البحر الطويل يرافق الشعراء العذريين في براري الفقدان

تتبعاته الصوتية أشبه بتواشجات النفس وتموجات المكان الصحراوي

البحر الطويل يتناغم صوتياً ودلالياً مع حركة الإبل في المكان الصحراوي
البحر الطويل يتناغم صوتياً ودلالياً مع حركة الإبل في المكان الصحراوي
TT

البحر الطويل يرافق الشعراء العذريين في براري الفقدان

البحر الطويل يتناغم صوتياً ودلالياً مع حركة الإبل في المكان الصحراوي
البحر الطويل يتناغم صوتياً ودلالياً مع حركة الإبل في المكان الصحراوي

لم تكن البحور المختلفة التي اختار العرب الأقدمون أن ينظموا قصائدهم وفق أنساقها الإيقاعية خاضعة لمنطق الصدفة العارضة، بقدر ما تبدو متصلة بروح المكان الصحراوي من جهة، وبشجى النفس المتقلبة في انفعالاتها توتراً وعصفاً وتشظياً وانبساطاً، من جهة أخرى. ومع أن معظم القبائل العربية كانت تترحل في الصحارى القاحلة بحثاً عن الماء والكلأ، فإنه لأمر لافت أن تُنعت الأنساق الوزنية بالبحور، لا بشيء آخر متصل باليابسة. فقد وجد العرب في المتتاليات الزمنية للإيقاع ما يجافي الصلابة والثبات، ليتماهى مع حركة الأمواج في صعودها وهبوطها الدائمين من جهة، ومع التموج المماثل للكثبان الرملية التي تعيد الرياح نسجها وتشكيلها بشكل دائم، وفق ما يعبر امرؤ القيس من جهة أخرى. ولأن للأمواج هامشاً أوسع للتبدل، وللتعبير عن الوداعة أو الاضطراب، فقد وقع الاختيار على «البحور»، لكي تكون أحوالها المتغايرة معياراً لوتائر الإيقاع وتشكيلاته الصوتية والعصبية. هكذا بدت البحور الشعرية بجوازاتها المختلفة، ترجمة إيقاعية وزمنية لمكابدات الشعراء ومشاعرهم المتباينة، ولضبطهم أثناء الكتابة، متلبسين بحالات الزهو أو الغضب، الانتصار أو الانكسار، وبنشوة الحب أو مرارة الفقدان. ولعلهم لا يجافون الحقيقة بشيء أولئك الذين يتحدثون عن أن الإرهاصات الأولى للقصيدة تحضر على شكل غمغمات إيقاعاتية غامضة، ما تلبث أن تنحو في فترة لاحقة نحو تجسدها اللفظي والأسلوبي. وهو ما يؤكده قول الشاعر الفرنسي بول فاليري بأن «على الصوت أن يكون صدى للمعنى».

