«أفريكوم»: نتطلع لتجدد الشراكة والتعاون الأمني مع السودان

العقيد كريستوفر كارنز لـ«الشرق الأوسط»: مطلوب «انسحاب فوري» للمرتزقة من ليبيا

مديرة الاستخبارات في «أفريكوم» الأدميرال هايدي بيرغ مع أحد قادة الجيش السوداني خلال زيارتها للخرطوم الشهر الماضي (أفريكوم)
مديرة الاستخبارات في «أفريكوم» الأدميرال هايدي بيرغ مع أحد قادة الجيش السوداني خلال زيارتها للخرطوم الشهر الماضي (أفريكوم)
TT

«أفريكوم»: نتطلع لتجدد الشراكة والتعاون الأمني مع السودان

مديرة الاستخبارات في «أفريكوم» الأدميرال هايدي بيرغ مع أحد قادة الجيش السوداني خلال زيارتها للخرطوم الشهر الماضي (أفريكوم)
مديرة الاستخبارات في «أفريكوم» الأدميرال هايدي بيرغ مع أحد قادة الجيش السوداني خلال زيارتها للخرطوم الشهر الماضي (أفريكوم)

ورثت إدارة الرئيس الأميركي الجديد، جو بايدن، مجموعة ملفات ساخنة حول العالم من إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب. بعضها يتركز في القارة الأفريقية حيث يُسجّل نشاط متصاعد لتنظيمي «داعش و«القاعدة» لا سيما في دول الساحل والصومال وموزمبيق. بعضها يرتبط أيضاً بمحاولات روسيا لتوسيع نفوذها، في ليبيا والسودان مثلاً. لكن الملفات ليست كلها ساخنة. فالسودان يبدو حالياً وكأنه يشكّل فرصة لتعزيز نفوذ أميركا التي لا تخفي اهتمامها بالعلاقة مع الحكم الجديد في الخرطوم بعد عقود من الخلافات المرتبطة بعلاقة النظام السابق بجماعات إسلامية متشددة.
كيف تنظر القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) لهذه التحديات، والفرص، في القارة السمراء؟ ماذا تريد من السودان؟ ما هدفها في ليبيا؟ ما دورها في دول الساحل ما وراء الصحراء؟ ماذا تفعل لوقف تمدد «داعش» في موزمبيق؟ وهل ستتخلى عن مواجهة «الشباب»، فرع «القاعدة» في شرق أفريقيا، بعد انسحابها من الصومال؟
«الشرق الأوسط» حاورت العقيد (الكولونيل) في سلاح الجو الأميركي كريستوفر كارنز، مدير الشؤون العامة في «أفريكوم»، حول كل هذه الملفات التي يعرضها التقرير الآتي:
لا يخفي العقيد كارنز الأهمية الكبيرة التي تعلقها الولايات المتحدة على علاقتها الجديدة مع السودان، متحدثاً عن «تجديد الشراكة» مع هذا البلد بعد حذفه العام الماضي من قائمة الدول الراعية للإرهاب. ويوضح: «نتطلع لتجديد شراكتنا وتعزيز تعاوننا الأمني مع السودان. تتطلع (أفريكوم) لمساعدة السودان بشكل أكبر في جهوده لجعل قواته احترافية، وفي تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين، والتقدم في مجال حكم القانون، وضمان الشفافية ومسؤولية القوات المسلحة السودانية أمام الحكومة التي يقودها المدنيون وأمام الشعب السوداني. التواصل الأخير (أي زيارة نائب قائد أفريكوم السفير أندرو يونغ ومديرة الاستخبارات في أفريكوم الأدميرال هايدي بيرغ للخرطوم، والتي كان العقيد كارنز مشاركاً فيها) مثّل خطوة إيجابية في اتجاه فهم وتحديد المناطق التي يمكن أن يحصل فيها مزيد من التعاون وتقديم الدعم. ستحصل زيارات إضافية، ونحن نستكشف فرص التبادل والتدريب. هناك مجالات أخرى للتعاون تم استكشافها وهي تتضمن زيادة تبادل المعلومات، وضمان تنسيق وتعاون إقليمي أقوى في التصدي للمتطلبات الأمنية والتهديدات الإقليمية».
