«نيوم»... نموذج سعودي لمشروع التحول الحضري الحديث

يجسد مرتكز استيعاب الأبعاد التقنية والبيئية والإدارية وحركة التنقل ومفهوم الاستدامة

السياحة والترفيه والاكتشاف أحد القطاعات المستهدفة في مدينة نيوم السعودية (الشرق الأوسط)
السياحة والترفيه والاكتشاف أحد القطاعات المستهدفة في مدينة نيوم السعودية (الشرق الأوسط)
TT

«نيوم»... نموذج سعودي لمشروع التحول الحضري الحديث

السياحة والترفيه والاكتشاف أحد القطاعات المستهدفة في مدينة نيوم السعودية (الشرق الأوسط)
السياحة والترفيه والاكتشاف أحد القطاعات المستهدفة في مدينة نيوم السعودية (الشرق الأوسط)

منذ الإعلان عنه في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2017، جسد مشروع نيوم (شمال غربي المملكة) المشروع الحضاري الحديث الذي أطلقته «رؤية المملكة 2030» إلى العالم، حيث بات مرتكزاً ومرجعاً لأسلوب تحول المدينة الحديثة لتبني مفاهيم وأبعاد المستجدات التكنولوجية، واعتماد صداقة البيئة في كل التفاصيل، على أعلى مستوى من المهنية والمعيارية ومفهوم الاستدامة وحركة النقل.
وانطلق مشروع «نيوم» «حلماً جريئاً» حينما أفصح عنه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في عام 2017، ليكون أحد التطلعات الطموحة لـ«رؤية المملكة 2030»، وتحويل السعودية إلى نموذج عالمي في مختلف جوانب الحياة، عبر استقطاب سلاسل القيمة في الصناعات والتقنية وآليات العمل ومناهج حماية البيئة. وفي وقت أعلنت فيه السعودية أمس تطورات مهمة لمشروع عملاق أطلقت عليه مسمى «ذا لاين»، تبتكر «نيوم» نهجاً جديداً لتطوير نموذج مستقبلي لمركز صناعي تحويلي أساسي، وتشمل خطط التطوير المناطق الساحلية والجبلية التي ستخلق مجتمعات إدراكية، ومناطق جذب سياحي، وفق أعلى معايير الاستدامة، بالإضافة إلى تطوير مرافق تجارية ذات شهرة عالمية. فإلى حكاية المشروع الذي بدأ يتحول إلى واقع ملموس:
مفترق الطرق
لم يكن اختيار موقع «نيوم» محض صدفة، إذ تمتاز المنطقة بموقع جغرافي مثالي يؤهلها لتحقيق الأهداف التي وضعت من أجلها، فوجودها على مفترق طرق العالم يمكن 40 في المائة من سكان العالم من الوصول إليها في أقل من 4 ساعات، بينما 70 في المائة من العالم يمكنه الوصول إلى «نيوم» جواً خلال 8 ساعات، كما أن قرابة 13 في المائة من تجارة العالم تمر عبر البحر الأحمر، بل إن السفر من لندن إلى مطار نيوم الجديد سيستغرق 5 ساعات فقط، وساعتين من دبي أو القاهرة، و5 ساعات ونصف من زيوريخ في قلب أوروبا.
شركة «نيوم»
صندوق الاستثمارات العامة هو داعم المشروع الذي تقدر قيمة الاستثمارات فيه بقرابة 1.8 تريليون ريال (500 مليار دولار)، بمشاركة مستثمرين محليين وعالميين، حيث تقوم شركة نيوم، بصفتها شركة مساهمة مقفلة برأسمال مدفوع تعود ملكيته لـ«الاستثمارات العامة» التي تأسست في عام 2019، على أعمال تطوير المنطقة والإشراف عليها.
وتقول «نيوم» على موقعها الرسمي إن مشروعها وُلد بصفته رؤية لولي العهد السعودي، ليصبح ركناً أساسياً من «رؤية المملكة 2030» من أجل النمو وتنويع مصادر دخل الاقتصاد السعودي، حتى تتبوأ المملكة مكانة ريادية في التنمية العالمية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن المملكة هي التي تقود وتُمول مشروع «نيوم» منذ انطلاقته الأولى، إلا أنه مشروع عالمي سيشارك في قيادته وتمويله والعيش فيه أطياف مختلفة من الناس حول العالم.
وتقوم «شركة نيوم» على مسؤولية إنشاء مدن جديدة وبنية تحتية كاملة للمنطقة، تشمل ميناءً، وشبكة مطارات، ومناطق صناعية، ومراكز للإبداع لدعم الفنون، ومراكز للابتكار تدعم قطاع الأعمال، إضافة إلى تطوير القطاعات الاقتصادية المستهدفة.
تأسيس المطار
في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، أي بعد عام من إعلان المشروع، أفصح الرئيس التنفيذي للشركة المهندس نظمي النصر عن تشغيل أول مطار في المدينة، ليتم تسيير رحلات أسبوعية إليه مع بداية عام 2019، على أن يكون المطار واحداً من شبكة مطارات عدة سيتضمنها المشروع.
