-سيلفيا بلاث مثل صاعقة بشرية

كتاب جديد عن سيرتها تزيد صفحاته عن الألف

سيلفيا بلاث
سيلفيا بلاث
TT

-سيلفيا بلاث مثل صاعقة بشرية

سيلفيا بلاث
سيلفيا بلاث

لنبدأ بالنهاية. بتعبير الشاعرة روث فينلايت: «الجميع يعرف نهاية القصة». في صباح يوم 11 من فبراير (شباط)، 1963، في عامها الثلاثين، دخلت سيلفيا بلاث مطبخها في شقتها بلندن وأغلقته بالورق اللاصق، فتحت الغاز وأسندت رأسها على باب الفرن المفتوح. استعداداتها للموت كانت محسوبة واستجدائية. تركت طفليها الصغيرين في غرفة نومهم، باب الغرفة مغلق تماماً وشباكها مفتوح، مع بعض الخبز والزبدة والحليب. ورقة صغيرة في عربة الأطفال تضمنت طلباً مهذباً، بالأحرف الكبيرة، بالاتصال بالطبيب الذي كتب لها وصفة المهدئات. وحين وصل الدكتور هوردر كانت قد ماتت منذ عدة ساعات. مع أن هوردر كان يحاول إدخال بلاث إلى قسم العناية النفسية قبيل انتحارها، فقد أعلن «كنت مندهشاً جداً أنها فعلت ذلك بنفسها».
إلى جانب الملاحظة المتعلقة بالطبيب - التي قد تدل أو لا تدل على أنها كانت تأمل أن يعثر عليها حية - تركت بلاث ملفاً أسود على مكتبها. تضمن الملف المجموعة الشعرية الريادية، المهداة لطفليها فريدا ونيكولاس، والتي عنونتها «أرييل». كانت بلاث قد استمرت تكتب الشعر حتى قبل وفاتها بستة أيام (يومياتها الأخيرة، التي ظلت تكتبها حتى قبل وفاتها بثلاثة أيام، أتلفها زوجها تيد هيوز)، وعملها الأخير فسره العديد من القراء بنهم على أنه إعلان عن الكيفية التي ستنتهي بها حياتها. وقد صادق هيوز على ذلك التفسير. أعلن عام 1998، قبل وفاته بفترة قصيرة، أن القصيدة التي تحمل المجموعة عنوانها «أرييل» كانت «نبوءة بانتحارها»، وهي قراءة تستدعيها الأسطر الأربعة الأخيرة:
قطرة الندى التي تطير
منتحرة، متوحدة بالنزعة
نحو العين
الحمراء، مرجل الصباح.
ومع ذلك فإن بلاث نفسها وصفت عملها بعبارات تمزج الهزل بالكآبة، حين قالت: «قصيدة أخرى حول ركوب الخيل هي التي عنوانها (أرييل)، اسم حصان فتنت به». إذا قرأت بهذه الطريقة فإن الأجزاء المبعثرة للقصيدة، «الأعقاب والركب»، «الرقبة» و«الأفخاذ» و«الشَعر»، بتعرجاتها وسهولة الإلمام بها، تبدو صلتها بنهاية عنيفة مفاجئة أقل من صلتها بالحياة إذا ما نظر إليها بسرعة هائلة من زاوية متحدث يعدو باتجاه شمس الصباح. رؤية بلاث لنفسها على أنها «غودايفا بيضاء» (كما في الأسطورة الإنجليزية) رؤية مشبعة بالبهجة والانتصار. لقد أضاف هيوز معلومة تقول: «كان أرييل اسماً لحصان كانت تركبه كل أسبوع. قبل ذلك، حين كانت طالبة في كمبردج (إنجلترا)، ركبت الخيل مع صديقة أميركية باتجاه غرانتشيستر. اندفع حصانها، وسقط الرِكَاب، فقطعت الطريق عائدة إلى الإسطبل الواقع على بعد حوالي ميلين، الحصان بأقصى سرعته، وهي متمسكة بعنقه».
ما لم يذكره هيوز هو أن تلك الحادثة (ديسمبر/ كانون الأول، 1955) كانت المرة الأولى التي تركب فيها بلاث الحصان. حسب التفسير الذي أوردته هيذر كلارك في سيرتها الجديدة لبلاث، اندفع الحصان المتمرد في الطريق المعاكسة، وكانت السيارات تنحرف عن مساره والنساء يصرخن. كانت بلاث متمسكة بعنق الحصان مندهشة من «قوتها» هي؛ ربما لكي تدهش الجمهور على الأقل. كتبت: «أشعر كما لو كنت صاعقة بشرية تنتقم». في القصيدة التي كتبت لاحقاً تظهر المتحدثة بلغة قاتلة أيضاً: «وأنا/ أكون السهم».