ويضيف كارنز أن «السودان يتطلع لتقوية وتعزيز مؤسساته الحكومية والعسكرية. هناك الآن طرق متاحة للشراكة في أعقاب إزالة تصنيف السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 2020. زيارتنا شكّلت بداية لتواصل وتعاون مستقبلي. تركز القيادة الأميركية في أفريقيا بشكل استراتيجي على تقديم المساعدة في تقوية مؤسسات الشركاء الأفارقة وقدراتهم، بموازاة دعم جهود الشركاء الدوليين الآخرين الذين يسهلون تحقيق الأمن والاستقرار في القارة. إن الانخراط الذي حصل مع السودان يمثل بداية جديدة للشراكة بين الولايات المتحدة والسودان».
ورداً على سؤال عن سعي روسيا أيضاً إلى تعزيز علاقتها بالسودان، وتحديداً من خلال إقامة قاعدة في بورتسودان، قال كارنز: «نحن على دراية بما ورد في خصوص رغبة روسيا بزيادة وجودها في السودان. نحيلكم على حكومة السودان للحصول على مزيد من المعلومات بهذا الخصوص. وبوصفه بلداً ذا سيادة، سينخرط السودان مع دول أخرى، وسيتخذ قرارات يشعر بأنها تقدّم الخدمة الأفضل لمصلحة البلد».
- جمهورية الكونغو الديمقراطية
وتحدث العقيد كارنز أيضاً عن زيارة وفد «أفريكوم» الذي ضم السفير يونغ والأدميرال بيرغ إلى الكونغو بعد السودان، مشيراً إلى الحاجة إلى «مقاربة إقليمية ودولية» للتصدي لنشاط جماعات مرتبطة بـ«داعش»، ومقراً بأن نشاط «المرتزقة الروس» في القارة الأفريقية يشكّل قلقاً لواشنطن. وقال في هذا الإطار: «وجود المرتزقة الروس في أي مكان بأفريقيا هو مصدر قلق لأنهم يقوّضون الحكومات. من المهم ألا تؤدي عمليات الشركات الأمنية الروسية الخاصة إلى التشويش على التقدم الذي تحققه الدول الأفريقية في مجالات الحوكمة والدفاع والأمن. إن أعمالهم تقوّض جهود الولايات المتحدة والشركاء الأفارقة في البلدان الأفريقية لتعزيز خضوع القوات المسلحة لسيطرة المدنيين، والمحاسبة والشفافية». وتابع: «أنتج تواصُلنا مع جمهورية الكونغو الديمقراطية وعياً بمجالات الاهتمام المشترك، ورغبة في تقوية الشراكة أكثر، وسلط الضوء على الحاجة إلى تعاون أمني إقليمي لاقتلاع جماعات مثل تنظيم (داعش) والتأثير الذي يقوم به لاعبون خبيثون. إن تصاعد تأثير (داعش) في المنطقة يتطلب وضعه تحت المراقبة وتعاوناً إقليمياً قوياً وضغطاً على شبكاته. لا يمكن السماح بأن تصبح أفريقيا ملجأ آمناً لـ(داعش). مطلوب مقاربة إقليمية ودولية تعرقل ما يقوم به اللاعبون الخبثاء وكذلك النشاطات الإجرامية والإرهابية».
- «فاغنر»
واستفاض مسؤول «أفريكوم» في الحديث عن الدور الذي يلعبه المرتزقة الروس في القارة الأفريقية، موضحاً أن «المسألة التي تثير قلقاً مستمراً هي ما يتعلق بالمجموعة العسكرية الروسية الخاصة، مجموعة فاغنر. تواصل هذه المجموعة السعي للربح والدفع بمصالحها الخاصة التي غالباً ما تكون على حساب الدول الأفريقية التي توظفها. من المهم أن تواصل الدول (الأفريقية) تقوية وبناء قدراتها الأمنية الذاتية عوض توظيف مجموعة فاغنر و(التعرض) لممارساتها المفترسة. لقد زادت روسيا انخراطها مع الدول الأفريقية من أجل كسب منفذ (إلى هذه الدول)، وتعزيز قدراتها المتصورة لقوتها عالمياً، وزيادة مبيعات السلاح، وكذلك الوصول إلى المعادن والمواد الخام الأخرى. (في المقابل)، الهدف الأساسي للقيادة