مصادر تروى لـ {الشرق الأوسط} تفاصيل هجوم «داعش» على فندق في العاصمة الليبية

المهاجمون 5 انتحاريين أجانب.. ومقتل 10 أشخاص.. ونجاة 12 رهينة من جنسيات مختلفة

عناصر من قوات الأمن التونسية يطوقون فندق كورينثيا في العاصمة بعد هجوم تنظيم داعش عليه أمس (أ ف ب)
عناصر من قوات الأمن التونسية يطوقون فندق كورينثيا في العاصمة بعد هجوم تنظيم داعش عليه أمس (أ ف ب)
TT

مصادر تروى لـ {الشرق الأوسط} تفاصيل هجوم «داعش» على فندق في العاصمة الليبية

عناصر من قوات الأمن التونسية يطوقون فندق كورينثيا في العاصمة بعد هجوم تنظيم داعش عليه أمس (أ ف ب)
عناصر من قوات الأمن التونسية يطوقون فندق كورينثيا في العاصمة بعد هجوم تنظيم داعش عليه أمس (أ ف ب)

في أول عملية إرهابية مزدوجة من نوعها في العاصمة الليبية طرابلس، قام 5 انتحاريين أجانب ينتمون لتنظيم داعش باقتحام فندق كورينثيا في المدينة وقتل 8 أشخاص، من بينهم 5 أجانب، في عملية مخططة سلفا تم الإعداد لها بإحكام، وتبناها تنظيم داعش واعتبرها محاولة انتقام لمقتل نزيه الرقيعي الشهير بـ«أبو أنس الليبي» الذي لقي حتفه خلال سجنه في الولايات المتحدة بعد خطفه من قلب طرابلس العام الماضي.
وتزامن الهجوم مع إعلان بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا، أن جلسة الحوار الوطني التي عقدت أمس لليوم الثاني على التوالي بمدينة جنيف السويسرية في غياب البرلمان السابق، ناقشت المواضيع المطروحة على جدول الأعمال، بما في ذلك حكومة الوحدة الوطنية المستقبلية، وتدابير بناء الثقة ومكان انعقاد جولات الحوار المقبلة.
وطبقا لما رواه مسؤول أمني رفيع المستوى في العاصمة طرابلس لـ«الشرق الأوسط» فقد بدأت العملية الإرهابية الأولى من نوعها، في الساعة 8:30 من صباح أمس بالتوقيت المحلي، حيث دخلت سيارة «هيونداي توسان» وترجّل منها أشخاص باتجاه بوابة فندق كورينثيا أبرز فنادق طرابلس الذي كثيرا ما ينزل به مسؤولون حكوميون ووفود أجنبية.
وأضاف المسؤول الذي اشترط عدم تعريفه: «دخل المهاجمون الفندق وأطلقوا النار في كل صوب.. انشغل بهم فريق التأمين، وقتل اثنان من فريق تأمين الفندق، وصعدوا الأدوار العليا». وتابع: «في هذه الأثناء، بينما اشتبه الحراس في الخارج بالسيارة واستدعوا فريق تفكيك المتفجرات، فوجدها مملوءة بالمتفجرات، ولم يستطيعوا تفكيك شيء، لأن المجموعة كانت مطلعة على السيارة من فوق، فقاموا بتفجيرها.. السيارة تلاشت قطعا صغيرة وأحرقت مجموعه من السيارات حولها».
وقال المسؤول، إن «الفندق كان فيه أيضا بالطابق الـ22 عمر الحاسي»، رئيس ما يسمى حكومة الإنقاذ الوطني التي لا تحظى بأي اعتراف دولي، وموالية للمؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق والمنتهية ولايته.
وروى المسؤول الأمني لـ«الشرق الأوسط»، أن الحاسي تمكن من الخروج عن طريق قوة الردع الخاصة، مشيرا إلى وجود أميركيين وجنسيات أخرى استطاع الأمن المركزي بقيادة النقيب هيثم التاجوري مساعد آمر القوة الخاصة الأولى إخراجهم وعددهم 12 شخصا من أميركا وبولندا وهاييتي والجزائر وتونس وجيبوتي.
وقال المسؤول الأمني لـ«الشرق الأوسط»، إن المجموعة كانت تريد الصعود للدور الـ26، ولكن القوة الخاصة سبقت إليه عن طريق سلم الخدمات والطوارئ، فبقيت المجموعة المهاجمة في الدور 21 محاصرة بين الأمن المركزي والقوة الخاصة الأولى وبين قوة الردع الخاصة التي كانت في الدور الـ19.