حالتا الصعود والهبوط

إذا كانت العلاقة بين الإنسان وبيئته الحاضنة، هي التي تحدد الكثير من سلوكيات البشر وطبائعهم وصولاً إلى تعبيراتهم الإبداعية، فإن الأنساق الإيقاعية للشعر العربي لم تكن منفصلة بأي حال عن طبيعة الحياة العربية الموزعة بين الرحابة والانغلاق، بين الرومانسية المفرطة والقسوة المفرطة، بين الحب والموت. ومن بين البحور الستة عشر للعروض العربي، قد يكون البحر الطويل، القائم على تعاقب تفعيلتي «فعولن» و«مفاعيلن» مرات أربع في البيت الواحد، هو الأكثر تعبيراً عن روح المكان الشاسع، الذي يمتد بلا نهاية في أفقٍ غامض المعالم. وكما أن الصحراء العربية مؤلفة من كثبان رملية مقوسة، تحولها الريح والمطر وعوامل الطبيعة الأخرى إلى متتاليات شبه متناظرة من الصعود والهبوط، فإن تفعيلتي البحر الطويل تحققان الأمر نفسه، حيث يرمز الجزء الأول من «فعولن» إلى حالة الصعود، بينما يرمز الجزء الثاني إلى حالة الهبوط. وكذلك هو الأمر مع «مفاعيلن»، مع تعديل طفيف متعلق بتكرار الجزء الثاني من التفعيلة.
أما الهدف الآخر الذي يصيبه البحر الطويل فهو يتعلق بتناغمه الصوتي والدلالي مع حالة التنقل والترحال في المكان الصحراوي، الذي تمثله حركة الإبل على وجه التحديد. فإذا كان بحر الخبب، بخاصة في صيغتي «فعِلن» و«فعْلن»، متصلاً بإيقاع الخيول خلال سيرها، السريع أو البطيء في المفازات الشاسعة، فإن هذا البحر يبدو متناغماً مع الإيقاع المتفاوت في وتيرته لحركة الإبل المترحلة، حيث يتناغم المقطعان الأولان من «فعولن» و«مفاعيلن» مع حركة قائمتي الجمل المرفوعتين إلى الأعلى، فيما تتناغم المقاطع اللاحقة مع حركة هبوط القائمتين نحو الأرض. وإذا كان التناظر الشكلي واضحاً تماماً بين تحدب المكان الصحراوي وتحدب الإبل، بخاصة ذات السنامين، فإن الإيقاع «المحدودب» للبحر الطويل، يقع على المستوى الرمزي في السياق نفسه، معبراً ليس فقط عن تضاريس المكان وجغرافيته، بل عن السينوغرافيا الموازية لحركة الجسد المندفعة إلى الأمام تارة، وإلى الوراء تارة أخرى.
على أن الدلالة الثالثة لإيقاع هذا البحر، هي تلك المتصلة بخلجات البشر ومكابداتهم الصعبة، وسط قفار شاسعة مأهولة بالخوف والقلق والمجابهة الدائمة مع الآخر الجحيمي. ولعل ما يعطي للبحر الطويل مكانته التفضيلية بين نظرائه، ليس ناجماً عن طوله اللافت الذي يشي به النعت فحسب، بل عن كونه الأقدر على صهر الشحنات الوجدانية والتأملية للشعراء، في بوتقة إيقاعية شديدة المرونة والتنوع والانسياب الصوتي. ففي تفعلتيه المتعاقبتين ما يتسع لانقباض النفس وانفساحها وأنينها، وما يواكب تطلعها المثلوم بالشكوك إلى المستقبل، أو التفاتاتها المتحسرة إلى أطلال الماضي. وهو يتسع للصيغ الكلامية المتبدلة بين الخبر والإنشاء، ولصيحات التعجب والاستفهام عند المنعطفات غير المنتظرة للمصائر، ولصيغ المرارة والتفجع في قصائد الرثاء، كما لصرخات النداء الغامض في براري الفقدان.

