عهود لبنان مع رؤساء الحكومات... صراع زعامات وخيارات

دارت أحياناً في ظل واقع إقليمي مؤثر أخل بالموازين

عهود لبنان مع رؤساء الحكومات... صراع زعامات وخيارات
TT

عهود لبنان مع رؤساء الحكومات... صراع زعامات وخيارات

عهود لبنان مع رؤساء الحكومات... صراع زعامات وخيارات

الخلافات التي تحكم علاقة الرئيس اللبناني ميشال عون، برئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، ليست حالة فريدة ولا سابقة في تاريخ لبنان، إذ دائماً ما كانت التباينات تطغى على تفاهمات الرئاستين الأولى والثالثة منذ الاستقلال في عام 1948 مروراً بحقبة الحرب الأهلية وانتهاءً بالعهود التي تعاقبت على الحكم بعد اتفاق الطائف. وغالباً ما عبّرت هذه التباينات عن صراع نفوذ حيناً على الزعامة وتثبيت كلّ منهم زعامته في المعادلة الداخلية تارة، وأحياناً على الخيارات السياسية التي حوّلت لبنان ساحة مفتوحة للنزاعات الخارجية.
يختلف وصف صراعات المرجعيتين بين عهد وآخر، قلّما سادت لغة الانسجام بينهما وفق تعبير مَن عايشوا تلك العلاقات منذ منتصف القرن الماضي، خصوصاً عندما يكون الافتراق على قضايا مصيرية. إلا أن الأخلاق السياسية قبل الحرب (1975 - 1990) كانت تلعب دوراً في «إدارة» النزاعات وإبقائها «مضبوطة»، لأسباب عديدة أبرزها: أن الكلّ كان يقرأ الدستور ويطبقه، كما كانوا يمارسون الحكم على أساس وجود سلطة تحكم ومعارضة تراقب وتحاسب، مع مراعاة مبدأ استقلالية السلطات وتعاونها، بخلاف الواقع الحالي القائم على قاعدة «دمج السلطات وتطاحنها».
على قاعدة «أن من لا يقرأ التاريخ ويأخذ العبرة منه، لا يمكنه أن يبني مستقبلاً، تقف القيادات اللبنانية إزاء أزمة الحكم الراهنة في لبنان خارج هذه المعادلة، لا بل إن بعضها يجد في ممارساته استمراراً للحقبة الماضية»، يقول الوزير السابق رشيد درباس في تصريح لـ«الشرق الأوسط».
ويتابع الوزير السابق أن «الخلاف بين رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومات في مرحلة ما بعد الاستقلال، كان دائماً صراع زعامات، وكانت انطلاقته بين الرئيس بشارة الخوري (أول رئيس للبنان بعد الاستقلال) ورئيس الحكومة رياض الصلح، فكان خلافهما أشبه بـ(منازلات الديوك)، باعتبار أنهما زعيما الاستقلال». ويلفت درباس إلى «استمرار التباين بين القصر الجمهوري والسراي الحكومي، إلى أن تفجّر على الخيارات بين الرئيس الراحل كميل شمعون، الداعي –في حينه– لانضمام لبنان إلى «حلف بغداد»، وبين رئيس الحكومة الراحل رشيد كرامي الذي كان ضمن المعسكر المؤيد للوحدة بين مصر وسوريا، في منتصف الخمسينات من القرن الماضي.

