ستايسي أبرامز... «نجمة سوداء» صاعدة في الحياة السياسية الأميركية

خطابها التحفيزي للسود والملوّنين شبهه البعض بخطاب ترمب الموجّه للبيض

ستايسي أبرامز... «نجمة سوداء» صاعدة في الحياة السياسية الأميركية
TT

ستايسي أبرامز... «نجمة سوداء» صاعدة في الحياة السياسية الأميركية

ستايسي أبرامز... «نجمة سوداء» صاعدة في الحياة السياسية الأميركية

يجمع العديد من الكتّاب والسياسيين والخبراء على أن فوز الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن بولاية جورجيا، ونجاح الديمقراطيين بتحويل هذه الولاية الجنوبية المحافظة للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود إلى ولاية «زرقاء»، يعود إلى الدور الذي لعبته ستايسي أبرامز... «النجمة السوداء» الصاعدة في الحياة السياسية الأميركية.
أبرامز ليست سياسية تقليدية، لكنها أيضاً ليست من التيار اليساري المتشدّد، على الرغم من إعلان السيناتور التقدمي بيرني ساندرز دعمه لها «في صفوف ثورتنا»، عندما ترشحت لمنصب حاكم ولاية جورجيا عام 2018 خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، ضد منافستها ستايسي إيفانز. وهي عندما فازت بترشيح الحزب الديمقراطي، كانت أول امرأة سوداء في الولايات المتحدة تحظى بترشيح حزب رئيس لمنصب حاكم ولاية. ثم في فبراير (شباط) 2019 أصبحت أول امرأة سوداء تلقي خطاب الرد على خطاب الرئيس السنوي عن «حالة الاتحاد». وبينما يتوقع على نطاق واسع أن تترشح أبرامز مرة أخرى لمنصب الحاكم عام 2022، فهي اليوم واحدة من أكثر السياسيين الأميركيين نفوذاً مع أنها لا تشغل أي منصب سياسي رسمي حالياً.
تكاد تجمع أراء المراقبين للمشهد السياسي الأميركي على أنه للسياسية والناشطة السوداء ستايسي أبرامز يجب أن ينسب الفضل في إعادة بناء القاعدة السياسية والشعبية للحزب الديمقراطي، ليس فقط على مستوى ولاية جورجيا، بل أيضاً على مستوى الولايات المتحدة. فأبرامز، المحامية التي نشأت وتربّت في بيت متدين، لعبت دوراً قيادياً في حث الناخبين السود واللاتينيين والآسيويين على الإقبال والمشاركة في الحملات الانتخابية والتصويت. وهذا ما انعكس في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي فوزاً غير مسبوق للمرشح الرئاسي جو بايدن بأكبر تصويت شعبي فاق 81 مليون صوت، وبأعلى نسبة تصويت بين السود فاقت ما حظي به الرئيس السابق باراك أوباما. ثم، في 5 يناير (كانون الثاني) الحالي، في قلب المعادلة بجورجيا، حيث انتزع المرشحان الديمقراطيان القس رافاييل وارنوك وجون أوسوف مقعدي الولاية في مجلسي الشيوخ، إثر تغلبهما على شاغلي المقعدين الجمهوريين السيناتورة كيلي لفلر والسيناتور ديفيد برديو.
- قضايا الناس العاديين وحقوقهم السياسية
صحيح قد يجادل البعض بأن الفضل لا يعود فقط إلى جهود أبرامز وحدها، بل لجهود كثرة من النساء السود الأخريات اللواتي بذلن جهوداً تنظيمية استمرت عقوداً لتغيير ناخبي الولاية. لكن الصحيح أيضاً، أن أبرامز كانت الوجه الأكثر حضوراً في الحملة التي حضت الناخبين على المشاركة في التصويت.
وكما فعل القس جيسي جاكسون قبل بضعة عقود، خاضت أبرامز بشجاعة معارك كبيرة لإعادة حقوق التسجيل للناخبين الذين حُرموا من حق التصويت، سواءً داخل ولايتها أو على المستوى الوطني، في مواجهة جهود الجمهوريين الذين خاضوا ونجحوا لسنوات عدة في تقليص عدد الناخبين من غير البيض. وحقاً، كان وجهها الأكثر حضوراً في الإعلانات التلفزيونية الأخيرة، للتنبيه من ضرورة معالجة أي أخطاء في التسجيل قد تؤدي إلى حرمان الناخبين من حق الإدلاء بأصواتهم، مناشدة: «لا تنتظر»... «تصويتك له القدرة على تحديد مستقبل جورجيا وبلدنا. حان الوقت للتأكد من أن صوتك مسموع».