إيقاعات مثخنة بالأنين والشجن

ليس من قبيل المصادفات البحتة تبعاً لذلك، أن يعمد امرؤ القيس إلى نظم معلقته المعروفة، التي تشكل أحد النصوص المؤسسة للشعرية العربية، على البحر الطويل بالذات، بل إن اختياره لهذا البحر ناجم عن كونه الأكثر مواءمة لترنحات نفسه المثلومة بسيف الغياب، فضلاً عن أن تفعيلاته هي الأكثر قدرة على احتضان حروف العلة، المرافقة لاعتلال الروح، وعلى حمل الترجيعات المتولدة عن صيغ النداء والشكوى والمناشدات المُرة. وهو ما لا تنحصر تمثلاته الواضحة في مناجاة الشاعر لليله الأبدي المشرع على الأرق والخوف فحسب: «ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ\ بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثلِ»، بل في ندائه المماثل للحبيبة المتمنعة حتى تخوم القتل:
أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدللِ وإن كنت قد أزمعتِ صَرْمي فأجملي
وإن أكُ قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابكِ تنْسلِ
وما ذرفتْ عيناك إلا لتضربي بسهميْك في أعشار قلبٍ مقتلِ
وإذا كان الامتداد الزمني المؤثر والرحب للبحر الطويل، سيجعله محطاً لأنظار البعض من شعراء المعلقات، مثل طرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى، والكثير من شعراء الأطلال، فإن أكثر ما يمكن التوقف عنده، هو الشغف البالغ الذي أظهره شعراء الحب العذري بهذا البحر، الذي بدا وكأنه «المطية» الأمثل لحمل وجيب قلوبهم إلى مسامع حبيباتهن النائيات والمتشحات بثوب الغياب. كما أن الطول الملحوظ لهذا البحر، يتناسب تماماً مع ما يتمتع به العاشق العذري من نفَس طويل في الحب والانتظار الدهري للحبيبة الغائبة، كما في الصبر على آلام الفراق. ومن يقرأ دواوين العذريين في مصادرها المختلفة لا بد أن يصاب بالدهشة حين يكتشف أن أكثر من ثمانين في المائة من قصائد هذه الدواوين قد تم نظمه على البحر الطويل بالذات، في حين يتوزع الباقي على البسيط والكامل وبعض البحور الأخرى. وهو ما ينسحب على معظم ما كتبه جميل بن معمر الذي يبدو وكأنه، كسواه من العذريين، مكتوب على خطوط التماس الفاصلة بين ضوء الحب وعتمته، كما بين سطح الأرض وباطنها:
ألا ليتنا نحيا جميعاً، وإن نمُتْ يجاور، في الموتى، ضريحي ضريحها
فما أنا في طول الحياة براغبٍ إذا قيل قد سُوي عليها صفيحُها
أظل نهاري مستهاماً، وتلتقي مع الليل روحي في المنام وروحُها
ولم تكن تجربة قيس بن الملوح العاطفية بمنأى عن الاحتفاء المماثل بهذا البحر، والاتكاء شبه الدائم على إيقاعاته المثخنة بالأنين والشجن وتمزقات النفس. وإذا كان البعض قد شكك بوجود قيس الفعلي، معتبراً أن قصة عشقه الهذياني ليست سوى ضرب من الأساطير التي ابتدعتها مخيلات الرواة، فإن الشعر الذي بين أيدينا هو حقيقة واقعة لا يرقى إليها الشك، بكل ما يختزنه من لهب الداخل وفورانات العاطفة المحمومة، وهو ما منح «المجنون» فرصة الخلود، بقدر ما حوله إلى ملهم حقيقي للعشرات من شعراء العالم وكتابه اللاحقين. كما لا نملك في هذا الخصوص إلا أن نلاحظ الفارق الشاسع بين شعر الطرديات والشعر السياسي في العصر الأموي من جهة، وبين شعر الحب عند قيس وأترابه العذريين من جهة أخرى، حيث النوعان الأولان يكرران الصيغ والنماذج الجاهلية بكل ما تتسم به من خشونة وتعقيد وإغراب لفظي وتعبيري، في حين أن شعر العذريين كان يشف مع الحب إلى أبعد حدود الشفافية، ويبدو لشدة صدقه وكأنه يسيل كما الماء، من أكثر جهات القلب صلة بالعذوبة والتفجر التلقائي ومناجاة الغياب:
ألا زعمتْ ليلى بأنْ لا أحبها بلى وليالي العشْر والشفْع والوتْرِ
بلى والذي لا يعلم الغيبَ غيرُهُ بقدرته تجري السفائن في البحرِ
بلى والذي نادى من الطور عبْده وعظم أيامَ الذبيحة والنحرِ
لقد فُضلتْ ليلى على الناس مثلما على ألف شهرٍ فُضلتْ ليلة القدْر
لا يعني ذلك بأي حال أن الشعراء ليسوا قادرين على تطويع البحور وتوسيع آفاقها واحتمالاتها الإيقاعية، وفقاً للحالة النفسية التي يمرون بها لحظة الكتابة، وهو ما يساعدهم على تحقيقه هامشٌ غير قليل من الجوازات وسياقات النبر والإشباع والتوتر، إضافة إلى حذف التفعيلات واجتزائها. وهو ما أتاح للشعراء أن يستثمروا البحر المذكور في موضوعات متنوعة كالوصف والفخر والخمريات والتأمل الوجداني والمديح الملحمي. ومع ذلك فإن الجغرافيا الإيقاعية الحزينة للبحر الطويل، هي التي دفعت هؤلاء أنفسهم إلى توظيفه الناجح في مجال الرثاء، كما فعلت الخنساء في رثاء أخيها صخر، والمتنبي في رثاء جدته، وابن الرومي في رثاء ولده الأوسط، ومالك بن الريب في رثاء نفسه. وحتى لو لم يكن هناك موتى «مؤهلون» لرثاء الشعراء، فإن البحر الطويل قادر على بث روح الأسى في باطن الكلمات، ونقل عدواها دون إبطاء إلى نفس المتلقي. كأن إيقاع هذا البحر مصنوع من غروب الأشياء، أو من مادة هاربة ومفتوحة على التلاشي. وليس أدل على ذلك من أبيات ابن الدمينة، التي لا تنفك تقودنا إلى منابعها المترعة بالحنين إلى كل مكانٍ نأى بعيداً، أو كل حبيبٍ فقدناه:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجْت عن نجدِ وقد زادني مسراك وجداً على وجدِ
أإنْ هتفتْ ورقاء في رونق الضحى على فننٍ غض النبات من الرنْدِ
بكيتَ كما يبكي الوليد، ولم تكن جلوداً، وأبديْتَ الذي لم تكن تُبْدي
رعى الله من نجدٍ أناسٌ أُحبهمْ فلو نقضوا عهدي حفظتُ لهم ودي
إذا وعدتْ زاد الهوى بانتظارها وإن بخلتْ بالوعد، مت على الوعدِ