وبالفعل، استقبل المطار الذي يحمل رمز مطار منظمة الطيران المدني الدولي الواقع في ضاحية «شرما» أول رحلة للخطوط السعودية (الناقل الرسمي في المملكة) في العاشر من يناير (كانون الثاني) عام 2019، عبر طائرتين تجاريتين من طراز إيرباص (إيه 320) تقلان 130 موظفاً في المشروع.
«نيوم» المفهوم
تؤكد المعلومات الرسمية أن مفهوم «نيوم» لا يقتصر على المكان فحسب، بل هو توجه فكري ونمط حياة، حيث سيجسد سكان نيوم أخلاقياتٍ وقيماً تمثل روح الجماعة، كما سيعتمدون ثقافة تتبنى الاستكشاف والمغامرة والتنوع، مدعومين بنظام قانوني منسجم مع الأعراف الدولية، ولا يتوقف عن التطور، مستهدفاً أن يثمر نمواً اقتصادياً ومجتمعاً مكللاً بالنجاح والزهو. وأورد موقع «نيوم» التالي: «تخيل مكاناً يحتضن أصحاب الإنجازات والكفاءات من كل بقاع الأرض، على اختلاف معتقداتهم ومشاربهم، يعيشون جنباً إلى جنبٍ، مُتحدين متآزرين لتحقيق هدف مشترك»، مشيراً إلى أن «نيوم» ستقدم نموذجاً جديداً للاستدامة، وستغدو مكاناً يُركز على تطوير معايير جديدة لصحة المجتمع وحماية البيئة والاستخدام الأمثل للتقنية بفاعلية وإنتاجية.
القطاعات الحيوية
تؤكد المعلومات على الموقع الرسمي أنه سيكون للحياة شكل مختلف مع قطاعات «نيوم» الاقتصادية التي تتمثل في مستقبل لا يضاهى للطاقة المتجددة، على حد وصفها، حيث تتميز بمناخ يتيح لها توليد طاقة متجددة ستكون ذات أسعار تنافسية، بفضل إشعاعات الشمس القوية وسرعات الرياح، ما يجعلها تبني نظاماً وفق ذلك بنسبة 100 في المائة، كما ستنطلق حقبة جديدة لتحويل الطاقة من خلال إنتاج الهيدروجين الأخضر.
وسيسهم استخدام الطاقة المتجددة في تحلية المياه في ضمان خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى الصفر، مع التأكيد على تجنب تصريف أي مواد أو مخلفات مضرة حفاظاً على نقاء البيئة، فيما سيتم معالجة توليد الطاقة وتحويلها إلى أسمدة، وإعادة تدوير المياه لتحويلها إلى مياه صالحة للري. وستقود نيوم مستقبل التنقل، بصفتها مركزاً حيوياً يكون بمثابة نقطة اتصال دولية إقليمية، بحراً وبراً وجواً، حيث التخطيط قائم لبناء ميناء من شأنه أن يحفز التجارة العالمية، كما سيمثل الربط الجوي النموذج الأمثل، مع العمل على التأكد من وجود نظام خال من الانبعاثات الكربونية تماماً، فيما سيكون التنقل البري قائم على حركة نقل عالية السرعة قائمة على مبدأ التشارك عند الطلب.
وستعمل «نيوم» على مستقبل الرعاية الصحية، عبر إنشاء مركز عالمي متقدم للتقنيات الحيوية، وربط المنظومة بالعلاجات الصحية في زمن قياسي، بهدف ترسيخ موقعها، بصفتها موطناً لكبرى شركات التقنيات الحيوية والشركات الواعدة في هذا المجال.
وبحسب مستهدفات نيوم في القطاعات الحيوية، ستفسح المجال لتطوير آليات استدامة النظام الغذائي، سواء في المناطق الصحراوية الصعبة أو خارجها، حيث ستحتضن مقومات الابتكار اعتماد أذكى التقنيات لإحداث نقلة نوعية في هذا المجال.
وتأتي التقنية في قلب القطاعات التي تركز عليها «نيوم»، حيث أكدت أنه لن يقتصر على تقنية النانو، والطباعة الثلاثية الأبعاد، وأجهزة الاستشعار، وإنترنت الأشياء، والمركبات الكهربائية، والروبوتات، والمواد المتجددة فحسب، بل ستوفر الظروف المواتية لابتكار أنظمة تعزز التحولات واعتماد أنظمة تصنيع متقدمة، مع شبكات متكاملة للدعم اللوجيستي المدعومة بمنظومة متقدمة للأبحاث والتطوير.
خطط «نيوم»
وبحسب الخطط التي وضعتها «نيوم»، سيكون أكثر من مليون ساكن هم قوام سكانها بحلول عام 2030، بينما ستستضيف ما يفوق 5 ملايين سائح في العام ذاته، في وقت توفر فيه أكثر من 380 ألف وظيفة.
ويجري العمل حالياً على تطوير نيوم، وقد تم توقيع اتفاقيات مع شركتي «أيكوم» و«بكتل» من أجل تطوير البنية التحتية للنقل، كما جرى توقيع اتفاقيات مع «آر بروداكتس» و«أكوا باور» من أجل بناء منشأة عالمية خضراء لإنتاج الأمونيا تعتمد على الهيدروجين وتعمل بالطاقة المتجددة، كما تم التعاون مع شركة الاتصالات السعودية من أجل إنشاء البنية التحتية لشبكة الجيل الخامس التي من شأنها دعم طموحات نيوم الرقمية.



