حين كانوا يصارعون...

حزب الكتائب كرم المصارع جان سعادة عام 2018
حزب الكتائب كرم المصارع جان سعادة عام 2018
TT

حين كانوا يصارعون...

حزب الكتائب كرم المصارع جان سعادة عام 2018
حزب الكتائب كرم المصارع جان سعادة عام 2018

لم يتسنّ لي أن أشاهد إدمون الزعني على الحلبة، إذ تقاعد واعتزل المهنة حين كنت صغيراً جدّاً. لكنّ الزعني، الذي لُقّب بـ«أسد لبنان»، وقيل إنّه اختير مرّةً بطلاً للعالم في المصارعة، خلّفَ قصصاً كثيرة من ذاك الصنف الذي تنسجه مُخيّلات سخيّة. فقد روي مثلاً أنّ أحد المصارعين الذين صارعهم قال له، فيما هما يتواجهان: أحبّ مضغ الآذان، ثمّ عضّ أذنه وظلّ يعضّها حتّى استقرّت كلّها في فمه. لكنّ الزعني، الذي لا يتألّم ولا يستوقفه فَقد عضو من أعضائه، ردّ عليه: وأنا أحبّ مضغ المصارين، ثمّ أنشب أصابعه في بطن خصمه واستخرج مصارينه.
هكذا تولّت الألسنة البريئة التفنّنَ في رسم بطولات لم يعد السيف أداتها. فهنا بِتنا أمام الجسد نفسه كمصدر للفعل الخارق، إمّا صنعاً له أو تلقّياً لآثاره. ولبنان، في الخمسينات، كان يؤثّث نفسه كأيّ بلد حديث الاستقلال، يعوزه المُصارع والبطولة مثلما يعوزه النشيد والعَلم وسوى ذلك ممّا تُستكمَل به الدول.
وفي الأحوال كافّة، حُفظ للزعني أنّه لبّى هذا المطلب. صحيح أنّه فقدَ أذنه غير أنّه «رفع رأس لبنان عالياً» كما كان يقال، ورفع خصوصاً رؤوس أبناء قريته تولا في قضاء البترون. هكذا أقاموا له، بعد رحيله في 1972، تمثالاً يُظهر قوّته وعضلاته المتحجّرة والمتورّمة.
لكنْ مع التلفزيون في الستينات، و«القناة 7» تحديداً، حلّت المصارعة في البيوت، فباتت مبارياتها تُبثّ من «المدينة الرياضيّة» حيث تتجمّع الحشود المتحمّسة مشارِكةً في الهيجان والمبايعة وفي لعن الأعداء الشياطين. وأغلب الظنّ أنّ المصارعة استقطبت جمهوراً يشبه الجمهور الذي استقطبه الزجل ووجد هو الآخر مضافته في التلفزيون. ذاك أنّها أقرب إلى أن تكون الممارسة التطبيقيّة للزجل، أو أنّها زجلٌ يُخاض بالأجسام. وهو ما استهوى ذُكوراً بالضرورة، تحيطهم قلّة قليلة من النساء، أمّا أكثر هؤلاء فكانوا ريفيّين هاجروا حديثاً إلى المدينة، وعرباً وكرداً بحثوا عن اللقمة في بيروت، ومعهم فقراء من المدن وضواحيها تعدّدت أعمارهم وتشابهت سويّاتهم التعليميّة المتواضعة. وبين هؤلاء، احتلّ سائقو السرفيس وشغّيلة الأفران والحمّالون الذين سمّتهم العاميّة عتّالين وأصحاب المهن المياوِمة موقعاً مميّزاً.
وقد انقسمت عواطف الجمهور بين نجوم المصارعة يومذاك، وكلٌّ منهم نال أوسمة وجوائز مساهماً في «رفع رأس لبنان عالياً». وكان أبرز هؤلاء الأخوين جان وأندريه سعادة، اللذين درّبهما الزعني، وأسعد سرور، و«بطل المهجر» وديع أيّوب، وإيلي بجّاني، وجورج ديراني، ونجيب نهرا... وكانت تلازم واحدَهم صفةٌ أو صفتان تتّصلان بشخصه أو بطريقته في المصارعة. فالأخوان سعادة، وكانا المعادلين الرياضيّين للأخوين رحباني في الفنّ وللأخوين فليفل في الأناشيد الملحّنَة، كانا «يُجسّران» إلى الخلف، فيستطيعان بمرونة التحكّم بالظهر أن يقلبا الخصم الذي يعلو عليهما.
ولسببٍ ما عُرفا بـ«الشيخ المنصور أندريه» و«الأمير المنصور جان»، كما لُقّب وديع أيّوب أيضاً بـ«الشيخ»، وسُمّي أحياناً «لبنان أيّوب» للإيحاء بأنّه يمثّل بلده في المغتربات، فلم يكن يتقدّم من الحلبة إلاّ معتمراً الكوفيّة والعقال اللذين يُفترض أنّهما دلالة على لبنان في العالم. أمّا بجّاني فكان يُنعَت بالشهامة والجنتلمانيّة لمدى تقيّده بقوانين اللعب وتحمّله الضرب الذي لا يردّ عليه إلاّ على نحو مدروس ومحسوب. وبدوره بقي نجيب نهرا محبوب الروم الأرثوذكس لأنّه أرثوذكسيّ، تماماً كما بقي جورج ديراني محبوب الفلسطينيّين المسيحيّين لأنّه من أبناء مخيّم مار إلياس.