الأميركية في أفريقيا هو تقوية القوات الأمنية لشركائنا، وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي بشكل أكبر، وهو ما يقود إلى زيادة النمو الاقتصادي والازدهار. إننا نتطلع للعمل مع شركائنا للتصدي للتهديدات العابرة للحدود وللاعبين الخبيثين. وتستخدم الولايات المتحدة مجموعة كاملة من الموارد والأدوات التي تحوزها الحكومة الأميركية، بما فيها الأدوات والموارد الاقتصادية والدبلوماسية، لمساعدة شركائنا الأفارقة لضمان أمن مواطنيهم واستقرارهم. إننا فرحون باحتمالات تعميق شراكتنا مع السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية. سنبني علاقة تقوم على الثقة، والشفافية، والالتزام المتبادل بضمان الأمن والسلام والازدهار في أفريقيا».
- ليبيا
وأعرب العقيد كارنز أيضاً عن قلق الولايات المتحدة للدور الذي تلعبه روسيا، من خلال مجموعة فاغنر، في ليبيا تحديداً، فقال: «إن جماعات مثل مجموعة فاغنر تواصل تقويض التقدم وتستمر في التدخل في عملية السلام الليبية. تواصل القيادة الأميركية في أفريقيا معارضة التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا، وهي تدعم بقوة اتفاق وقف النار الليبي، بما في ذلك الانسحاب الفوري للقوات العسكرية الأجنبية والمرتزقة. هذا (الاتفاق) يتضمن الحاجة إلى مغادرة القوات التي تعمل بالوكالة عن روسيا، والتي نقدّرها حالياً بنحو 2000 مقاتل من مجموعة فاغنر ينتشرون في ليبيا».
- الصومال - الساحل - موزمبيق
وسُئل مسؤول «أفريكوم» عن الوضع في الصومال بعد سحب الولايات المتحدة قواتها منه مطلع هذه السنة، فكرر التأكيد أن الانسحاب لا ينهي التزام أميركا بمواصلة التصدي لنشاط «حركة الشباب»، فرع «القاعدة» في القرن الأفريقي. وقال: «تواصل القيادة الأميركية في أفريقيا التأقلم من أجل تحقيق أهداف مهمتها وضمان مواصلة الضغط على شبكات (حركة) الشباب. مشاركتنا ستتواصل بأشكال مختلفة في الوقت الذي نعمل فيه على عزل وإبقاء الضغط على الشباب كجزء من مقاربة إقليمية ودولية لتدمير شبكات هذه الحركة».
كما أكد العقيد الأميركي التزام بلاده بمواصلة الضغط على «القاعدة» و«داعش» في بلدان الساحل الأفريقي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ليست هي من يقود العمليات ضد التنظيمين. وقال: «لا تتولى الولايات المتحدة مهمة القيادة (في التصدي لـ«داعش» و«القاعدة») في الساحل، لكننا نقوم بدور داعم. نقدم دعماً بأشكال مختلفة للفرنسيين والشركاء الأفارقة، وهذا يتضمن معلومات الاستخبارات، والتزود بالوقود في الجو، والنقل الجوي، والتدريب. وتبقى المقاربة المركزية في استراتيجيتنا تقوم على التواصل مع الحكومات (الأفريقية) بمؤسساتها المختلفة والعمل مع الشركاء للتصدي للدوافع التي تسبب التشدد».
وفي خصوص الوضع في موزمبيق حيث بات «داعش» يسيطر على مناطق مهمة بشمال البلاد، قال العقيد كارنز إن الولايات المتحدة «تواصل مراقبة (داعش) في موزمبيق. أينما يطل (داعش) برأسه يكون مهماً أن يمارس الشركاء الأفارقة ضغطاً على هذه المنظمة الإرهابية الخطيرة لمنعها من التجذّر وتوسيع تأثيرها. سيكون التعاون الإقليمي والشراكة العالمية مهمين لعرقلة وتدمير قدرات (داعش) على النشاط وتنفيذ عمليات في الدول الأفريقية».



