نوال نصر الله باحثة عراقية تُبحر في طعام الأولين

في حضرة أطباق «الرافدين» أتمنى لو أني بمعدتين

TT

نوال نصر الله باحثة عراقية تُبحر في طعام الأولين

كل لقمة طيبة أكلَتها نوال نصر الله التي تألقت في ترجمة وتحقيق كتب الطعام في العصور الوسطى، في طفولتها من مطبخ والدتها لا يمكن أن تنساها، ليشبه حالها في افتقادها لزمن جميل، ذلك الفتى المسافر المشتاق لأمه؛ الذي ورد ذكره في أحد النصوص البابلية؛ هذا النص كلما قرأته نوال ذرف قلبها دمعة ملتاعة.
بصعوبة؛ كانت تلهي نفسها باللعب والدراسة إلى حين الانتهاء من تحضير المائدة، مع أنها لم تكن أكولة؛ تكتفي بتناول «الموجود» طالما أنه مطهي بحب وذوق وعناية؛ ورائحته لطيفة ومذاقه جيد.
تقول نصر الله: «كثيراً ما وقفتُ مشدوهةً أمام الطعام وأجوائه في ذلك الوقت، كنا نفترش الأرض، فيما الوسائد تتوزع في الأرجاء بدلاً من الجلوس إلى طاولة، ما زلت أتذكر برودة البلاط في عزّ الصيف والعائلة تلتفّ بمرح وودّ مستمتعين بأطايب الطعام».
لخبزٍ طازج خرج لتوّه من التنور تحنّ؛ ولوعاء هريسة يتكون من عصيدة قمح مغطاة بالسمن الساخن والسكر والقرفة، فيما تذوب شوقاً لرائحة الأرز وهي تفوح من منازل الحي؛ حتى إن العراقيين سمّوه بالعنبر؛ وإلى الآن تشتهي شطيرةً بمخلل «العنبة» الحار، يُحضّر من فاكهة المانجو، فمن حبها لطعمها لم تكن لتأبه بتحذيرات أمها من تناولها، وسيظل شريط الذاكرة محتفظاً بفرحتها كلما اشترت «العنبة» من الباعة لتلتهمها برفقة صويحباتها في طريق العودة من المدرسة.
- سقطات لا يجوز الوقوع فيها
لم تطبخ عائلتها أطعمة باهظة الثمن، إلا أنها كانت أصنافاً تستغرق ساعات لتحضير وصفات المحاشي.
بضحكة مفعمة بعذوبة الحب؛ تحكي لـ«الشرق الأوسط» عن تلك الأيام: «هل سمعتِ عن أحد تمنى لو أن له معدتين! أنا تمنيت ذلك في كل مرة رأيت قِدر الدولمة المحشوة (شاملةً مختلف أنواع الخضراوات النضرة) يُسكب؛ لحظة الحقيقة تتجلى عندما ينبعث البخار وتتدفق النكهات الشهية في كل الجهات».
نوال؛ درّست الأدب الإنجليزي في جامعتي بغداد والموصل؛ وحاز كتابها «لذائذ من جنة عدن» المنشور عام 2003 على شهرة عالية؛ إذ صنّف أنه أفضل كتاب طبخ عربي في المملكة المتحدة؛ حيث روت فيه بعفوية الحكايات الفلكلورية المرتبطة ببعض الوصفات، ما كان دافعاً قوياً لتكرّس حياتها فيما بعد لترجمة كتب الطهي القروسطية، نسبة إلى القرون الوسطى، من العربية إلى الإنجليزية.
وبإلقاء نظرة على كتاب «كنز الفوائد في تنويع الموائد» الذي يحكي عن ثقافة الغذاء في المجتمع المصري ما قبل الحداثة، فمن الواضح أن الشهادات التي قيلت في جهد «مترجمته» لم تكن من قبيل المجاملة، وهذه إحداها: «إن إعداد الكتاب تم بخبرة لغوية وسياقية هائلة؛ ليتجاوز مجرد وثيقة تاريخية لا تقدر بثمن».
تخبرني حول سر التوجه إلى هذا الحقل: «نشأت في بيئة لا تعير الحديث عن الطعام اهتماماً، لكن بعد مجيئي إلى الولايات المتحدة عام 1990 بدأت أصبح قارئة نهمة لكتب ومجلات الطهي، وكأستاذة جامعية في الأدب الإنجليزي كان دائماً يشدني الجزء البحثي، فقررت أن أكتب عن الطعام العراقي لألقي الضوء على الوجه الإنساني لبلادي في وقت كانت تشهد فيه تحولات سياسية كبرى».
البحث في الطعام قد لا يأخذه البعض على محمل الجد كسائر الأجناس العلمية المتعارف عليها، إلا أن نوال تؤكد أن البحوث المتعلقة بالغذاء يشوبها التعقيد كأي مجال بحثي آخر يستحق الاستكشاف؛ ولا سيما حين تضع مجهرها على العادات الغذائية للناس وطرق استخدام الموارد المتاحة لهم؛ والكلام لها.
وبحسب تجربتها؛ فإن التعامل مع المصادر العربية في العصور الوسطى التي تعود إلى 10 قرون؛ يستدعي كثيراً من التقصي لمعرفة معاني بعض المصطلحات وأسماء الأعشاب والنباتات التي لم تعد متداولة في المنطقة أو ما زال الناس يستخدمونها لكن بأسماء جديدة.