و«الكيتش» كان حاضراً بقوّة، خصوصاً في استعراض ذاك الخليط المزركش من الأجسام العضليّة والأزياء والأوسمة ممّا كانت تنقله الملصقات الدعائيّة. فهنا أريدَ إيصال إيحاءين متضاربين: القوّة، من جهة، وهي من لوازم المهنة، ومن جهة أخرى، العاطفة الحنون التي تخاطب قلوب الجماهير مثلما كانت تفعل الأفلام الهنديّة عهدذاك. فـ«جبّار الحلبة» و«قاهر الأبطال» و«ملك الموت» الذي كانه المصارع، هو من صنف «الوحش» الذي يحبّ «الجميلة» وتحبّه. ولبنان يومها كان مكاناً نموذجيّاً لاجتماع البدائيّ والجميل «الحضاريّ»، فكان أبناؤه يحملون بكثرة أسماء سبع ونمر وأسد وذيب، كما يتحدّثون بشيء من العاديّة عن مباراة أنزلت الشلل بالمصارع أو تأدّى عنها شجّ رأسه. لكنّهم، إلى هذا، كانوا يذوبون رقّةً وهم يغنّون مع شارل أزنافور وماري ماتيو.
وهذه الكيتشيّة غنمت أكبر فرصها مع الأخوين سعادة. فهما الأكثر سفراً إلى الخارج وتعريفاً بالعالم على نحو سياحيّ لا يعرّف كثيراً. وهما غنّيا أغاني شرقيّة وغربيّة، ومثّلا في أفلام سينمائيّة حمل أحدها عنوان «قفزة من على نهر السين». وكانا، فوق هذا، الأكثر تنظيماً لمباريات توصف بالعالميّة، يستقبلان فيها مصارعين من بلدان نائية وغريبة. هكذا كانت تُستثار وطنيّة اللبنانيّين حين ينهزم ابن بلدهم أمام مصارع أجنبيّ، أو يتلقّى منه ضربات يتأخّر في ردّها إليه. فما أن يأتي الردّ حتّى تهبّ عاصفة الوطنيّة صياحاً وتصفيقاً.
وكان الإكزوتيكيّ هناك أيضاً. فبعض ملابس المصارعين وأقنعتهم ربّما استوحت منحوتات نحتها جياكوميتّي وبيكاسو لبدائيّين بتنا نعلم لاحقاً أنّهم لم يكونوا بدائيّين جدّاً. وكثيراً ما كانت الأزياء والأقنعة تلك تستدعي نوعاً من هوس الجمهور العُصابيّ وذعره من اللمس أو الاقتراب. ذاك أنّ الغابة أضحت، هي الأخرى، واحداً من عناصر الديكور الذي يحفّ بالمصارعة.
ولئن مثّل الشرّيرَ مصارعون قساة ومكروهون كالهنغاريّ يوجي كوفاكش والألمانيّ إريك ميلر والأميركيّ دالي لانش، فإنّ الأفريقيّ برنس كومالي كان رمز النبل والوسامة في آن معاً، أحبّه جمهور المصارعة وتناقلوا أنّ صداقة ترقى إلى أخوّة تجمع بينه وبين الأخوين سعادة. هكذا استقام حبّهم للمصارع الغريب بأن جعلوه واحداً منهم. ورغم أنّ اللبنانيّين غير منزّهين عن العنصريّة، فقد أنساهم هذا الحبّ لبرنس كومالي أنّ لونه أسود.
وككلّ شيء آخر، أعملت الطوائف مبضعها في المصارعة. فبينما غلب المسلمون في رفع الأثقال وكمال الأجسام، فكان منهم معظم الربّاعين، كان أغلب المصارعين مسيحيّين من جبل لبنان ومحيطه. هكذا انتسب كثيرون منهم إلى أحزاب يُقبل عليها مسيحيّون، لا سيّما الكتائب والقوميّ السوريّ اللذين يبالغان في التعويل على الأجساد. ففي بيت الكتائب المركزيّ في منطقة الصيفي، درّب إدمون الزعني هواة المصارعة عليها. وبالفعل انتمى إلى الحزب المذكور الأخوان سعادة وإيلي بجّاني كما انتسب جورج ديراني إلى القوميّ السوريّ.
وأغلب الظنّ أنّ المصارعة كان لها اقتصادها وتجارتها ممّا لم يُعرف عنه الكثير. لكنّ المرجّح أنّهما كانا اقتصاداً وتجارة صغيرين ومتواضعين. أمّا من يفكّر بأرباح الرهان على المصارع الرومانيّ القديم، الغلاديياتر، أو على الملاكم الأميركيّ بين الخمسينات والسبعينات، فعليه أن ينسى المقارنات.
لكنّ قريبي زغلول، الذي يكبرني بعشر سنوات ويدرس في الجامعة، أراد أن ينقذني من ضلالي فقال إنّ المصارعة «صفقات وترتيبات تسبق اللعب». بهذا نجح زغلول في هزّ اقتناعي بما تراه عيناي وتصدّقانه. وبعد سنوات طويلة كنت خلالها قد فقدت كلّ اهتمام بالمصارعة، جاء رولان بارت يوجّه ضربة أخرى. ففي مستهلّ كتابه «ميثولوجيّات» تحدّث الناقد الفرنسيّ عن «عالم المصارعة» نافياً أن تكون هذه «الرياضة» رياضة وجازماً أنّها، على عكس الملاكمة، فُرجة متوقَّعة الحركات ومتوقَّعة النتائج.
لكنّ الضربة الكبرى جاءت مع حرب السنتين في 1975. حينها صارت الأجسام لزوم ما لا يلزم، إذ القوّة لم تعد تخرج «إلاّ من فوهة البنادق». لقد حال الجدّ البالغ دون الفرجة، مثلما حال العنف المباشر دون الحاجة إلى تمثيله.
وإذ هاجر إيلي بجّاني إلى هيوستن وغاب ذكره، توفّي وديع أيّوب شابّاً في 1976. أمّا أندريه سعادة فعاش حتّى 1999، لكنّه عند وفاته كان في الحادي والستين. قبله اغتيل جورج ديراني في 1984 أمام منزله في المخيّم، وفي الحقبة الثمانينيّة اللعينة نفسها، مرّت سيّارة مسرعة أمام دكّان نجيب نهرا فخرج من شبّاكها رشّاش أودت رصاصاته بصاحب الدكّان. قاتلا ديراني ونهرا لم يُعرفا، ولم تُعرف أسباب مقتلهما.