البرازيل تواجه اختباراً مالياً بعد فوز لولا لولاية رئاسية جديدة

لولا دا سيلفا يحتفل مع زوجته روزانجيلا دا سيلفا ونائبه جيرالدو ألكيمين بفوزه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية (رويترز)
لولا دا سيلفا يحتفل مع زوجته روزانجيلا دا سيلفا ونائبه جيرالدو ألكيمين بفوزه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية (رويترز)
TT

البرازيل تواجه اختباراً مالياً بعد فوز لولا لولاية رئاسية جديدة

لولا دا سيلفا يحتفل مع زوجته روزانجيلا دا سيلفا ونائبه جيرالدو ألكيمين بفوزه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية (رويترز)
لولا دا سيلفا يحتفل مع زوجته روزانجيلا دا سيلفا ونائبه جيرالدو ألكيمين بفوزه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية (رويترز)

واجهت الأسواق البرازيلية موجة اضطرابات حادة عقب فوز الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية جديدة، مع تراجع الريال أمام الدولار الأميركي وهبوط العقود الآجلة للأسهم، في انعكاس لتبدد رهانات المستثمرين على تحول سياسي نحو اليمين وتشديد أكبر للسياسة المالية. وامتدت الضغوط إلى سوق الدين، مع تفعيل آلية وقف التداول في بورصة البرازيل وإلغاء مزادات مقررة للسندات الحكومية، فيما اتجهت الأنظار إلى هوية وزير المالية المقبل ومدى استعداد الإدارة الجديدة لاحتواء ارتفاع الدين العام وضبط الإنفاق.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه البرازيل تحديات اقتصادية متداخلة، تشمل ارتفاع الدين وتكاليف الاقتراض، واستمرار التضخم فوق النطاق المستهدف للبنك المركزي، وتزايد أعباء الديون على الأسر والشركات، إلى جانب صعوبات تمرير الإصلاحات عبر الكونغرس. وفي المقابل، أظهرت بيانات سبتمبر (أيلول) اتساع عجز الحساب الحالي إلى 5.1 مليار دولار، رغم تجاوز الاستثمار الأجنبي المباشر التوقعات، ليسجل 11.3 مليار دولار.