استرعى انتباهها أثناء محاولتها العثور على مصادر ومراجع؛ مصادفتها بعض النصوص التي ظلمها الأداء السيئ، فصار لزاماً تنقيحها وتصحيحها، ويظهر امتعاضها في قولها: «أغضب عندما أطالع ترجمة غير كفؤة لكتب قيّمة، وعلى إثرها يتعرض المعنى الذي أراده الكاتب الأصلي للارتباك؛ ثم يلقي عامة الناس باللوم عليه، هذا ليس منصفاً؛ علينا أن نتذكر أن هذه النصوص القادمة من قرون خلت قد نُسخت مراراً وتكراراً، في بعض الأحيان مرّت على (كتبة) لم يكونوا على دراية بلغة الطباخّين قبل مئات الأعوام، فأحدثوا كثيراً من اللبس، لذا أبذل جهدي لجعل النص منطقياً وسليماً ليوافق ما قصده المؤلف».
لقد استحق الأمر أن تنبّه المتخصصون بشأن المرادفات والمسميات، كونها تتغير، ودلالاتها تتطور عبر العصور، ما يتطلب تفرّغاً وأدوات ثقافية ولغوية احترافية، وقدرة على البحث الشامل ومسؤولية علمية حيال النصوص؛ «ولا يمكن القيام بذلك إلا بصبر وحبّ». تبعاً لها.
- عن غابر الزمان
تتبعّت تاريخ نشوء وتطور الوصفات العراقية على مدار قرون، بدءاً من الحضارات السومرية والبابلية، ومروراً بالعصر العباسي والعصور الوسطى، حتى الوقت الحاضر، وفي ذلك تُقدم إسهاباً مليئاً بالمعلومات الغنية لـ«الشرق الأوسط».
ففي بلاد ما بين النهرين كانت الوصفات البابلية التي تعود إلى 1700 عام قبل الميلاد تشهد تنوعاً هائلاً؛ وكان المرق طعامهم الرئيسي؛ حيث تُغلي المكونات من لحم وخضار وأعشاب مع مرقٍ غني بدهن الغنم، ويُثخّن بفتات الخبز بما يشبه «الكشك»؛ وكان البابليون يتفنّنون في تحضير فطائر اللحم، عبر طهي لحوم الطيور في صلصة غنية بالحليب لترصّ داخل العجين.
وتضيف أن خبز التنور كان أساسياً لديهم؛ وهو «الفرن الطيني المقبّب» الذي أطلق عليه السومريون هذا الاسم، ومن ثم انتقل لاحقاً إلى العرب، وبعدها جاء التنور التركي والهندي؛ كما أن الأجداد في سالف الزمان هم من أطلقوا اسم «كباب» وقصدوا به الشواء، أما في العصور الوسطى فكان الناس مُولعين بكرات اللحم التي تحمل اسم «بنادق اللحم»، وقد تناقلتها الأجيال عن طريق سفر العرب إلى أصقاع الأرض.
ومن جهة أخرى، ازدهر المطبخ في العصر العباسي، وورثنا عنه كتابي طهي لكاتبين من بغداد، أحدهما في القرن العاشر لابن سيّار الوراق، والآخر لابن الكريم في القرن الثالث عشر، تفاصيل تواصل سردها: «ذلك العصر اشتهر أيضاً بأطباق المرق المقدمة مع الثريد (الخبز)، وبمجموعة رائعة من (النواشف)، وبعددٍ مذهل من أطباق الحلويات التي أخذناها عنه، مثل الزلابية والقطايف والحلوى المحضّرة من النشا، وتعرف بـ(الخبيص)».
تتطرق إلى العوامل التي غيّرت من طريقة الطهي في المنطقة العربية، ولا سيما العراق؛ بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر؛ ومن أبرزها ظهور محاصيل جديدة مثل الطماطم والبطاطس والفلفل الحار؛ فالحساء - والكلام لها - ما زال طبقاً رئيساً لدينا كما في العصور القديمة، إلا أننا أصبحنا نطهوه مع الطماطم أو الأرز بفضل تقدم التكنولوجيا في زراعة الحبوب.
سألناها عما يتميز به المطبخ العراقي عن باقي مطابخ الشرق الأوسط، وكان جوابها أن العراق يتقاسم كثيراً من الخصائص مع سائر دول المشرق؛ فإن كان المطبخ العربي يميل إلى الوصفات القائمة على الحشوات، مثل كبة البرغل والكوسا المحشية؛ فالمطبخ العراقي يحفل بأطباق فاتنة على هذا الغرار؛ وتقصد بذلك الدولمة العراقية التي لا تقتصر على نوع خضرة واحد، وكذلك الحال بالنسبة لعجينة البرغل المحشوة، والتي تُعرف بـ«كُبة الموصل»؛ وتأخذ عادةً شكل أقراص كبيرة مُسطّحة ورقيقة؛ وإذا نظرنا إلى امتداد ضفاف نهر دجلة فإن شهرة «السمك المسكوف» يُحكى بها؛ «هذا السمك لن تجديه في أي مكان آخر في العالم».