«توقيت آخر للحياة»... إعادة تشكيل علاقة الذات بالعالم

«توقيت آخر للحياة»... إعادة تشكيل علاقة الذات بالعالم
TT

«توقيت آخر للحياة»... إعادة تشكيل علاقة الذات بالعالم

«توقيت آخر للحياة»... إعادة تشكيل علاقة الذات بالعالم

لا تنفصل البنية السردية في رواية بشرى الهلالي «توقيت آخر للحياة» (دار الحكمة، لندن) عن سياق السرديات العراقية المعاصرة المحكومة باستراتيجية المواجهة مع الصدمة؛ إلا أنها تمتاز عنها بتقديم جغرافيا بديلة تشتغل بوصفها مختبراً سيكولوجياً وسيميائياً لفحص شروخ الذات والوطن. إذ لا يكتفي النص برصد عذابات العاصمة في لحظة التحول (احتجاجات تشرين)، بل يعمد إلى تفكيك هذه الصدمة عبر آلية الإزاحة المكانية، إذ يغدو السفر قناعاً لحفر معرفي داخل وعي البطلة (ملك)، فيتحوّل الانتقال الجغرافي إلى انتقال في طبقات الوعي لا في المكان فقط.

يتكشّف العنوان (توقيت آخر للحياة) بوصفه عتبة دلالية كثيفة تحيل إلى زمن نفسي لا فيزيائي؛ إذ لا يشير «التوقيت» إلى حركة عقارب الساعة بل إلى بنية إدراكية تعيد تشكيل علاقة الذات بالعالم. ومن ثم فإن البحث عن «توقيت آخر» ليس بحثاً عن زمن بديل بقدر ما هو محاولة لتخفيف وطأة الزمن الجريح الذي يهيمن على تجربة «ملك» في بغداد. غير أن النص يكشف منذ البدء أن هذا التوقيت البديل لا يتحقق بوصفه خلاصاً، لأن الداخل يظل أكثر حضوراً من أي جغرافيا خارجية، فتظل الذات أسيرة زمنها النفسي حتى وهي تغادر المكان.

وتتعمق هذه الإشكالية عبر البنية السير-ذاتية التي تسم الرواية، حيث تتقاطع تجربة «ملك» الصحافية مع التجربة العراقية الجمعية، فيتحول الخاص إلى علامة على العام، والفردي إلى مرآة للوطني. وتعود الرواية إلى الطفولة بوصفها لحظة تأسيس للانكسار الأول، حين تُصاغ الذات داخل نظام قمعي ناعم، كما في قول الأم: «أنتِ الكبرى، عليك تلبية ما يعنيه أخوك» (ص 12)، وهي عبارة تختزل تشكل عقدة الالتزام والإذعان. ويقابل ذلك التمثيل الرمزي في استعارة قوالب التجميد: «نولد سوائل بلا شكل أو رائحة، ثم نُصَب في قوالب صُممت خصيصاً لتجميدنا» (ص 38)، إذ يغدو المجتمع بنيةً صلبةً تصادر سيولة الكينونة وتحولها إلى أشكال جاهزة.

وتتداخل الصدمة العاطفية مع الصدمة الوطنية؛ إذ لا يمكن فصل تجربة الطلاق المرتبطة بالحرف «م» عن سياق الانهيار العام. فالحرف «م» لا يحيل إلى شخص بقدر ما يتحوّل إلى أثر دلالي للغياب، إلى ظلّ يطارد الوعي ويعيد إنتاج الانكسار. وهكذا يصبح السفر محاولة للهروب من الذاكرة لا من المكان، غير أنَّ النص يثبت أن الذاكرة لا تُهزم بالجغرافيا، بل تعيد تشكيل ذاتها داخل كل فضاء جديد.