غينيا تعلن فوز الجنرال مامادي دومبويا في الانتخابات الرئاسية

 الجنرال مامادي دومبويا برفقة زوجته لوريان دومبويا يصلان لمركز اقتراع للإدلاء بأصواتهما في الانتخابات الرئاسية (ا.ب)
الجنرال مامادي دومبويا برفقة زوجته لوريان دومبويا يصلان لمركز اقتراع للإدلاء بأصواتهما في الانتخابات الرئاسية (ا.ب)
TT

غينيا تعلن فوز الجنرال مامادي دومبويا في الانتخابات الرئاسية

 الجنرال مامادي دومبويا برفقة زوجته لوريان دومبويا يصلان لمركز اقتراع للإدلاء بأصواتهما في الانتخابات الرئاسية (ا.ب)
الجنرال مامادي دومبويا برفقة زوجته لوريان دومبويا يصلان لمركز اقتراع للإدلاء بأصواتهما في الانتخابات الرئاسية (ا.ب)

أعلنت الهيئة الانتخابية في غينيا، فوز قائد المجلس العسكري الجنرال مامادي دومبويا، في الانتخابات التي أجريت يوم الأحد، وذلك بحسب نتائج أولية صدرت في وقت متأخر من مساء الثلاثاء.

مامادي دومبويا يدلي بصوته خلال الانتخابات الرئاسية في مركز اقتراع بمدينة كوناكري (رويترز)

وبحسب المديرية العامة للانتخابات، حصل دومبويا على 86.72 في المائة من الأصوات التي جرى فرزها حتى الآن.

وشكل هذا التصويت تتويجاً لمسار انتقالي بدأ قبل أربعة أعوام، بعد أن أطاح دومبويا بالرئيس ألفا كوندي.


هل تشكِّل أفريقيا «بنك أهداف إرهابية» للولايات المتحدة؟

دمار خلّفته الضربة الأميركية في قرية أوفا بولاية كوارا النيجيرية يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)
دمار خلّفته الضربة الأميركية في قرية أوفا بولاية كوارا النيجيرية يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

هل تشكِّل أفريقيا «بنك أهداف إرهابية» للولايات المتحدة؟

دمار خلّفته الضربة الأميركية في قرية أوفا بولاية كوارا النيجيرية يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)
دمار خلّفته الضربة الأميركية في قرية أوفا بولاية كوارا النيجيرية يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)

في تطور لافت بشأن الأمن الإقليمي بغرب أفريقيا، شنت الولايات المتحدة ضربات جوية على مواقع تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي في شمال غربي نيجيريا، بالتنسيق مع حكومة أبوجا، مما أثار جدلاً محلياً وتساؤلات بشأن ما إذا كانت «ضربة عيد الميلاد» تعد تغيراً في استراتيجية واشنطن تجاه القارة السمراء، وتحولها إلى «بنك أهداف إرهابية» محتمل للولايات المتحدة.

ويوم «عيد الميلاد» أعلنت القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) تنفيذ غارات جوية في ولاية «سوكوتو» شمال غربي نيجيريا، «بالتنسيق مع السلطات النيجيرية». وتعليقاً على الهجمات، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في منشور على موقع «تروث سوشيال»، إن التنظيم يستهدف المسيحيين في نيجيريا بشكل أساسي «بمستويات لم نشهدها منذ سنوات عديدة». فيما أكد وزير الخارجية النيجيري يوسف توغار، في تصريحات صحافية، أن الهجمات «تم التخطيط لها منذ فترة طويلة وليس لها أي علاقة بدين معين»، متوقعاً تنفيذ مزيد من الضربات ضد أهداف إرهابية في عملية وصفها بـ«المستمرة مع الولايات المتحدة».

الضربة الأميركية الأخيرة «توحي بإعادة ضبط محتملة أوسع لانخراط الولايات المتحدة في البيئة الأمنية لغرب أفريقيا»، في سياق «بنك أهداف إرهابية محتمل»، حسب ماكسويل نغيني، المحلل في شؤون السياسات العامة والمحاضر بجامعة ولاية إنوجو للعلوم والتكنولوجيا في نيجيريا. وأوضح نغيني لـ«الشرق الأوسط» أن «ضربات عيد الميلاد تجمع بين البعدين التكتيكي والاستراتيجي، حيث تعاملت مع تهديدات ناشئة إلى جانب كونها توحي بتغير في استراتيجية واشنطن».

