أعداد المتأثرين نفسياً من «كورونا» تتجاوز بكثير المتضررين جسدياً

اختصاصي نفسي لـ «الشرق الأوسط» : أغلبية السلوكيات التي تعلمناها ستصبح نمط حياة

TT

أعداد المتأثرين نفسياً من «كورونا» تتجاوز بكثير المتضررين جسدياً

لا تقتصر تداعيات وآثار فيروس «كورونا» على الإنسان على العوارض الجسدية التي يعاني منها عند الإصابة وبعدها، والتي قد تؤدي في حالات معينة إلى الموت، إنما تتخطاها لتطال وضعه النفسي والعقلي نتيجة العزلة التي يعيشها خلال الحجر، وخوفه المفرط من تدهور حالته فجأة.
ويؤكد الدكتور وائل سلامة، الأستاذ الجامعي الاختصاصي في الأمراض النفسية والعقلية، أن عدداً كبيراً من مرضى «كورونا» يعانون، بالإضافة للعوارض الجسدية، من عوارض واضطرابات نفسية، لافتاً إلى أن الحالات تختلف وفق الإحصاءات العالمية بين بلد وآخر تبعاً لعوامل تربوية وبيئية، لكن أكثرية الدراسات تشير إلى أن ما لا يقل عن 20 في المائة من المصابين يعانون بفترة من الفترات، ببداية الإصابة أو خلال فترة الحجر أو بعد الإصابة، من عوارض نفسية، في وقت تتحدث فيه دراسات أخرى عن نسبة تتراوح بين 70 و75 في المائة.
ويوضح سلامة أن الاضطرابات ناتجة عن الخوف المفرط من الفيروس، ومن المجهول، وعدم استقرار وضع المريض الصحي، بحيث تتغلب عليه أفكار الموت، وإمكانية عدم الاستجابة للعلاجات والأدوية المتوفرة، مشيراً إلى أن أغلبية الحالات أظهرت اضطرابات قلقية لا اضطرابات اكتئابية. ويضيف: «الآثار النفسية لا توازي الآثار الجسدية، فالمعاناة أكبر بكثير على مستوى نفسي. كما أن نسبة الأشخاص الذين يعانون من الاضطرابات النفسية نتيجة إصابتهم بـ(كورونا) تتجاوز بكثير من يعانون من عوارض جسدية حادة، بحسب ما تؤكده كل الدراسات».
أما الاضطرابات النفسية التي يعاني منها مريض «كورونا»، فتتراوح بين الأرق وصعوبة النوم، والاستيقاظ المتكرر خلال الليل، إضافة للعوارض القلقية والوسواس القهري. ويشير سلامة إلى أن الشخص الذي كان يعاني سابقاً من اضطرابات نفسية هو معرض أكثر لاضطرابات جديدة نتيجة «كورونا»، إضافة للأشخاص الذين لا يحظون بدعم اجتماعي خلال فترة الحجر التي تستمر لأسبوعين. فإذا لم يكن هناك للمريض تواصل مع أهل أو أصدقاء، وشعر أنه متروك، فذلك لا شك يؤثر عليه سلباً من الناحية النفسية. كما أن الشخص الذي يعاني من مشكلات صحية مزمنة، ويدرك أن هذه الأمراض تضعه بخطورة تدهور وضعه نتيجة كورونا، فذلك يزيد الأرق والارتباك لديه والخوف، وبالتالي الاضطرابات النفسية.
ولا تقتصر الاضطرابات النفسية على مرحلة الحجر والمرض، إذ يوضح سلامة أن هناك اضطرابات نفسية تكتشف بعد الشفاء، وأبرزها الوسواس الصحي، بحيث يبقى الشخص قلقاً على صحته، فكلما ظهرت عليه عوارض معينة في وقت لاحق، سواء أكانت مرتبطة بكورونا أم لا، يشعر بالخوف، إضافة للوسواس القهري الذي قد لا يكون مرتبطاً حصراً بالصحة، إنما مثلاً بالتنظيف والغسل المتكرر والترتيب. ويضيف: «كذلك هناك عوارض أخرى، كالأرق لعدة أسابيع بعد الشفاء، وهي تزول ولا تستمر طويلاً، بعكس الوسواس الصحي والقهري. من هنا، نشدد على أهمية المتابعة مع طبيب نفسي حتى بعد الشفاء».