«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري
TT

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

تزاوج رواية «القالوفة: عشرية عبد القادر صابونة»، للروائي الجزائري الشاب عبد الباسط باني، بين اللعب الفني والجمالي، والنقد السياسي والاجتماعي الحاد والجذري من جهة أخرى، متكئة على كثير من حس السخرية المتغلغلة في نسيج البناء السردي، لكنها كثيراً ما تكون سخرية سوداء، مرة ومفعمة بالأسى، إذ تراوح الأحداث كثيراً بين المأساة والملهاة. ويتبدى هذا اللعب منذ العنوان «القالوفة»، كلمة دارجة في الجزائر معناها (القفص الذي توضع به الكلاب الضالة عقب التقاطها من الشوارع)، فالعنوان الجانبي الشارح، «عشرية عبد القادر صابونة»، يظل معلق الدلالة، إذ يمكن أن يشير إلى العشرية السوداء في التسعينيات، والتي انضم فيها (عبد القادر) إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، حين كان يقتل باسم الدين، كما يشير من جانب آخر، وعبر دوال نصية كثيرة، إلى عشرية جديدة، عقب المصالحة الوطنية في مطلع الألفية، وصعود (صابونة) الراديكالي التائب سُلّم السلطة، ليمارس انتقامه من المجتمع، لكن عبر بوابة الدولة كمسؤول كبير فيها، وباسم القانون وحماية الوطن هذه المرة، مدشنا عشريته الخاصة، المليئة بالفساد والنهب الممنهج.

الرواية صدرت في القاهرة عن «منشورات الربيع»، وبدأت بمشهد صادم وقاسٍ يعود إلى بدايات العشرية السوداء، في مدينة «مليانة»، حيث تقتحم جماعة تنتمي لتنظيم إسلامي منزل (رشيد)، الصحافي المستنير الذي يهاجمهم في مقالاته، فيقتلونه، ويقتلون ابنته (بديعة)، ويختطفون (فتيحة) زوجته الحبلى معهم إلى الجبل، في حين ينجو ابنه (محمد)، بسبب دفاع كلبه عنه بقوة، وعقر الملثمين، فيموت الكلب فداءً لصديقه الطفل ويتلقى الرصاصة نيابة عنه. وتتضاعف القسوة عندما يرى رشيد قبل مقتله شقيقه الأصغر (منصوري) بين الملثمين، بعد أن انزلق إلى هوة العنف، جاء معهم وفق مبدأ السمع والطاعة، والولاء والبراء، ليشارك في قتل أخيه الذي تعتبره جماعة الجبل «كافراً»، لمجرد أنه يحب الفنون والغناء، ويدافع عن الحرية، لكن منصوري لم يقوَ نفسياً على تنفيذ أمر أمير الجماعة بأن يقتل شقيقه بنفسه، فيكون مصيره القتل هو الآخر، بدعوى أن إيمانه منقوص ورخو.

هذا المشهد الافتتاحي الدموي، يبدو مرجعاً لكثير من الأحداث التي تتأسس عليها الرواية بعد ذلك، ثم ينفتح السرد، بدءاً من الفصل التالي على مساحات من التخييل، عبر تبئير شخصية (محمد)، الناجي الوحيد من مذبحة أسرته، فقد «ضاقت به مليانة، فغادرها نحو عين الدفلي، يجر خلفه قافلة الكلاب التي صارت أسرته الجديدة»، فقد أسماه الناس (الملياني)، نسبة إلى بلدته، وأصبح يعيش مشرداً، لا يأمن سوى للكلاب، يصاحبها، ويأتنس بها، ويحنو عليها، حتى عثر على الكلب (النيطوش)، البائس المشرد مثله، ويصطفيه صديقه المقرب، ونبدأ في رؤية العالم بعيون (الملياني) و(النيطوش)، بوصفهما ممثلين للهامش المقموع، الصوت المسكوت عنه، المطارد، لكنه يرى ويعرف حقيقة مجتمع المدينة، ومثالبه، ورموزه المصطنعة، فالاثنان في حالة تعارض مع شخصية «عبد القادر صابونة». الملياني وهو طفل كان ضحية (صابونة) وجماعته في سنوات العشرية السوداء، وبعد المصالحة ظل أيضاً ضحية (صابونة) نفسه في عشريته الجديدة.