رفيق الحريري «رافعة عهد» إلياس الهراوي
لم يكن المشهد مختلفاً في العهود التي نشأت بعد «اتفاق الطائف»، غالباً ما عصفت الخلافات بين رؤساء الجمهورية والحكومات، وهذا ما استهلّ في علاقة الرئيس الراحل إلياس الهراوي برئيس الحكومة الراحل عمر كرامي، على قضايا كثيرة وأساسية، بدءاً من الاختلاف على مقرّ انعقاد مجلس الوزراء، وانتهاءً بترؤس رئيس الجمهورية جلسات الحكومة، مروراً بتباعد الرؤى على الصلاحيات. ولقد استمرّ هذا التباعد إلى أن سقطت حكومة كرامي تحت ضغط الشارع في عام 1992 بسبب انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي.
غير أن «المرحلة الذهبية» من عهد الهراوي كانت بوصول الرئيس رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة، فكانت مرحلة تحوّل حقيقية، أسست لمحو آثار ما خلّفته الحرب، والدخول في عملية بناء مؤسسات الدولة المتصدّعة. وهنا يؤكد الوزير درباس أن الهراوي «وجد في رفيق الحريري رافعة عملاقة لعهده، بدأت بإعادة إعمار لبنان وبناء ما دمرته الحرب الأهلية». ويرى أن «وصول إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية تُرجم تغييراً للنهج السوري في لبنان، وتعبيراً واضحاً عن امتعاض نظام آل الأسد من تمادي الحريري في مشروع بناء الدولة، فقرّروا وضع حدّ لهذه الاندفاعة عبر تنصيب إميل لحود رئيساً للجمهورية، وتوكيله بمهمة إحباط مشروع الحريري وتهديم كل ما بناه». ويلفت درباس إلى أن «انتصار رفيق الحريري في انتخابات عام 2000 فرض على لحود مساكنة بشعة، خصوصاً، مع تراجع نفوذ (الرئيس السوري الراحل) حافظ الأسد لصالح نجله بشّار، الذي استكمل مشروع تطويق الحريري سياسياً واقتصادياً... وحتى أمنياً وصولاً إلى اغتياله في شباط فبراير (شباط) 2005».

«إعلان بعبدا» والانقلاب عليه
بعد عهد لحود وما رافقه وتلاه من اغتيالات، وتبعه فراغ رئاسي دام ثمانية أشهر، وأيضاً بعد اجتياح بيروت وجبل لبنان عسكرياً من «حزب الله» وحلفاء النظام السوري، انتُخب قائد الجيش اللبناني ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. وحسب درباس: «ميشال سليمان كان حكيماً، واستطاع التفاهم مع رؤساء الحكومات (فؤاد السنيورة، وسعد الحريري، ونجيب ميقاتي، وتمام سلام)، وتمكّن من رعاية الحوار الوطني في قصر بعبدا، وتأمين إجماع وطني على (إعلان بعبدا)، الذي اعتمد سياسة النأي بالنفس وتحييد لبنان عن أزمات المنطقة. لكنّ (حزب الله) سرعان ما انقلب على هذا التفاهم، وبات يسمّي سليمان (ساكن قصر بعبدا) بدلاً من تسميته رئيس الجمهورية، ثم ذهب إلى القتال في سوريا بخلاف إرادة باقي المكوّنات اللبنانية».
كثيرون يجدون «مبرّراً» للاختلاف الذي طبع عهود ما قبل «اتفاق الطائف» عن العهود الذي خرجت من رحم «وثيقة الوفاق الوطني». ويذكّر النائب السابق صلاح حُنين، بأن «رئيس الجمهورية قبل الطائف كان الحاكم المطلق بفعل صلاحياته الواسعة، فكان يختار رئيس الحكومة القريب من سياسته، ويشكّل معه الحكومة التي تناسبه». وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أعطى حنين أمثلة كثيرة على ذلك، لافتاً إلى أن «الرئيس بشارة الخوري كان في خندق واحد مع رئيس الحكومة رياض الصلح، رغم التباينات التي برزت بينهما لاحقاً. كذلك كان الانسجام كاملاً بين الرئيس (الجمهورية) فؤاد شهاب والرئيس (الحكومة) رشيد كرامي، وأيضاً (رئيس الجمهورية) سليمان فرنجية مع (رئيس الحكومة) صائب سلام، وبين الرئيس إلياس سركيس والرئيس سليم الحص».