ويتحدث سلامة عن مجموعة خيارات لتفادي الاضطرابات النفسية، أبرزها التواصل مع الآخرين، كي لا يشعر المريض أنه بعزلة تامة، ما يخفف من الاضطرابات القلقية التي قد تتطور لديه. كما أن التعبير يعد أساسياً في هذه المرحلة، وإن لم يكن هناك طبيب نفسي يتابع حالته، فالتعبير مهم سواء عن المخاوف أو عن العوارض، لافتاً إلى أنه بعد الشفاء، في حال شعر المصاب خلال الفترة الممتدة من شهرين إلى 4 أشهر بعوارض قلقية أو اضطرابات اكتئابية، فمن الضروري استشارة طبيب نفسي.
ويشدد سلامة على أهمية أن يقدم المحيطون بالمريض الدعم النفسي اللازم له، من خلال تركه يعبر بحرية، فإذا كان مثلاً يشعر بأن المرض تغلب عليه نوعاً ما، وأنه يضعف، ليس مستحباً أن يقول له أفراد العائلة والأصدقاء: «أنت أقوى، ونحن نعرف قدرتك على التحمل»، لأنه عندها سيشعر المريض بأنه أضعف، بل يجب عندها أن يقولوا له: «هذا طبيعي في حالتك، نتيجة كمية الضغط النفسي والمعاناة التي تعيشها»، فلا يحاولوا أن يبسطوا مشكلاته ومعاناته.
ويشير سلامة إلى أن الآثار النفسية لا تقتصر على المريض، بل وبشكل أساسي أيضاً على الجسم الطبي والتمريضي الذي يعاني من الإرهاق التام، خاصة أنه ليس كل الأطباء والممرضين مدربين ومخولين بالعمل مع مرضى كورونا، فهناك أطباء يشعرون، خاصة في أول فترة من عملهم مع المصابين بالفيروس، أنهم غير أكفاء أو مرتاحين للتعامل مع هذه الحالات.
ويضيف: «الفريق الطبي أرهق، سواء في الطوارئ أو العناية الفائقة أو بأقسام كورونا. وفي الفترة الأخيرة، تم الاستنجاد بأطباء من اختصاصات مختلفة للحد من استنزاف الطاقة النفسية للأطباء والممرضين الذي يعانون أيضاً من ضغوط كبيرة من أهالي المرضى، ومن الكم الهائل من الاتصالات الهاتفية التي تصلهم، ما يجعلهم في حالة قلق وارتباك وعصبية دائمة».
ويعد سلامة أنه بات محسوما أن «العالم بعد كورونا لن يكون كما قبله. فالتباعد الاجتماعي وهالة الهلع المعممة بين الأشخاص حولت الناس لأشخاص باردين عاطفياً، بعيدين بعضهم عن بعض»، شارحاً أن «نسبة التواصل والتعبير بين الأشخاص تراجعت كثيراً نتيجة عدم التواصل الجسدي، فللمس عن طريق مسك اليد والعناق أهمية كبيرة، لكن التباعد الاجتماعي أدى لتباعد تعاطفي وتعبيري»، خاتماً بأن «هناك مقولة عن أن الإنسان يحتاج 21 يوماً ليتعلم سلوكاً معيناً، و90 يوماً ليتعلم نمط حياة جديداً، لذلك فإن أغلبية السلوكيات التي تعلمناها خلال أزمة «كورونا» ستصبح نمط حياة جديداً حتى بعد انتهاء الأزمة. ومن الصعب جداً أن نتوقع أن يعود الناس كما كانوا، إن كان من حيث طريقة التعبير عن الحب والمشاعر والأحاسيس، أو كيفية إلقاء التحية، وغيرها من السلوكيات المجتمعية».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».