الغش الغذائي... آلاف الوفيات وخسائر بـ50 مليار دولار سنوياً

إتلاف كميات من الأغذية في صنعاء مقدمة من منظمة الأغدية التابعة للأمم المتحدة بسبب انقضاء مدة صلاحيتها (أ.ف.ب)
إتلاف كميات من الأغذية في صنعاء مقدمة من منظمة الأغدية التابعة للأمم المتحدة بسبب انقضاء مدة صلاحيتها (أ.ف.ب)
TT

الغش الغذائي... آلاف الوفيات وخسائر بـ50 مليار دولار سنوياً

إتلاف كميات من الأغذية في صنعاء مقدمة من منظمة الأغدية التابعة للأمم المتحدة بسبب انقضاء مدة صلاحيتها (أ.ف.ب)
إتلاف كميات من الأغذية في صنعاء مقدمة من منظمة الأغدية التابعة للأمم المتحدة بسبب انقضاء مدة صلاحيتها (أ.ف.ب)

تسببت جائحة «كورونا» (كوفيد - 19) في قطع سلاسل التوريد وإنقاص المعروض من المنتجات خلال الأشهر الماضية. وترافق ذلك مع ارتفاع الطلب والأسعار إلى أعلى المستويات، مما سهل للمنتجات المزيفة والمغشوشة التسلل إلى الأسواق مستفيدةً من تهافت الكثيرين على الشراء.
ففي الكويت مثلاً، ضبطت وزارة التجارة والصناعة مع نهاية سنة 2020 ما وصفته بأنه أكبر عملية غش وتقليد للمواد الغذائية في تاريخ البلاد. وأشارت الوزارة في بيانها الرسمي إلى أنها نجحت في رصد وضبط نحو 52 ألف علبة تحمل شعار ماركة مكعبات طبخ عالمية أثناء بيعها للمحلات التجارية من دون فواتير. كما رصدت مؤخراً في أسواق متعددة حول العالم منتجات غذائية لبنانية تقليدية معلبة منخفضة الجودة، تحت أسماء مزورة لأصناف تاريخية مشهورة.
ورغم الحوادث الكثيرة في جميع أنحاء العالم، قلما كان الرأي العام ينشغل طويلاً بحوادث الاحتيال الغذائي التي تشمل الغش في مكونات أو نوعية أو صلاحية أو منشأ المنتج، وفي كثير من الحالات تزييف المنتج بكامله. ولمواجهة هذا الاحتيال، تعمل مؤسسات حماية المستهلك والهيئات الرسمية الرقابية على تطوير أدواتها لتحديد المجرمين الذين يعبثون بسلامة الغذاء بهدف تحقيق مكاسب مادية على حساب صحة المستهلكين.
وتنطوي المنتجات الغذائية المزيفة على خسائر اقتصادية باهظة ومخاطر كبيرة على الصحة العامة. ويستغل المحتالون التقدم العلمي والتقني لتصنيع أطعمة مزيفة على نحو متقن لا يمكن تمييزها في المظهر والمذاق عن الأغذية المعدة من منتجات طبيعية أصلية.
وكانت رابطة مصنعي منتجات البقالة في الولايات المتحدة قدرت الخسائر المالية نتيجة الغش في المواد الغذائية بما بين 10 إلى 15 مليار دولار في سنة 2010. وتشير تقديرات أحدث إلى أن قيمة الخسائر السنوية تصل إلى 50 مليار دولار على مستوى العالم. ومع ذلك، تبقى خسائر الغش الغذائي قليلة الشأن بالمقارنة مع مخاطره الصحية.
في منتصف 2008، لوحظ حصول ارتفاع في معدلات إصابة الأطفال الرضع في الصين بالحصيات الكلوية والفشل الكلوي. وجرى ربط هذه الزيادة مع قيام 22 شركة صينية بإضافة مركب الميلامين عمداً إلى بودرة الحليب المجفف التي تنتجها، وذلك بهدف زيادة محتواها من النيتروجين، مما يؤشر ظاهرياً إلى محتوى أعلى من البروتين يسمح لها باجتياز اختبار مراقبة الجودة. وقد بلغ عدد المتضررين بهذا الاحتيال 300 ألف طفل، وتوفي 6 أطفال بسبب حصيات وقصور كلوي، ونقل 54 ألف طفل إلى المشافي لتلقي العلاج.
ومن مآسي الاحتيال الغذائي كارثة استخدام زيت بذور اللفت المعد للاستخدام الصناعي كزيت قلي في إسبانيا، مما أودى بحياة نحو ألف شخص عام 1981. وفي كل سنة، تتكرر حوادث الوفاة نتيجة غش المشروبات بكحول الميثانول، الذي يقتل الآلاف من سكان الدول الفقيرة. وقد سجلت منظمة «أطباء بلا حدود» زيادة كبيرة في حالات التسمم بالميثانول خلال سنة 2020 نتيجة النصائح المضللة حول الوقاية من الإصابة بفيروس كورونا.