فؤاد شهاب لا يتكرّر
صراعات الرئاستين الأولى والثالثة القائمة بأوجه مختلفة وبحدّة متفاوتة، قبل الحرب وبعدها، لا تفسّر على أنها صراعات بين الموارنة والسنة، وفق تعبير وزير العدل السابق الدكتور شارل رزق، الذي عاصر العهود منذ الرئيس فؤاد شهاب في ستينات القرن الماضي. إذ يؤكد رزق لـ«الشرق الأوسط»، أن الأمر «مرتبط بشخصية رئيس الجمهورية ومدى إدراكه لإدارة البلد بالتفاهم من المكونات الأخرى». وهو يرى أن «الرئيس شهاب كان حالة استثنائية لا تتكرّر، ورجلاً حكيماً في استيعاب البلد وتناقضاته. وبالتالي، استطاع بالتفاهم مع الرئيسين رشيد كرامي و(رئيس مجلس النواب) صبري حمادة، أن يحوّل عهده إلى عهد الإنجازات وبناء مؤسسات الدولة». وفي المقابل، لا يجد رزق داعياً للغوص في عهد الرئيس ميشال عون، إذ يرى أن هذا العهد «مسيّر كلّياً من (حزب الله) وإيران، وبذلك حوّل لبنان إلى دولة فاشلة وقاصرة عن إدارة شؤونها بذاتها». وردّ الأمر إلى «قلّة الإدراك والخبرة السياسية في إدارة البلد، وهو ما قد يضع لبنان أمام وصاية دولية يشتم رائحتها في مطابخ القوى الدولية».

الحريري وخسارة الحلفاء
لقد سجّل العهد الحالي رقماً قياسياً في التعطيل والشلل وتسريع عملية الانهيار، ويعزو الوزير السابق رشيد درباس الأمر إلى «استحالة خروج ميشال عون من الماضي» ورفضه «التأقلم مع دستور الطائف». ويمضي شارحاً: «عون لم يتغيّر ولا يزال تتحكّم به عقلية رئيس الحكومة العسكرية... إن كثيرين خُدعوا واعتقدوا أن ميشال عون تغيّر بعد عودته من منفاه في باريس، وأول مَن خُدِع به سعد الحريري و(رئيس حزب القوات اللبنانية) سمير جعجع». ومن ثم، يصف درباس عون بأنه «رجل انقلابي ويريد حكماً رئاسياً بأي ثمن، كما يريد دولة يحكمها بالشكل، لكنها في المضمون محكومة بإرادة (حزب الله)». ويشدد على أن «التنازلات الكبيرة التي قدّمها سعد الحريري لم تُبقِ له حلفاء في الداخل ولا في الخارج... وأنا أعتقد أن أزمتنا طويلة، لأننا دخلنا في صميم الصراع الإقليمي والدولي».
من جانب ثانٍ، فإن ما يشهده اللبنانيون من أزمات الآن ليس نتاج الغموض في بنود الدستور كما يرى البعض ولا في التباس نصوصه، بل هو نتاجٌ لصراع على السلطة ومقاربات آليات الحكم بين المؤسسات. ويشير النائب السابق صلاح حنين -وهو محامٍ وخبير دستوري- إلى أن «الاختلافات في مرحلة ما بعد الاستقلال كانت تحترم القِيَم، لأن رؤساء الجمهورية والحكومات كانوا يحترمون الدستور ويطبقونه بشكل سليم. أما مشكلتنا القائمة اليوم فتكمن في تقدّم الأعراف على المواد الدستورية، لأن كلّ الأحزاب رغم تناقضاتها وحروبها تريد أن تكون في الحكومة وجزءاً من السلطة، بل كلّ منها يريد تشكيل الحكومة وفق رؤيته وتسييرها بما يخدم أجندته». ويضيف: «لكي ينجح الحكم فإنه يحتاج إلى مؤسسات تعمل، والمؤسف أننا نفتقر اليوم لهذه المؤسسات، إذ لا حكومة ولا مجلس نيابي فاعل ولا رئاسة جمهورية تمارس دورها المنصوص عليه في الدستور».

