حداد عام بمصر على الملك عبد الله.. ومساجد الجمهورية تؤدي صلاة الغائب

الأزهر: لا يمكن أن ننسى مواقفه النبيلة * الخارجية المصرية والجامعة العربية تنكسان الأعلام * الكنيسة: رمز عروبي وإسلامي وحكيم العرب

علم جامعة الدول العربية منكسا على مبناها حدادا على رحيل الملك عبد الله بن عبد العزيز (أ.ب)
علم جامعة الدول العربية منكسا على مبناها حدادا على رحيل الملك عبد الله بن عبد العزيز (أ.ب)
TT

حداد عام بمصر على الملك عبد الله.. ومساجد الجمهورية تؤدي صلاة الغائب

علم جامعة الدول العربية منكسا على مبناها حدادا على رحيل الملك عبد الله بن عبد العزيز (أ.ب)
علم جامعة الدول العربية منكسا على مبناها حدادا على رحيل الملك عبد الله بن عبد العزيز (أ.ب)

أعلنت مصر أمس، حالة الحداد العام في البلاد حزنا على رحيل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز. وقال التلفزيون الرسمي إن «الرئاسة المصرية قررت إعلان الحداد لوفاة العاهل السعودي لمدة سبعة أيام»، فيما أدت المساجد في عموم الجمهورية صلاة الغائب عقب صلاة الجمعة على خادم الحرمين أمس، وذلك تقديرا لوقوفه مع مصر وشعبها في أحلك الظروف، وجهوده في خدمة دينه ووطنه وأمته.
وألغى الرئيس عبد الفتاح السيسي نشاطه الذي كان مقررا في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا، ويستعد للتوجه إلى السعودية لتقديم واجب العزاء، بعد أن تسببت الظروف المناخية الصعبة في سويسرا في تأخر طائرته، فيما كلف السيسي رئيس مجلس الوزراء إبراهيم محلب، بالتوجه إلى المملكة على رأس وفد مصري رفيع المستوى، لحضور مراسم جنازة الملك عبد الله أمس، وتقديم واجب العزاء.
وكان الرئيس السيسي قد نعى باسمه وباسم شعب مصر، ببالغ الحزن والأسى، المغفور له الملك عبد الله، داعيا المولى - عز وجل - أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجزيه خيرا عما قدمه لشعبه وأمته من عطاء سيسجله له التاريخ بأحرف من نور.
وقررت الحكومة المصرية أمس إرجاء الاحتفالات التي كانت مقررة لثورة يناير يوم غد (الأحد) إلى وقت لاحق، حدادا على الملك عبد الله. وصرح السفير حسام القاويش، المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء، بأن الحكومة قررت إرجاء الاحتفالات التي كانت مقررة بمناسبة الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير، حدادا على المغفور له، الملك عبد الله بن عبد العزيز.
وعاد السيسي إلى القاهرة مساء أمس (الجمعة) قادما على رأس وفد من سويسرا بعدما قطع مشاركته في منتدى دافوس العالمي، تمهيدا لتقديم واجب العزاء في وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز خلال الساعات المقبلة. وقالت الرئاسة المصرية في بيان حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه إن السيسي قطع مشاركته في فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي فور علمه بخبر وفاة الملك عبد الله. وأضاف البيان أنه «جاري التنسيق مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية لتحديد موعد وصول سيادته (السيسي) إلى الرياض لتقديم واجب العزاء».
ومن جانب آخر علمت «الشرق الأوسط» أن الرئيس المصري ألغى نشاطه الذي كان مقررا في سويسرا أمس وعاد إلى مصر استعدادا لتقديم واجب العزاء في العاهل السعودي، وأنه سيكون في المملكة خلال ساعات بعدما تعذر سفره أمس من منتدى دافوس إلى السعودية للمشاركة في تشييع الجنازة بسبب سوء الأحوال الجوية وانتشار الجليد والضباب في المنتجع السويسري.
وأدى الملايين من المصلين في المساجد المصرية، صلاة الغائب على روح الملك عبد الله بن عبد العزيز، عقب صلاة الجمعة أمس، تقديرا لوقوفه مع مصر والشعب المصري، وجهوده في خدمة دينه ووطنه وأمته، فيما دعا المصلون للملك عبد الله بأن يتغمده الله برحمته ويدخله فسيح جناته. وتقدم الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف المصري، صفوف المصلين لأداء صلاة الغائب على ملك السعودية، بعد إمامته للمصلين بمسجد أكاديمية الشرطة بالتجمع الخامس (شرق القاهرة)، في حضور وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، ومفتي البلاد الدكتور شوقي علام.
