تحديات جدية تواجه «فرنسا ماكرون» خلال 2021

بينها «كوفيد ـ 19» وتداعياتها... وإشكاليات الوضع الداخلي والتعقيدات الدولية

تحديات جدية تواجه «فرنسا ماكرون» خلال 2021
TT

تحديات جدية تواجه «فرنسا ماكرون» خلال 2021

تحديات جدية تواجه «فرنسا ماكرون» خلال 2021

نادراً ما عرف رئيس فرنسي، منذ انطلاق «الجمهورية الخامسة»، كماً من المشكلات في الداخل والخارج كالتي واجهها (ويواجهها) الرئيس إيمانويل ماكرون الذي وصل إلى الرئاسة حاملاً مشاريع إصلاحية أرادها أن تقلب أوضاع فرنسا رأساً على عقب، وتحضرها لمواجهة العقد الجديد. ورغم الدينامية الشخصية التي يتحلى بها، وتمتعه بأكثرية مريحة في مجلس النواب، وتراجع مواقع الحزبين التقليديين (اليمين المعتدل واليسار الاشتراكي) اللذين تعاقبا على حكم فرنسا منذ 60 سنة، فإن ماكرون لم يستطع تلافي الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، كالمظاهرات والإضرابات الاحتجاجية على إصلاح قانون العمل وقانون التقاعد والسترات الصفراء وقطاع النقل، وقد التصقت به صفة «رئيس الأغنياء» بعدما كان أول قرار اقتصادي - مالي اتخذه إثر وصوله إلى قصر الإليزيه هو إلغاء الضريبة على الثروة. وما زالت ماثلة في أذهان الفرنسيين صور الحرائق وعمليات الكر والفر بين رجال الأمن والمتظاهرين من خريف عام 2018 حتى ربيع عام 2019. ثم جاءت جائحة «كوفيد-19»، والإرباك الذي دمغ تعاطي السلطات الصحية والسياسية معها، لتزيد من تدهور صورة ماكرون والحكومة، إن فيما خص استخدام الكمامات أو اللقاحات لاحقاً. أما على صعيد سياسة ماكرون الخارجية، فقد أراد اجتراح العجائب بإعادة نفح المشروع الأوروبي بدينامية جديدة، وتسريع الاندماج بين دول الاتحاد، والتوصل إلى «الاستقلالية الاستراتيجية» إزاء الولايات المتحدة الأميركية، وبناء علاقة «خاصة» مع الرئيسين الأميركي والروسي، والانفتاح على الصين، وإعادة موسكو إلى الحضن الأوروبي. كذلك أراد أن تلعب بلاده دوراً رائداً في النزاعات الإقليمية، أكان في سوريا أو لبنان أو ليبيا، أو في ملفات شرق البحر الأبيض المتوسط والنزاعات المزمنة بين أنقره من جهة وأثينا ونيقوسيا من جهة أخرى، وهي الأطراف المتخاصمة بشأن تحديد الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة والثروات الغازية والبترولية الكامنة لكل طرف. وكان ملف الدور العسكري الفرنسي في بلدان الساحل الأفريقي على رأس اهتمامات ماكرون. ولكن لا بد من الإشارة إلى طموحه البين بأن يلعب دور صلة الوصل بين واشنطن وطهران، عبر تشجيع دونالد ترمب على البقاء داخل الاتفاق النووي لعام 2015، بالتوازي مع دفع طهران لإدامة الالتزام بتعهداتها النووية... لكن النتيجة معروفة.
مع انطلاقة العام الجديد، يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومعه الدبلوماسية الفرنسية، مجموعة من التحديات التي يجب التعامل معها، وإيلاء الملفات الداخلية ذات العناوين المتعددة الأولوية: الأزمة الصحية، وتداعياتها الاقتصادية والمالية والسياسية. وفي السياق عينه، يجب على ماكرون أن يبدأ بالتحضير للمعركة الرئاسية المقبلة التي ستجري بعد 16 شهراً من أجل الفوز بولاية ثانية. وفي الخارج، تجد باريس نفسها بحاجة إلى إعادة رسم سياستها الخارجية، على ضوء متغير رئيسي عنوانه نهاية عهد دونالد ترمب، ووصول رئيس جديد هو جو بايدن... بعد أقل من أسبوع إلى البيت الأبيض. إلا أن ذلك لن يسهل بالضرورة مهمات الدبلوماسية الفرنسية للعام الجديد، خصوصاً أن الإدارة الجديدة سوف تحتاج لعدة أشهر حتى ترسخ أقدامها، وترسم ملامح سياسة واشنطن «الجديدة».