إن السيرة لا تقدم تفسيراً نهائياً ولا تستنفد التفسيرات المحتملة لما يحدث في «أرييل». معرفتنا بأن بلاث انتحرت بعد كتابة المجموعة بوقت قصير لا يعيننا كثيراً في فهم صور القصيدة وإطارها الشكلي. أما العنوان فقد أشار الشاعر روبرت لووِل أن «أرييل يذكر بالشبح الشكسبيري اللطيف (في مسرحية «العاصفة»)، الثنائي الجنس، والمرعب قليلاً، لكن الحقيقة هي هذا الأرييل هو حصان الكاتبة». موت الشاعرة بيديها إحدى «الحقائق» (قال لووِل لإليزابيث بيشوب إن قصائد بلاث كانت «كلها حول» «انتحارها»). حقيقة أخرى هي أن الاسم «أرييل» هو لشكسبير كما هو لبلاث. أرييل شبح يفتتح «العاصفة» مستعبد البروسبيرو، ولكنه يتحرر في النهاية بقدراته الخلاقة. بعد تركه آثاراً سحرية في الآخرين ينطلق ويصير هو نفسُه، كما يقول «أرييل» بلاث، «شيئاً آخر».
لقد أشارت بلاث أكثر من مرة إلى «تكيفها» بعبارة توحي بالكيفية التي حولت بها الأحداث في حياتها إلى «شيء آخر». كتبت حول قصة محاولتها الأولى للانتحار في شبابها عام 1953 وذلك بعد عام من تلك المحاولة قائلة: «لقد تكيفت مع محاولتي الصيف الماضي إلى حد أنني سأكتب بحثي الروسي حول موضوع الانتحار». وقد أثنت كلية سميث، حيث كانت تدرس، على «تكيفها الجميل» مع الحياة بعد تلك المحاولة الأولى للموت. الدليل الأفضل على شاعر متكيف بشكل جيد كان إحساسها حول كيفية تحويل التجربة إلى فن. أخبرت بلاث أمها أوريليا بما شعرت أنه كان يجب أن يحدث قبل تحويل حياتها هي إلى أدب: كان على الواقع أن يكون موضوعاً «لتحويرات» الشاعر، كان على الشخوص أن يمروا بعملية «دمج» يصيرون بموجبه «مركبين»، وعلى الحقيقة أن «يعاد ترتيبها».
لقد نظر كتاب سيرة بلاث إلى الشاعرة في الغالب كما لو أن أعمالها ليست أكثر من تعبير ذاتي ومباشر. عمليات التحويل التي وصفتها لأمها قد تغيب عن تلك السير أيضاً، وإن أثبتت فإن عمليات كتلك تُفهم على أنها عوائق في وجه الحقيقة المتمثلة في كشف الكاتبة عن نفسها. لكن لا بد أن تكون القصائد شيئاً آخر غير الاعتراف المباشر لكي تستحق أن تسمى قصائد، كما تدرك كلارك. في حين تستخرج كلارك مصادر لمادتها أوسع مما ظهر في أي من السير النقدية العديدة التي كتبت عن بلاث، فإنها تؤكد بحرص ما لدى الشاعرة من مواهب وطاقات شعرية. نتيجة ذلك تقييمٌ يراها كاتبة نمو وإبداع، ليس كما لو كانت امرأة محكوماً عليها بالانتحار، وإنما بوصفها شخصاً يصارع باستمرار، كما عبرت هي بتواضع، ليكون «أكثر نجاحاً في الكتابة مما ظننت في البداية». بتعبير كلارك، كان التزام بلاث «ليس للموت، وإنما للفن».
