البرلمان الروسي يصادق على تمديد «ستارت 3»... و«لا توقعات» بتطبيع مع واشنطن

بوتين يحذر من مخاطر «مواجهة عالمية» ويقارنها بالوضع قبل الحرب العالمية الثانية

أعلن الرئيسان فلاديمير بوتين وجو بايدن التوصل إلى اتفاق على التمديد بعد مكالمة هاتفية مساء الثلاثاء هي الأولى بينهما منذ تولي بايدن مهامه (أ.ف.ب)
أعلن الرئيسان فلاديمير بوتين وجو بايدن التوصل إلى اتفاق على التمديد بعد مكالمة هاتفية مساء الثلاثاء هي الأولى بينهما منذ تولي بايدن مهامه (أ.ف.ب)
TT

البرلمان الروسي يصادق على تمديد «ستارت 3»... و«لا توقعات» بتطبيع مع واشنطن

أعلن الرئيسان فلاديمير بوتين وجو بايدن التوصل إلى اتفاق على التمديد بعد مكالمة هاتفية مساء الثلاثاء هي الأولى بينهما منذ تولي بايدن مهامه (أ.ف.ب)
أعلن الرئيسان فلاديمير بوتين وجو بايدن التوصل إلى اتفاق على التمديد بعد مكالمة هاتفية مساء الثلاثاء هي الأولى بينهما منذ تولي بايدن مهامه (أ.ف.ب)