تمتد الرواية زمنياً على مدار ثلاثين عاماً، ويتراوح فضاؤها المكاني بين مدينتي مليانة وعين الدفلي، وترتكز على التوثيق عبر إيراد أخبار صحافية ومقالات وأغاني لمطربين جزائريين معروفين. كما تعتمد بشكل رئيس على تقنية تعدد الأصوات، وهو ما يبدو من عنوان الفصول السردية، ليس فقط صوت الهامش ممثلاً في (الملياني)، وصوت المركز ممثلاً في (عبد القادر)، لكن الطريف هو منح مساحات كبرى لأصوات الحيوانات التي تقدم خطابها وصوتها، سواء ضد السلطة التي تطاردها وتقمعها، وتضعها في القالوفة، أو ضد سلطة الإنسان وتجبّره على الحيوانات بشكل عام، كما يقول أحد القرود: «من المفترض أن تكون هناك حدائق للبشر، بدل حدائق الحيوانات، ونحن من نزورهم ونطعمهم، كل حيوان يربي بشرياً. قد لا نجيد فعل ذلك، لكن على أسوأ تقدير لن نبصق عليهم ونهينهم مثلما يفعلون».

فالفصل الثاني من الرواية يأتي على لسان (حمو)، وهو كلب يروي معاناته مع (مبارك) السادي الذي يهوى تعذيبه، وكذلك صوت القط (مخطار)، فضلاً عن أصوات كثير من الحيوانات من الكلاب والحمير والدجاج والقرود والغربان وغيرها، ويتسع حضور الحيوانات في المتن السردي، حتى تأخذ مركز البطولة مع تنامي السرد، بل تقوم بثورة على تسلط البلدية، وتملأ الشوارع والميادين، بعد فشل الحراك الشعبي في الجزائر إبان الربيع العربي، فتنهض الحيوانات في حراك بديل، ضد العسف والقمع والتجويع الذي يطالها يومياً.

تحفل الرواية بحالة من الكرنفالية، بالمفهوم الباختيني، فالفضاء الروائي يتحول إلى سيرك، ويجري تبادل الأدوار، فالحيوانات تصبح أكثر إنسانية من الإنسان، وتثور على السلطة بمعانيها كافة، وتجريد الإنسان من مركزيته، كما يجنح السرد، وفق هذا المفهوم الكرنفالي، إلى نزع هيبة رجال السلطة ممثلة في (عبد القادر)، ويسلبه قوته وفتوته المزعومة، ويمنحه الاسم الساخر (صابونة)، الذي التصق به منذ كان متمرداً راديكالياً مختبئاً في الجبل، وحاول إفراغ شهوته في كلبة، لكنها عقرته، وانتزعت عضوه الذكري، وتركت مكانه مستوياً وناعماً، مثل الصابونة، بلا أي نتوءات، لذا أصبح له ثأر مع الكلاب، يفرح بقتلها بعد المصالحة وعمله في البلدية، كما كان يفرح بقتل البشر عندما كان «جهادياً»، ولم يكتفِ السارد بنزع ذكورته، بل أضفى عليه صفات أنثوية، ليحوله إلى أضحوكة، وينزع عنه كل هيبة. كما تتبدى الكرنفالية أيضاً في سخرية (مبارك)، الروائي السادي، من الناقد الذي ينقد أعماله، فيذبح كلبه (حمو)، ويطبخ كبده كوجبة للناقد، في محاولة للسخرية من سلطته. فالرواية، إجمالاً، كرنفال ساخر، يفكك كل سلطة، وينزع القداسة عن كل مدعٍ، معيداً إنتاج ثنائية المركز والهامش، مانحاً البطولة لكل مقموع.

تبدو كل شخصيات الرواية معاقة ومشوهة، جسدياً أو نفسياً، بدءاً بعبد القادر، مروراً بـ«مبارك» الذي فقد قدمه ويعيش بقدم بلاستيكية، كما يعاني نفسياً من معرفته أن أمه كانت غانية، ووضعته في كيس قمامة أسود على باب إحدى المؤسسات، و(الملياني) المشرد المسكون بمشهد مقتل أسرته أمام عينيه، و(ليندا) التي تكتشف أنها ابنة (رشيد) و(فتيحة)، فعندما اختطف الملثمون أمها كانت حبلى فيها، وماتت بعد ولادتها، وهربت بها إحدى النساء من الجبل، ووضعتها أيضاً على باب إحدى المؤسسات.

