حين كانوا يصارعون...

حزب الكتائب كرم المصارع جان سعادة عام 2018
حزب الكتائب كرم المصارع جان سعادة عام 2018
TT

حين كانوا يصارعون...

حزب الكتائب كرم المصارع جان سعادة عام 2018
حزب الكتائب كرم المصارع جان سعادة عام 2018

لم يتسنّ لي أن أشاهد إدمون الزعني على الحلبة، إذ تقاعد واعتزل المهنة حين كنت صغيراً جدّاً. لكنّ الزعني، الذي لُقّب بـ«أسد لبنان»، وقيل إنّه اختير مرّةً بطلاً للعالم في المصارعة، خلّفَ قصصاً كثيرة من ذاك الصنف الذي تنسجه مُخيّلات سخيّة. فقد روي مثلاً أنّ أحد المصارعين الذين صارعهم قال له، فيما هما يتواجهان: أحبّ مضغ الآذان، ثمّ عضّ أذنه وظلّ يعضّها حتّى استقرّت كلّها في فمه. لكنّ الزعني، الذي لا يتألّم ولا يستوقفه فَقد عضو من أعضائه، ردّ عليه: وأنا أحبّ مضغ المصارين، ثمّ أنشب أصابعه في بطن خصمه واستخرج مصارينه.
هكذا تولّت الألسنة البريئة التفنّنَ في رسم بطولات لم يعد السيف أداتها. فهنا بِتنا أمام الجسد نفسه كمصدر للفعل الخارق، إمّا صنعاً له أو تلقّياً لآثاره. ولبنان، في الخمسينات، كان يؤثّث نفسه كأيّ بلد حديث الاستقلال، يعوزه المُصارع والبطولة مثلما يعوزه النشيد والعَلم وسوى ذلك ممّا تُستكمَل به الدول.
وفي الأحوال كافّة، حُفظ للزعني أنّه لبّى هذا المطلب. صحيح أنّه فقدَ أذنه غير أنّه «رفع رأس لبنان عالياً» كما كان يقال، ورفع خصوصاً رؤوس أبناء قريته تولا في قضاء البترون. هكذا أقاموا له، بعد رحيله في 1972، تمثالاً يُظهر قوّته وعضلاته المتحجّرة والمتورّمة.
لكنْ مع التلفزيون في الستينات، و«القناة 7» تحديداً، حلّت المصارعة في البيوت، فباتت مبارياتها تُبثّ من «المدينة الرياضيّة» حيث تتجمّع الحشود المتحمّسة مشارِكةً في الهيجان والمبايعة وفي لعن الأعداء الشياطين. وأغلب الظنّ أنّ المصارعة استقطبت جمهوراً يشبه الجمهور الذي استقطبه الزجل ووجد هو الآخر مضافته في التلفزيون. ذاك أنّها أقرب إلى أن تكون الممارسة التطبيقيّة للزجل، أو أنّها زجلٌ يُخاض بالأجسام. وهو ما استهوى ذُكوراً بالضرورة، تحيطهم قلّة قليلة من النساء، أمّا أكثر هؤلاء فكانوا ريفيّين هاجروا حديثاً إلى المدينة، وعرباً وكرداً بحثوا عن اللقمة في بيروت، ومعهم فقراء من المدن وضواحيها تعدّدت أعمارهم وتشابهت سويّاتهم التعليميّة المتواضعة. وبين هؤلاء، احتلّ سائقو السرفيس وشغّيلة الأفران والحمّالون الذين سمّتهم العاميّة عتّالين وأصحاب المهن المياوِمة موقعاً مميّزاً.