ويظهر المكان في بغداد بوصفه بنيةً أيديولوجيةً أكثر منه فضاءً مادياً، خصوصاً في تمثيل المنطقة الخضراء التي تتحوّل إلى علامة على الانفصال الطبقي والسياسي. فقول الساردة: «لم تطأ قدماي المنطقة الخضراء...» (ص 98) لا يصف منعاً مكانياً فقط، بل يكشف عن نظام كامل من الإقصاء والوساطة والرقابة. ويتحول المكان إلى جهاز سلطة، حيث لا يدخل الفرد إلا عبر شروط مسبقة، وحيث تُعاد صياغة الوجود داخل منطق الحجب لا الانفتاح. وتتشابك هذه السلطة السياسية مع سلطة عاطفية موازية، إذ يتحول الحبيب إلى امتداد لبنية السيطرة: «أن يطويني بيديه كورقة بيضاء» (ص 98)، في تداخل بين الجسدي والسياسي، والحب بوصفه احتواءً والحب بوصفه محواً.

وعند انتقال السرد إلى الفضاء الأفريقي، لا ينفصل المطار والطائرة عن هذا المنطق الوجودي؛ إذ يشتغل المطار بوصفه عتبةً برزخيةً بين عالمين، بينما تتحوّل الطائرة إلى «مكان معلق بين غيمتين» (ص 11)، أي حالة وعي معلقة بين الإقلاع والهبوط، بين الانفصال والعودة. وتكتسب الرحلة بعداً تناصياً مع «قلب الظلام» لجوزيف كونراد، إذ يصبح السفر إلى أوغندا غوصاً في أعماق الذات، وتتحوّل الغابة إلى امتداد للظلام الداخلي لا إلى جغرافيا خارجية.

وفي هذا الفضاء، لا يشتغل الفندق بوصفه مكان إقامة، بل بوصفه «لا مكان» وفق مارك أوجيه، أي فضاء منزوع الهوية والذاكرة. تتحوّل الغرفة إلى بنية اغتراب، ويصبح فقدان الهاتف لحظة انقطاع وجودي عن العالم؛ إذ يمثل الهاتف أرشيف الذات وامتدادها الرقمي، وضياعه يعادل فقدان الخيط الرابط بين «ملك» وذاكرتها البغدادية. ومن هنا تتكثف المتاهة، إذ تتشابه الممرات وتتشظى الاتجاهات، ويتحول المكان إلى انعكاس مباشر لتشظي الوعي.

ومع تعمق التجربة الأفريقية، يتكشف أن هذا الفضاء ليس بديلاً للخلاص، بل امتداد آخر للعنف التاريخي؛ إذ تتجاور الطبيعة البكر مع آثار العنف السياسي، فتسقط فكرة المكان الآمن. وتتشكل بنية فانتازية تجعل الغابة والفندق في حالة توازي رمزي بين العمودي (النظام/الفندق) والأفقي (الحرية/الغابة)، لتبقى الذات معلقة بينهما دون استقرار.

وتتجلى هوية «ملك» عبر شبكة مرايا بشرية تؤدي وظيفة تفكيك الذات من الداخل، حيث تمثل «نجوى» العفوية مقابل النخبوية، و«عادل» المثقف الممزق بين الوطن والمنفى، و«سيا» نموذج التصالح مع الجسد واللحظة. وهذه العلاقات لا تقدم شخصيات مساعدة، بل تكشف انكسارات الذات المركزية وتعيد إنتاجها في صور متعددة.

ويشكل مقتل المصدر لحظة انهيار بنيوي في السرد؛ إذ يسقط وهم المسافة بين الذات العراقية والحدث الجاري. فالمصدر ليس مجرد وسيط معلوماتي، بل امتداد حيّ للواقع، وموته يعيد «ملك» إلى سؤال أخلاقي قاسٍ حول جدوى البقاء في فضاء آمن، بينما الآخرون يُمحون في الداخل. وهنا يتحول السفر إلى عبء أخلاقي لا إلى حرية، ويصبح الاغتراب شكلاً من أشكال التواطؤ الصامت.

وفي مستوى أعمق، تتسع الرواية لتشمل ذاكرة العنف التاريخي في السياق الأفريقي، إذ يتقاطع الجسد مع السرد في تجربة «ديمبي»، ويتحوّل الاعتراف إلى إعادة فتح للجرح بدل إغلاقه، مما يعمّق فكرة أن الحقيقة ليست خلاصاً بل عبء دائم.

وتصل الرواية إلى لحظة تحول جمالي حين يبرز مشهد الجاز بوصفه قطيعة مع الرقابة والذاكرة الجريحة، إذ يصبح الفن نافذة على وعي بديل خارج ثقل السياسة والتاريخ. غير أنَّ هذا الانفتاح لا يلغي التوتر الداخلي، بل يعيد صياغته داخل شكل جديد من الإدراك.