فاتورة السلاح والوصايات
وكما دفع لبنان ضريبة هيمنة السلاح الفلسطيني في السبعينات، ثم فاتورة الوجود السوري حتى عام 2005 تاريخ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ها هو يدفع اليوم فاتورة الوصاية الإيرانية. وعند هذه النقطة يقول الدكتور رزق: «ليت العهد الحالي تواصل مع الإيرانيين مباشرةً، وتحاور معهم حول مصلحة لبنان، لتجنيب البلاد تداعيات الدور الإيراني في المنطقة». ويرى أن عهد عون «اكتفى بأن يكون تحت ظلّ الوصاية الإيرانية المتمثِّلة بـ(حزب الله)، وأن يؤمّن الغطاء السياسي لهذا الحزب، وهو ما وضع البلاد تحت عزلة عربية ودولية غير مسبوقة».
صحيحٌ أن المواجهة بين رئاسة الجمهورية وما تمثّل، ورئاسة الحكومة وما تمثّل، بلغت ذروتها في عهد الرئيس إميل لحود، الذي خاض حرب إلغاء سياسية واقتصادية -وحتى أخلاقية- مع رفيق الحريري، عبر ملاحقة أقرب المقرّبين منه وزجّهم في السجون، واستخدام القضاء والأمن أداة لتنفيذ هذه الحرب، إلا أن لحود خسر تلك الحرب مع عودة رفيق الحريري إلى السلطة على حصان أبيض، جرّاء فوزه الكبير في انتخابات عام 2000، لكنّ هذا الفوز أسّس لأخطر مرحلة في حياة اللبنانيين، إذ فتح البلاد على الاغتيالات السياسية، التي بدأت مع محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2004 بعد أسابيع قليلة على التمديد لإميل لحود. ثم اغتيال الحريري المُزلزِل في 14 فبراير 2005 الذي تلته سلسلة طويلة من الاغتيالات طالت وزراء ونواباً وقيادات أمنية وحزبية وإعلاميين مناوئين للنظام السوري وللسطوة الإيرانية على لبنان.
أخيراً، لا يحمّل صلاح حنين مسؤولية الصراع مع رفيق الحريري للرئيس لحود وحده، إذ يذكّر بأن الأخير «كان ينفّذ رغبة السوريين، الذين يضغطون على الحريري بشكل غير معهود، لأنه كان يواجه بشكل غير مباشر هيمنتهم على السلطة في لبنان وتدخلهم بكل شاردة وواردة». ويؤكد حنين أن «ما سهّل على السوريين فرض قراراتهم وخياراتهم، وجود قيادات وأحزاب قوى سياسية في لبنان تؤيدهم بذلك، وهي نفس القوى المتحالفة الآن مع إيران من خلال (حزب الله)».