وقد انقسمت عواطف الجمهور بين نجوم المصارعة يومذاك، وكلٌّ منهم نال أوسمة وجوائز مساهماً في «رفع رأس لبنان عالياً». وكان أبرز هؤلاء الأخوين جان وأندريه سعادة، اللذين درّبهما الزعني، وأسعد سرور، و«بطل المهجر» وديع أيّوب، وإيلي بجّاني، وجورج ديراني، ونجيب نهرا... وكانت تلازم واحدَهم صفةٌ أو صفتان تتّصلان بشخصه أو بطريقته في المصارعة. فالأخوان سعادة، وكانا المعادلين الرياضيّين للأخوين رحباني في الفنّ وللأخوين فليفل في الأناشيد الملحّنَة، كانا «يُجسّران» إلى الخلف، فيستطيعان بمرونة التحكّم بالظهر أن يقلبا الخصم الذي يعلو عليهما.
ولسببٍ ما عُرفا بـ«الشيخ المنصور أندريه» و«الأمير المنصور جان»، كما لُقّب وديع أيّوب أيضاً بـ«الشيخ»، وسُمّي أحياناً «لبنان أيّوب» للإيحاء بأنّه يمثّل بلده في المغتربات، فلم يكن يتقدّم من الحلبة إلاّ معتمراً الكوفيّة والعقال اللذين يُفترض أنّهما دلالة على لبنان في العالم. أمّا بجّاني فكان يُنعَت بالشهامة والجنتلمانيّة لمدى تقيّده بقوانين اللعب وتحمّله الضرب الذي لا يردّ عليه إلاّ على نحو مدروس ومحسوب. وبدوره بقي نجيب نهرا محبوب الروم الأرثوذكس لأنّه أرثوذكسيّ، تماماً كما بقي جورج ديراني محبوب الفلسطينيّين المسيحيّين لأنّه من أبناء مخيّم مار إلياس.
و«الكيتش» كان حاضراً بقوّة، خصوصاً في استعراض ذاك الخليط المزركش من الأجسام العضليّة والأزياء والأوسمة ممّا كانت تنقله الملصقات الدعائيّة. فهنا أريدَ إيصال إيحاءين متضاربين: القوّة، من جهة، وهي من لوازم المهنة، ومن جهة أخرى، العاطفة الحنون التي تخاطب قلوب الجماهير مثلما كانت تفعل الأفلام الهنديّة عهدذاك. فـ«جبّار الحلبة» و«قاهر الأبطال» و«ملك الموت» الذي كانه المصارع، هو من صنف «الوحش» الذي يحبّ «الجميلة» وتحبّه. ولبنان يومها كان مكاناً نموذجيّاً لاجتماع البدائيّ والجميل «الحضاريّ»، فكان أبناؤه يحملون بكثرة أسماء سبع ونمر وأسد وذيب، كما يتحدّثون بشيء من العاديّة عن مباراة أنزلت الشلل بالمصارع أو تأدّى عنها شجّ رأسه. لكنّهم، إلى هذا، كانوا يذوبون رقّةً وهم يغنّون مع شارل أزنافور وماري ماتيو.
وهذه الكيتشيّة غنمت أكبر فرصها مع الأخوين سعادة. فهما الأكثر سفراً إلى الخارج وتعريفاً بالعالم على نحو سياحيّ لا يعرّف كثيراً. وهما غنّيا أغاني شرقيّة وغربيّة، ومثّلا في أفلام سينمائيّة حمل أحدها عنوان «قفزة من على نهر السين». وكانا، فوق هذا، الأكثر تنظيماً لمباريات توصف بالعالميّة، يستقبلان فيها مصارعين من بلدان نائية وغريبة. هكذا كانت تُستثار وطنيّة اللبنانيّين حين ينهزم ابن بلدهم أمام مصارع أجنبيّ، أو يتلقّى منه ضربات يتأخّر في ردّها إليه. فما أن يأتي الردّ حتّى تهبّ عاصفة الوطنيّة صياحاً وتصفيقاً.
وكان الإكزوتيكيّ هناك أيضاً. فبعض ملابس المصارعين وأقنعتهم ربّما استوحت منحوتات نحتها جياكوميتّي وبيكاسو لبدائيّين بتنا نعلم لاحقاً أنّهم لم يكونوا بدائيّين جدّاً. وكثيراً ما كانت الأزياء والأقنعة تلك تستدعي نوعاً من هوس الجمهور العُصابيّ وذعره من اللمس أو الاقتراب. ذاك أنّ الغابة أضحت، هي الأخرى، واحداً من عناصر الديكور الذي يحفّ بالمصارعة.