التوقيت والمكان أيضاً يحملان دلالة خاصة، وفق نغيني، الذي يوضح أن «شمال غربي نيجيريا أصبح نقطة التقاء لتهديدات أمنية عدة، ومن خلال تنفيذ ضربات في هذه المنطقة، تعترف الولايات المتحدة بأن التحديات الأمنية في نيجيريا لا تقتصر على (بوكو حرام) في الشمال الشرقي، مما يشير إلى احتمال أن تكون واشنطن بصدد التمهيد لانخراط أكثر استدامة في جهود مكافحة الإرهاب في أفريقيا». وإن كانت استدامة هذا الانخراط لا تزال مثار تساؤل، على حد تعبيره.

لكن ألكسندر بالمر، زميل برنامج الحروب والتهديدات غير النظامية والإرهاب في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أشار إلى أنه «حتى الآن لا توجد أي بيانات رسمية أميركية تشير إلى اعتماد استراتيجية جديدة تجاه غرب أفريقيا»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ترمب كان يناقش منذ فترة خيارات عسكرية للتدخل في نيجيريا، وهذه الضربة على الأرجح هي تتويج لتلك النقاشات»، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن «هذه النقاشات قد تتطور لاحقاً إلى مقاربة جديدة لغرب أفريقيا».

وأضاف: «زيادة التعاون الأمني أو استمرار الضربات الأميركية قد يوفران مؤشرات على أن أمراً جديداً يجري التحضير له».

وتعد «ضربة عيد الميلاد» هي الأولى من نوعها في عهد ترمب، وتأتي بعد انتقادات وتهديدات أطلقها الرئيس الأميركي ضد نيجيريا، الدولة ذات الكثافة السكانية العالية في غرب أفريقيا، في شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني)، بشأن ما وصفه بـ«تهديد وجودي» للمسيحيين هناك.

هذه التهديدات أشار إليها نامدي أوباسي، المستشار المتخصص في الشأن النيجيري بمجموعة الأزمات الدولية، على أنها دليل على «التخطيط المسبق للعملية». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الضربة تنسجم مع الجهود الأميركية الأوسع لاحتواء الحركات الإرهابية العابرة للحدود في غرب أفريقيا».

وتثير الضربة تساؤلات في الداخل النيجيري، وفق تصريحات الصحافي والمحامي النيجيري مالاكي أوزيندو لـ«الشرق الأوسط». وقال: «المواطنون يعيشون في خوف وترقب، حيث لم يُقدَّم لهم ما يوضح حجم الخسائر أو النتائج، أو خطط التعاون المستقبلي في هذا الإطار».

نيجيريون في قرية جابو التي طالتها الضربة الأميركية (رويترز)

ولم تعلن الولايات المتحدة أو نيجيريا الحصيلة النهائية لضربة عيد الميلاد، رغم تأكيد رسمي بأنها كبّدت «داعش» خسائر «كبيرة»، لكن هجمات منسقة شنها مسلحون يُشتبه في انتمائهم إلى التنظيم أخيراً، استهدفت عدداً من القرى في ولاية يوبي، شمال شرقي نيجيريا، أثارت تساؤلات بشأن تأثير الهجمات الأميركية.

وفي رأي أوباسي فإن «الهجمات قد تُضعف بعض الجماعات المسلحة، لكن الغارات الجوية وحدها لا تستطيع القضاء على الإرهاب، بل على العكس، فإن الضربات، التي يحرص مسؤولون أميركيون على تأطيرها بوصفها مهمة لإنقاذ المسيحيين، تنطوي على مخاطر تعميق الاستقطاب بين المسيحيين والمسلمين، ودفع مزيد من الشباب المسلمين نحو التطرف».

واتفق معه أوزيندو، مؤكداً أن «القصف الأميركي لمرة واحدة لن يحل المشكلة، بل قد يزيدها تعقيداً»، موضحاً أن «هناك اعتقاداً بأن العملية الأميركية أدت فقط إلى تشتيت الجماعات المسلحة ودفعها للانتشار في مناطق جديدة». وقال: «الأسابيع المقبلة ستبيّن حجم تأثير الضربة الأميركية».

