إردوغان يشعل الساحة السياسية في تركيا بالحديث عن «دستور جديد»

استمرار الاحتجاجات الطلابية في إسطنبول... ومذكرات توقيف بحق 292 عسكرياً

رجال أمن يعتقلون في أنقرة أمس شاباً شارك في احتجاج تضامناً مع طلاب جامعة بوغازيتشي في إسطنبول (أ.ف.ب)
رجال أمن يعتقلون في أنقرة أمس شاباً شارك في احتجاج تضامناً مع طلاب جامعة بوغازيتشي في إسطنبول (أ.ف.ب)
TT

إردوغان يشعل الساحة السياسية في تركيا بالحديث عن «دستور جديد»

رجال أمن يعتقلون في أنقرة أمس شاباً شارك في احتجاج تضامناً مع طلاب جامعة بوغازيتشي في إسطنبول (أ.ف.ب)
رجال أمن يعتقلون في أنقرة أمس شاباً شارك في احتجاج تضامناً مع طلاب جامعة بوغازيتشي في إسطنبول (أ.ف.ب)

أشعل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان النقاش والجدل على الساحة السياسية في تركيا بحديثه المفاجئ عن حاجة البلاد إلى دستور جديد، وهو ما اعتبرته المعارضة تعبيراً عن إفلاسه. وفي الوقت نفسه، سادت حالة من الغضب الشعبي الواسع بسبب اعتقال أكثر من 150 طالباً من جامعة بوغازيتشي في إسطنبول لتظاهرهم مجدداً احتجاجاً على قرار إردوغان تعيين أحد الأكاديميين من حزب «العدالة والتنمية» الحاكم رئيساً للجامعة.
وفتحت تصريحات إردوغان التي أدلى بها عقب اجتماع لحكومته، مساء أول من أمس، الباب أمام جدل كبير، بعد أن قال «ربما حان الوقت من أجل مناقشة دستور جديد لتركيا... الحكومة ستبدأ في اتخاذ الخطوات اللازمة في البرلمان بخصوص القضايا التشريعية وفي الرئاسة بخصوص القضايا الإدارية... يمكننا التحرك من أجل إعداد دستور جديد في المرحلة المقبلة حال توصلنا إلى تفاهم مع شريكنا في (تحالف الشعب) (حزب الحركة القومية)».
وأضاف «من الواضح أن في صلب مشاكل تركيا دساتير صاغها انقلابيون منذ التسعينات، ربما آن الأوان لتفتح تركيا النقاش حول دستور جديد، وأي مسودة دستور ستخضع للاستفتاء الشعبي».
وسارع رئيس حزب الحركة القومية التركي دولت بهشلي إلى تأييد إردوغان في الدعوة إلى وضع دستور جديد للبلاد. وشدد، في بيان صادر عن حزبه أمس (الثلاثاء)، على حاجة البلاد إلى دستور جديد، وأن حزبه يؤيد هذه الرؤية. وقال بهشلي «من الواضح أن تركيا في حاجة إلى دستور جديد، وإن هدف ومنظور وفكر حزب الحركة القومية يصب في هذا الاتجاه». وأضاف، أن «تحالف الشعب» الذي يجمع حزبه مع حزب العدالة والتنمية الحاكم، سيؤدي المسؤوليات الملقاة على عاتقه، لإجراء التغييرات الدستورية من مبدأ احتضان وتوحيد الجميع.
وتأتي دعوة إردوغان وحليفه بهشلي إلى دستور جديد بعد 4 سنوات من تعديلات واسعة لدستور عام 1982، المعمول به في البلاد، والاستفتاء عليها في 17 أبريل (نيسان) 2017، والتي أفضت إلى تطبيق النظام الرئاسي في الانتخابات المبكرة التي أجريت في 24 يونيو (حزيران) 2018، كما تأتي وسط دعوات متكررة من بهشلي لإغلاق حزب الشعوب الديمقراطية المؤيد للأكراد.
وتصاعدت التكهنات عقب دعوة إردوغان إلى وضع دستور جديد للبلاد حول ما إذا كان الدستور الجديد يتضمن مواد تسهل إغلاق الأحزاب السياسية التي تتهم بالتورط في الإرهاب والجريمة، ليتم التخلص من حزب الشعوب الديمقراطية، وكذلك مسألة إلغاء نسبة 50+1 التي يتعين أن يحصل عليها المرشح للرئاسة للفوز برئاسة البلاد في ظل تراجع شعبية إردوغان في استطلاعات الرأي الأخيرة وظهور منافسين أقوياء من المعارضة.