وتابع أنه «تم تضييق الخناق على المجموعة حتى وصلت للدور الـ25، وهناك فجروا أنفسهم كل اثنين التزموا بعض، وواحد فجر نفسه وبقي حيا حتى دخلت قوة الردع الخاصة».
وكشف النقاب عن أن المهاجمين على الأغلب غير ليبيين، مشيرا إلى أن أحدهم أسود البشرة، حيث سمع بعض للمهاجمين قبل تفجير أنفسهم يتحدثون إليه، وكان لا يتقن العربية ويصيح بأناشيد جهادية والتكبير فقط. وأضاف أن «الخامس الذي فجر نفسه وجد لا يزال حيا، لكن لا أظن يستفاد منه، فحالته خطيرة جدا».
وأوضح أن إجمالي عدد الجرحى يتجاوز 10 أشخاص، والقتلى اثنان من قوات التأمين والحماية، بالإضافة إلى اثنين أجنبيين، أحدهما أميركي واسمه ديفيد بيتر، واثنين من عاملات الفندق، مشيرا إلى أن من بين الجرحى اثنتين من العاملات من الفلبين وجراحهما خطيرة وجار نقلهما للعلاج في الخارج.
ولفت المسؤول إلى أن الرهائن الآن في ضيافة القوة الخاصة الأولى التابعة للأمن المركزي بعدما تم تحريرهم عن طريق القوة الخاصة الأولى التابعة للأمن المركزي. وقال: «على صوت إطلاق النار هربوا للأعلى، والمهاجمون كانوا يعتزمون اللحاق بهم، لكن النقيب هيثم هو من تدخل بقواته ونجح في إخراجهم لمكان آمن».
في المقابل، قال محمود حمزة من قوة أمن طرابلس لتلفزيون النبأ المحلية، إن 8 أشخاص قتلوا أثناء اقتحام الفندق، منهم 5 أجانب بينهم امرأتان، وأضاف أن رجل أمن واثنين من المهاجمين قتلوا أيضا.
من جهته، أوضح مدير الأمن المركزي عمر الخدراوي، أن سيارة من نوع «هيونداي سانتافي» بها 3 أشخاص داهمت باحة الفندق، وقاموا بمهاجمة أعضاء الحراسة المكلفين واقتحموا الفندق وفجروا السيارة عن بعد ما أدى إلى جرح 6 أشخاص تقريبا.
وزعم الخدراوي، أن التحقيقات الأولية تثبت تورط أحد عناصر اللجان الثورية الذي كان يشتغل في التصفية الجسدية في النظام السابق، مشيرا إلى أن «الصور الأولية لعملية اقتحام فندق كورينثيا موجودة لدينا، وأجهزة البحث والتحري التابعة للإدارة العامة للأمن المركزي، والأجهزة الأمنية الأخرى تقوم بعمليات التحري والبحث والتحقيق».
وأكد أن الدوافع وراء الهجوم هو تشويش ما وصفه بالحالة الأمنية التي تنعم بها العاصمة طرابلس، على حد زعمه. وقال الخدراوي لتلفزيون محلي، إنه تم إجلاء رئيس وزراء الحكومة المشكلة في طرابلس بالإضافة إلى 3 أجانب من الفندق.
من جهته، أكد الناطق الرسمي باسم غرفة العمليات الأمنية المشتركة بطرابلس عصام النعاس مقتل 3 من قوات الأمن المكلفة بحماية الفندق، بعدما فجر المهاجمون سيارة عن بعد ما أدي إلى إلحاق أضرار بالواجهة الأمامية واحتراق بعض المركبات التي كانت متوقفة بجوارها. وقال النعاس، إن بعض العاملين بالفندق أصيبوا بجروح طفيفة نتيجة تطاير زجاج الواجهة الأمامية للفندق من شدة الانفجار.
وسعت حكومة الحاسي لاستغلال الهجوم إعلاميا، وزعمت أنه تعرض أمس لما وصفته بمحاولة اغتيال. كما ادعت في بيان متلفز، أن «أصابع الاتهام تتجه إلى أعداء الثورة ومجرم الحرب خليفة حفتر ومن ورائه من أطراف خارجية».