وحسب بالمر فإنه «من الصعب التنبؤ بالآثار طويلة الأمد للضربات المضادة للإرهاب»، موكدا أن «على الولايات المتحدة ونيجيريا مراقبة ردود فعل المجتمعات المحلية والجماعات المسلحة عن كثب، وتكييف مقارباتهما تبعاً لذلك».

وهي مقاربات طالب بها نغيني أيضاً، فبينما «قد تُضعف الضربات جماعات معينة، فإن السياق النيجيري الذي يدفع نحو ازدياد الجماعات المسلحة يتطلب مقاربة شاملة». وقال: «تُخاطر الضربات العسكرية التي تكتفي بالقضاء على المقاتلين من دون معالجة هذه الجذور بالدخول في حلقة مفرغة من إعادة إنتاج الإرهاب تحت مسميات جديدة».

وتشهد نيجيريا، التي تنقسم بشكل متساوٍ تقريباً بين الجنوب ذي الغالبية المسيحية، والشمال ذي الغالبية المسلمة، تصاعداً في الهجمات الإرهابية التي أودت بحياة مسيحيين ومسلمين على حد سواء. ورغم رفض أبوجا الاعتراف بوجود اضطهاد ديني أعادت الولايات المتحدة، هذا العام، إدراج نيجيريا في قائمة الدول «التي تثير قلقاً خاصاً» فيما يتعلق بالحرية الدينية.

وحذرت الأمم المتحدة من «عودة ظهور عمليات الخطف الجماعي» التي تشمل بانتظام مئات من أطفال المدارس. وتحولت ظاهرة الخطف مقابل فدية، إلى تجارة مربحة درت نحو 1.66 مليون دولار أميركي بين يوليو (تموز) عام 2024 ويونيو (حزيران) 2025، وفقاً لتقرير حديث صادر عن شركة الاستشارات «إس بي إم إنتليجنس» ومقرها لاغوس.

ورغم تصاعد العنف، فإن التدخل الأميركي يثير «شكوكاً» لدى النيجيريين بأنه يأتي في سياق صراع على الموارد، لا سيما أن نيجيريا دولة غنية بمواردها الطبيعية من النفط والمعادن، فهي أكبر منتج للنفط في أفريقيا وفق بيانات «أوبك» عام 2024، وخامس أكبر منتج للمعادن النادرة في العالم وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

بدوره، أكد أوباسي أنه «حال تحوّل الانخراط العسكري الأميركي في نيجيريا إلى مسعى للسيطرة على الموارد المعدنية، فإن ذلك قد يزيد من حدّة المنافسة الجيوسياسية، خصوصاً مع الصين التي رفعت مؤخراً علاقاتها الثنائية مع نيجيريا إلى مستوى (شراكة استراتيجية شاملة)».

وهنا يشير بالمر إلى «اختلاف نمط التعاون الصيني مع نيجيريا عن النهج الأميركي، فبينما تعتمد واشنطن على العمل العسكري المباشر، تركز بكين على احترام سيادة الحكومات الأفريقية، وتولي اهتماماً أكبر للتدريب التقني مقارنةً بالعمل العسكري». وقال: «من غير الواضح أي النموذجين تفضله الدول الأفريقية عموماً، غير أن السنوات القليلة الماضية شهدت تصاعداً في الخطاب والنشاط الصينيين في مجال مكافحة الإرهاب بالقارة».

وأكد نغيني: «ينبغي فهم الضربة الأميركية في سياق أوسع يتمثل في تصاعد تنافس القوى الكبرى في أفريقيا، مع الحذر من اختزال الشراكات الأمنية المعقدة في حسابات قائمة على الموارد وحدها»، مشيراً إلى «توسع حضور روسيا والصين في غرب أفريقيا».

فيما توقع أوزيندو أن «تستغل روسيا والصين التطورات الأخيرة لتعميق نفوذهما في نيجيريا».