موجة بيع تضرب الأسواق

وتراجع الريال البرازيلي بنحو 12 في المائة مقابل الدولار الأميركي في التعاملات الفورية مع بدء التداولات يوم الاثنين، وفق بيانات نقلتها «رويترز»، فيما هوت العقود الآجلة لمؤشر «بوفيسبا» للأسهم بنحو 15 في المائة، وارتفعت العقود الآجلة لأسعار الفائدة بقوة. كما تعرضت السندات البرازيلية الدولية لضغوط، خصوصاً الإصدارات طويلة الأجل، وتراجعت السندات المستحقة في عام 2056 بنحو ثلاثة سنتات.

وأوقفت بورصة البرازيل «بي 3» التداول لمدة 30 دقيقة بعد تفعيل آلية «قاطع الدائرة» التي تهدف إلى الحد من التقلبات الحادة في السوق. وفي خطوة أخرى تعكس الاضطراب في الأسواق المالية، أعلنت الخزانة الوطنية إلغاء المزادات التقليدية للسندات الحكومية المرتبطة بالتضخم والسندات ذات العائد الثابت، التي كان مقرراً إجراؤها يومي 27 و29 أكتوبر (تشرين الأول) على التوالي.

وقالت الخزانة إنها ستواصل مراقبة أوضاع السوق واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان حسن سير التداول في سوق السندات الحكومية والأسواق المرتبطة بها.

وكانت الأسهم البرازيلية قد سجلت مستويات قياسية في أعقاب الجولة الأولى من الانتخابات في وقت سابق من الشهر، حين عزز تقدم فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، توقعات المستثمرين بفوز مرشح من اليمين وتبني سياسات أكثر تشدداً في ضبط المالية العامة. وأغلقت الأسهم يوم الجمعة مرتفعة بنحو 7 في المائة مقارنة بمستوياتها قبل الجولة الأولى، فيما كان الريال أقوى بنحو 5 في المائة أمام الدولار.

كما عكست العقود الآجلة لأسعار الفائدة توقعات بأن يؤدي تشديد السياسة المالية في ظل إدارة يمينية إلى إتاحة المجال أمام خفض تكاليف الاقتراض. وأشارت بيانات منصة «كالشي» لأسواق التنبؤ إلى أن احتمال فوز بولسونارو تجاوز 75 في المائة يوم الجمعة.

امرأة تقرأ صحيفةً يتصدر صفحتها الأولى خبر فوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ومرشحه لإعادة انتخابه (أ.ف.ب)

ترقب وزير المالية وتوجهات الإنفاق

ويتركز اهتمام المستثمرين الآن على اختيار لولا وزير المالية المقبل، باعتباره مؤشراً رئيسياً إلى توجهات الإدارة الجديدة في التعامل مع الدين العام والإنفاق الحكومي. وتقول تقديرات محللين إن الأسواق قد تظل تحت الضغط إلى أن تتضح خطة مالية يمكن الوثوق بها، تشمل مساراً لضبط الإنفاق وتثبيت الدين.

وقال محللون لدى «مورغان ستانلي» إن الأسواق قد تعكس سريعاً جانباً كبيراً من المكاسب التي سجلتها بعد الجولة الأولى، مع احتمال ارتفاع عوائد الفائدة المحلية وتراجع العملة. وحذروا من أن غياب التزامات واضحة بخفض الإنفاق خلال الأسابيع المقبلة قد يدفع الأسواق إلى تسعير مخاطر مالية أكبر.

بدورها، توقعت «باركليز» تحركات مضطربة في الأسواق المحلية عقب فوز لولا، مشيرة إلى أن المستثمرين سيراقبون تعيين وزير المالية والإشارات المتعلقة بالسياسات الاقتصادية بعد الوعود الانتخابية التي قد تعني اتجاهاً نحو مزيد من الإنفاق. ورجح محللو البنك تعرض السندات السيادية البرازيلية لضغوط بيع، مع احتمال اتساع هوامش العائد خلال الأيام التالية.

وفي السياق نفسه، خفضت «جي بي مورغان» نظرتها إلى الريال البرازيلي والسندات الحكومية المحلية من «زيادة الوزن» إلى «الوزن المحايد»، في إشارة إلى تراجع تفاؤلها السابق بشأن هذه الأصول. كما أشار محللو البنك إلى احتمال تعرض الأسهم المحلية لضغوط واسعة، مع توقع تراجع القطاعات الأكثر ارتباطاً بالاقتصاد المحلي، في حين قد تستفيد الشركات المصدرة من ضعف العملة.