مقالات ذات صلة

«جارك».. تجمع الغرباء للأكل على مائدة واحدة

مذاقات «جارك».. تجمع الغرباء للأكل على مائدة واحدة

«جارك».. تجمع الغرباء للأكل على مائدة واحدة

على مائدة طعام، يتحلّق 14 شخصاً لا يعرفون بعضهم بعضاً، تدور مبادرة «جارك» التي أطلقتها غيدا حلو.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)

«سُو فيلينديو».. أندر معكرونة في العالم تتحدى الزمن بين جبال سردينيا

في أعماق جبال جزيرة سردينيا الإيطالية، لا تزال واحدة من أندر أنواع المعكرونة في العالم تُصنع يدوياً وفق تقاليد تعود إلى قرون.

مات غولدينغ (سردينيا - إيطاليا)
مذاقات أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)

المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

مشهد المطاعم اللبنانية حالياً في لندن متقلب وغير مستقر، حيث سمعنا منذ أيام قليلة عن إقفال عدد كبير من مطاعم «مروش» التي تُعد من أبرز الأسماء التي ساهمت في...

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

لا يكاد مطبخ في العالم يخلو من الملح، ذلك المكون البسيط الذي يملك قدرة استثنائية على إبراز النكهات ومنح الأطعمة توازناً محبباً.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)

السعودية في مهرجان «نكهة لندن»

تستضيف لندن مهرجان «تيست أوف لندن» أو «نكهة لندن» أحد أبرز الفعاليات العالمية المتخصصة في فنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«جارك».. تجمع الغرباء للأكل على مائدة واحدة

جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)
جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)
TT

«جارك».. تجمع الغرباء للأكل على مائدة واحدة

جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)
جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)

على مائدة طعام، يتحلّق 14 شخصاً لا يعرفون بعضهم بعضاً، تدور مبادرة «جارك» التي أطلقتها غيدا حلو.

في لبنان، أمثلة كثيرة تُظهر أهمية العلاقات بين الجيران، إذ لطالما شكَّلت الأحياء والعمارات مساحة تواصل إنساني. كان الجيران يتبادلون الزيارات و«الصبحيات»، ويتشاركون موائد الغداء والعشاء. وحتى عند تحضير طبق لذيذ أو حلوى منزلية، لا يغيب الجار عن البال، فيُخصَّص له صحن محمّل بالمحبة.

من هذه الخلفية الاجتماعية تنطلق غيدا حلو، التي اعتادت في قريتها رؤية الجيران في منزل أهلها كجزء من الحياة اليومية. ومع انتقالها إلى بيروت لمتابعة دراستها الجامعية، قررت نقل هذا التقليد إلى المدينة. وتروي: «لم أكن أعرف أحداً في بيروت، كانت حياتي تسير بوتيرة روتينية. وفي أحد الأيام، في أثناء عودتي من الجامعة إلى المنزل في سيارة أجرة، اكتشفت أن زميلة لي تسكن في الحي نفسه وفي العمارة عينها. كنا جارتين من دون أن نعلم».

جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)

تساءلت غيدا: لماذا لا نستحدث مساحات نتعرّف فيها إلى أشخاصٍ جددٍ ونتبادل خبراتنا الحياتية، ونخلق علاقات تشبهها وصديقتها: «فكرت بإقامة نشاطات ومعارض وورشات تعليمية صغيرة. فأكوِّن بذلك مجتمعاً يكون بمثابة نموذج للشراكة وتبادل علاقات إنسانية مفيدة، يسهم في تطوير المهارات على أنواعها».

مع صديقتها، قررتا في عام 2018 المشاركة في مسابقة أطلقتها جامعة «ESA» في بيروت. وتوضح غيدا: «كان الهدف من المسابقة تقديم مشروع يسهم في تحريك وتطوير المدينة. لكنني وصديقتي رغبنا في طرح فكرة تتعلّق بالعلاقات الاجتماعية».