- التحدي اللبناني
عندما وصل الرئيس ماكرون إلى بيروت يوم 6 أغسطس (آب) الماضي، بعد 48 ساعة فقط على الانفجارين الهائلين اللذين تسببا بكارثة لا مثيل لها في العاصمة اللبنانية، نظر إليه اللبنانيون على اختلاف مشاربهم على أنه «الرجل المنقذ»، إذ إنه شمر عن ساعديه، ونزل إلى محيط المرفأ المدمر والمنطقة البائسة لملاقاة المواطنين الذين تجمهروا حوله فيما لم يجرؤ أي مسؤول لبناني على مجاراته. ولم يحط ماكرون ركابه فارغ اليدين. فإضافة إلى المساعدات الإنسانية التي حملها وراحت تتدفق على لبنان، حمل معه مشروعاً إنقاذياً بعناوين مختلفة: صحية، إعمارية، مالية، اقتصادية وسياسية. وفي ظل الانهيارات المتراكمة التي عرفها لبنان، ارتفع صوته من بين ركام العاصمة ليقول للبنانيين: «لن أترككم وحدكم». وفي مساء ذاك اليوم، استدعى الرئيس الفرنسي إلى قصر الصنوبر، مقر سفير بلاده، زعماء الأحزاب اللبنانية، بمن فيهم ممثل لـ«حزب الله»، ليطرح عليهم خطة إنقاذية، ولدعوتهم لتحمل مسؤولياتهم «لأن فرنسا لا يمكن أن تحل مكان اللبنانيين»، وليعدهم بدعم دولي. وحث السلطات على «توفير أجوبة واضحة حول تعهداتها بالنسبة إلى دولة القانون والشفافية والحرية والديمقراطية والإصلاحات الضرورية». كذلك أعلمهم أنه سيعود إلى بيروت في مطلع سبتمبر (أيلول) ليرى ما تنفذ منها. وبعد 72 ساعة من رجوعه إلى باريس، نجح ماكرون في دفع «مجموعة الدعم للبنان»، والمؤسسات المالية والاقتصادية الأوروبية والدولية، لتوفير 250 مليون يورو مساعدات إنسانية عاجلة غير مشروطة، كما وعد بمؤتمر دولي لاحق، على غرار مؤتمر «سيدر» لعام 2018 الذي جمع للبنان وعوداً بمساعدات وقروض من نحو 11 مليار دولار. لكن الشرط الأولي البديهي كان -وما زال- القيام بإصلاحات جوهرية لمحاربة الفساد، وتحقيق الشفافية المالية، ومراجعة حسابات البنك المركزي، وإصلاح قطاع الكهرباء...
لكن، ما كاد ماكرون يركب الطائرة في رحلة العودة حتى بدأ التراجع عن الوعود التي سمعها في بيروت، أكان من المسؤولين أو من السياسيين. وجاءت استقالة رئيس الحكومة حسان دياب في 10 أغسطس (آب) لتزيد الطين بلة، ولتوجد فراغاً مؤسساتياً، ولينطلق اللبنانيون في ممارسة هوايتهم المفضلة التي عنوانها المماحكات السياسية. ولم يجرِ تكليف رئيس حكومة جديد بشخص السفير مصطفى أديب إلا عشية عودة ماكرون إلى بيروت في مطلع سبتمبر (أيلول)، حيث عمد مجدداً إلى جمع المسؤولين السياسيين، وأمهلهم أسبوعين لتشكيل «حكومة مهمة» من اختصاصيين، بعيداً عن السياسة والمحاصصة، بحيث تكون مهمتها تنفيذ برنامج إصلاحي إنقاذي متكامل حصل بشأنه على موافقة كل القادة السياسيين. كذلك لوح ماكرون باللجوء إلى إجراءات زجرية وعقوبات، في حال فشلهم في هذه المهمة. لكن، مرة جديدة، خاب ظن ماكرون، إذ انقضى الأسبوعان ولا حكومة، فاستقال أديب، وعاد إلى سفارته في برلين، وغرق اللبنانيون في جدل عقيم انتهى بتكليف سعد الحريري مهمة تشكيل الحكومة الجديدة في 22 أكتوبر (تشرين الأول). وبعد مرور ما يقارب الأشهر الثلاثة، ما زال لبنان بلا حكومة. ولكن قبل ذلك، عقد ماكرون مؤتمراً صحافياً صب فيه جام غضبه وخيبته على الطبقة السياسية اللبنانية بعبارات لم يسبق أبداً أن استخدمت، إذ اتهمها بـ«الخيانة»، مندداً بممارساتها المشينة وفسادها وانتهازيتها. ولإصابته بوباء «كوفيد-19»، ألغى زيارته الثالثة لبيروت التي كانت مقررة في 