وقال محللون لدى «آر بي سي بلو باي» إن السوق كانت تشير بوضوح إلى تفضيلها تعهدات بولسونارو بضبط المالية العامة، وإن السؤال الأساسي يتمثل في مدى استعداد لولا لتعديل موقفه المالي. وأضافوا أن التوصل إلى تسوية قد يستغرق أشهراً، في ظل حاجة الرئيس إلى بناء تحالفات داخل الكونغرس، ما قد يفرض على السياسة الاقتصادية قدراً أكبر من التشدد مقارنة بولاية لولا السابقة.

الدين العام يحد من خيارات الحكومة

وتُعد المديونية العامة أحد أبرز التحديات التي تواجه الرئيس البرازيلي في ولايته الجديدة. فقد ارتفع الدين العام بأكثر من 10 نقاط مئوية خلال ولايته الحالية، ليتجاوز 82 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي زاد تكاليف الاقتراض.

وتعود الضغوط، وفق تحليل «رويترز»، إلى سنوات من ارتفاع الإنفاق الإلزامي، الذي يترك أقل من 8 في المائة من الموازنة الاتحادية قابلاً للتعديل. ويحد ذلك من قدرة الحكومة على خفض الإنفاق من دون المساس ببنود يصعب تغييرها، بما في ذلك المعاشات التقاعدية والالتزامات الاجتماعية.

وتعهد فريق لولا بالإبقاء على قواعد الموازنة الحالية، التي تحد من نمو الإنفاق وتحدد مستهدفات للرصيد الأولي، أي الفرق بين الإيرادات والنفقات باستثناء فوائد الدين العام، مع الإشارة إلى احتمال تشديد هذه القواعد. لكن تحقيق المستهدفات قد يصبح أكثر صعوبة في ظل تعهد الرئيس بزيادة الحد الأدنى للأجور بوتيرة تتجاوز التضخم، بما يرفع بدوره تكاليف المعاشات، إلى جانب زيادة المساعدات الاجتماعية والتزامات الإنفاق الجديدة.

ويرى مستثمرون أن قدرة الحكومة على تقديم مسار واضح لخفض الدين ستكون عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الأصول البرازيلية. فضعف الثقة في قدرة الدولة على ضبط ماليتها قد يدفع المقرضين إلى المطالبة بعوائد أعلى، بما يرفع تكلفة خدمة الدين ويزيد أعباء الاقتراض على الشركات والأسر.

ويستهدف فريق لولا تحقيق فائض في الموازنة يعادل نحو 1.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، بما يتيح تغطية جزء من فاتورة الفوائد ويحد من الحاجة إلى اقتراض جديد. غير أن ارتفاع الدين والقيود المفروضة على الإنفاق الإلزامي يضعان علامات استفهام حول كيفية تحقيق هذا الهدف.

الأعلام البرازيلية ترفرف فيما يتجمع المؤيدون لمشاهدة الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بعد فوزه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية (رويترز)

الفائدة والتضخم يضغطان على الاقتصاد

ويواجه الاقتصاد البرازيلي كذلك تحدياً يتمثل في ارتفاع أسعار الفائدة واستمرار التضخم فوق النطاق الذي حدده البنك المركزي. فعلى الرغم من بلوغ سعر الفائدة 13.75 في المائة، سجل التضخم السنوي 4.6 في المائة، متجاوزاً الحد الأعلى لنطاق التحمّل البالغ 4.5 في المائة، مقابل مستهدف رسمي عند 3 في المائة.

وكان البنك المركزي قد خفض الفائدة للمرة الخامسة على التوالي في سبتمبر، وسط مؤشرات متزايدة على تباطؤ النشاط الاقتصادي. ومع ذلك، تتوقع الأسواق بقاء التضخم فوق المستهدف الرسمي حتى عام 2029.

وتتمثل معضلة لولا في كيفية خفض تكاليف الاقتراض لدعم الاقتصاد، بالتوازي مع ضبط الإنفاق العام بما يسمح بتراجع أسرع للفائدة. ويرى اقتصاديون أن تحقيق خفض مستدام في تكاليف الاقتراض يتطلب تقليص الإنفاق وتعزيز الثقة في المالية العامة، لكن كيفية التوفيق بين ذلك والحفاظ على البرامج الاجتماعية لا تزال غير واضحة.