وتتجلى في النهاية بنية الانقسام الداخلي للذات عبر مستويات متعددة من الوعي، إذ تتصارع الأنا الواعية مع الأنا الغريزية والأخرى الناقدة، ويتحوّل الجسد إلى خطاب احتجاجي يكشف ما تعجز اللغة عن قوله.

أخيراً لا تقدم الرواية خلاصاً نهائياً، بل تنتهي إلى تثبيت فكرة أن الكتابة هي «التوقيت الآخر للحياة»، أي الزمن الوحيد الذي يمكن فيه إعادة تشكيل الوجود من ركام الصدمة. فالكتابة ليست وصفاً للعالم، بل إعادة إنتاج له داخل بنية رمزية جديدة، إذ يتحول الألم إلى نص، والخراب إلى معنى مؤجل.

هكذا يتضح أن الرواية لا تقترح مغادرة المكان بقدر ما تقترح إعادة كتابته، وأن السفر ليس خروجاً من الجرح بل إعادة تدوير له في جغرافيا مختلفة، بينما تبقى الكتابة وحدها الفضاء القادرعلى احتواء هذا التشظي ومنحه شكلاً قابلاً للفهم دون أن تدّعي شفاءه. يظهر المكان في بغداد بوصفه بنيةً آيديولوجيةً أكثر منه فضاءً مادياً كما في تمثيل المنطقة الخضراء علامة على الانفصال الطبقي والسياسي


الكاتب الذي يموت مرتين

الكاتب الذي يموت مرتين
TT

الكاتب الذي يموت مرتين

الكاتب الذي يموت مرتين

قد يموت الكاتب مرتين. مرة حين يتوقف الناس عن القراءة له، ومرة حين يوارى جسده في أعماق التراب. المفارقة أن الموت الأول قد يسبق الثاني بسنوات طويلة، لأن الكاتب قد يبقى حياً بينما يكون حضوره الثقافي قد انطفأ، أو لم يشتعل أصلاً. هذا موضوع متشابك فالكتابة في جوهرها محاولة لمقاومة الغياب.

يعرف الإنسان أن صوته الحسيّ سيتوقف يوماً، فيترك نصاً يطمح أن يواصل الكلام بعده. ولهذا كان الكتاب دائماً وسيلة لمخاطبة أناس قد لا يعرفهم الكاتب، وربما لم يولدوا بعد. وحين نقرأ اليوم أفلاطون أو الجاحظ أو المتنبي، فنحن لا نتعامل معهم بوصفهم شخصيات من الماضي فقط، بل بوصفهم أصواتاً لا تزال تدخل في أسئلتنا وخلافاتنا، إنها أصوات ترفض الموت وتقاومه، وأظن أنهم سيصابون بدهشة كبيرة عندما يعرفون عدد من قرأ لهم. لنا فقط أن نضرب مثلاً بأرسطو الذي جلس على عرش العلم الطبيعي وفلسفة الطبيعة لمدة تقارب ألفي سنة. لا شك أن هذا نجاح باهر وربما لم يخطر ببال أرسطو أن يتحقق له كل هذا المجد بعد موته. الحظ لا يحالف الجميع، فهناك كتّاب يغيبون قبل أن يموتوا. تصدر كتب الواحد منهم فلا تناقش، ويكتب فلا يترك أثراً، ويتراجع اسمه تدريجياً إلى منطقة الصمت، بكل ما تحمل من دلالة. هنا يصبح الكاتب موجوداً من الناحية الجسدية، وغائباً من المجال الثقافي. ولا تقاس حياة الكاتب بعدد النسخ المباعة وحده، فقد يحظى بعضهم بشهرة واسعة في زمنه ثم يختفي سريعاً، بينما لا يلقى آخرون اهتماماً كبيراً في حياتهم ثم يكتشفهم جيل لاحق. لم ينل نيتشه الشهرة الواسعة إلا في أواخر ثمانينات القرن التاسع عشر قبيل انهياره العقلي.

مع ذلك، فالشهرة حدث سريع، أما البقاء فمسألة أخرى. الأول قد تصنعه مناسبة سياسية أو سجال عابر مع المتزمتين أو ضجة إعلامية، أما الثاني فيحتاج إلى أن يظل النص قادراً على توليد المعنى بعد أن تنتهي الظروف التي أنتجته. وهنا تظهر مفارقة أخرى، ليس كل كاتب مشهور حياً بالمعنى الثقافي، وليس كل كاتب منسي ميتاً نهائياً. قد يكون اسم ما حاضراً في الصحف والمنصات لكنه لا يضيف شيئاً إلى الذاكرة، وقد يختفي اسم آخر سنوات ثم يعود بقوة حين يكتشف الناس أن الأسئلة التي طرحها لم تنته.