22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وثمة إجماع لدى المحللين والمراقبين في باريس على أن «مبادرة ماكرون» غرقت في الوحول اللبنانية، وفي التجاذبات الإقليمية، وفي حسابات الأطراف ورهاناتهم تارة على الانتخابات الأميركية، وطوراً على تغير الموازين في المنطقة والحوار الأميركي - الإيراني المرتقب... بيد أن سفيراً سابقاً جيد الاطلاع على الأوضاع اللبنانية وخبايا الدبلوماسية الفرنسية قال لـ«الشرق الأوسط» إن «عيب المبادرة الفرنسية يكمن في أربعة أمور: الأول أن ماكرون ومستشاريه لم يقدروا قدرة النظام السياسي اللبناني وطبقته على امتصاص الصدمات وتغليب غريزة البقاء حق قدرها؛ والثاني أن ماكرون بتعويمه هذه الطبقة مكنها -بشكل غير مباشر- من أن تقاومه، خصوصاً أنه وفر لها الوقت، ولم يكن يحمل بوجهها (الهراوة) الغليظة؛ والثالث أن الوعود التي حصل عليها من الرئيسين الأميركي والإيراني بالامتناع عن التدخل بالشؤون اللبنانية كانت وعوداً فارغة من المعنى، ولم يتم أخذها بعين الاعتبار؛ والرابع أن لبنان ورقة تفاوضية مهمة في الزمن اللاحق، عندما يحين وقت المفاوضات الجدية، ليس فقط بين واشنطن وطهران، ولكن أيضاً بصدد رسم صورة مستقبل المنطقة. وبناء عليه، فإن الوساطة الفرنسية دخلت في حالة (الموت السريري)، ولا أحد يلتفت إليها لبنانياً لأن الأنظار مصوبة لقراءة ما سيصدر عن الإدارة الأميركية الجديدة. ومع ذلك، فإن (التحدي اللبناني) سيكون حاضراً بقوة في الحراك الدبلوماسي الفرنسي لأسباب تاريخية وسياسية وإنسانية».
- الصداع التركي وهموم شرق المتوسط
في الشرق الأوسط أيضاً، يسبب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان صداعاً شديداً للرئيس ماكرون خلال الأشهر المنقضية، إذ إنه لم يكتفِ بالتنديد بالسياسة الفرنسية في الخارج والداخل (وضع مسلمي فرنسا)، بل ذهب إلى حد التجريح الشخصي به، واتهامه بـ«الاختلال العقلي» و«الموت السريري»، ونصحه بالتوجه إلى «طبيب نفسي». وفي المقابل، انتقد ماكرون، ومعه وزيرا الخارجية والدفاع، مراراً وتكراراً، في أكثر من مناسبة، أداء تركيا داخل الحلف الأطلسي (ناتو)، وتدخلها العسكري في سوريا ضد الأكراد، حلفاء التحالف الدولي في محاربة «داعش»، وانتهاك سيادة العراق بسبب غاراتها الجوية في شمال البلاد، وإبقاء قاعدة عسكرية على أراضيه. ولعل أعنف الانتقادات طالت سياسة تركيا في ليبيا التي «تهدد المصالح الاستراتيجية الأوروبية» و«تستجلب المرتزقة والإرهابيين» إلى أبواب الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن «انتهاك السيادة المائية» لعضوين فيه... وكان آخر الغيث تدخلها السافر في حرب ناغورني قره باغ ضد الأرمن، ودعمها للجيش الأذري. وعملت باريس بقوة من أجل فرض عقوبات اقتصادية وتجارية أوروبية على تركيا، والضغط عليها من خلال «الناتو»، ومحاولة عزلها سياسياً. كذلك انتقدت باريس بشدة دعوة تركيا لمقاطعة البضائع الفرنسية بحجة سياسة ماكرون «المعادية للمسلمين». وفي آخر قمة للقادة الأوروبيين، فُرضت عقوبات «مخففة» على أنقره بعد تأجيل متكرر. واتفق الأوروبيون على النظر مجدداً في الملف التركي في قمتهم خلال مارس (آذار) المقبل. وأخيراً، أبرمت باريس مع أثينا صفقة رئيسية لتزويدها بـ18 طائرة «رافال» لغرض تعزيز قدراتها بمواجهة تركيا، بعد أن أرسلت سفناً وطائرات للمشاركة في مناورات عسكرية في المتوسط.