وقال وزير الأوقاف، إنها «المرة الأولى التي تتخذ فيها وزارة الأوقاف موقفا كهذا لأداء صلاة الغائب، عقب صلاة الجمعة بجميع مساجد مصر»، مضيفا أن «هذا عرفاننا بمواقف الملك المشرفة تجاه مصر والشعب المصري، وتجاه الأمة العربية وتجاه الأمن والسلام في العالم». وأضاف الوزير جمعة قائلا لـ«الشرق الأوسط» إن «الراحل كان من الشخصيات التي تزن كلامها بدقة، وتعي ما تقول، ومتى تقول، وتدرك حجم التحديات وموازين القوى».
ونعى المهندس محلب، الملك عبد الله، وقال في بيان له: «تلقينا ببالغ الحزن خبر رحيل الملك عبد الله، في وقت كانت الأمة العربية كلها أحوج ما تكون إليه للم الشمل العربي، وتقوية أواصر التعاون بين دولها».
وأضاف محلب: «صفحات التاريخ ستسجل ما حققه الراحل الكريم من إنجازات لوطنه، وللأمتين العربية والإسلامية، ولن تنسى مصر ولا شعبها مساندته ودعمه المتواصل، على مدى سنوات عمره».
وقدم رئيس الوزراء، خالص العزاء إلى السعودية قيادة وشعبا، متمنيا للمملكة وشعبها الخير، كما أعرب عن ثقته وأمنياته للملك سلمان بن عبد العزيز، خادم الحرمين الشريفين، وولي العهد مقرن بن عبد العزيز، وكل أفراد الأسرة، بأن يكملوا مسيرة التقدم والازدهار التي خطها الراحل الكريم.
ونعت القوات المسلحة المصرية ضباطا وضباط صف وجنودا، الشعب السعودي وقواته المسلحة في وفاة العاهل السعودي. وقالت: «سيذكره التاريخ بأنبل المواقف القومية والوطنية من أجل دعم مصر وقواتها المسلحة».
وتوجه الفريق أول صدقي صبحي، القائد العام للقوات المسلحة، وزير الدفاع والإنتاج الحربي المصري، للسعودية، بمرافقة رئيس الوزراء، للمشاركة في تقديم واجب العزاء في وفاة الملك عبد الله.
وبينما نكست وزارة الخارجية المصرية العلم، حدادا على وفاة العاهل السعودي، قالت الجامعة العربية إنها «نكست أعلامها حدادا على الفقيد». وأضافت الجامعة، في بيان لها أمس، أنه «ببالغ الحزن وعميق الأسى نعى الدكتور نبيل العربي، الأمين العام للجامعة العربية، إلى الأمة العربية والإسلامية المغفور له خادم الحرمين الشريفين».
وأضاف البيان أن «الأمين العام عبر عن حزنه العميق لفقدان العالم العربي؛ بل الإنسانية جمعاء، رجلا صادقا وشجاعا، كان قادرا على مواجهة التحديات بصلابة وحكمة، وكان مؤمنا بالقضايا العربية ومدافعا عنها في أحلك الظروف وأكثرها شدة وتعقيدا».
وفي العاصمة المصرية عم الحزن ربوع البلاد على رحيل خادم الحرمين الشريفين، وأعرب عدد كبير من المؤسسات والمسؤولين وقادة الأحزاب والتجمعات الشعبية عن خالص عزائهم للشعب السعودي في وفاة الفقيد الكبير، سائلين الله أن يتغمده بواسع الرحمة والمغفرة.
ونعى الأزهر خادم الحرمين الشريفين. وقال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر: «تلقينا بحزن شديد خبر وفاة القائد العربي الأصيل، خادم الحرمين الشريفين، الذي نذر حياته للذود عن حرمات أمته العربية والإسلامية، وأنف أن يقبل فيها الدنية، وأبى أن يتاجر بها في أسواق الاستعمار الجديد، أو يقبل فيها مساومة أو مفاصلة من أعداء يتربصون بها ويكيدون لها».