وتتابع: «فزنا بالمسابقة وحصلنا على مبلغ 5 آلاف دولار، على أمل ترجمة المشروع إلى واقع تحت اسم (جارك). لكن الأزمة الاقتصادية سرعان ما نسفت الحلم، بعد الاستيلاء على أموال المودعين من قبل المصارف».

وُلدت مبادرة «جارك» خلال جائحة «كورونا» (الشرق الأوسط)

تمسَّكتْ غيدا بمشروعها رغم هجرة صديقتها، لتتبلور فكرته بشكل أوضح خلال فترة الجائحة. وفي أثناء إقامتها في قريتها، أطلقت صفحةً إلكترونيةً خاصةً بالمبادرة، وبدأت من خلالها بدعوة الأصدقاء إلى التلاقي.

تقول: «تعرَّفت عبرها إلى مجموعات كبيرة من الناس انضمّت إلى (جارك) أونلاين».

وخلال سنتيّ الجائحة، تطوّر المشروع ونما، وتوسعت حلقات التلاقي لتشمل لبنانيين مقيمين في كندا وأوروبا وبلدان عربية.

ومع عودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها، راحت غيدا تنظّم ورش عمل، وتدعو الأصدقاء للمشاركة فيها. وتوضح: «هي ورش فنية وثقافية تتضمَّن معارض، إضافة إلى دعوات على الغداء أو العشاء».

كبرت هذه الحلقات لتخصّص لها أسواق مونة، وأخرى تُقام في مناسبات الأعياد. ومن موسم لآخر، تدعو غيدا 14 شخصاً إلى مائدة عشاء؛ بهدف توطيد العلاقات الاجتماعية في المدينة. وتشرح: «كنت أهدف إلى توثيق العلاقات الإنسانية عبر (جارك)، فصرت أدعو بين فترة وأخرى أشخاصاً لا يعرفون بعضهم بعضاً لتناول العشاء في منزلي. يساعدني في تحضير المائدة شيف لبناني، مع اختيار لائحة طعام ذات طابع محدّد».

مائدة «جارك» لتعزيز التواصل الإنساني بعيداً عن الـ«سوشيال ميديا» (الشرق الأوسط)

في التجربة الأولى، أعدّت غيدا إفطاراً مغربياً في شهر رمضان. وفي مرة أخرى، حضَّرت أطباقاً لبنانية كلاسيكية وتقليدية. وتروي: «منذ أيام قليلة، أعددنا مائدة طعام ترتكز على الحمضيات، فنحن في موسم الشتاء، وهي تنمو فيه، كما تساعد على التصدّي للرشح وأمراض البرد».

وتألّفت لائحة الطعام من حساء بالحوامض مع العدس، وطبق أساسي لبناني شهير هو «الكبّة الأرنبية»، المُحضَّرة بصلصة الطحينة والحامض أو «البوصفير»، وكانت محشوة بجبن الشنكليش. كما ضمَّت المائدة طبق سلطة من خضار موسم الشتاء، فيما جاءت الحلوى على شكل كيك نباتي مع صلصة بنكهة الليمون الحامض. ووقّع هذه الأطباق الشيف هشام أسعد.

تعلّق غيدا: «تعرَّفت إلى الشيف هشام منذ أيام الجائحة، وعندما طلبت منه مشاركتي في العشاء الأخير وافق من دون تردّد».

وتنوي غيدا تنظيم مائدة طعام جديدة مع أشخاص جدد مع بداية فصل الربيع. أما المدعوون، فتختارهم بعناية ليكونوا متجانسين ويشعروا بالراحة، بعضهم ينتمي إلى مشروع «جارك» فيدعون بدورهم أصدقاء لهم.

تقول: «في النهاية، أنا أدعوهم إلى منزلي في منطقة الأشرفية، وأحب أن يشعروا وكأنهم يتناولون الطعام في بيوتهم الخاصة».

وخلال هذه اللقاءات، يحصل التعارف بين الضيوف. فتُطرح أحياناً أسئلة تستحضر ذكريات بيروت الجميلة. وأحياناً أخرى يتم التعرّف إلى عادات وتقاليد رائجة في بلدات لبنانية.

وتضيف غيدا حلو: «أغتنم الفرصة أيضاً لتقديم أطباق بمكوّنات صحية، وأستعين بمجموعة من الحرفيين اللبنانيين العاملين في تحضير المونة، وآخرين يملكون مواهب في الرسم والتطريز وغيرها من الأعمال اليدوية. فهدفي الأساسي من مبادرة (جارك) هو تمكين التواصل المباشر بين الناس، بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعي».