وتواجه مختبرات الرقابة على الغذاء، حتى في الدول المتقدمة، مصاعب في مواكبة أساليب الغش. ففي حادثة الحليب الصيني مثلاً، لم تتح الأساليب التقليدية كشف تعزيز محتوى الحليب بالنيتروجين. وتطلب اكتشاف الغش استخدام تقنيات محددة مثل جهاز تحليل الغازات الطيارة أو جهاز الفصل اللوني للسوائل مع قياس طيف الكتلة. ولا تسمح هاتان التقنيتان بتحري أساليب غش الحليب الأخرى بتعزيز النيتروجين.
وفي كثير من حالات خلط اللحوم البقرية بأنواع لحوم أرخص أو تزييف شرائح بعض أنواع الأسماك بأنواع أخرى أقل جودة، يتعذر كشف الغش من دون القيام بتحليل للحمض النووي لتحديد الأنواع.
وكان المحتالون اعتادوا تقليدياً على إضافة شراب الذرة لغش العسل. وتستطيع المختبرات تمييز هذه الإضافة عبر تحليل نسب نظائر الكربون المستقرة. ولتجنب اكتشاف هذا الغش، يقوم المحتالون الآن بتعديل نسب نظائر الكربون عبر إضافة عصائر أخرى للعسل المغشوش كشراب الرز، ويتطلب اكتشاف الغش في هذه الحالة أساليب أكثر تعقيداً كالرنين المغناطيسي النووي.
في نهاية 2020، أعلن مركز العلوم والبيئة في نيودلهي أن 10 من أصل 13 (77 في المائة) من العلامات التجارية الهندية تبيع العسل المغشوش بشراب السكر الاصطناعي (الذرة والشمندر والرز وقصب السكر) المستورد من الصين. وجاء هذا الإعلان في أعقاب سلسلة من الاختبارات باستخدام الرنين المغناطيسي النووي أجريت في ألمانيا، حيث لم تتمكن المختبرات الهندية من كشف الغش.
وتتضافر جهود علماء الكيمياء التحليلية حول العالم لتشكيل تحالفات في وجه مافيات تزييف الغذاء الدولية. ومن بين التحالفات الجديدة مشروع مشترك بين الاتحاد الأوروبي والصين يهدف إلى حشد الموارد لصياغة رؤية موحدة حول سلامة الأغذية وأصالتها، بمشاركة 33 منظمة بحثية تعمل في مكافحة الغش الغذائي، وبناء قواعد البيانات لتتبع حالات الاحتيال المثبتة.
وتعتبر معايير سلامة الغذاء الأوروبية من بين الأعلى عالمياً بفضل تشريعات الاتحاد الأوروبي التي تضمن سلامة الغذاء للمستهلكين. ويعد نظام الإنذار السريع للأغذية والأعلاف التابع للاتحاد أداةً رئيسيةً لضمان تدفق المعلومات وتمكين الاستجابة السريعة عند اكتشاف المخاطر على الصحة العامة في السلسلة الغذائية. ويتيح هذا النظام، الذي بدأ في 1979، مشاركة المعلومات بكفاء بين الدول الأعضاء، ويمكن أن تؤدي المعلومات الحيوية التي يتم تبادلها إلى سحب المنتجات من الأسواق.
وترتبط الدول العربية بالشبكة الدولية للسلطات المعنية بالسلامة الغذائية (إنفوسان)، التي تأسست في 2004 وتديرها منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو) للتشجيع على تبادل المعلومات بشأن السلامة الغذائية. وفي دول مجلس التعاون الخليجي، يوفر نظام الإنذار الخليجي السريع للأغذية والأعلاف آلية للتبليغ عن السلامة الغذائية في الإقليم، بما يدعم نظم الإنذار الوطنية.
وإلى جانب أنظمة الكشف المبكر والإنذار عن الغش، يمكن التخفيف من الاحتيال الغذائي باتباع سياسات تلحظ تحسين العلاقة مع الموردين، وتطبيق إجراءات تدقيق فعالة، والاستثمار في تقنيات الكشف عن الغش بأجهزة محمولة تعطي نتائج فورية بلا حاجة لنقل العينات إلى المختبر، وتبادل المعلومات بين أصحاب المصلحة من القطاعين العام والخاص. هذا النهج الاستباقي والاستثمار في الابتكارات والتقنيات الجديدة يسمح لسلاسل التوريد بتقليل المخاطر وتحسين سلامة الغذاء وضمان صحة المستهلك ورفاهيته على نحو أفضل.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».