وأوضح البيان، أن «رجال أمن الفندق اكتشفوا دخول سيارة مشتبه بها إلى موقف السيارات، وهي نفس السيارة التي استهدفت مبنى بعثة الأمم المتحدة وسفارة الجزائر منذ أسبوعين.. وسارع بعدها المجرمون بالدخول إلى الفندق مستخدمين مسدساتهم ورشاشاتهم وقنابلهم اليدوية، وتوجيه نيران أسلحتهم على كل من قابلهم من القاطنين والنزلاء». وأشار البيان إلى أن الهجوم أسفر عن استشهاد 4 من قوات الأمن وحرس الفندق وإصابة نزيلة فلبينية ومقتل 4 أجانب لم تتم التحقق من جنسياتهم بعد.
ووزع تنظيم داعش بيانا مقتضبا بصور فوتوغرافية يعلن فيه بشكل ضمني مسؤوليته عن الهجوم الذي وصفه بـ«الغزوة»، انتقاما لمقتل «أبو أنس الليبي» الذي توفي في مستشفى بمدينة نيويورك الأميركية هذا الشهر قبل موعد مثوله أمام المحكمة، حيث اختطفته قوات خاصة أميركية للاشتباه في أنه عضو في تنظيم القاعدة ساعد في التخطيط لتفجير سفارتي الولايات المتحدة في تنزانيا وكينيا عام 1998.
لكن عائلة الرقيعي أصدرت أمس بيانا استهجنت فيه الزج باسمه في هذه العملية ونفت صلته بها بشكل كامل، حيث استنكرتها وفقا لما نقله صحافيون محليون لـ«الشرق الأوسط».
وفي أول تعليق لمسؤول في الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني على الحادث، قال مسؤول مقرب من الثني لـ«الشرق الأوسط»، إن الحكومة تستهجن وتستنكر هذا العمل الإرهابي، وتبدي تعاطفها مع أهالي الضحايا الأبرياء، وستعمل على تقديم المسؤولين عن هذه الأعمال إلى العدالة.
وأضاف: «وتؤكد الحكومة موقفها الثابت والمعلن والقوي في محاربة التطرف، وهو الموقف الذي يضعها في مواجهة المجموعات المسلحة التي تسيطر على طرابلس والتي تتحالف مع المتطرفين الذين يستخدمون العنف لتحقيق أهداف سياسية»، مشيرا إلى أن هذا يؤكد تصاعد موجات العنف والإرهاب والتفجيرات بعد أن سيطرت المجموعات المسلحة على طرابلس. ولفت إلى أن الحكومة تطالب أيضا كعادتها في جميع بياناتها بتجنب العنف واللجوء إلى الحوار لحل الخلافات بين الليبيين، ودعم جهود الأمم المتحدة في هذا الاتجاه.
من جهتها، أدانت فيديريكا موغيريني، الممثلة العليا للسياسية الخارجية بالاتحاد الأوروبي، الهجوم ووصفته في بيان لها بعمل إرهابي آخر يهدد بتقويض الجهود الرامية للسلام والاستقرار في ليبيا.
وأعربت عن تضامن الاتحاد الأوروبي مع ضحايا الهجوم، وشددت على أن الاتحاد الأوروبي يدعم المحادثات التي تديرها الأمم المتحدة مع مختلف أطراف القوى السياسية بليبيا بهدف التوصل لحل سياسي للنزاع على أساس الاحترام والحوار.
بموازاة ذلك، قال الممثل الخاص للأمين العام في ليبيا، برناردينو ليون، بعد جلستين عقدتا في جنيف «إنني على ثقة بأن الليبيين المشاركين، ومن نأمل أن ينضموا للمحادثات، لديهم عزم واضح للتوصل إلى اتفاق، لتهدئة البلاد والتغلب على الأزمة»، مضيفا: «هناك روح بناءة وتوجد آراء جيدة على طاولة الحوار وكل شي إيجابي للغاية».
وأغلقت معظم الحكومات الأجنبية سفاراتها في طرابلس وسحبت العاملين بها بعد اندلاع قتال بين فصيلين متنافسين في المدينة الصيف الماضي. لكن بعض الدبلوماسيين ورجال الأعمال ووفود تجارية ما زالت تزور العاصمة.
وتشهد ليبيا صراعا بين حكومتين متنافستين إحداهما معترف بها دوليا ومقرها شرق ليبيا وأخرى منافسة شكلت في طرابلس بعدما سيطر فصيل يدعى «فجر ليبيا» على العاصمة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.