وتضيف غيدا متحدثة عن حصيلة هذه المبادرة الإنسانية: «حقّقت ربحاً معنوياً ومادياً في آن. هناك أصحاب إنتاجات محلية وحرفيون يقدِّمون أعمالاً رائعة لكنهم غير معروفين. سلّطت الضوء عليهم وأسهمت في التعريف بهم من خلال الأسواق والمعارض».

وتختم: «كما أحرص دائماً على الاعتماد على أسواقنا المحلية لإعداد الطعام بمكوّنات عضوية. كل ذلك يشعرني بالامتنان، وبأن (جارك) تشقّ طريقها بقوة، تماماً كما تمنّيت».


«سُو فيلينديو».. أندر معكرونة في العالم تتحدى الزمن بين جبال سردينيا

باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)
باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)
TT

«سُو فيلينديو».. أندر معكرونة في العالم تتحدى الزمن بين جبال سردينيا

باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)
باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)

في أعماق جبال جزيرة سردينيا الإيطالية، لا تزال واحدة من أندر أنواع المعكرونة في العالم تُصنع يدوياً وفق تقاليد تعود إلى قرون. ويُعرف هذا الطبق باسم «سو فيلينديو»، ويُنظر إليه باعتباره أندر أشكال المعكرونة بين أكثر من 350 شكلاً معترفاً به رسمياً في إيطاليا.

وتُعد باولا أبرايني واحدة من قلة قليلة ما زالت تتقن هذه الحرفة النادرة، مؤكدة أن اندثارها سيعني فقدان جزء من هوية الجزيرة الثقافية.

فمن خلال عملية شدّ يدوية دقيقة، تتحول كرة واحدة من العجين إلى 256 خيطاً بالغ الرقة، وهي عملية متقنة أثبتت صعوبة نقلها إلى الأجيال الشابة. وكل تفصيل في «سو فيلينديو» له أهميته، بما في ذلك ارتباطها الوثيق ببيئتها المتوسطية المحيطة. وقالت أبرايني: «عندما تُجفف تحت أشعة الشمس تصبح خفيفة وذات لون ذهبي».

الباستا النادرة في إيطاليا (نيويورك تايمز)

وقبل عشرين عاماً فقط، كانت أبرايني من بين آخر الحراس لهذا التقليد المهدد بالاندثار، إلا أن جهودها الدؤوبة في تعليم الأجيال الجديدة أسهمت في إنقاذه من حافة الاختفاء.

وعلى مدى معظم تاريخها الممتد لقرون، انتقلت أسرار صناعة «سو فيلينديو» عبر مجموعة من النساء في مدينة نوورو الواقعة في الداخل الجبلي للجزيرة، حيث تعلمت أبرايني هذه الحرفة من حماتها وهي في السادسة عشرة من عمرها.

وبينما تُفرد معظم أنواع المعكرونة اليدوية في إيطاليا باستخدام عصا خشبية تُعرف باسم «ماتاريلو»، فإن كل عملية شدّ لعجين «سو فيلينديو» تقلل عرض الخيوط إلى النصف وتضاعف عددها.

من مراحل تصنيع الباستا النادرة في إيطاليا (نيويورك تايمز)

وبعد تكرار العملية ثماني مرات، يصل العدد إلى 256 خيطاً كما تقتضي الوصفة. ويتطلب هذا المستوى من الدقة مكوناً أساسياً غير سري تماماً هو الملح، الذي يقوي شبكة الغلوتين في الدقيق ويمنح العجين المرونة اللازمة لتمديده إلى هذا الحد من الرقة.

ولا يمكن تعلم هذه الحرفة من خلال الوصفات المكتوبة وحدها، بل تتطلب سنوات من الممارسة والخبرة العملية حتى تتمكن أطراف الأصابع من التمييز بين الدرجة المثالية والخطأ البسيط.

كما يتطلب إتقانها السيطرة على متغيرات كثيرة، منها تأثير المياه العسرة مقارنة بالمياه غير العسرة، وتوقيت إضافة محلول الملح، وكيفية التكيف مع الظروف الجوية. وقد جعل هذا المستوى من الالتزام كثيراً من الشابات المحليات يعزفن عن تعلمها.

وقد جاء كثيرون إلى نوورو لتعلّم هذه الصناعة الدقيقة، لكن القليل فقط تمكنوا من النجاح فيها. وحتى خبراء شركة بارِيلا، أكبر شركة معكرونة في العالم، لم يتمكنوا من فك أسرار هذه الخيوط.

باستا نادرة تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)

وترتبط «سو فيلينديو» ارتباطاً وثيقاً بموطنها في سردينيا، وهي بيئة قليلة السكان تزخر بالنباتات الخضراء والمتحدرات الصخرية الحادة والطعام الريفي والإيمان الراسخ.