هذه الشخصيات الممزقة جسدياً ونفسياً، في عام 2019، حيث تدور الوقائع الرئيسة للرواية، وقت ثورة الحيوانات، كلها شخصيات منحدرة من فترة العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، فما يحدث في الواقع اليوم، هو نتاج ذلك التاريخ الذي يبدو بعيداً، لكنه يظل مطموراً وفاعلاً في نفوس الشخوص، تاركاً ندوبه العميقة في نفوسهم، بل في أجسادهم أيضاً، لذا يراوح السرد في حركة بندولية بين الحاضر والماضي، كأنه يفكك الحاضر، ويحفر في الماضي بحثاً عن الجذور المؤسسة لهذا الواقع وهذه الشخوص الشائهة، وما قاله الصحافي رشيد قديماً: «لم يعد أمامي سوى أن أموت كاتباً أو أعيش صامتاً. اخترت أن أرحل. ليال كثيرة قضيتها في التفكير. العاصمة صارت مصيدة، كل ركن فيها له عين أو فوهة بندقية» لا يختلف كثيراً عما يقوله ابنه (الملياني) المشرد بعد ما يقارب ثلاثين عاماً: «اعلموا أن البلاد صارت مقبرة كبيرة، بل قالوفة كبيرة، تبتلع في أقفاصها كل صوت رافض للقمع والإذلال والجوع والتطرف». ومن ثم، لا فارق بين «مصيدة» العشرية السوداء و«قالوفة» عشرية عبد القادر صابونة.


تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش
TT

تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش

يركز الباحث رامي مصطفى هلال في كتابه «ملامح السرد في الخطاب الشعري عند محمود درويش»، الصادر أخيراً عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، على «تجليات البيت» في قصيدة الشاعر الفلسطيني الأشهر، باعتباره رمزاً يختصر الوطن ويفيض بالحميمية والعذوبة.

ويشير إلى أن البيت وُظّف سردياً في شعر درويش؛ فهو ليس بيتا ذا أبعاد هندسية، لكنه يحمل ذاكرة الوطن المستلب في الخروج والعودة، ويظل مفتاحه الدائم في أيدي الفلسطينيين تاريخاً وشاهداً على الحق الثابت، وأملاً في العودة إليه مرة أخرى.

يسرد درويش في حوارية مع الأب، في سهل من سهول فلسطين، في قصيدة «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» سيرته الذاتية إبان النكبة، حين الخروج القسري من بيته ووطنه، ربما تكون قرية «البروة» التي وُلد فيها نابتة في حضن هذا السهل. ومن خلال راوٍ عليم، كليّ المعرفة، وشخصَيْن يقوم عليهما السرد والحوار، هما الأب والابن، تتوالى سردية ذات شحنة درامية مؤثرة إنسانياً.

يقول درويش في افتتاحية سينمائية لقصيدته يتشابك في فضائها فعلُ الحدث والكشف عن نفوس الشخصيات من خلال الاستفهام البريء للطفل واستحضار صيغة الاستفهام المكاني الذي يقوم عليه فعل السرد في القصيدة كلها:

«إلى أين تأخذني يا أبي؟

إلى جهة الريح يا ولدي»

يتوقف الحدث عند الحوار الكاشف الذي وهب المتلقي في ومضة واحدة شخصيتَي «الأب والابن»، والحدث الغامض «إلى جهة الريح»، والحوار المنتمي إلى روح اللحظة التاريخية وكثافتها وموقع الراوي وبنية الدراما السردية داخل القصيدة، ثم يصف الراوي لحظة الخروج فيقول:

«وهما يخرجانِ من السهلِ حيثُ

أقام جنودُ بونابرت تلّاً لرصد

الظلال على سور عكا القديم

يقول أب لابنِهِ: لا تَخَفْ لا تَخَفْ

من أزيز الرصاصِ التصِقْ بالترابِ لتنجو

سننجو ونعلو على جبل في الشمال

ونرجع حين

يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد»

يعيد التاريخ نفسه على الأرض؛ فمثلما رحل الغرباء من قبل، فإن سيرة الأرض تؤكد أن الغرباء الجدد راحلون أيضاً، والوصف يعمّق النص، ويضيف إلى القصيدة أبعاداً جديدة تسهم في تشكيل فضائها المضموني، وتساعد على تصوُّر الأحداث، حيث السرد في جوهره تقطيع لبنية الحكاية وإعادة تشكيلها من خلال التغيير في بنية الزمان والمكان.

إنه اليقين التاريخي الذي ينقله الأب إلى الابن من خلال الحوار، مستدعياً جنود بونابرت الذين كانوا يرصدون الظلال، ولذا فإن الشاعر – الراوي - يطلعنا على يقين الأب، وهو الشخصية المحورية في سَرْد درويش، وهو يؤكد بـ«سين المستقبل»: «سننجو ونعلو ونرجع»، وأن عودة الجنود القادمين من البعيد حتمية، هذا ما تقوله الأرض والتراب عندما يلتصق به الفلسطينيون:

«ومن يسكن البيت في بعدنا

يا أبي؟

سيبقى على حاله مثلما كان

يا ولدي».