وشهدت الفترة الأخيرة حراكاً قوياً من المعارضة باتجاه الضغط لإجراء انتخابات مبكرة والعودة إلى النظام البرلماني بعد تحسينه وتقويته بعد الأزمات التي تسبب فيها النظام الرئاسي، ولا سيما في الاقتصاد. واعتبر حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، على لسان نائب رئيس الحزب محرم أركيك، أن دعوة إردوغان لكتابة دستور جديد هي نوع من الإفلاس، قائلاً «لقد أفلس النظام في عامين ونصف العام بعد تطبيق النظام الرئاسي. لكن كلاً من الأمة والدولة أفلستا معه أيضاً. لكننا سنصلح النظام المعطل باسم (تحالف الأمة) (يتكون من الشعب الجمهوري وحزب الجيد)».
وأضاف أركيك، أن المعارضة ستعمل على إسقاط إردوغان في الانتخابات المقبلة، وستدعو إلى تعديل الدستور أيضاً للعودة إلى نظام الحكم البرلماني بعد التغييرات التي أجراها إردوغان على مواد الدستور عام 2017، قائلاً «سواء كانت الانتخابات مبكرة أو في موعدها، فسوف نقدم نظاماً برلمانياً معززاً، وبالتالي دستوراً جديداً».
وأعلنت باقي أحزاب المعارضة مواقفها من دعوة إردوغان، معتبرة أنها محاولة للتغطية على فشل النظام الرئاسي. وعلق الكاتب في صحيفة «رييت» المقرب من إردوغان، عبد القادر سيلفي، على الإعلان المفاجئ بشأن الدستور قائلاً، إنه جاء في الوقت الذي تتحاور فيه أحزاب المعارضة فيما بينها حول مشروع دستور جديد يعيد النظام البرلماني «المعزز»، مشيراً إلى أن مقترح الدستور الجديد مشمول في حزمة الإصلاحات التي أعلن عنها الرئيس التركي مؤخراً، وأنه يقوم على مبدأ أن الدستور المدني هو أصل كل الإصلاحات.
وأوضح سيلفي، أن إردوغان تحرك لسحب الورقة الرابحة للمعارضة التي كانت تستعد لتشكيل لجنة دستورية مشتركة للانتقال إلى نظام برلماني مع وضع دستور جديد، وأن مشروع الدستور المقترح لن يتضمن بأي حال عودة النظام البرلماني.
وتوقع محللون، أن تشهد الأشهر المقبلة، تأجيج 4 موضوعات لتحتل الصدارة في المناقشات بين الأحزاب السياسية والتي تشكل التوترات في السياسة التركية حالياً، وهي: مصير حزب الشعوب الديمقراطية، وظهور حركات سياسية جديدة، والجهود المبذولة لتغيير ميزان القوى بين التحالفات الانتخابية والجدل حول النظام السياسي في تركيا بعودته إلى البرلماني.
ويطالب بهشلي بإغلاق حزب الشعوب الديمقراطية، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت المحكمة الدستورية ستوافق على إغلاق حزب سياسي.
على صعيد آخر، أفرجت السلطات التركية أمس عن 96 من بين 159 من طلاب جامعة بوغازيتشي في إسطنبول ألقي القبض عليهم أثناء احتجاجات جديدة على تعيين الرئيس رجب طيب إردوغان قبل شهر مليح بولو، المنتمي لحزبه، رئيساً للجامعة، معتبرين أنه أمر غير ديمقراطي، كما احتج أعضاء هيئة التدريس بالجامعة على القرار.
واشتبكت الشرطة مع المتظاهرين، أول من أمس، وهم يرددون شعارات مثل «فلتخرج الشرطة» و«الجامعات لنا».
وقال مكتب والي إسطنبول في بيان، إن 159 شخصاً اعتقلوا لاحقاً «لعدم إنهاء المظاهرات أمام جامعة بوغازيتشي رغم التحذيرات»، وأضاف أنه تم فتح تحقيق، وأن 11 من بين المشاركين في المظاهرات ليسوا من طلاب الجامعة.
وتخضع جامعة «بوغازيتشي» لحصار من الشرطة منذ شهر تقريباً على خلفية اختيار إردوغان رئيسها الجديد، وتجمهر الطلاب أمس أمام الجامعة مطالبين بالإفراج عن زملائهم المحتجزين.
من ناحية أخرى، أصدر الادعاء العام في إسطنبول أمس مذكرات توقيف بحق 294 شخصاً في 42 ولاية تركية، بشبهة دعم حركة «الخدمة» التابعة للداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه السلطات بالتخطيط للمحاولة الانقلابية الفاشلة التي وقعت عام 2016.
ويواجه المشتبه بهم، وبينهم 292 عسكرياً حالياً أو سابقاً، اتهامات تتعلق بصلاتهم بغولن والانقلاب الفاشل، وأن من بين المشتبه بهم شخصين يشتبه في أنهما عضوان في جماعة مدنية «سرية» متهمة بدعم أنصار غولن في الجيش.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».