عون في الحرب كما في السلم... لم يتغيّر
> ممارسات العماد ميشال عون للسلطة إبان الحرب الأهلية اللبنانية، جاءت متطابقة مع سياسته المعتمدة في مرحلة السلم. ويتوقف سياسيون عايشوا حكم «الجنرال» في محطات مهمة خلال رئاسته للحكومة العسكرية ما بين عامي 1988 و1989 ليؤكدوا أنه «عندما أصدر رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميل مرسوم تشكيل حكومة عسكرية برئاسة عون، كانت مهمة هذه الحكومة تهيئة الأجواء لانتخاب رئيس للبلاد، لكن عندما فشل عون في إقناع السوريين بانتخابه رئيساً، أعلن حرب التحرير ضدّ الجيش السوري إلى حين إخراجه من لبنان، وتوعّد بـ(تكسير رأس حافظ الأسد). لكن النتيجة كانت معاكسة تماماً، إذ جرى تدمير لبنان، وتمكّن السوريون من تدمير القصر الجمهوري الذي فرّ منه عون هارباً إلى السفارة الفرنسية».
ويدحض السياسيون المتابعون لسلوك رئيس الجمهورية منذ نهاية التسعينات، مقولة أن «اتفاق الطائف فُرض فرضاً على النواب المسيحيين الذين شاركوا في المفاوضات». ويشدد هؤلاء على أن عون «كان يواكب ساعة بساعة مسار نقاشات النواب المسيحيين في الطائف، ويوافق على كلّ بند من بنوده قبل إقراره، غير أنه سرعان ما انقلب على الاتفاق لمجرّد أنه تمّ التوافق على انتخاب النائب رينه معوّض رئيساً للجمهورية بعد الطائف، وذهب إلى حلّ المجلس النيابي. وعندما فوجئ بقبول (القوات اللبنانية) هذا الاتفاق من أجل إنهاء الحرب الأهلية وإخراج لبنان منها بعدما أنهكت شعبه ودمرّت مؤسساته، ووضعه على سكّة التعافي، لم يتردد عون في إعلان ما يعرف بـ(حرب الإلغاء) على القوات، بذريعة توحيد البندقية في المنطقة الشرقية، ورفض أي سلاح غير سلاح الجيش اللبناني». ويرى هؤلاء أن تلك الحرب «دمّرت المجتمع المسيحي، وأسهمت في تعميق الجراح بين عائلاته، وهجّرت الآلاف من شبابه إلى الخارج».
وكما في حقبة الحرب كذلك في زمن السلم. إذ عاد «الجنرال» من منفاه الباريسي إلى لبنان في 7 مايو (أيار) 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري محتفياً بـ«إقناعه» الأميركيين بإقرار «قانون محاسبة سوريا» رداً على ارتكابات نظامها في لبنان، ومطالباً بحلّ كل الميليشيات المسلّحة وحصر السلاح بيد الدولة فقط. إلا أنه لم يتأخر في التحالف مع أبرز هذه الميليشيات وأكثرها تقويضاً للدولة، عندما سارع إلى إبرام تفاهم كنيسة «مار مخايل» مع أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، ثم غطى اجتياح «حزب الله» لبيروت وجبل لبنان في 7 مايو 2008، وارتضى أن يكون السبب المباشر في الفراغ الرئاسي عام 2007 إثر انتهاء ولاية إميل لحود الممدّدة، ثم عام 2014 مع انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان. ويؤكد السياسيون أن الرئيس عون «يضع أمام ناظريه هدفاً واحداً هو الانقلاب على الطائف، والعودة إلى الحكم الرئاسي، وإذا لم ينجح بتعديل الطائف بالنصوص، يسعى إلى تكريس أعراف انقلابية في الممارسة».

الضريبة الباهظة لهيمنة السلاح والوصايات
> لم يكن لبنان في يوم من الأيام جزيرة معزولة عن محيطه العربي، بل كان البلد الأكثر تأثراً بما يجري من أحداث في المنطقة. إلا أنه دائماً ما يبقى الحلقة الأضعف والضحية الأولى لسياسات تُفرض عليه رغم إرادة أبنائه، بدءاً من «اتفاق القاهرة» الذي شرّع السلاح الفلسطيني، ومنحه حقّ تنفيذ عمليات عسكرية ضدّ إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، وانتهاءً بالسلاح الإيراني الذي جعل منه ساحة مفتوحة تصفّي عبرها طهران حساباتها مع العالم. وكما عانى البلد الصغير تداعيات الوجود الفلسطيني المسلّح، الذي انتهى باجتياح عسكري إسرائيلي للبنان عام 1982 وصولاً إلى العاصمة بيروت، ثم عانى طويلاً من آثار الهيمنة السورية، والمؤسف أن القبضة الأمنية والعسكرية السورية المباشرة لم تنتهِ إلا باغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.
واليوم يرى المراقبون أن «الفراغ الحكومي الناجم عن خلاف رئيس الجمهورية مع الرئيس سعد الحريري على شكل الحكومة العتيدة والحقائب والأسماء، يبقى أبعد من صراع الرجلين على آلية الحكم». ويُعرب هؤلاء عن أسفهم لأن يكون «العهد القوي مجرّد واجهة تغطي أدوار (حزب الله) في الداخل والخارج، ويرهن البلد لصالح الأجندة الإيرانية». ويتخوّف هؤلاء من «الكلفة الباهظة التي قد يدفعها لبنان ثمن التخلّص من النفوذ الإيراني الموجود في السلطة»، ويؤكدون أنه «لم يسبق للبنانيين أن عايشوا مثل هذه السياسات التي أوصلت البلد إلى الانهيار على كلّ الصعد، وحولّت لبنان من بلد ديمقراطي ليبرالي، إلى دولة فاشلة بكل المقاييس».



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.