لهذا تبدو المكتبات أماكن غريبة. فهي تضم كتباً صدرت منذ سنوات قليلة ولا يكاد أحد يفتحها، وإلى جوارها كتباً مضى عليها مئات السنين ولا تزال حاضرة. العمر الزمني للكتاب لا يحدد عمره الثقافي. هناك نصوص تشيخ سريعاً، وأخرى تجدد شبابها مع كل جيل. لكن من الذي يمنح الكاتب هذه الحياة الثانية؟

النص وحده لا يكفي دائماً. هناك مؤسسات كاملة تشارك في صنع الذاكرة الثقافية: الجامعات، ودور النشر، والصحافة، والمناهج، والنقاد، والمترجمون، والجوائز، والمكتبات. هذه المؤسسات لا تحفظ الكتب فقط، بل قد تقرر إلى حد بعيد ما الذي سيظل متاحاً للقراءة، وما الذي سينسحب إلى الظل. ومن هنا فإن تاريخ الأدب والفكر ليس فقط تاريخ من كتبوا، بل أيضاً تاريخ من جرى الاحتفاظ بهم ومن جرى نسيانهم. وقد يبقى بعض العصيين على النسيان برغم عدم مواتاة الظروف.

والترجمة واحدة من أقوى وسائل مقاومة هذا النسيان. الكاتب الذي يبقى محصوراً في لغته قد يموت داخل حدودها، ثم تأتي ترجمة جيدة فتمنحه جمهوراً لم يكن يعرفه. بعض الكتاب لم تبدأ شهرتهم العالمية إلا بعد أن انتقلوا إلى لغة أخرى. وهنا لا تكون الترجمة نقلاً للكلمات فقط، بل تمنح أعماراً جديدة.

أما عصر الإنترنت فقد غيّر معنى الموت الثقافي نفسه. في السابق كان اختفاء الكتاب من المكتبات كافياً تقريباً لإبعاده عن القارئ. اليوم يمكن لنص قديم أن يعود خلال أيام بسبب اقتباس متداول أو محاضرة مصورة أو نسخة إلكترونية. الرقمنة منحت الكتب نوعاً جديداً من البقاء، لكنها صنعت في الوقت نفسه سيلاً هائلاً من النصوص يجعل النسيان أسرع. نحن نحفظ كل شيء تقريباً، لكننا لا نقرأ إلا القليل. وهذا يقود إلى سؤال أصعب: هل الخلود الثقافي فضيلة في النص أم حظ تاريخي؟

ربما الاثنان معاً. يحتاج الكاتب إلى نص قادر على تجاوز مناسبته، لكنه يحتاج أيضاً إلى قارئ يأتي في اللحظة المناسبة. فالكتاب لا يعيش بذاته، بل بعلاقة تتجدد بينه وبين قارئ جديد. وفي كل مرة يفتح فيها شخص كتاباً قديماً ويجد فيه سؤالاً يخصه، يبدأ الكاتب حياة أخرى. ربما لهذا يشعر الكاتب بقلق خاص تجاه المستقبل. فهو لا يريد فقط أن ينهي كتابه، بل يتساءل عما إذا كان سيجد قارئاً بعد سنوات. إنه يكتب في الحاضر، لكن جزءاً من الكتابة موجه دائماً إلى زمن لا يستطيع أن يراه. ولا أحد يضمن البقاء. يستطيع الكاتب أن يحسّن نصه، وأن يذهب بفكرته إلى أقصى ما يستطيع، ثم يترك الباقي للزمن. فالكتب، مثل أصحابها، لها أقدار لا يمكن التحكم فيها كاملة. لهذا قد لا يكون القبر هو النهاية الحقيقية للكاتب. النهاية تبدأ حين تنقطع الصلة بين نصه المتصل والقراء. أما ما دام هناك من يفتح كتابه، ويجادله، أو يعثر عنده على شيء يستحق التفكير، أو حتى الرفض، فإن شيئاً منه يظل خارج دائرة الموت.

* كاتب سعودي


آي ويوي يبحث في مانشستر عن مهاجرين قفزوا إلى البحر

آي ويوي يبحث في مانشستر عن مهاجرين قفزوا إلى البحر
TT

آي ويوي يبحث في مانشستر عن مهاجرين قفزوا إلى البحر

آي ويوي يبحث في مانشستر عن مهاجرين قفزوا إلى البحر

في قاعة «وير هاوس» بمانشستر، شمال إنجلترا، يقيم الفنان الصيني آي ويوي معرضاً فريداً من نوعه، من جهة ضخامته وتنوعه، مواد وتقنيات وأساليب وموضوعات وحكايات. أما لماذا مانشستر؟ فلأنها المدينة التي شهدت ولادة الثورة الصناعية التي بدأت بصناعات النسيج، ولذلك سُميت بـ«مدينة القطن».

وما علاقة كل هذا بمعرض فني؟ كما هي حكاية كل عمل ينفذه الفنان الصيني الذي عُرف بميله إلى الضخامة والكثرة والتكرار، فقد بدأت الفكرة من قيامه بشراء أطنان من الأزرار من مصنع إنجليزي كان قد أعلن عن إفلاسه. ما الذي سيفعله بتلك الكمية من الأزرار؟ هل سينشرها على الأرض مثلما فعل ببذور عباد الشمس التي صنعها من الخزف ونثرها في الباحة الداخلية لمتحف «تيت مودرن» قبل سنوات؟ كانت الفكرة مغرية لولا أنه فكر في مفارقة تاريخية مصدرها رغبته في المقارنة بين واقعين: مانشستر في عصرها الصناعي الذهبي وواقعها الحالي بعد أن أغلقت مصانعها، والصين -وهي وطن الفنان- في ماضيها الكئيب وعصرها المزدهر؛ حيث تحولت إلى معمل العالم.