نيجيريا: إصابات وخسائر في فندق إثر الضربات الأميركية ضد «داعش»

لقطات متداولة لواجهة الفندق بعد القصف الأميركي (تواصل اجتماعي)
لقطات متداولة لواجهة الفندق بعد القصف الأميركي (تواصل اجتماعي)
TT

نيجيريا: إصابات وخسائر في فندق إثر الضربات الأميركية ضد «داعش»

لقطات متداولة لواجهة الفندق بعد القصف الأميركي (تواصل اجتماعي)
لقطات متداولة لواجهة الفندق بعد القصف الأميركي (تواصل اجتماعي)

رغم أن السلطات في نيجيريا لم تعلن رسمياً حجم الخسائر الناتجة عن الضربات الأميركية ضد مواقع تنظيم «داعش» الخميس الماضي، فإن مالك فندق قال إن 3 من موظفيه نقلوا إلى المستشفى إثر إصابة فندقه بشظايا صواريخ أميركية.

لقطات متداولة لواجهة الفندق بعد القصف الأميركي (تواصل اجتماعي)

وكانت ضربات أميركية استهدفت مجموعة مسلّحة على صلة بتنظيم «داعش»، في ولاية سوكوتو، بشمال غربي نيجيريا، فيما أقرت الحكومة النيجيرية بتساقط حطام من الذخائر في أنحاء عدة بالبلاد، بما في ذلك مدينة أوفا التي تقع بولاية كوارا.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مالك فندق «سوليد ورث»، الذي يبعد نحو 800 كيلومتر عن أهداف الضربات الأميركية، قوله إن 3 من عمال الفندق أُدخلوا المستشفى بعدما أصيبت المنشأة بما بدا أنه صاروخ.

وقال توفيق عزيز بيلو: «فجأة في يوم عيد الميلاد، في وقت متأخر من المساء بعد الـ10 (ليلاً)، صاروخ يُعتقد أن الجيش الأميركي أطلقه، ربما انحرف وأصاب فندقي»، وتابع مالك الفندق عبر الهاتف: «سقط داخل مبنى الفندق، وتسبب في بعض الأضرار البسيطة، وأصاب 3 من العاملين».

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر الأضرار التي لحقت بالفندق، حيث يظهر ثقب كبير في واجهة الفندق، فيما قال عزيز إن «إحدى العاملات أصيبت بصدمة نفسية، وتعرّض عامل لإصابة بالغة في الرأس، وآخر لإصابة في الفخذ والساقين».

وتتناقض هذه المعلومات مع ما قاله دانيال بوالا، المتحدث باسم الرئيس النيجيري بولا تينوبو، من أن الإصابات جراء الضربات اقتصرت على «الإرهابيين».

ليلة الرعب

رغم أنها تبعد نحو 800 كيلومتر من ولاية سوكوتو، فإن مدينة أوفا عاشت ليلة من الرعب حين هزتها انفجارات عنيفة، بالتزامن مع الضربات الأميركية؛ ما أسفر عن إصابة 5 أشخاص وتضرر عدد من المباني، وفق ما أكدته السلطات.

وروى السكان لحظات عصيبة أعقبت الانفجارات، وكان بين المصابين امرأة تُدعى إيا أيو وابنتها عائشة، وقال أحد السكان: «كانتا نائمتين عندما وقع الانفجار. اخترقت مسامير صدر إيا أيو وبطنها وذراعيها».

وذكر شهود عيان أن أحد الحرفيين أُصيب أيضاً، فيما تعرضت 4 مبانٍ على الأقل متجاورة لأضرار هيكلية جسيمة. ووصفت تاجرة تُدعى مدام جوي لحظة الانفجار قائلة: «رأيتُ جسماً آتياً بأضواء ساطعة، ثم اصطدم بذلك المبنى ذي الطابق العلوي قبل أن يمر عبر 3 مبانٍ أخرى وأسقطها».

تحقيقات سرية

ورفض مفوض شرطة ولاية كوارا، أديكيمي أوجو، شائعات ربطت الانفجارات بهجوم إرهابي. وقال: «لم يكن هناك هجوم بقنبلة في أوفا، ولم يحدث تحطم طائرة. ما جرى كان ذخيرة، وقد أزال خبراؤنا في المتفجرات المخلفات. لا داعي للقلق، فالوضع تحت السيطرة».

وأضاف أن «خبراء المتفجرات في الشرطة باشروا تحقيقات سرية لتحديد مصدر الذخيرة»، فيما لم يتردد السكان في ربطها بالضربات الأميركية.