أبرامز، زعيمة الأقلية السابقة في مجلس نواب ولاية جورجيا، خاضت منذ البداية معاركها السياسية واضعة نصب أعينها تعزيز الليبرالية الاجتماعية، التي هي نقيض «النيو - ليبرالية القومية» التي تتبنى مقولات تفوّق العرق الأبيض والعداء للمهاجرين والتمييز ضد السود والملونين والأقليات. وهي معارك كان بالإمكان العثور عليها بسهولة إبان عهد الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب، الذي كان لا يتردد في وصف من ينادي بالليبرالية الاجتماعية السائدة في عدد من البلدان الأوروبية... بأنه «شيوعي».
لقد دأبت أبرامز على تبنّي المطالبات المعيشية للمواطن العادي بضرورة توسيع قاعدة الاستفادة من خدمات الدولة وتعزيز الضمانات الاجتماعية وزيادة الضرائب على ذوي الدخل المرتفع، وإشراك المزيد من الشرائح والطبقات الاجتماعية في الحياة السياسية. وهو ما وضعها في مواجهة دعاة النيو - ليبرالية القومية اليمينية المؤمنة بانتهاج الولايات المتحدة نظام اقتصاد حر متفلت من أي ضوابط، وخفض الضرائب على الأغنياء والشركات، وفرض قيود غايتها عملياً تقليص حجم المشاركة السياسية للأقليات، في ظل إشكالية حقيقية جراء آليات معقدة موروثة من نظام فصل عنصري قديم في ولايات الجنوب الأميركي. وليلة الثلاثاء 5 يناير الحالي، وبعد بدء ظهور نتائج انتخابات الإعادة على مقعدي مجلس الشيوخ في ولاية جورجيا، التي نقلت المقعدين من الجمهوريين إلى الديمقراطيين - ومعهما السيطرة على المجلس - أشادت أبرامز بالآلاف من المنظمين والمتطوعين والمجموعات. منوهة بأنهم «ساعدوا في إعادة بناء الحزب الديمقراطي في الولاية من تحت الركام»، يوم كانت لا تزال زعيمة الأقلية في برلمان الولاية عام 2011.
هذا، ورغم خسارة أبرامز انتخابات حاكم جورجيا عام 2018، أمام منافسها الجمهوري بريان كيمب بنحو 55 ألف صوت، فإنها تمكنت من بناء شبكة جيدة التمويل من المنظمات التي سلطت الضوء على قضية «قمع الناخبين». وينسب لها الفضل في إلهام ما يقدر بنحو 800 ألف ناخب على التسجيل مجدداً، مع العلم، أن كيمب، الذي كان يومذاك أمين الولاية، كان في موقع مسؤول عن الانتخابات وتسجيل الناخبين. وبالفعل، ألغى مكتبه بين عامي 2012 و2018 تسجيل أكثر من 1.4 مليون ناخب، مع ما يقرب من 700 ألف إلغاء عام 2017 وحده. بل في ليلة واحدة فقط في يوليو (تموز) 2017، ألغي تسجيل نصف مليون ناخب معظمهم من ناخبي الحزب الديمقراطي والسود. حتى أن صحيفة «أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» المرموقة نقلت عن خبراء الانتخابات، إن هذا «قد يمثل أكبر حرمان جماعي من حق التصويت في تاريخ الولايات المتحدة».
أيضاً، أشرف كيمب على عمليات شطب الناخبين بعد ثمانية أشهر من إعلان ترشحه لمنصب الحاكم. وبحلول أوائل أكتوبر (تشرين الأول) 2018، جمّد أكثر من 53 ألف طلب تسجيل ناخبين من قبل مكتبه، بينهم أكثر من 75 في المائة من الأقليات، بحجة أن الناخبين المؤهلين للتصويت يجب أن يثبتوا أنهم ما زالوا يعيشون في الولاية. وحسب تحقيقات استقصائية، فإنه من بين 534 ألف ناخب جورجي، ألغي تسجيلهم بين عامي 2016 و2017، كان لا يزال أكثر من 334 ألفاً يعيشون في الأماكن المسجلين فيها.