وتزيد أسعار الفائدة المرتفعة من الضغوط على الأسر والشركات؛ إذ تشير بيانات شركة «سيراسا» للمعلومات الائتمانية إلى أن نحو 84 مليون برازيلي و9.3 مليون شركة متأخرون عن سداد ديونهم، في مستويات قياسية. وأسهمت هذه الأعباء في تأجيج الاستياء من تكاليف المعيشة، رغم مؤشرات إيجابية أخرى، بينها انخفاض البطالة إلى مستويات قياسية وارتفاع الأجور بوتيرة تفوق التضخم.

ويعتزم لولا إطلاق جولة جديدة لتخفيف أعباء الديون، تشمل شراء القروض المتعثرة للأسر من المصارف بخصومات، إلى جانب إعفاءات ضريبية لبعض أصحاب المشروعات الصغيرة. غير أن محللين يرون أن هذه الإجراءات قد توفر متنفساً مؤقتاً من دون معالجة جذور المشكلة.

كونغرس أكثر ميلاً إلى اليمين يعقّد الإصلاحات

ولا تقتصر التحديات على المؤشرات المالية؛ إذ يُتوقع أن يواجه لولا صعوبة في تمرير أجندته الاقتصادية عبر الكونغرس، بعد انتخاب أحد أكثر المجالس التشريعية محافظة منذ عودة البرازيل إلى الديمقراطية في ثمانينات القرن الماضي.

وعلى الرغم من فوزه على السيناتور اليميني فلافيو بولسونارو في الجولة الثانية، فإن الحزب الليبرالي الذي ينتمي إليه بولسونارو وحلفاءه يتجهون إلى السيطرة على مجلسي الكونغرس، ما قد يحد من قدرة الحكومة على إقرار إصلاحات مالية وضريبية.

وسبق أن واجهت إدارة لولا مقاومة من المشرعين لمحاولات تقليص الإعفاءات الضريبية، كما واجهت صعوبات في تعيين مرشحين والموافقة عليهم في مؤسسات رئيسية، من بينها المحكمة العليا والبنك المركزي وهيئة الأوراق المالية وجهاز مكافحة الاحتكار. ومن المتوقع أن تصبح هذه المهمة أكثر تعقيداً مع التحول نحو اليمين داخل الكونغرس.

الرئيس البرازيلي يتحدث إلى أنصاره في ساو باولو بعد فوزه بجولة الإعادة (إ.ب.أ)

إصلاح ضريبي غير مكتمل

ومن الملفات التي ستواجه الإدارة الجديدة أيضاً استكمال الإصلاح الضريبي. فقد أقر الكونغرس في عام 2023 تعديلاً واسعاً على ضرائب الاستهلاك، ومن المقرر بدء تطبيق ضريبة القيمة المضافة الجديدة في يناير (كانون الثاني)، لكن الحكومة لم تكشف بعد عن المعدل الفعلي للضريبة، قبل أقل من ثلاثة أشهر من موعد بدء تطبيقها.

ويقدر محللون مستقلون أن يبلغ المعدل نحو 28 في المائة. كما أجلت الإدارة، خشية رد فعل الناخبين خلال الحملة الانتخابية، إرسال مشروع قانون إلى الكونغرس لتنظيم ضريبة جديدة على منتجات تعتبر ضارة بالصحة أو البيئة، مثل السجائر والمشروبات الكحولية.

وقد يؤدي هذا التأجيل إلى إرجاء الإيرادات المتوقعة من الضريبة، كما أثار انتقادات بشأن إدارة السياسة الضريبية.


«أنثروبيك» تمهّد لطرح عام قد يصل إلى 100 مليار دولار

شعار «أنثروبيك» (رويترز)
شعار «أنثروبيك» (رويترز)
TT

«أنثروبيك» تمهّد لطرح عام قد يصل إلى 100 مليار دولار

شعار «أنثروبيك» (رويترز)
شعار «أنثروبيك» (رويترز)

خطت شركة «أنثروبيك» الأميركية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي خطوة نحو دخول الأسواق المالية، بعدما قدمت، الاثنين، مستندات تمهيداً لطرح أسهمها للاكتتاب العام للمرة الأولى، في عملية قد تصبح الأكبر من نوعها في التاريخ، مع توقعات بأن تصل حصيلتها إلى 100 مليار دولار، وفق تقارير إعلامية.