وأفادت مصادر أمنية بأن أحد الانفجارات وقع قرب ساحة صلاة العيد، والآخر بالقرب من فندق «سوليد وورث»، على بعد نحو 5 دقائق. كما عُثر، وفق التقارير، على قذيفة لم تنفجر غير بعيد من الفندق؛ مما دفع بالأجهزة الأمنية إلى تطويق المنطقة.

وفي بيان، أوضحت الحكومة المحلية أن الأجهزة الأمنية أمّنت المناطق المتضررة وبدأت التحقيقات. كما طلب رئيس المجلس التنفيذي لمنطقة حكم أوفا المحلي، سليمان أولاتونجي أوميتونتون، من السكان «التزام الهدوء واليقظة واحترام القانون، مع الاعتماد فقط على المعلومات الرسمية لتجنب إثارة الذعر».

لقطات متداولة لواجهة الفندق بعد القصف الأميركي (تواصل اجتماعي)

ضربات متوقعة

وفي حين يتصاعد الذعر في أوساط سكان القرى والمدن شمال نيجيريا، فقد أعلن عضو الكونغرس الأميركي، رايلي مور، أن شنّ ضربات جوية أميركية جديدة ضد معسكرات إرهابية في نيجيريا أمرٌ مرجّح.

وكتب مور في منشور بحسابه على منصة «إكس»، الاثنين، أن «الرئيس ترمب لا يسعى إلى إشعال حرب في نيجيريا. إنه يعمل على إحلال السلام والأمن في نيجيريا ولدى آلاف المسيحيين الذين يواجهون عنفاً مروّعاً وموتاً وحشياً».

وخلال مقابلة على قناة «فوكس نيوز»، قال مور إن «هذه الضربة أعادت الأمل إلى مسيحيي نيجيريا وإلى عموم السكان الذين يعانون من هجمات تنظيمَي (داعش) و(بوكو حرام) والجماعات المسلحة»، وشدد على أن هذه العملية ليست سوى بداية لجهد أوسع، مضيفاً أن هناك ضربات أخرى متوقعة.

وتابع: «هذه مجرد خطوة أولى. ستتبعها خطوات أخرى، وكل ذلك يجري بالتعاون مع الحكومة النيجيرية».

تطمينات وتحذيرات

في غضون ذلك، يرتفع الجدل في نيجيريا بشأن جدوى التدخل الأميركي، فيما حذّر الباحث في شؤون الأمن القومي، كونلي فاغبِمي، بأن «الوقت لا يزال مبكراً لاستخلاص نتائج بشأن تأثير ونجاح الضربات».

وفي مقابلة مع قناة «آرايز نيوز» المحلية، شدّد فاغبِمي على أن الأسئلة المتعلقة بفاعلية الضربات الجوية «لا يمكن الإجابة عنها إلا بعد الانتهاء من تقييم رسمي للعملية»، مشيراً إلى أن «قياس نجاح الضربات الجوية الدقيقة أمر معقد».

وأضاف الباحث في شؤون الأمن القومي أنه «يجب أولاً التأكد من أن الصواريخ والذخائر المستخدمة في مثل هذه الضربات قد أصابت الإحداثيات التي جرى تحديدها»، ودعا إلى «التعامل بحذر مع المعلومات المتعلقة بالتدخلات الأمنية، وتقديمها في سياقها الصحيح، تفادياً للارتباك وسوء التأويل».

وطلب الباحث من السلطات في نيجيريا الإسراع بكشف تفاصيل ما أسفرت عنه الضربات الأميركية؛ لتفادي انتشار الشائعات.

وبشأن مشروعية التدخل الأميركي التي تثير الجدل في نيجيريا، قال الباحث في شؤون الأمن القومي إن «التدخل لم يأتِ من فراغ»، مشيراً إلى أن نيجيريا «منخرطة في عدد من الأطر والمبادرات، من بينها (التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش)، كما أنها طرف في شراكات مكافحة الإرهاب عبر الصحراء، وهذا يعني أن هناك عدداً من المسارات والأدوات التي كانت قائمة ومتراكمة، وأفضت إلى شراكة استراتيجية قد تقود إلى تدخل في إطار مبدأ مسؤولية الحماية، وضمن مظلة عدد من هذه الآليات».