ولئن مثّل الشرّيرَ مصارعون قساة ومكروهون كالهنغاريّ يوجي كوفاكش والألمانيّ إريك ميلر والأميركيّ دالي لانش، فإنّ الأفريقيّ برنس كومالي كان رمز النبل والوسامة في آن معاً، أحبّه جمهور المصارعة وتناقلوا أنّ صداقة ترقى إلى أخوّة تجمع بينه وبين الأخوين سعادة. هكذا استقام حبّهم للمصارع الغريب بأن جعلوه واحداً منهم. ورغم أنّ اللبنانيّين غير منزّهين عن العنصريّة، فقد أنساهم هذا الحبّ لبرنس كومالي أنّ لونه أسود.
وككلّ شيء آخر، أعملت الطوائف مبضعها في المصارعة. فبينما غلب المسلمون في رفع الأثقال وكمال الأجسام، فكان منهم معظم الربّاعين، كان أغلب المصارعين مسيحيّين من جبل لبنان ومحيطه. هكذا انتسب كثيرون منهم إلى أحزاب يُقبل عليها مسيحيّون، لا سيّما الكتائب والقوميّ السوريّ اللذين يبالغان في التعويل على الأجساد. ففي بيت الكتائب المركزيّ في منطقة الصيفي، درّب إدمون الزعني هواة المصارعة عليها. وبالفعل انتمى إلى الحزب المذكور الأخوان سعادة وإيلي بجّاني كما انتسب جورج ديراني إلى القوميّ السوريّ.
وأغلب الظنّ أنّ المصارعة كان لها اقتصادها وتجارتها ممّا لم يُعرف عنه الكثير. لكنّ المرجّح أنّهما كانا اقتصاداً وتجارة صغيرين ومتواضعين. أمّا من يفكّر بأرباح الرهان على المصارع الرومانيّ القديم، الغلاديياتر، أو على الملاكم الأميركيّ بين الخمسينات والسبعينات، فعليه أن ينسى المقارنات.
لكنّ قريبي زغلول، الذي يكبرني بعشر سنوات ويدرس في الجامعة، أراد أن ينقذني من ضلالي فقال إنّ المصارعة «صفقات وترتيبات تسبق اللعب». بهذا نجح زغلول في هزّ اقتناعي بما تراه عيناي وتصدّقانه. وبعد سنوات طويلة كنت خلالها قد فقدت كلّ اهتمام بالمصارعة، جاء رولان بارت يوجّه ضربة أخرى. ففي مستهلّ كتابه «ميثولوجيّات» تحدّث الناقد الفرنسيّ عن «عالم المصارعة» نافياً أن تكون هذه «الرياضة» رياضة وجازماً أنّها، على عكس الملاكمة، فُرجة متوقَّعة الحركات ومتوقَّعة النتائج.
لكنّ الضربة الكبرى جاءت مع حرب السنتين في 1975. حينها صارت الأجسام لزوم ما لا يلزم، إذ القوّة لم تعد تخرج «إلاّ من فوهة البنادق». لقد حال الجدّ البالغ دون الفرجة، مثلما حال العنف المباشر دون الحاجة إلى تمثيله.
وإذ هاجر إيلي بجّاني إلى هيوستن وغاب ذكره، توفّي وديع أيّوب شابّاً في 1976. أمّا أندريه سعادة فعاش حتّى 1999، لكنّه عند وفاته كان في الحادي والستين. قبله اغتيل جورج ديراني في 1984 أمام منزله في المخيّم، وفي الحقبة الثمانينيّة اللعينة نفسها، مرّت سيّارة مسرعة أمام دكّان نجيب نهرا فخرج من شبّاكها رشّاش أودت رصاصاته بصاحب الدكّان. قاتلا ديراني ونهرا لم يُعرفا، ولم تُعرف أسباب مقتلهما.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».