كان معنى النجاح في الكتابة، كما رأته في سنوات صباها، أن تكتب قصصاً وترسلها إلى مجلات منتشرة فتكسب المال وتحصد الجوائز. بعد الموت المفاجئ لوالدها (أوتو) حين كانت في الثامنة من عمرها، كانت عائلة بلاث دائماً على شفا كارثة من الإفلاس المالي. كانت سيلفيا، التي قالت عن نفسها إنها كانت في طفولتها «ذكية بصورة خطرة»، تحب المنافسة، متحمسة ومصممة وطموحة بلا حدود. اكتسبت الثناء من الجميع بسبب تفوقها الدراسي، بإيمانها بالإنجاز، ومظهرها المتسق على نحو بديع. كانت أشياء عظيمة تُنتظر منها وكانت تعمل بلا هوادة. بمناسبة مرور 30 عاماً على انتحارها، وصفت جانيت مالكوم في «النيويوركر» حياة بلاث بأنها «قصة مميزة للخمسينيات المخيفة والمزدوجة الوجوه». أما أم بلاث، الجادة في عملها، فقد روت نكتة قاسية هي أن «الانهيار العصبي» شيء لا يستطيع أحد من أسرة بلاث أن «يحتمله».
حين عادت سيلفيا ذات العشرين عاماً إلى البيت، مرهقة، من ماساشوستس بعد تدريب رفيع المستوى ولكنه مرهق جداً في نيويورك لدى مجلة «مادموازيل»، لتجد نفسها عاجزة عن الكتابة (وهي تجربة سجلتها في روايتها «جرة الجرس»، التي نشرت بعد شهر من وفاتها)، تم تشخيصها على أنها مصابة بالاكتئاب. سلسلة العلاج التي تلت جعلت الأمر أسوأ إذ تصاعدت في صدمات كهربائية مرعبة. تقول كلارك إنه ربما كان الخوف من تكرار هذا العلاج في لندن عام 1963 هو الذي أدى إلى انتحار بلاث.
في عام 1955 أحضرتها منحة من فولبرايت إلى كمبردج شديدة البرودة وإلى تيد هيوز شديد الحرارة (أو تد هيوج (أي الضخم)، كما سمته آن سيكستون). المواجهة العنيفة لهذين الشاعرين في حفلة طلابية - عضت خده وانتزع هو ملفعها وقرطي أذنيها تذكاراً - تحول بسرعة إلى مادة أسطورية متداولة استمتع الجميع بتضخيمها. لاحظ أحد الحضور أنهما «استحق كل منهما الآخر» وتساءل: «هل ستتمكن سيلفيا من ترويض تيد وتدجينه... أم أنه بدلاً من ذلك سيحرر سيلفيا من عواطفها المكبوتة سلفاً؟» تزوجا في لندن في كنيسة سانت جورج، في بلومزبري، في السادس عشر من يونيو (حزيران) 1956 - يوم بلوم (يوم الاحتفال بذكرى الكاتب الآيرلندي جيمس جويس) - الحدث الذي صعق أوريليا بلاث (أم سيلفيا)، الشاهدة الوحيدة على الزواج. بعد شهر عسل قضياه في فرنسا وإسبانيا... عاد الزوجان إلى كمبردج، لتبدأ بلاث سنتها الثانية في كلية نيوهام ويبدأ هيوز التدريس في مدرسة للأولاد. وصفهم أحد المعارف بأنهما «متوهجان بالسعادة». لكن أحد معلمي بلاث في كمبردج رأى أيضاً أن تلك الفترة كانت تشير إلى بداية «الغضب العاطفي الذي هيمن منذ ذلك الحين على شعرها».
مر عامان من التدريس والكتابة في ماساشوستس؛ هنا عانت بلاث بشكل متقطع من عقدة الكاتب والاكتئاب (الذي بحثت له مرة أخرى عن علاج)، لكنها أيضاً احتفلت بسلسلة من الاختراقات الإبداعية والشعرية المنتشية. عاد الزوجان إلى إنجلترا عام 1960، حيث أنجبت بلاث (في لندن) ابنتهما فريدا. بعد ذلك بعامين ولد نيكولاس. وفي ذلك الوقت كانت العائلة قد انتقلت إلى مزرعة في ديفون. حاولت بلاث بمشاعر من الابتهاج أن تتكيف لكن ولادة أطفالها تسببت في أشهر من العقم الإبداعي والبؤس، وأزعجتها كذلك ذكريات والدها المتوفى. خيانة هيوز أدت في النهاية إلى انفصال الزوجين عام 1962. الأمر الذي أطلق لدى بلاث سيلاً جارفاً من القصائد الكئيبة والمزعجة حول الشر، والتعذيب، والتضحية، والموت. هذه الأعمال المنتصرة والمروعة صنعت اسمها.