وأكد الطيب أنه لا يمكن لعربي أو مسلم أن ينسى المواقف النبيلة لخادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز - رحمه الله - حيال قضايا الأمتين العربية والإسلامية، والتي كانت تصب كلها في إيجاد مجتمع عربي إسلامي متضامن يسوده الحب والتعاون والسماحة.
وتقدم الأزهر بخالص العزاء والمواساة للملك سلمان بن عبد العزيز، خادم الحرمين الشريفين، ولآل سعود جميعا، وللشعب السعودي الشقيق، ودعا المولى القدير أن يتغمده بواسع مغفرته ورحمته، وأن يسكنه فسيح جنته، جزاء دوره الناصع في خدمة العروبة والإسلام، واعتنائه بشؤون المسلمين وتوسعة بيت الله الحرام».
وقالت مصادر مسؤولة في مشيخة الأزهر لـ«الشرق الأوسط»، إن «الطيب سوف يتوجه للسعودية اليوم (السبت) على رأس وفد رفيع المستوى من كبار العلماء بالأزهر، لتقديم واجب العزاء».
من جانبه، نعى البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، الملك عبد الله، واصفا العاهل السعودي بـ«الرمز العروبي والإسلامي وحكيم العرب».
وقال البابا تواضروس أمس: «بالأصالة عن نفسي، وباسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، نقدم خالص العزاء لشعب المملكة العربية السعودية في وفاة الرمز العروبي والإسلامي، حكيم العرب، خادم الحرمين الشريفين، وسيسجل التاريخ للقائد الراحل مواقفه التي لا تنسى على صعيد الأمتين العربية والإسلامية، وندعو الله بالتوفيق للملك سلمان بن عبد العزيز، لقيادة المملكة وشعبها إلى بر الأمان والخير والصلاح».
كما نعت دار الإفتاء المصرية العاهل السعودي، وقال مفتي مصر الدكتور شوقي علام إن «السعودية والأمة العربية فقدتا قائدا حكيما استطاع أن يحقق الكثير من الإنجازات للأمتين العربية والإسلامية‏، ودافع كذلك عن قضايا العرب والمسلمين في كل المحافل الدولية». وأضاف المفتي: «لن ينسى الشعب المصري المواقف التاريخية للملك عبد الله بن عبد العزيز تجاه مصر وشعبها وأزهرها».
ونعى عمرو موسى، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، الملك عبد الله، وقال أمس: «رحم الله الملك عبد الله، وعزائي للشعب السعودي ولشعوب العرب والمسلمين.. كان الملك عبد الله رجلا عظيما وقائدا مميزا، شهدته في مواقف كثيرة، لمست فيها حكمته وحرصه على المصالح العربية وتقدم وعزة الوطن العربي».
وأضاف موسى: «يتذكر المصريون جميعا دور الملك عبد الله ووقوفه وبلاده إلى جانب مصر في محنتها، واليوم تنعى مصر كلها مواقفه وتاريخه الناصع.. تحية إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ولولي العهد الأمير مقرن بن عبد العزيز، اللذين يتوليان مسؤولية كبرى في ظرف استثنائي».
في السياق ذاته، نعت هيئة كبار العلماء بمصر خادم الحرمين، وأعرب الأمين العام لهيئة كبار العلماء، الدكتور عباس شومان، عن تعازيه لرحيل خادم الحرمين الشريفين. وقال إن «خادم الحرمين الشريفين حكيم العرب بلا منازع، وتجاوزت مواقفه الإنسانية حدود المكان والزمان وسيذكر التاريخ وقفته مع مصر»، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أن «خادم الحرمين الشريفين نذر نفسه لخدمة العالم الإسلامي وسيظل التاريخ يذكر وقفته مع مصر ضد من أرادوا اختطافها».
وأعرب الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية السابق، عضو الهيئة، عن خالص التعازي والمواساة في وفاة خادم الحرمين الشريفين، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن رحيل الملك عبد الله «خسارة فادحة ليس للشعب السعودي فحسب وإنما للأمة العربية والإسلامية كلها».
بينما أكد الدكتور الأحمدي أبو النور، وزير الأوقاف المصري الأسبق، عضو هيئة كبار العلماء، أن «مصر لن تنسى دعوة خادم الحرمين الشريفين لمواجهة الخطر الحقيقي (الإرهاب) الذي هدد الأمة»، مضيفا لـ«الشرق الأوسط»: «مواقفه الجليلة كان لها أكبر الأثر في تكاتف الأمة الإسلامية ودعوة علماء الأمة، لكشف زيف المفاهيم الخاطئة للجماعات المتشددة».