وقد تشكّل جزء كبير من تاريخ الجزيرة وثقافتها بفعل العزلة، ولا يظهر ذلك بوضوح أكبر من مدينة نوورو، التي وصفتها الكاتبة غراتسيا ديليدا، الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 1926، بأنها «أكثر مدن الجزيرة ثقافة ونضالاً».

وفي قلب هذه الثقافة تقف رحلة حج كاثوليكية تُقام مرتين سنوياً، وتنطلق من كنيسة روزاريو في نوورو خلال شهري مايو (أيار) وأكتوبر (تشرين الأول).

فعند منتصف ليل الأول من مايو، ينطلق مئات الحجاج من نوورو، ويقطعون معاً أكثر من 20 ميلاً عبر تضاريس جبلية للوصول إلى كنيسة سان فرانشيسكو دي لولا في قرية لولا. ويسافر بعضهم ضمن مجموعات من الأقارب والأصدقاء يتبادلون القصص والأحاديث حتى ساعات الليل المتأخرة، بينما يفضل آخرون خوض رحلة تأمل فردية في الظلام.

هذا النوع من الباستا مرتبط بتقاليد إيطالية تاريخية (نيويورك تايمز)

وتصل أولى مجموعات الحجاج إلى مزار سان فرانشيسكو دي لولا مع شروق الشمس فوق القمم الكلسية لسلسلة مونتي ألبو الجبلية، لتغدو الرحلة الروحية مغمورة بضوء النهار.

وتقول الروايات المحلية إن قاطع طريق في القرن السابع عشر اتُّهم زوراً بجريمة قتل. وبعد تبرئته، بنى كنيسة خارج قرية لولا وكرسها للقديس فرنسيس الأسيزي، المدافع عن الفقراء وحامي الطبيعة.

وتثير الرحلة الليلية طيفاً واسعاً من المشاعر لدى حجاج سردينيا، من الفرح والأمل إلى الوقار والتطهر الروحي. ويحتمل الحجاج مشقة الطريق، فيما يرد المجتمع المحلي بكرم ضيافة يعيد إليهم نشاطهم عبر الماء والقهوة وحمامات القدمين، وأخيراً طبق من المعكرونة.

وإذا سألت الحجاج عن سبب قيامهم بهذه الرحلة، فستحصل على إجابات مختلفة: من أجل الإيمان، أو الفخر، أو شخص عزيز، أو الرياضة، أو بالطبع من أجل المعكرونة. لكن أمراً واحداً يكاد يجمع عليه معظمهم: هنا تبلغ «سو فيلينديو» أفضل مذاق لها.

ولقرون طويلة، كانت هذه المعكرونة تُقدم حصرياً في سان فرانشيسكو دي لولا. لكن بعض مطاعم سردينيا بدأت في السنوات الأخيرة بتقديمها خارج إطار الحج. ومع ذلك، يبقى للسياق أهميته؛ فالمذاق لا يكون نفسه عندما تُؤكل في أي وقت آخر بعيداً عن مسيرة جبلية استمرت طوال الليل. فالعبرة تكمن في الجهد المبذول، سواء في إعداد المعكرونة أو في الرحلة للوصول إليها.

ويفوق عدد الأغنام، التي يعيش كثير منها في تلك الجبال نفسها، عدد سكان سردينيا بنسبة اثنين إلى واحد.

وتؤدي الأغنام دوراً محورياً في ثقافة الجزيرة ومطبخها، بما في ذلك استخدامها أساساً لمرق «سو فيلينديو».

ويتطلب إعداد الطبق جهود مجتمع كامل، لكن توزيع الأدوار في مطبخ سان فرانشيسكو دي لولا واضح: الرجال يُعدون المرق، والنساء يطهين المعكرونة ويباركنها. وقبيل التقديم مباشرة تُضاف مكعبات طرية من جبن حليب الأغنام إلى المرق. والنتيجة النهائية أكثر نعومة مما قد يوحي به هذا المزيج؛ فهي عطرية ولطيفة وتميل إلى الحلاوة الخفيفة.

وعلى مدى ثلاثة قرون، ظل الحج وطبق «سو فيلينديو» مرتبطين ارتباطاً لا ينفصم. وتكمن قوة هذه الرحلة في التوازن بين العزلة والتواصل، والتضحية والضيافة، والألم والبهجة. وبينما واظب بعض الحجاج على تناول عشرات الأطباق من «سو فيلينديو» على مدى عقود، يبدأ آخرون اليوم أولى خطواتهم في هذه الرحلة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
TT

المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)

مشهد المطاعم اللبنانية حالياً في لندن متقلب وغير مستقر، حيث سمعنا منذ أيام قليلة عن إقفال عدد كبير من مطاعم «مروش» التي تُعد من أبرز الأسماء التي ساهمت في ترسيخ حضور المطبخ اللبناني في العاصمة البريطانية على مدى أكثر من أربعة عقود. وجاء هذا الخبر بعد اختفاء أسماء معروفة أخرى من الساحة اللندنية مثل «عبد الوهاب» و«نورا»، وهي مطاعم لعبت دوراً أساسياً في التعريف بالمطبخ اللبناني واستقطاب أجيال من الزبائن من العرب والبريطانيين على حد سواء.