يأتي الطرح المرتقب، الذي قد يتيح للشركة الظهور في «وول ستريت» الشهر المقبل، في وقت تحتدم فيه المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي على تطوير النماذج المتقدمة وتوسيع البنية التحتية اللازمة لتشغيلها. وقد يتجاوز الطرح الرقم القياسي الذي سجلته شركة «سبيس إكس» في يونيو (حزيران)، عندما جمعت 86 مليار دولار، كما قد يمنح «أنثروبيك» السبق على منافستها «أوبن إيه آي» في دخول الأسواق العامة.

لكن النمو السريع للإيرادات لا يخفي الضغوط المالية التي تواجهها الشركة المطوّرة لروبوت المحادثة «كلود». فقد أظهرت وثائق الطرح، البالغ عدد صفحاتها 335 صفحة، تسجيل صافي خسارة قدره 80.7 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنةً بخسارة بلغت 13 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق، في ظل التكلفة الباهظة لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها.

وتُقدّر قيمة «أنثروبيك» بنحو 965 مليار دولار وفق تقييم مستثمرين من القطاع الخاص في وقت سابق من العام، فيما تشير تقارير إلى احتمال ارتفاعها إلى 1.5 تريليون دولار أو حتى تريليوني دولار، من دون تحديد تقييم نهائي للطرح حتى الآن. وقالت الشركة إنها تعتزم إدراج أسهمها في سوق «ناسداك غلوبال سيليكت» تحت الرمز «ANT».

ولا يقتصر التحدي الذي تواجهه الشركة على المنافسة والتمويل؛ إذ يأتي الطرح في وقت يحذّر فيه رئيسها التنفيذي، داريو أمودي، من المخاطر الوجودية المحتملة للذكاء الاصطناعي المتقدم. كما أدرجت الشركة في مستنداتها التنظيمية احتمال أن تشكل نماذجها «مخاطر كارثية أو وجودية للبشرية»، إلى جانب مخاطر تتعلق بالاحتفاظ بالموظفين الرئيسيين، والعقبات التنظيمية، وتأمين القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل أنظمتها.


تراجع أرباح «مجموعة تداول» السعودية 41.8 % في الربع الثالث

السوق المالية السعودية «تداول» (أ.ف.ب)
السوق المالية السعودية «تداول» (أ.ف.ب)
TT

تراجع أرباح «مجموعة تداول» السعودية 41.8 % في الربع الثالث

السوق المالية السعودية «تداول» (أ.ف.ب)
السوق المالية السعودية «تداول» (أ.ف.ب)

تراجع صافي أرباح «مجموعة تداول» السعودية القابضة بنسبة 41.8 في المائة خلال الربع الثالث من عام 2026، إلى 48.1 مليون ريال (12.83 مليون دولار)، مقارنة بـ82.7 مليون ريال (22.05 مليون دولار) في الفترة المماثلة من العام الماضي.

وأرجعت الشركة -في بيان لها- الاثنين، انخفاض الأرباح إلى ارتفاع المصاريف التشغيلية بنسبة 3.1 في المائة، نتيجة زيادة مصاريف الإهلاك والإطفاء، رغم تراجع المصاريف التشغيلية بنسبة 3.8 في المائة عند استبعاد تلك المصاريف.

وتراجع سهم «مجموعة تداول» بنسبة 2 في المائة إلى 104.70 ريال، عقب إعلان الشركة نتائجها المالية للربع الثالث.

وانخفضت الإيرادات التشغيلية للمجموعة بنسبة 8.1 في المائة خلال الربع الثالث، لتبلغ 292.2 مليون ريال (77.92 مليون دولار)، مقارنة بـ317.8 مليون ريال (84.75 مليون دولار) في الربع المماثل من عام 2025.

وعزت الشركة تراجع الإيرادات إلى انخفاض إيرادات قطاع أسواق المال بنسبة 12.5 في المائة، وقطاع خدمات ما بعد التداول بنسبة 7.2 في المائة، ما أدى إلى تراجع الإيرادات المرتبطة بأنشطة التداول بنسبة 14.6 في المائة.

وعلى أساس ربعي، انخفض صافي أرباح المجموعة بنسبة 47.8 في المائة خلال الربع الثالث، مقارنة بـ92.1 مليون ريال (24.56 مليون دولار) في الربع الثاني من العام الحالي.

وخلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، تراجع صافي أرباح المجموعة بنسبة 34.6 في المائة إلى 195.8 مليون ريال (52.21 مليون دولار)، مقارنة بـ299.4 مليون ريال (79.84 مليون دولار) في الفترة المماثلة من العام الماضي.