وقال الدكتور محمود مهنى، عضو هيئة كبار العلماء، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الملك عبد الله وضع علماء الأمة على الطريق الصحيح، وقدم للمجتمع الدولي صورة حقيقية عن المسلم وعن دين الإسلام الحنيف، الذي يدعو إلى السلام والمحبة وإعمار الكون.. لا للعنف والقتل».
في غضون ذلك، نعى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ببالغ الأسى والحزن وفاة خادم الحرمين الشريفين. وقال المجمع إن «الأمة العربية والإسلامية فقدت زعيما وحكيما أعطى الكثير والكثير لشعبه ولأمته العربية والإسلامية، وحقق إنجازات حضارية، وساند القضايا العربية والإسلامية».
وتوجهت وزارة الأوقاف بخالص العزاء للشعب السعودي كله، وكذلك الشعب المصري. وقالت في بيان لها: إن «مصر أحبت هذا الرجل وتقدر له مواقفه الكريمة، وللأمة العربية كلها بفقدانها رجلا من خيرة قيادات الأمة وحكمائها».
وطالبت الوزارة جميع الأئمة والخطباء في مصر بأداء صلاة الغائب بجميع مساجد مصر، وذلك تقديرا لوقفته المشرفة مع مصر والشعب المصري، وجهوده في خدمة دينه ووطنه وأمته.
وعلى صعيد الأحزاب السياسية، نعت عدة أحزاب وحركات سياسية، وفاة خادم الحرمين الشريفين، معتبرين أن رحيله جاء في توقيت «كانت الأمة العربية كلها أحوج ما تكون إليه للم الشمل العربي، وتقوية أواصر التعاون بين دولها».
وقال حزب الوفد المصري، إن «الملك عبد الله رحل عن دنيانا؛ إلا أن مواقفه الوطنية العظيمة والأصيلة ستبقى خالدة»، مضيفا: «خالص العزاء لأشقائنا في المملكة العربية السعودية، ودعاء من القلب أن يتغمد فقيدنا الكريم بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، جزاء ما قدم لوطنه وأمته».
وقال أكمل قرطام رئيس حزب المحافظين: «رحم الله خادم الحرمين الشريفين.. عزائي للشعب السعودي ولشعوب العرب والمسلمين». فيما قال حازم عمر رئيس حزب الشعب الجمهوري، إن الملك عبد الله كان أخلص رجل.. ومن أنبل ملوك العرب، مؤكدا أن «الأمة الإسلامية لن تنسى دوره الإنساني في الحفاظ على الهوية الإسلامية، ومواقفه النابضة بالإسلام الوسطي الصحيح، ودعمه للأمة الإسلامية».
ونعى حزب مصر الثورة خادم الحرمين الشريفين، قائلا في بيان له «لن تنسى الأمة العربية وخاصة مصر موقف هذا الرجل العظيم، الذي كان مثالا يحتذى به في الدفاع عن القومية وحماية الوطن العربي من مخاطر كادت أن تلحق بنا الضرر لولا وقوفه بجانبنا وبجانب الأمة العربية بأكملها».
وأعلن المجلس الرئاسي لائتلاف «نداء مصر» تأجيل فعالية الاندماج مع ائتلاف «تحيا مصر» برئاسة الوزير السابق محمد العرابي والتي كان مقررا لها اليوم (السبت) نظرا لحالة الحداد لوفاة الملك عبد الله. بينما نعى الفقيد أيضا الدكتور نبيل دعبس رئيس حزب مصر الحديثة، وقال إن الحزب سيجري اتصالات مع باقي الأحزاب لتأبين الفقيد الكبير باسم الأحزاب المصرية وتخليدا لذكراه وفاء من الشعب المصري لما قدمه لمصر ومساندته لها.
من جهتها، أصدرت الدعوة السلفية في مصر بيان تعزية للأمة الإسلامية في وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز. وقالت الدعوة السلفية: إنها «تتوجه بخالص العزاء إلى الشعب السعودي الشقيق في وفاة المغفور له بإذن الله الملك عبد الله بن عبد العزيز، كما تتقدم بالعزاء للأسرة المالكة وللحكومة السعودية.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.