ديكورات تذكرك ببيوت لبنان العتيقة (الشرق الأوسط)

لكن الصورة ليست سوداوية بالكامل، فبالتوازي مع هذه الإغلاقات، تشهد لندن افتتاح مطاعم لبنانية جديدة تسعى إلى تقديم تجربة مختلفة تجمع بين الأصالة والحداثة، ومن بينها مطعم «كينز» وغيره من المشاريع التي تعكس استمرار جاذبية المطبخ اللبناني وقدرته على التجدد. وبين أفول أسماء صنعت تاريخاً طويلاً وولادة علامات جديدة تحمل رؤى مختلفة، يبرز سؤال جوهري حول التحولات التي يشهدها قطاع المطاعم اللبنانية في لندن ومستقبله في سوق تتغير ملامحه باستمرار، مع إقرار بأن البقاء سيكون للأقوى بينها. وفي ظل هذا المشهد، أصبح افتتاح أي مطعم لبناني جديد يحمل رؤية واضحة حدثاً يستحق التوقف عنده. من هنا يأتي مطعم «كينز» (Kinz) في منطقة نوتينغ هيل، الذي يسعى إلى إعادة تقديم المطبخ اللبناني كما يعرفه أبناؤه: مطبخاً قائماً على المشاركة والكرم والنكهات الأصيلة، ولكن ضمن إطار عصري يواكب الذائقة اللندنية المعاصرة.

الكبة من الأكلات اللذيذة في "كينز" (الشرق الأوسط)

كنا من بين أوائل الزوار الذين قصدوا «كينز» بعد يومين فقط من افتتاحه. والمفارقة أن اللافتة الخارجية للمطعم لم تكن قد رُكبت بعد، إلا أن ذلك لم يمنع عشاق الطعام من العثور على العنوان الجديد. فالمكان كان مكتظاً بالكامل، فيما تنوعت جنسيات الحاضرين في مشهد يعكس الفضول الكبير الذي أثاره المطعم منذ أيامه الأولى.

ويحتل المطعم مبنى تاريخياً كان سابقاً فرعاً لبنك «لويدز» يعود إلى ثلاثينات القرن الماضي، من تصميم المعماري البريطاني الشهير السير إدوارد موف. وقد نجح القائمون على المشروع في الحفاظ على الكثير من الملامح المعمارية الأصلية للمبنى، مع إعادة توظيفها ضمن تصميم داخلي أنيق يجمع بين الحداثة والتراث، واللافت هو أن هناك تفاصيل صغيرة تعيد إلى ذاكرة اللبنانيين حيثيات صغيرة يرونها كل يوم في شوارع بيروت ودكاكينها مثل الخيم المقلمة التي تظلل مدخلها وواجهاتها وأرضية وبلاط بيوتها القديمة الأملس من كثرة المشي عليه، فيُخيَّل للناظر أن الزمن أذابه من كثرة المشي عليه، والزهرة التي رسمت على فناجين القهوة التراثية التي حولها «كينز» إلى شعار على شكل دبوس يضعه الندل على زيهم وأسياخ توضع عليها المشويات.

ديكور بسيط وجميل (الشرق الأوسط)

منذ اللحظة الأولى يلفت الانتباه المدخل الواسع والأسقف المرتفعة التي تمنح المكان إحساساً بالرحابة. كما جرى الحفاظ على عدد من التفاصيل الأصلية في الجدران، ومنها بقايا كلمات إنجليزية تعود إلى متجر كان ملاصقاً للبنك في الماضي، في لمسة تضيف بعداً تاريخياً للمكان.

ويقود سلم طويل إلى الطابق العلوي حيث تتوزع جلسات مريحة تطل على القاعة الرئيسية، بينما يوفر الطابق الأعلى مساحة أكثر خصوصية للراغبين في أجواء هادئة. وعلى امتداد السلم تتزين الجدران بصور فوتوغرافية كبيرة توثق مشاهد من لبنان بعدسات مصورين محليين.

جلسات جميلة ومتوزعة بشكل مريح (الشرق الأوسط)

أما أبرز مفاجآت التصميم فتتمثل في غرفة الطعام الخاصة الموجودة في الطابق العلوي، والتي تتسع لمجموعة محدودة من الضيوف. وتلفت الأنظار فيها وحدات الإضاءة المصممة على شكل أزهار بيضاء، والتي قامت شركة لبنانية بتصميمها وتنفيذها في بيروت خصيصاً لهذا المشروع.