غير أن صوت بلاث في الأخير يمكن أن يرى منسجماً بصورة جميلة مع العالم الطبيعي أيضاً. رسمت مشهد قصيدة بعنوان «خراف في الضباب» (1962) مع ملاحظة شارحة تقول إن «حصان المتحدث يمضي بمشية بطيئة وباردة وهو يتحدر على تلة من الحصى نحو إسطبل في الأسفل». في مفتتح هذه القصيدة تلال «تصعد نحو البياض»، يراها المتحدث الذي «تمسك عظامُه بالسكون». إنها تعيد تصور الإدراك المتنامي لدى شخص أو شيء يجدها ناقصة («الناس أو النجوم/ تنظر إليّ بحزن، أخيب أملهم»)، لكن قدراتها المرهفة اللماحة على الملاحظة تلتقط الطريق أمامها لكي تخالف خيبتهم. أو أنهم بالأحرى سيلتقطونها بطريقة تضفي المعنى على شيء يقصر دون التوقع (أحد الأسطر يتألف بأكمله من «أوه هدئ») وهو إنجاز عُبر عنه بما هو أقل منه.
إن هذا ليس صوت الانتقام الذي يحمل الموت كما بالغ البعض في وصفه؛ إنها رائعة من نوع آخر.
لم ترد بلاث لأي شيء أبدعته أن يذهب سدى، كما كتب هيوز في مقدمة أعمالها الكاملة: «حسب علمي، لم تتخلص من أي محاولة شعرية لها». بدلاً من التخلص من نص اتضح لسبب ما أنه غير ناجح، ستحاول أن تجد له شكلاً أو صيغة تجعله يعمل، محولة إياه إلى شيء، بتعبير هيوز، «أرهق قدراتها الإبداعية مؤقتاً». عادة أخرى كانت أن تتصور قصائدها المفردة كما لو كانت أعضاء في مجموعة، ربما أسرة، مجتمعة في كتاب يتغير اسمه وعلاقاته الداخلية باستمرار. لو أنها عاشت فستستمر في تكييف ومضاعفة الأعمال التي وصفتها ذات مرة بأنها ذريتها.
على النقيض من العديد من أولئك الذين كتبوا عن بلاث وهيوز، تتفادى كلارك أن تكون جزءاً من قصتهما. كتابها «المذنب الأحمر»، الذي تزيد صفحاته عن الألف صفحة، يحبكُ بتأنٍ الحياة القصيرة التي يوثقها. نغمته واقعية، متعاطفة بصمت (وليس مع بلاث فحسب)، وبعيدة عن الإثارة. فصول كاملة منه كُرست لإعادة بناء شهر واحد يوماً بيوم، مدمجة في الغالب شهادة من مصادر غير مشهورة. رواية كلارك لحياة بلاث هي الأولى التي استطاعت الاعتماد على كل مراسلاتها المتبقية، سواء التي لم تنشر أو التي اكتشفت مؤخراً، وعلى العشرات من المقابلات التي أجراها معاصروها ونشرتها هارييت روزنشتاين (تهيئة لسيرة لم تكتمل)، المقابلات المحفوظة في أرشيف جامعة إيموري.
تركز كلارك أيضاً أكثر من غيرها على الخلفية العائلية لوالدي بلاث، أوتو (الذي هاجر من بروسيا إلى أميركا في سن السادسة عشرة) وأوريليا (المولودة باسم شوبير)، التي كان والداها نمساويين. هذه سيرة مرخص لها: ورثة بلاث وهيوز سمحوا لكلارك بالاقتباس كما تشاء ومباشرة من المادة المنشورة وغير المنشورة، لذا لم تحتج إلى إعادة صياغة الأقوال المؤكدة أو إلى ما هو غائم في الذاكرة. «المذنب الأحمر» ليس تبجيلاً بصورة مبالغ بها لموضوعه، ولا هو بالمدفوع إلى تقديس التفاصيل المتعلقة بأيام بلاث الأخيرة. إنه سيرة حياة بأفضل وبكل ما في الكلمة من معنى.

* مراجعة لكتاب «المذنب الأحمر: حياة سيلفيا بلاث
القصيرة والملتهبة»
المصدر مجلة «بروسبكت»
(يناير/ فبرير 2021).



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.