وعبر التناوب بين ضمائر السرد في القصيدة؛ من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، وهما يخرجان، وكذلك التناوب بين تقنية الوصف والحوار، تتوتر القصيدة درامياً، وتتنقل لتخلق سرديتها الخاصة الممزوجة بوعي تاريخي. هنا تبرز مفردة «البيت» لتضارع الوطن؛ فهو البيت الكبير، ومَن يسكن البيت فإنه يسكن الوطن، ويأتي صوت الأب الواثق من العودة، فيطمئن الابن على الوطن.

وهذه اللغة الشعرية الدرامية تعطي الجمهور أو القارئ شعوراً بأن الفكرة تتكوَّن؛ إذ تتكلم الشخصية تحت ضغط الوضع الذي تجد نفسها فيه، ويُبرِز الاستفهام ملمحاً أسلوبياً في القصيدة يعبر به السارد عن مأساة الحاضر من خلال الماضي، ويدل على صدق الشخصيات وقربها من السرد الواقعي:

«تحسس مفتاحه مثلما يتحسس

أعضاءه واطمأن»

في سؤال آخر يسأل الطفل أباه قائلاً:

«لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً؟

لكي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها»

يعبر السارد، من خلال فعل التحسُّس المفاجئ عن مفتاح البيت كعضو من أعضاء الجسد، عن قيمة البيت وتداخله في الجسد الفلسطيني؛ فالتراب ينبت داخله كأعضاء جديدة، وكرد فعل على الغياب، فالبيت مكان يؤطر لفعل الحدث، ويصبح بطلاً في السرد، بل شخصية أثيرة من شخصيات السرد داخل القصيدة، يأبى لها الأب أن تموت في الغياب، فيترك له الحصان كي يؤنس وحدته.

يأبى السارد أن يتحول البيت إلى أطلال مهجورة، لذا فالبيت الفلسطيني لم يتحول في سردية درويش إلى أطلال تستحق الرثاء، ولكنه يظهر في الرؤية السردية كائناً حياً يقاوم فعل الزمن والأحداث، ويستعصي على المحو والتذويب، وقد جعله الشاعر السارد عضواً حياً في الجسد الفلسطيني، يستمدّ حياته من روح هذا الجسد، ووعيه وذاكرته الحية التي لا تغيب.

هكذا ظل البيت «في تجربة محمود درويش الشعرية حالة وجودية تتجاوز الحيز الجغرافي أو الجدران الإسمنتية، لتتحول إلى استعارة كبرى للهوية والذاكرة والمنفى، كما تجاوز فكرة المأوى، ليصبح نوعاً من (الفردوس المفقود) والصراع الجدلي المستمر بين الحضور والغياب».

جاء ذلك بمثابة تطوُّر لافت، بعد أن ارتبط في البدايات الأولى بمسقط الرأس في قرية البروة، حيث رُسمت ملامحه من خلال تفاصيل حسية بسيطة: رائحة القهوة وخبز الأم، وشجر الزيتون، ليكون البيت هنا متطابقاً مع «الوطن» في صيغته الرومانسية المباشرة، حيث تسود علاقة عضوية بين الشاعر والأرض.

ومع نضج تجربة الشاعر وتعمق مأساة الاقتلاع من الأرض، خضع مفهوم البيت لتحوُّل جذري ليُعرّف بضده، أي بالمنفى، أي أنه لا يتحقق ولا يُدرك إلا من خلال فقدانه، وهو ما يسميه النقاد بـ«شعرية الفقد».

إنه ليس ذلك الحيز الذي نسكن فيه، بل هو الذي يسكن فينا كجرح أو كحلم. يظهر البيت أحياناً كفضاء مثير للجدل والمشاعر المتناقضة، على نحو يجمع بين الألفة والوحشة؛ فالمبنى الذي استولى عليه «الآخر» لم يعد بيتاً، بل صار مكاناً غريباً، ما خلق حالة من «الاغتراب في المكان» تستدعي استحضار الأدوات المنزلية البسيطة وتحويلها إلى رمز لمقاومة النسيان، كالمزهريات والشبابيك، والمفاتيح الصدئة، وغيرها من عناصر تعيد بناء الذاكرة في مواجهة محاولات المحو.

في المراحل الأخيرة من أعمال درويش، اتسع مفهوم البيت ليشمل البُعد الكوني والأسطوري، ليتجاوز كل فلسطين وتتقاطع صورته مع القبر والرحم والمطلق. إنه يمثل «العودة الأبدية» إلى الذات، والتصالح مع فكرة أنه قد يكون «قصيدة» أو «إيقاعاً». كما يظهر البيت في هذه المرحلة وكأنه يجسد حالة من «الخفة»، بعد التخلص من «ثقل» الطين، حيث تصالح درويش مع فكرة «الشتات الوجودي»، معتبراً أن الاستقرار الحقيقي يكمن في النص لا في المكان.