تلك توطئة، انتقل الفنان بعدها بذاكرته التاريخية -وهو مولع بالحكايات- إلى الحملة التي قامت بها القوى المهيمنة على اقتصاد العالم، من أجل إجبار الصين على فتح موانئها بعد أن أغلقتها عام 1900. ببساطة، قام بتصنيع أعلام بحجم المنازل مخيطة بالأزرار. تُمثل تلك الأعلام تحالف الدول الثماني التي غزت الصين. نسج الفنان سرديات التصنيع والاستعمار والعنف التاريخي في صورة معقدة للتاريخ الحديث.

لقد انطوى التاريخ على كثير من السخرية والعبث. كانت التكلفة باهظة. اندحرت إمبراطوريات حين مزق بعضها البعض الآخر فيما بعد. تبدو الأعلام ثقيلة، يشعر المشاهد بثقلها، ويكون لزاماً عليه أن يفكر في التاريخ وضغطه المستمر. وعلى الرغم من خلافه مع النظام الشيوعي الحاكم في الصين، فإن آي ويوي لا يُخفي فخره ببلاده التي خرجت منتصرة بطريقة ناعمة.

ويستغرق السفر بالقطار من لندن إلى مانشستر أكثر من ساعتين بقليل، ولكن عشرات السنين يمكن أن تمر إذا ما استعان المسافر بذاكرته واخترق الزمن عمودياً. لقد كان للكدح الإنساني وجهان، وجه مضيء وآخر مظلم. ومثلما كانت الصناعة التي بدأت في مانشستر نقطة تحول خطير في التاريخ البشري؛ حيث بدأ العصر الصناعي الذي أنهى تدريجياً تقاليد العمل اليدوي، فإنها أخفت تحت أقنعتها المتعددة أشباح الموت والعنف والاستغلال والجشع والمعاناة.

أول ما يراه المرء في معرض آي ويوي الذي يستمر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل، ثريا زجاجية سوداء مصنوعة من هياكل عظمية، وجدار مغطى بصورٍ لأقوى القنابل التي اختُرعت واستُعملت في الحروب، من أجل أن تصنع الإمبراطوريات المتعاقبة مجدها الزائل. الاستعمار الذي وهبته المواصلات الحديثة قوة دفع بخاري.

«تاريخ القنابل» هو العمل الذي يُغطي الجدار القصير للقاعة المستطيلة بالكامل، وقد جُمع بواسطة متطوعين في مانشستر وحرفيين في الصين. من بعيد، يبدو العرض الأنيق للقنابل الفضية اللامعة على خلفية سوداء داكنة، وكأنه مأخوذ من «كتالوج تسوق» لبضائع تتميز بقسوة جمالها.

وإذا ما كان الفنان قد حرص على السماح لزوار معرضه بالاقتراب الشديد من المعروضات، فلأنه كان يرغب في أن يفاجئهم بأن ما يرونه ليس صوراً؛ بل هو تركيب مصنوعٌ من مكعبات اللعب التي يلهو بها الأطفال. 3.5 مليون مكعب، يبلغ طول كل منها نحو نصف سنتيمتر، بألوان الأبيض والأسود والرمادي والفضي. استدرج الفنان البراءة إلى الأرض الحرام، تلك المساحة الفاصلة بين الجيوش والتي لا يعود منها أحد.

لا يتعلق قصد الفنان بالبشاعة كما ذهب بعض النقاد. استعمال ألعاب الأطفال لبناء عرضٍ للأسلحة كان القصد منه -من وجهة نظري- شد الانتباه إلى تلك المعادلة التي انطوت على إسعاد الأطفال وقتلهم في الوقت نفسه.

لا ينطوي فن آي ويوي على أي رغبة في التحذير. كل الحكايات التي يرويها تاريخية. لقد حدث كل شيء ولا يمكننا أن نغير شيئاً.

وآي ويوي (1957 بكين) هو الأشد شهرة بين الفنانين المعاصرين في العالم، وهو -كما أتوقع- الأكثر ثراء. وإذا ما كان الفنان الذي استدعى اعتقاله في بلاده عام 2011 بتهمة التهرب الضريبي تضامناً عالمياً غير مسبوق، فإن أسلوبه المكرر في تكبير الأشياء يحظى بمباركة المؤسسات المالية الداعمة، على الرغم من أن هناك أصواتاً نقدية قللت من قيمة ذلك الأسلوب الذي اعتبرته محاولة للمزايدة السطحية على موضوعات إنسانية حرجة، وفي مقدمتها الهجرة غير الشرعية.

يظهر على الجدار الخلفي للمعرض قارب مطاطي عملاق، طوله مائة متر، مليء بشخصياتٍ ترتدي سترات نجاة. هل تظن أنه بإمكانك تجاهل أزمة المهاجرين؟ لا يمكنك فعل ذلك هنا؛ لأن آي قد حوَّل المآسي اليومية العادية إلى نصب تذكاري. أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع مئات اللاجئين، والتقى بأناس يتوقون إلى الأمان وحياة جديدة، وأنتج كمّاً هائلاً من الأعمال حول هذا الموضوع. هذا العمل هو تتويجٌ لذلك المشروع.

