطبقة العاملة في شمال إنجلترا في الانتخابات العامة، لكنه أثار اشمئزاز الاسكوتلنديين، الذين يجدون أسلوبه مفتعلا. وفي الأسبوع الماضي، زار جونسون اسكوتلندا لتسليط الضوء على النجاح المؤكد لبرنامج التطعيم ضد «كورونا» في المملكة المتحدة. بحسب حزب المحافظين في اسكوتلندا، كانت نبرة رئيس الوزراء كلها خطأ. وقال لي أحد المشاركين في استفتاء استقلال اسكوتلندا في عام 2014 إن جونسون «يواصل إخبارنا بمدى ضرورة أن نشعر جميعا بالامتنان له». للأسف الشديد، فإن فشل جونسون في التواصل مع مواطني باقي إقليم بريطانيا يبدو مهما. فقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة وجود أغلبية اسكوتلندية مؤيدة للاستقلال عن بريطانيا. إذن ما الذي يمكن أن تفعله حكومة المملكة المتحدة لوقف هذا المد القومي؟
ومن المرجح أن يفوز الحزب القومي الاسكوتلندي في مواجهة القوى الموالية لحزبي المحافظين والعمال في الانتخابات الاسكوتلندية المقررة في مايو (أيار) المقبل. وبعد ذلك، ستدعو ستيرجن مجددا إلى إجراء استفتاء على الاستقلال عن بريطانيا. وإذا رفض جونسون ذلك، فسوف تلجأ إلى المحكمة العليا لإجباره على القبول بالاستفتاء. ليس هذا فحسب، بل إن الجناح الراديكالي في حزبها يهدد بإجراء استفتاء من جانب واحد، كما حدث في إقليم كاتالونيا بإسبانيا إذا ما خسر القضية أمام المحكمة العليا. لذلك يمكن أن يراهن جونسون على عامل الوقت وحرمان الحزب القومي الاسكوتلندي من إجراء أي استفتاء. ورغم ذلك، فإن مجرد عدم السماح بإجراء استفتاء في اسكوتلندا ستكون له آثار سلبية. وانحازت ستيرجن الأسبوع الماضي إلى جانب المفوضية الأوروبية ضد لندن في النزاع حول إمدادات لقاح شركة أسترازينيكا البريطانية المضاد لفيروس «كورونا» إلى قارة أوروبا. ثم طرح حزب العمال المعارض خططاً مختلفة للإصلاح الدستوري من أجل إنهاء الجدل حول الاستقلال، ومنها خطة لتحويل بريطانيا إلى النظام الاتحادي. ولكن مثل هذه الإصلاحات قد ترضي البعض لكنها لن تكون مرضية لمن يؤمنون بالاستقلال التام عن المملكة المتحدة. كما أن اللجنة الدستورية تحتاج عادة إلى سنوات عديدة لكي تنتهي من صياغة التعديلات، لذلك، فالقوميون سيصفون مثل هذه الدعوات بأنها مجرد تكتيك لتأجيل الاستجابة لمطالبهم، على أي حال، ولذلك سيصفها القوميون بأنها تكتيك تأخير. حتى لو تم التوصل إلى تسوية بسرعة، فإن الحزب الوطني الاسكوتلندي سيحصل على أي صلاحيات جديدة ثم يعود سريعا للمطالبة بالمزيد من الصلاحيات.
وأخيرا، يرى مارتن إيفانز أن معركة منع انفصال اسكوتلندا عن بريطانيا ستكون ضارية ولن يكون جونسون الرجل القادر على الفوز فيها. وعلى أنصار الوحدة التركيز على النطاق المحلي، وعلى قادة الأحزاب غير القومية في اسكوتلندا تنحية خلافاتهم جانبا، وإثبات أن الحالة العقلانية والشعورية اللازمة لاستمرار الوحدة القائمة منذ 300 عام ما زالت موجودة.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».