صادق البرلمان الروسي، أمس، على تمديد معاهدة تقليص الأسلحة الهجومية الاستراتيجية الموقّعة مع الولايات المتحدة، لمدة خمس سنوات. وعكس التطور الذي وصفه «الكرملين» بأنه جاء «بعد عمل شاق» حرص موسكو وواشنطن على تسريع إجراءات التمديد قبل حلول موعد انتهاء المعاهدة في الخامس من الشهر المقبل. في غضون ذلك، أطلق الرئيس فلاديمير بوتين سلسلة تحذيرات حول الوضع العالمي، وقال، أمس، خلال مشاركته في منتدى «دافوس»، إن المجتمع الدولي يواجه مخاطر وقوع مواجهة تحمل طابع «الكل ضد الكل». وجرت مراسم المصادقة على المعاهدة في غرفتي البرلمان الروسي بسرعة قياسية غير مسبوقة في مثل هذه المناسبات؛ إذ أعقب التصديق على تمديد المعاهدة في مجلس الدوما (النواب) اجتماع لمجلس الاتحاد (الشيوخ) بعد أقل من ساعة واحدة، تمت خلاله المصادقة بشكل نهائي على نص المعاهدة، وقرار التمديد حتى فبراير (شباط) عام 2026. وتدخل المعاهدة الجديدة حيز التنفيذ فور انتهاء مراسم المصادقة عليها في برلماني البلدين، وهو أمر بات متوقعاً في غضون أيام، في حين لم يكشف «الكرملين» كيف سيتم توقيع المعاهدة من رئيسي البلدين، وما إذا كانا سيكتفيان بالإعلان عن توقيع كل طرف عن بعد على أن يسلم نسخته لاحقاً إلى الطرف الآخر. وتبرز أهمية المصادقة السريعة على تمديد المعاهدة، درجة المخاوف التي سبقت ذلك، من حلول موعد انتهاء المعاهدة من دون التوصل إلى اتفاق على تمديدها، ما يعني وفقاً لمسؤولين روس أن «الركن الأساسي في عمليات الرقابة على التسلُّح في العالم كان أمام خطر أن يتم تقويضه تماماً».
وأعلن الرئيسان فلاديمير بوتين وجو بايدن التوصل إلى اتفاق على التمديد بعد مكالمة هاتفية مساء الثلاثاء، هي الأولى بينهما منذ تولي بايدن مهامه. وعلى الفور وجه بوتين أمراً للحكومة الروسية بتقديم المعاهدة إلى البرلمان للمصادقة عليها.
وكشف نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف جانباً من التفاهمات بين البلدين، عندما أعلن أن واشنطن «استجابت للمطالب الروسية» التي ركزت على عدم طرح شروط إضافية وتمديد المعاهدة في شكلها السابق، علماً بأن الإدارة الأميركية السابقة كانت تصر على ربط تمديد المعاهدة بضم الصين إليها وإدراج فقرات تتعلق ببرنامج صاروخي روسي حديث. وقال ريابكوف إن «الاتفاقات المستقبلية المحتملة مع الولايات المتحدة بشأن الحد من التسلح سيتم إبرامها فقط على أساس التكافؤ»، مستبعداً «أي تنازلات أحادية من الجانب الروسي». وبرغم تأكيد قبول واشنطن بالشروط الروسية، بات معلوماً أمس، أن النسخة المحدثة من المعاهدة ستضم فقرة عن الصاروخ الروسي «افانغارد» الذي تفوق سرعته سرعة الصوت.
وقال ريابكوف إنه «في المستقبل، سيستمر الطرفان في مناقشة الأسلحة الأخرى، لا سيما الأنظمة التي تفوق سرعة الصوت».
وأوضح في خطاب أمام مجلس الدوما عند إقرار التمديد أنه «الواضح أن الأميركيين قلقون أيضاً بشأن أنظمة الأسلحة ذات المدى الاستراتيجي الواعدة، وقد تحدثوا عن ذلك أكثر من مرة خلال تولي الإدارة السابقة. هناك مجال للحوار، لكن لا يوجد مجال لتقديم تنازلات أحادية الجانب». ودخلت معاهدة «ستارت 3» بين روسيا والولايات المتحدة حيز التنفيذ في 5 فبراير (شباط) 2011. ونصت على أن يخفض كل جانب ترساناته النووية بحيث لا يتجاوز العدد الإجمالي للأسلحة خلال سبع سنوات وفي المستقبل 700 صاروخ باليستي عابر للقارات وصواريخ باليستية على الغواصات وقاذفات القنابل الثقيلة، بالإضافة إلى 1550 رأساً حربياً و800 من القاذفات غير المنتشرة. وأعلن «الكرملين» أن تمديد المعاهدة جاء «بعد عمل شاق». وقال الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف أن بوتين وبايدن اتفقا على مواصلة الاتصالات، لكنه لفت في الوقت ذاته إلى أن الاتفاق على تمديد المعاهدة وبدء الاتصالات مع الإدارة الأميركية الجديدة لا يعني تحسين العلاقات بين البلدين، مشيراً إلى أنه «من السابق لأوانه الحديث عن إعادة تشغيل العلاقات»، وأضاف: «يكفي أن الرئيسين أشارا إلى وجود خلافات جدية، لكنهما شددا مع ذلك على ضرورة مواصلة الحوار». في غضون ذلك، حذر بوتين، أمس، من مخاطر تصاعد المواجهة العالمية، وقال خلال أول مشاركة له منذ 12 سنة في منتدى دافوس الاقتصادي، إن العالم يواجه تغييرات وتحديات جدية، خصوصاً بعد تفشي وباء «كورونا».
وعقد بوتين مقارنة لافتة مع وضع المجتمع الدولي قبل الحرب العالمية الثانية، وقال إن «بعض الخبراء (وأنا أحترم رأيهم) يقارنون الوضع الحالي بالثلاثينات من القرن الماضي. يمكنك الاتفاق مع هذا الوضع، ويمكنك الاختلاف، ولكن من نواحٍ كثيرة وفقاً لحجم وطبيعة التحديات المعقدة والتهديدات المحتملة، تبدو هذه المقارنة مقبولة».
وزاد أنه «يمكن أن يتطور الوضع بشكل لا يمكن التنبؤ به، ولا يمكن السيطرة عليه، إذا، بالطبع، لم يتم فعل أي شيء لمنع حدوث ذلك. علاوة على ذلك، هناك إمكانية لمواجهة اضطراب حقيقي في الوضع العالمي، محفوف بمخاطر مواجهة الجميع ضد الجميع». وأشار إلى انقسامات خطرة برزت في السنوات الأخيرة داخل المجتمعات.
وزاد: «أدى نمو المشاكل الاقتصادية وعدم المساواة إلى تقسيم المجتمعات، وتزايد ظواهر التعصب الاجتماعي والعرقي والقومي، وينتشر هذا التوتر حتى في البلدان التي يبدو أنها مؤسسات مدنية وديمقراطية راسخة مصممة للتخفيف من هذه الظواهر والتجاوزات والقضاء عليها». وزاد أن عنصراً آخر للتهديد العالمي يظهر من خلال «النزوع نحو إضعاف المؤسسات الدولية في وقت الصراعات الإقليمية تتكاثر، ونظام الأمن العالمي يتدهور أيضاً. التناقضات لا تزال تحوم، كما يقولون، في دوامة». وقال بوتين إنه «يمكننا أن نتوقع طبيعة أكثر عدوانية للسياسة الدولية، خصوصاً في المجال التكنولوجي والمعلوماتي، مثل هذه اللعبة دون قواعد تزيد بشكل حاسم من مخاطر الاستخدام الأحادي للقوة العسكرية، وهذا هو الخطر».
ورغم ذلك، أعرب بوتين عن أمله بالمحافظة على مبدأ «عدم السماح بوقوع مواجهة نووية». وزاد أن «عدم القدرة أو عدم الرغبة في حل مثل هذه المشكلات في جوهرها، في القرن العشرين، تحوَّل إلى كارثة من الحرب العالمية الثانية. بالطبع، الآن، آمل أن يكون تحول العالم نحو الصراع الساخن، من حيث المبدأ، أمراً مستحيلاً. آمل حقاً بهذا لأن الصراع النووي، سيعني نهاية الحضارة». ولفت الرئيس الروسي إلى أنه «من الواضح أن العصر المرتبط بمحاولات بناء نظام عالمي مركزي أحادي القطب - قد انتهى. ولكن، في الواقع، هو لم يبدأ.
لقد كانت مجرد محاولة في هذا الاتجاه. مثل هذا الاحتكار يتعارض ببساطة بطبيعته مع التنوع الثقافي والتاريخي لحضارتنا». وأشار إلى علاقة بلاده بأوروبا، مضيفاً أنه «من وجهة النظر الاقتصادية نحن شريكان طبيعيان تماماً. هناك شيء واحد فقط مهم: أنت بحاجة إلى مقاربة الحوار بصدق. نحن بحاجة للتخلص من رهاب الماضي للتخلص من استخدام كل المشكلات التي حصلنا عليها من القرون الماضية في العمليات السياسية الداخلية، والتطلع إلى المستقبل. نحن جاهزون لهذا، سنناضل من أجل هذا. لكن الحب مستحيل، إذا تم الإعلان عنه من جانب واحد فقط، يجب أن يكون متبادلاً».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».