هل هو عمل فني جميل؟ ليس تماماً، غير أنه يُوصل رسالة، أنا غير متأكد من أنها ستؤثر في القرار السياسي لدول اللجوء. ولكن المشكلة الأكثر تعقيداً تكمن في أنه لا جديد في الفكرة. سبق للفنان أن اشترى آلاف الأحذية من محال الألبسة المستعملة، وصنع منها عملاً فنياً يؤرخ للَّحظة التي تسبق الذهاب إلى القوارب المطاطية ومن ثم إلى البحر. كما أن قوارب المهاجرين المطاطية قد تم استعمالها من قِبل عشرات الفنانين المعاصرين.

يحق لآي ويوي ما لا يحق لسواه. ذلك منطق غير سوي.

ولكن آي ويوي وهو المولع بالتاريخ الصيني لا يزال يدهشنا حين يكتفي بصينيته. فالعمل الأكثر إبهاراً من الناحية البصرية في المعرض هو قاعة عائلة وانغ، وهو معبد حقيقي وُجد على وشك الانهيار في ريف جيانغشي، وأُعيد تجميعه هنا قطعة قطعة. إنه نافذة شاهقة على الماضي، على قيم ضائعة، على زمن ما قبل التصنيع والرأسمالية الجامحة، حين كانت الصين ضعيفة وعرضة للهجوم. تحت أعمدة المعبد توجد صناديق تحوي صفحات من التاريخ الصيني، روايات خفية يصعب الوصول إليها.

في وسط المعبد تستقر ثلاثة بيوت دُمى على طبقة من نشارة الخشب البُنِّية. جميعها مصنوعة من شاي «بو إر»، أوراق داكنة مضغوطة تزداد قيمتها مع مرور الوقت وتخميرها. إنها رموز للثقافة الصينية، للتكاتف والتضامن والقيم الطاوية، ولكنها أيضاً رمز للثروة وتراكمها.

«شرب فنجان من الشاي» مصطلح بوليسي شيوعي، هو عبارة عن تسمية مجازية لعملية اقتياد الناس للاستجواب من قبل الشرطة الصينية. إنه أفضل عمل هنا بلا منازع، مليء بدلالات متضاربة وجذابة من الماضي والحاضر، مُجمَّعة في شيء جميل، عطري ورمزي بقوة. مادة بسيطة تحولت إلى شيء قوي بتأثيره، وعاصف في استعادته للتاريخ، لما ينطوي عليه من توظيف للكنوز التراثية في فضح عملية القمع السياسي.

ويلجأ آي ويوي في هذا المعرض -لأول مرة- إلى استعارة أعمال فنية عالمية ذات جمالية عالية، ليوظفها في خدمة أفكاره التي تتوزع بين السخرية والتوضيح المبسط، كما لو أنه يريد أن يؤكد المقولة التي تفيد بأن التاريخ يمكن أن يتكرر؛ لكن بصيغة كوميدية أو عبثية أو فارغة من المحتوى.

يأخذ الفنان لوحة الفرنسي جاك لويس ديفيد الشهيرة التي تصور نابليون ممتطياً حصانه، ويستبدل بالحصان حماراً وحشياً، ويعلقها رأساً على عقب، من أجل بناء علاقة رمزية سلبية.

في عمل آخر، يضع قوارب المهاجرين على موجة الرسام الياباني هوكوساي التي تعود إلى عام 1832. في العملين اللذين لم يحظيا بإعجاب النقاد، يبدو آي ويوي مخلصاً لفكرته. كل ما يحدث اليوم يمكن فهمه بالعودة إلى الماضي.

يُسلِّط الفنان والناشط العالمي الشهير آي ويوي الضوء على تاريخ العالم خلال المائتي عام الماضية، من خلال هذا المعرض الجديد الضخم، كما أنه يستفيد من كون المدينة التي تحتضن معرضه كانت قلب الثورة الصناعية، لينقب في تفاصيل العلاقة الشائكة والملتبسة بين بريطانيا والصين. ذلك ما لا يمكن توقعه من فنان. ليست وظيفة الفنان أن يكون مؤرخاً أو ناقداً أو محللاً سياسياً، ولكن تلك الاعتراضات المحقة لن يكون في إمكانها أن تهدم أسطورة الفنان القائمة على الإبهار. فمن خلال لجوئه إلى استعمال تقنيات ومواد مختلفة (الخزف، والتركيب، والقطن، والخشب، والزجاج، والبرونز، والصور القديمة، وحتى الأزرار ومكعبات اللعب) عاد بنا إلى بداهة منسية. كل مادة تحمل قصة من قصص الإبداع والاستهلاك البشري. ترسم هذه المواد مجتمعة صورة للعولمة التي نعيشها في عالمنا الرقمي.

آي ويوي من أشهر الفنانين المعاصرين في العالم وهو على الأرجح الأكثر ثراء