«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية
TT

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

تعد رواية «لم يتبق غيرها» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة للكاتب الأميركي رايلي ساجر، ترجمة عبد الرحيم يوسف، بمثابة نص نموذجي للقارئ الباحث عن حبكة درامية تمزج الإثارة بالرعب، من خلال سرد تشويقي متصاعد ومفاجآت لا تنتهي، ونهاية صادمة غير متوقَّعة، لكاتب مشهور بقدرته على حبس أنفاس القارئ حتى اللحظة الأخيرة، وتُرجمت أعماله إلى أكثر من 35 لغة حول العالم.

تحكي أحداث الرواية كيف أنه في ليلة دامية عام 1929 هزَّت الجريمة المروعة لقتل عائلة هوب ساحل ولاية مين، فيما يعتقد الجميع أن الابنة لينورا ذات الأعوام السبعة عشر هي الفاعلة، ولكن الشرطة لم تتمكن من إثبات ذلك قط، ومنذ ذلك الحين لم تنبس الفتاة بكلمة عن تلك الليلة، ولم تغادر القصر المنعزل حيث وقعت المأساة.

في عام 1983، بعد أربعة وخمسين عاماً تصل كيت مقدمةُ الرعاية الصحية الجديدة إلى القصر لرعاية لينورا، التي باتت عاجزة ومقيَّدة إلى كرسي متحرك، بعد سلسلة من السكتات الدماغية التي أفقدتها صوتها، ولم يعد بمقدورها التواصل إلا عبر آلة كاتبة قديمة.

وذات ليلة، تنقر لينورا مفاتيح تلك الآلة برسالة لم تكن تتوقعها كيت:« أريد أن أخبرك بكل شيء... لم تكن أنا»، هكذا أقسمَتْ، لكنها الوحيدة التي لم تَمُت. وبينما تساعد «كيت» العجوز المقعدة في سرد الأحداث التي سبقت الجريمة المروعة، وتتكشف أسرار دفينة، يبدو أن الحقيقة أكثر غموضاً مما يعتقده الجميع، حتى تبدأ كيت في الشك: هل لينورا العاجزة ضحية حقّاً، أم أنها تخفي وجهاً آخر أكثر خطورة؟

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«أول ما أتذكره، الشيء الذي ما زالت تنتابني الكوابيس حوله، هو عندما انتهى كل شيء. أتذكر هدير الريح وأنا أخطو على الشرفة، كانت تهب من المحيط في زوابع عاوية تحتكّ بالمنحدر، قبل أن تصفعني مباشرة وأنا أهتزّ واقفة على كعبي شاعرةً كأن حشداً جامداً غير مرئي يدفعني للوراء نحو المنزل.

آخر مكان أردتُ أن أكون فيه!

استعدتُ توازني مزمجرةً، وبدأت أشقّ طريقي عبر الشرفة التي صارت أرضيتُها زلقةً بفعل المطر المنهمر. كانت تُمطِر بغزارة وحبات المطر شديدة البرودة كأن كل قطرة منها وخزة إبرة، وبسرعة شديدة وجدت نفسي وقد أفقت من حالة الذهول التي كنت فيها، وانتبهت فجأة، وبدأت ألاحظ الأشياء، قميص نومي ملطخ بالأحمر، ويداي دافئتان ولزجتان بالدم.

السكين ما زالت في قبضتي، كانت هي أيضاً ملوثةً بالدم، لكن المطر البارد طفق ينظفها بسرعة. الآن ظللت أتقدّم مخترقةً الريح التي كانت تدفعني إلى الوراء، وأنا ألهث مع كل قطرة مطر حادة، وأمامي كان المحيط وقد أهاجته العاصفة بسياطها، وصارت أمواجه تتحطم على سفح المنحدر تحتي بخمسين قدماً، لا يفصلني عن هوة البحر المظلمة إلا السياج الرخامي القصير الممتد بطول الشرفة. عندما بلغتُ السياج أصدرتُ صوتاً غريباً مخبولاً مخنوقاً نصف ضحكة ونصف نشيج.

استدرت عائدة إلى المنزل، كل نافذة في كل غرفة كانت مضاءة متوهجة مثل الشموع التي زينت كعكة عيد ميلادي متعددة الطوابق قبل ثمانية أشهر، لكني كنت أعرف أن المظاهر خادعة، وأنه حتى السجون قد تبدو جميلة لو أضيئت على نحو صحيح».