مواقف لبنانية ترفض «الحل الأمني» للأزمة المعيشية

«المستقبل» ينتقد «مخطط أقبية المخابرات»... وميقاتي يحذر من «استغلال حاجات الناس»

شبان يركضون هرباً من قنابل الغاز المسيل للدموع التي أطلقت عليهم في طرابلس أمس (أ.ب)
شبان يركضون هرباً من قنابل الغاز المسيل للدموع التي أطلقت عليهم في طرابلس أمس (أ.ب)
TT

مواقف لبنانية ترفض «الحل الأمني» للأزمة المعيشية

شبان يركضون هرباً من قنابل الغاز المسيل للدموع التي أطلقت عليهم في طرابلس أمس (أ.ب)
شبان يركضون هرباً من قنابل الغاز المسيل للدموع التي أطلقت عليهم في طرابلس أمس (أ.ب)

ّكان الوضع الأمني في شمال لبنان محور اللقاءات السياسية والأمنية التي عُقِدت، أمس، في موازاة مواقف مستنكرة، وأخرى ترى أن تحركات طرابلس هي نتيجة الأزمة المعيشية الخانقة التي وصل إليها اللبنانيون.
وعلّق المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان السابق، يان كوبيتش، على المستجدات في طرابلس، وكتب عبر حسابه على «تويتر» قائلاً: «تزايد مستوى العنف، بخاصة أثناء الاحتجاجات في طرابلس، مع سقوط عدد من الجرحى، الذين أُصيب بعضهم بجروح خطيرة؛ سواء بين المتظاهرين أو القوى الأمنية، هو رسالة أخرى للطبقة السياسية». ودعا السياسيين «إلى تشكيل حكومة فعالة بدون المزيد من التأخير»، معتبراً أنه «لم يعد باستطاعة الناس تحمل هذا السقوط الحر إلى الهاوية».
وكان هناك موقف لافت وعالي اللهجة من قبل «تيار المستقبل»، مؤكداً في بيان له أن الحل الأمني للأزمة المعيشية ليس حلاً، وأبناء طرابلس وسكانها لن يجاروا مخططاً دنيئاً يطل برأسه من أقبية المخابرات سيئة الذكر، متهماً أطرافاً في أجهزة أمنية بغض النظر عما يحصل.
وقال البيان: «بين الأيادي المشبوهة التي تعمل على إغراق طرابلس بالفوضى وبين الصرخة المحقة التي تعكس واقع المعاناة المعيشية في الأحياء الشعبية، تتصدر عاصمة الشمال المشهد السياسي والأمني والحياتي، وسط معلومات تؤكد وجود أمر مريب يعود بالذاكرة إلى مراحل الفلتان الأمني والاشتباكات المسلحة التي كانت تحصل غب الطلب».
وأضاف: «إذا كان كثير من المواقف قد أكد في الساعات الماضية على وجود جهات حزبية وسياسية وفعاليات محلية، اشتغلت على تسلق أوجاع المواطنين، وقامت بتمويل مجموعات، بعضها استقدم من خارج طرابلس والشمال، فإن أداء أطراف في أجهزة أمنية؛ سواء في غض النظر عن ممارسات مخلّة بالأمن والقانون، أو في التخلُّف عن دعم القوى الأمنية في الوقت المناسب، هي وجه من وجوه التقصير الذي يثير الشكوك ويطرح الكثير من علامات الاستفهام حول الأهداف المبيتة لعمليات التخريب التي استهدفت الأملاك الخاصة والعامة في المدينة».
وفيما أكد أن المسؤولية تقتضي مقاربة وضع طرابلس بخطة واضحة ترفع عن كاهل الناس أعباء المعيشة في هذه الظروف الصعبة، سائلاً عن سبب التأخر في توزيع المساعدات التي أُقرت خلال فترة الإقفال العام، وأضاف: «هل هو متعمَّد؟ ولماذا لم يتم توزيع المساعدات قبل انفجار الغضب الشعبي؟»، وشدد على أن «الحل الأمني للأزمة المعيشية ليس حلاً، والذين يراهنون على استدراج طرابلس إلى ساحات الفوضى والفلتان يعلمون جيداً أن الأكثرية الساحقة من أبناء طرابلس وسكانها، لن يجاروا هذا المخطط الدنيء الذي يطل برأسه من أقبية المخابرات سيئة الذكر وأزلامها المعروفين».
وأسف رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي لمقتل الشاب عمر طيبا، ولسقوط عدد كبير من الجرحى في صفوف المدنيين والعسكريين خلال الأحداث التي شهدتها طرابلس، سائلاً الله أن «يحمي طرابلس ولبنان من كل من يريد استغلال حاجات الناس لتنفيذ مخطط سياسي وأمني».