بيد أن الأمور أخذت بالتغير في الأيام القليلة الماضية. فالخطاب التركي، على لسان إردوغان ووزير خارجيته مولود تشاووش أوغلو، راح في منحى مختلف، مع عودة التركيز على أن «مستقبل تركيا مع أوروبا»، والدعوة إلى «فتح صفحة جديدة»، بل إن الخطاب تجاه فرنسا تحول بدوره. وأعلن أوغلو أنه اتصل، بداية العام الحالي، بنظيره الفرنسي، واتفقا على «خريطة طريق» لتطبيع العلاقات المأزومة، وفهم أن أول بنودها هو وقف التراشق الإعلامي. وتربط مصادر فرنسية الاستدارة التركية بعاملين اثنين: العقوبات الأوروبية الحالية والمقبلة، وأثرها على الاقتصاد التركي المتهالك؛ ووصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، ومواقفه المتشددة المعلنة من تركيا وإردوغان بالذات، إذ سبق له أن دعا المعارضة للتخلص منه من خلال الانتخابات، وأعرب عن استعداده لدعمها. أما الانفتاح على فرنسا، فمرده -بحسب المصادر نفسها- رغبة أنقره في «تحييد» باريس داخل الاتحاد. ويبدو أن باريس أيضاً تريد التهدئة، حيث قال الباحث الفرنسي المعروف ديديه بيون لـ«الشرق الأوسط» إن إحدى العلامات تعيين هيرفيه ماغرو سفيراً في أنقره. وقد ولد ماغرو في تركيا، حيث كان والده في مهمة دبلوماسية، ويتكلم اللغة التركية بطلاقة، ويعرف دقائق ملف العلاقات الثنائية، وكيفية التحدث إلى الأتراك.
- الملف النووي الإيراني
بالنسبة إلى الملف النووي الإيراني، تشخص الأنظار ليس إلى باريس، بل إلى واشنطن، حيث التغيير الجذري يتمثل في رغبة الرئيس الأميركي الجديد بايدن في «العودة» إلى الاتفاق النووي مع إيران الذي مزقه سلفه، ولكن شرط عودة طهران إلى الالتزام بتعهداتها. ومن ثم، إطلاق جولة مفاوضات جديدة، تأخذ بالاعتبار برامج الصواريخ الباليستية الإيرانية وسياسة طهران الإقليمية.
وتشير مصادر فرنسية واسعة الاطلاع إلى أن الخط العام لسياسة الرئيس المنتخب يتطابق إلى حد بعيد مع ما كانت تدعو إليه باريس منذ البداية، لكنها لم تحصد نجاحاً يذكر. واليوم، تطرح باريس مجموعة تساؤلات، وتنبه إلى أن الأمور «ليست بالبساطة التي يروج لها الطرف الإيراني» الذي يريد -عملياً- أن تتراجع واشنطن عن العقوبات التي خنقت اقتصادها، ليتراجع بعدها عن تحلله من الالتزامات التي تعهد بها بموجب الاتفاق. والحال أن ما قامت به إيران منذ ربيع العام الماضي قضى على الاتفاق بشكل شبه كامل، وأعاد البرنامج النووي الإيراني إلى ما كان عليه قبل إبرامه، إن لجهة كميات اليورانيوم المخصبة أو لجهة نسبة التخصيب أو نشر الطاردات المركزية. وتطرح الأوساط الفرنسية علامات استفهام جدية حول إمكانية العودة إلى اتفاق لم يبقَ منه سوى النذر القليل، وتحديداً بقاء مفتشي وكالة الطاقة الدولية في إيران.