- إيمان بالنمو الديمغرافي والتنوّع
جين جوردان، عضو مجلس الشيوخ الحلي في جورجيا، وهي ديمقراطية، قالت إن أبرامز علّمتها خسارتها، بل ونبّهتها إلى، أهمية إدراك دور العامل الديمغرافي، وبالذات، الاعتراف بالنمو السكاني في جورجيا وتنوعه الديمغرافي المتزايد كفرصة مواتية للديمقراطيين. ومن خلال ذلك لفتت الأنظار إلى أهمية جورجيا، واجتذبت الأموال والتبرّعات، ومن بينها تبرعات كبيرة حصلت عليها من نقابات عمالية فيدرالية، ومن عمدة نيويورك السابق مايكل بلومبرغ، الذي تبرع لها بمبلغ 5 ملايين دولار، بعد وقت قصير من إعلان ترشحه لانتخابات الرئاسة في 2020.
ومن ثم، استخدمت أبرامز تلك التبرعات لتعزيز فرص الساسة الديمقراطيين والليبراليين في الولاية. ورغم رفضها تأييد بلومبرغ عندما ترشّح للرئاسة، فإنها دافعت أبرامز عن التبرعات التي حصلت عليها منه، قائلة «يحق لأي شخص الترشّح، ويجب أن يترشح في السباق الذي يعتقد أن بإمكانه الفوز فيه. وبلومبرغ اختار استخدام موارده المالية، كما يستخدم آخرون كلابهم وجاذبيتهم».
أكثر من هذا، يقول جيسون كارتر، حفيد الرئيس السابق جيمي كارتر، الذي خسر أيضاً انتخابات حاكم جورجيا عام 2014 بفارق ثماني نقاط مئوية، إن الديمقراطيين «بلغوا سقفاً حزبياً» في الولاية... لكن «منذ عام 2014، أدت جهود ستايسي وغيرها إلى رفع هذا السقف الحزبي» من خلال توسيع نطاق جاذبية الناخبين الأصغر سنا والأشخاص الملونين وسكان الضواحي. وهذا صحيح، فبعد خسارة أبرامز انتخابات عام 2018 انتقلت إلى بناء شبكة من المنظمات التي أصبحت قوة كبيرة جيدة التمويل من أجل الحق بالتصويت والتقدم الاقتصادي. ورغم انتقادها من بعض اليمينيين باعتبارها شخصية مثيرة للانقسام، وتشبيه آخرين خطابها الذي لعب على وتر تحفيز السود وحثّهم بخطاب ترمب للبيض، فإن ثمة إجماعاً يشير إلى أن دورها السياسي المتنامي لدى الناخبين، لعب دوراً أساسياً في دفعهم إلى صناديق الاقتراع وخصوصا الناخبين السود. ومع ذلك، فإن مواقف أبرامز تتعارض في بعض الأحيان مع مواقف أعضاء من حزبها، منهم الذين انتقدوا طموحها الحاد ورغبتها الصريحة في أن تكون هي نائبة لبايدن، الذي اختار في النهاية كامالا هاريس.
- بطاقة هوية
ولدت ستايسي إيفون أبرامز يوم 9 ديسمبر (كانون الأول) 1973 في مدينة ماديسون عاصمة ولاية ويسكونسن، ونشأت في مدينة غلفبورت بولاية مسيسيبي. وهي الطفلة الثانية بين ستة أشقاء، من والديها القسيسين روبرت وكارولين أبرامز. ولقد انتقلت العائلة إلى مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا – وفيها المقر الرئيس لمحطة «سي إن إن» - حيث حصل والداها على شهادات عليا في جامعة إيموري العريقة، وأصبحا فيما بعد قياديين لاهوتيين في المجمع الديني للمنيسة البروتستانتية النظامية (الميثوديست). أنهت تعليمها الثانوي في مدرسة أفونديل الثانوية؛ ونظراً لتفوقها عُينت كاتبة لخطابات حملات الكونغرس.
