يحمل رحيم (بل نَن) جهاز راديو ثقيلا طوال الوقت في «افعل الشيء الصحيح»، فيلم سبايك لي الذي تمر مناسبته الخامسة والعشرين هذه الأيام. لذلك اكتسب وصف «راديو رحيم» كاسم له. وهو قابل بذلك. في المشاهد التي يظهر فيها بسرواله الواسع وقميصه «التي شيرت» نراه حاملا الجهاز على كتفه يسير في شوارع حي بروكلين النيويوركي والأغنية التي يداوم سماعها هي أغنية وردت في فيلم أنجزه جيّدا ويليام أ. ولمان سنة 1931 بعنوان «عدو الشعب» أو Public Enemy. عنوان الأغنية هو: «قاتل السلطة».
عدا ذلك، فإن رحيم شخص هادئ ويكاد يكون محبوبا. عندما يدخل محل البيتزا لصاحبه الإيطالي سال (داني أييلو) لا يصرخ متسائلا عن سبب عدم وجود صورة شخصية أفرو - أميركية سوداء واحدة على جدران المطعم أسوة بكل الصور البيضاء بل يتحدّث بنبرة عادية. لا يفقد رحيم أعصابه إلا لاحقا عندما يهاجمه رجال البوليس فيقاومهم بكل ما عنده من قوّة بدنية، لكنه يموت في محاولته الجسورة. الحياة تستمر.
«افعل الشيء الصحيح» هو من أعمال المخرج الأفرو - أميركي سبايك لي الأولى والأفضل إلى اليوم. وإذا ما أتيح له العرض مجددا، كما هي النية، فإنه سيبدو، برسالته المناوئة للعنصرية، كما لو أنه أنتج وصوّر في غضون الأشهر القليلة السابقة.
مع وجود «سلما» Selma الذي يطرح المشكلة العنصرية ذاتها المسحوبة من عمق التاريخ الأميركي في العروض العالمية اليوم، فإن الموضوع الاجتماعي الأكثر تكرارا وإلحاحا في السنوات الأخيرة ما زال الموضوع العنصري ذاته. كوينتين تارنتينو كان يتسلّى على حساب هذا الموضوع في «أنذال بلا مجد» وستيفن سبيلبرغ كان جادّا في التطرّق إلى حيثياته وفاشلا في تحريكه من جموده، لكن «12 سنة عبدا» لستيف ماكوين سطا على هذا المشهد العريض في العام الماضي رغم أنه كان، على عكس «افعل الشيء الصحيح»، يضرب بمطرقة رسالته على الرؤوس.
من أيام ما قبل «مولد أمّة» لغريفيث والمسألة العنصرية موجودة على الشاشة الأميركية. هي جزء من التاريخ الخاص. لقد تم جلب الأفريقيين من قارّتهم حيث تم بيعهم في سوق العبيد كما لو كانوا طيورا نادرة، بفارق أنهم كانوا أرخص ثمنا. وما قام به غريفيث هو تعزيز حجم المخاوف التي انتابت الأميركيين بعد أن صدرت تشريعات منع الرقيق والعبودية قبيل الحرب الأهلية. هؤلاء «المتوحشون» القادمون من الغابات المكتظة بالحيوانات المفترسة قد ينقضّون علينا ويعرضوننا للأذى. ولدت جمعية كوكلس كلان. احتفى غريفيث بولادتها.
السينما لا تحل مشاكل لكنها تطرحها والعنصرية هي من أعتى المشاكل حول العالم، لكن طرحها في السينما الأميركية هو الأكثر كثافة. مئات الأفلام التي تناولتها مباشرة أو على نحو عارض أو على نحو عابر.. حتى الغياب إذا ما كان مقصودا هو حضور للوضع ذاته كما الحال مع فيلم كلينت إيستوود الجديد: ثلث الجنود الأميركيين الذين قاتلوا في العراق هم من الأفرو - أميركيين. في فيلم إيستوود وبعد مرور ثلثي الفيلم يظهر جندي أسود واحد.
اسمه كان «راديو رحيم» ومشروعه كان قلقا من بدايته: مسلم وأسود ويعيش بلا مستقبل. يحمل راديو يبث دعوة للمقاومة، لكنها مقاومة الضعيف. تأتي الأيام القريبة التي مضت لتشهد في الواقع انفجارات في العلاقات السوداء - البيضاء حيث البوليس (الأبيض) قتل رجالا سودا وادعى أنه كان يدافع عن نفسه. وهكذا مات رحيم.
8:17 دقيقه
المشهد
https://aawsat.com/home/article/277261/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF
المشهد
هكذا مات رحيم
المشهد
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