وعند العودة إلى الطابق الأرضي، تبدو العناية بالتفاصيل واضحة في توزيع الطاولات؛ إذ تفصل بينها مساحات مريحة تتيح للزبائن الاستمتاع بوجباتهم من دون الشعور بالازدحام. كما تسود المكان ألوان هادئة مستوحاة من طبيعة البحر المتوسط وحقول الزيتون.

أما لمن يرغب في استكشاف تاريخ المبنى، فيمكنه اختيار الجلوس داخل الغرفة الخلفية التي كانت في السابق خزنة البنك. ولا يزال الباب الحديدي السميك والثقيل قائماً حتى اليوم، شاهداً على الوظيفة الأصلية للمكان قبل تحوله إلى أحد أكثر العناوين الجديدة إثارة للاهتمام في نوتينغ هيل.

أصحاب مطعم "كينز" الجديد (الشرق الأوسط)

ويقف وراء المشروع رشا خوري بروزو، الشريكة المالكة لمطعم «أكوب»، بالتعاون مع الشقيقين جاد وكريم لحود، في رؤية مشتركة ترتكز على الكرم والدفء العائلي وتقاليد الضيافة اللبنانية الأصيلة.وتعتمد قائمة الطعام على مفهوم المشاركة، حيث تنقسم الأطباق بين مجموعة من المقبلات اللبنانية التقليدية وأطباق رئيسية أكبر حجماً مستوحاة من وصفات توارثتها الأجيال.

وفي حديث مع رشا خوري بروزو وجاد لحود، أوضحت رشا أن الفكرة الأساسية للمطعم تقوم على تقديم أطباق لبنانية تشبه «أكل البيت» بأسعار معقولة. وقالت إنها لا تؤمن بالمبالغة في أسعار الطعام إلى درجة تحول دون تمكين الناس من الاستمتاع بمكونات جيدة وأطباق محضرة بعناية.

من جهته، أوضح جاد لحود أن معظم الوصفات المدرجة على قائمة الطعام تعود إلى والدته إيلين لحود، التي لا تزال تشرف بنفسها على إعداد عدد من الأطباق داخل المطبخ، بمساعدة فريق متعدد الجنسيات، حفاظاً على النكهة المنزلية الأصيلة التي يقوم عليها مفهوم المطعم.

ويولي «كينز» اهتماماً خاصاً بالأطباق النباتية المستوحاة من مطبخ القرى اللبنانية. ومن أبرزها فتة الباذنجان الغنية باللبن والرمان والمكسرات والخبز المقرمش، إضافة إلى الملفوف المحشي.

وعند المدخل، سيكون بإمكان الزوار شراء المأكولات الجاهزة مثل الكبة والفطاير وخلطات التوابل والمعلبات المنزلية.

ديكورات جميلة وبسيطة بنفس الوقت (الشرق الأوسط)

وعندما سألنا رشا وجاد عن شعورهما بعد الإقبال الكبير الذي شهده المطعم خلال أيامه الأولى، بدت الدهشة واضحة على وجهيهما. وقالت رشا: «الأمر لا يصدق. لا توجد حتى الآن لافتة تحمل اسم المطعم فوق الباب، ومع ذلك لم نكن نتوقع هذا الكم من الزبائن. بعض الأطباق نفدت اليوم لأننا لا نخزن الطعام ولا نثلجه، وكل شيء يُحضّر طازجاً وفي وقته».

ومن التفاصيل المحببة أيضاً أن المطعم يحيي جانباً من الثقافة الاجتماعية اللبنانية من خلال دمج طاولات الزهر والطاولة في تصميم البار وبعض المساحات المشتركة، في استحضار لذكريات الجلسات الطويلة التي تجمع الأهل والأصدقاء.

غرفة طعام خاصة للمجموعات الباحثة عن الخصوصية (الشرق الأوسط)

ويحمل المطعم اسم «كينز» أو «كِنز» بكسر الكاف، في إشارة إلى الكنز الثقافي والغذائي الذي يمثله المطبخ اللبناني. وهو اسم يعكس فلسفة المشروع القائمة على الحفاظ على الوصفات التقليدية والنكهات الأصيلة، مع تقديمها برؤية معاصرة تناسب جمهور لندن المتنوع.

في وقت أصبحت فيه المطاعم اللبنانية المتميزة أقل عدداً مما كانت عليه في السابق، يبدو «كينز» إضافة مرحَّباً بها إلى المشهد الغذائي في العاصمة البريطانية. فالمطعم لا يراهن على الفخامة أو الاستعراض بقدر ما يراهن على وصفات عائلية صادقة، ومكونات جيدة، وأجواء تذكر بزمن كانت فيه مائدة الطعام اللبنانية مساحة للقاء والمشاركة والكرم. وربما لهذا السبب بالتحديد، امتلأت طاولاته منذ أيامه الأولى.