ولفت إلى أن «ما تشهده طرابلس من احتجاجات هو ترجمة لغضب كبير على إهمال الدولة وسياساتها الخاطئة، وما يستفز الناس أكثر هو اللامبالاة التي تتعاطى بها السلطة مع أوجاع اللبنانيين، لكن في النهاية، المحتجون أهلنا وأبناؤنا والقوى الأمنية والعسكرية هم أشقاؤنا، وبالتالي لا يجوز أن يتحول هذا الغضب المشروع إلى مواجهات بين المواطنين وعناصر القوى الأمنية الذين يتقاسمون المعاناة، لذلك على الجميع أن يتنبه إلى الجهات التي تحاول حرف الاحتجاجات عن مسارها المطلبي لتحقيق مكاسب على حساب الفقراء».
ورأى رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة أن «ما جرى هو حال غضب حقيقي جراء انهيار الثقة وكل الانهيارات الاقتصادية والمعيشية والمصرفية والطبية، فاللبناني خسر ما يقارب 80 في المائة من قيمة دخله، وأصبح يتعذر على اللبنانيين القادرين أن يصلوا إلى أموالهم، وبالتالي ازداد عدد الفقراء في لبنان»، وأضاف في المقابل: «إن ما حدث من أعمال عنف وتكسير هو دليل على أن هناك مَن يندس دائماً بين صفوف المتظاهرين، ويؤدي إلى استعمال العنف، وهو أمر لا يخدم مصلحة اللبنانيين ولا يوفر رغيف خبز إضافياً».
كذلك كتب رئيس «حزب الكتائب»، النائب المستقيل سامي الجميّل، على «تويتر»، قائلاً: «أهل طرابلس وعناصر قوى الأمن كما كل لبنان هم ضحية الاستهتار وفقدان الضمير والفراغ في المؤسسات ومحاولات إرساء دولة بوليسية، بدلاً من دولة قانون سيّدة منفتحة مزدهرة وقادرة على تأمين حياة كريمة للبنانيين، في ظل حجر صحي لا مفر منه لمواجهة الوباء».
وأصدر رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع موقفاً حول ما حصل في طرابلس، قائلاً في بيان له: «مواطن ينتحر يأساً، ومواطن آخر يسقط في طرابلس ضحية أعمال العنف التي اندلعت على هامش التحركات الشعبية في طرابلس وفي مناطق أخرى، رغم قرار الإقفال وخوف الناس من (كورونا). ثلاثة أشهر ونصف على تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة ولا بصيص أمل في الأفق لتشكيل أي حكومة، لأنه طالما الأكثرية النيابية الحالية، والتي قوامها (حزب الله) و(التيار الوطني الحر) حاكمة ومتحكمة، فلا أمل يُرجى في أي شيء، والحاضر المباشر، كما الماضي القريب والماضي الأبعد قليلاً، خير دليل على ذلك».
في المقابل، ربط مستشار رئيس الجمهورية النائب السابق أمل أبو زيد أحداث طرابلس بعملية تشكيل الحكومة، وقال، عبر حسابه على «تويتر»: «الاحتجاجات الناتجة عن الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة وفوقها قرار الإقفال العام وجائحة (كورونا)، تكون مفهومة عندما يكون منطلقها مطلبياً بحتاً. لكن هذه التحركات تصبح غير مفهومة ومستغربة في توزيعها الجغرافي، ما يؤشر إلى رغبة في استغلال الشارع لتوجيه رسائل سياسية ضاغطة في غير مكانها في الملف الحكومي». وأضاف: «إن ما يرافق هذه التحركات من أعمال شغب ومن دخان أسود ومن تعد على الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي والممتلكات العامة والخاصة، يطرح أكثر من علامة استفهام حول ما إذ كان هناك منتفعون من هذه الاحتجاجات لمصالح سياسية ضيقة من جهة، وإن كانت هناك رغبة دفينة لدى البعض الآخر في زعزعة الاستقرار الأمني ونشر الفوضى التي لا تقود إلا إلى المجهول».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.