- الرحيل من مالي... وحسابات باريس الأفريقية
> يوم 8 يناير (كانون الثاني) الحالي، تعرضت قافلة عسكرية تابعة لعملية «برخان» الفرنسية لهجوم انتحاري في الجانب المالي من المنطقة المسماة «الحدود الثلاثية» (مالي - بوركينا فاسو - النيجر)، حيث تنشط التنظيمات المتشددة والإرهابية. وجاءت المحصلة ثقيلة بالنسبة للقوة الفرنسية التي جرح 6 من أفرادها، 3 منهم جروحهم خطرة. وتفيد المصادر العسكرية الفرنسية بأن إحدى العربات المدرعة ضحت إلى حد ما بطاقمها عندما قطعت الطريق على سيارة انتحارية رباعية الدفع، إذ لو نجح قائدها في التسلل إلى القافلة لكانت الخسائر الفرنسية أكبر بكثير. والمهم في هذه الحادثة أمران: الأول أن التنظيمات التي تقاتل «برخان» -خصوصاً في مالي- تفضل زرع العبوات الناسفة على جوانب الطرقات لتفجرها عن بعد، ولا تنهج أسلوب العمليات الانتحارية. والثاني أن ما حصل يوم 8 يناير (كانون الثاني) جاء بعد عمليتين إرهابيتين في المنطقة نفسها، قتلتا 5 جنود فرنسيين، بحيث وصل عدد الضحايا الفرنسيين إلى 50 قتيلاً وعشرات الجرحى. من هنا، فإن «الكلفة» البشرية التي تتحملها القوة الفرنسية مرتفعة للغاية، لكن يجب إضافة الكلفة المادية، إذ إن «برخان» تكلف الخزينة الفرنسية ما يقارب المليار دولار في العام. وبالتوازي، لا يمكن تناسي «الثمن» السياسي الذي تدفعه فرنسا، ذلك أن «برخان» انطلقت في عام 2014، وهدفها محاربة التنظيمات الإرهابية التي تهدد استقرار بلدان الساحل الخمسة، حيث نشرت باريس 5100 عسكري مدعمين بقوة جوية متعددة الأشكال، وبإسناد لوجيستي. والحال أن هذه القوة التي تعمل بالتنسيق مع القوة الأفريقية المشتركة المسماة «جي 5»، وتضم نظرياً وحدات من بلدان الساحل الخمسة (موريتانيا، ومالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وتشاد) وقوة الكوماندوس الأوروبية (تاكوبا)، وتحظى بمساندة لوجيستية واستخباراتية أميركية وبريطانية وألمانية وإسبانية، لم تنجح حتى اليوم في القضاء على التنظيمات الإرهابية، بل إن هذه التنظيمات أعادت -وفق ما يظهر- تنظيم صفوفها، وكسبت مزيداً من الأنصار، وهي تلعب على وتر محاربة الحضور الفرنسي «الاستعماري».
وفي الأسابيع الأخيرة، أخذت تسمع نغمة جديدة، عنوانها خفض عدد القوة الفرنسية التي قرر الرئيس إيمانويل ماكرون، بداية العام الماضي، تعزيزها بـ600 رجل إضافي. وكان رئيس الأركان الفرنسي الجنرال فرنسوا لوكوانتر أول من أشار إلى هذا الخيار في زيارة له إلى المنطقة. وفي الأيام الأخيرة، عمدت وزيرة الدفاع فلورانس بارلي إلى تحضير الرأي العام، لكنها تركت للرئيس إيمانويل ماكرون الإعلان رسمياً عن هذا القرار بمناسبة القمة الفرنسية - الأفريقية المقررة في العاصمة التشادية نجامينا الشهر المقبل، بحضور القادة الأفارقة الخمسة، بحيث تكون استنساخاً للقمة التي استضافتها مدينة بو (جنوب غربي فرنسا). وقالت بارلي في حديث لصحيفة «لو باريزيان»، في معرض تبريرها لخفض عدد «برخان»، إن القوة الفرنسية «أحرزت نجاحات عسكرية كبيرة في عام 2020، سواء من خلال قتل عدد من كبار المسؤولين أو من خلال مهاجمة شبكات التوريد الخاصة» بالتنظيمات الإرهابية. والمرجح أن يعلن ماكرون سحب الـ600 جندي الإضافي، وهو ما لا ترغب فيه السلطات المالية، ولا القائد الأعلى للقوة الأفريقية المشتركة. والمعروف أن باريس تريد نقل مزيد من المسؤوليات لهذه القوة التي تفتقر حتى اليوم للتدريب والتمويل والقدرة على العمل المشترك بين مكوناتها. لكن الصعوبة تكمن في غياب رؤية واضحة لكيفية تطور الأوضاع، وللانعكاسات المترتبة على الأوضاع الميدانية، خصوصاً لمستقبل الحضور الفرنسي العسكري الذي عنوانه الرسمي «محاربة الإرهاب»، وضمان الاستقرار في بيئة ينمو فيها الشعور المعادي لفرنسا.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.