في عام 1995 حصلت أبرامز على بكالوريوس الآداب في الدراسات المتعددة الاختصاصات كالعلوم السياسية والاقتصاد وعلم الاجتماع من كلية سبيلمان بدرجة امتياز. وعملت إبّان دراستها في الكلية في قسم خدمات الشباب بمكتب عمدة أتلانتا ماينارد جاكسون، ثم تدربت لاحقاً في وكالة حماية البيئة الأميركية. ويذكر أنه عندما كانت طالبة جديدة عام 1992، شاركت أبرامز في احتجاج أمام مبنى الكابيتول في جورجيا، حيث شاركت في إحراق علم الولاية الذي كان يضم في ذلك الوقت شعار الكونفدرالية الذي أضيف عام 1956، باعتباره مناهضاً للحقوق المدنية.
بعد ذلك درست أبرامز السياسة العامة في جامعة تكساس في العاصمة أوستن، حيث حصلت على درجة الماجستير في الشؤون العامة عام 1998. ثم في عام 1999، حصلت على الإجازة القانون من كلية الحقوق بجامعة ييل العريقة، وهي تعد معهد الحقوق الأبرز في أميركا.
- سياساتها وأولوياتها
المحطة التالية، للسياسية والمحامية والمؤلفة والناشطة في مجال حقوق التصويت، كانت شغلها مقعداً في مجلس نواب ولاية جورجيا من 2007 إلى 2017، ومن ثم تأسيسها منظمة «فير فايت أكشن» للتصدي لقمع الناخبين في عام 2018. وبعد اختيار أبرامز زعيمة للأقلية الديمقراطية في مجلس نواب ولاية جورجيا، كان أول عمل تقوم به هو التعاون مع إدارة الحاكم الجمهوري ناثان ديل لإصلاح برنامج المنح الدراسية «هوب» أو الأمل.
ووفقاً لمجلة «تايم»، يحق لأبرامز أن تفاخر بأنها أوقفت بمفردها أكبر زيادة ضريبية في تاريخ جورجيا؛ إذ جادلت عام 2011 بأن اقتراحاً جمهورياً لخفض ضرائب الدخل مع زيادة الضريبة على خدمة الكايبل، من شأنه أن يؤدي إلى زيادة صافية في الضرائب التي يدفعها معظم الناس. كذلك، أجرت تحليلاً لمشروع القانون الذي أظهر أن 82 في المائة من الجورجيين سيرون زيادات ضريبية صافية، وتركت نسخة من التحليل على مكاتب النواب؛ الأمر الذي أدى إلى فشل تمرير مشروع القانون. تؤيد أبرامز حق الاختيار (بالنسبة للإجهاض)، وتدافع عن توسيع نطاق الرقابة على السلاح، وتعارض مقترحات قوانين أكثر صرامة بشأن تحديد هوية الناخب، قائلة إنها تحرم الأقليات والفقراء من حقوقهم. وهي دعت إلى توسيع قانون الرعاية الصحية «ميديكيد» الذي ترى أنه مكّن من تحسين الرعاية الصحية للمقيمين ذوي الدخل المنخفض، وجعل المستشفيات في المناطق الريفية قابلة للاستمرار مالياً.
كذلك دعت إلى زيادة الإنفاق على التعليم العام، وعارضت قسائم المساعدات للمدارس الخاصة، داعية بدلاً من ذلك إلى إدخال تحسينات على نظام التعليم العام وإلى تصغير الفصول الدراسية وزيادة المستشارين في المدارس ومعاشات التقاعد المحمية، وزيادة أجور المعلمين وتوسيع نطاق تعليم الطفولة المبكرة. وعلى الصعيد القانوني، تدعم أبرامز إصلاح العدالة الجنائية من خلال إلغاء اشتراط الإفراج بكفالة نقدية عن المتهمين الفقراء، وإلغاء عقوبة الإعدام، ودعم الشرطة المجتمعية للحفاظ على أمن المجتمعات كجزء من إصلاح العدالة الجنائية.
وفي السياسات الدولية، تعد أبرامز من المؤيدين لإسرائيل وهي ترفض «شيطنتها ونزع الشرعية عنها» المتمثلة في حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات، وترى أن العقوبات عليها وجه من «العداء للسامية». لكنها صوتت ضد مناهضة جورجيا قانون المقاطعة الذي يعاقب الشركات التي تختار مقاطعة إسرائيل أو الأراضي التي تحتلها إسرائيل.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.