فنان الأنيميشن الياباني هاياو ميازاكي يطفئ 80 شمعة

أحب فانتازيا التحليق والمرأة القوية

هاياو ميازاكي
هاياو ميازاكي
TT

فنان الأنيميشن الياباني هاياو ميازاكي يطفئ 80 شمعة

هاياو ميازاكي
هاياو ميازاكي

احتفل المخرج الياباني هاياو ميازاكي بعيد ميلاده الثمانين في الخامس من هذا الشهر، إذ كان وُلد سنة 1941 وهو عمد إلى السينما مخرجاً وكاتباً منذ منتصف الستينات وما يزال يشغل نفسه بالعمل رغم أنه كرر القول إنه قرر التقاعد.
ربما يأتي قراره هذه المرّة كمرحلة جديدة يكتفي فيها بالنظر إلى أعماله المترامية خلال أكثر من ستة عقود. هو بالتأكيد أنجز لنفسه ولفنّه اسماً لامعاً وكبيراً كمخرج أول في السينما التي اختص بها وهي سينما الأنيميشن، أو كما نسمّيها بالرسوم المتحركة.

شغف بالتحليق
في هذا الإطار أنجز، إخراجاً وإنتاجاً، أفلاماً مختلفة عما نعرفه في مدارس الرسوم المتحركة. هو مدرسة بحد ذاتها أطلقت أعمالاً مثل Frotress in the Sky («قلعة في السماء»، 1986) وWhisper of the Heart («همس القلب»، 1995) Princes Mononoke («الأميرة مونونوكي»، 1997) وSpirited Away («سبيريتد أواي»، 2002) وصولاً إلى The Wind Rises («الريح يرتفع»، 2014) وعدد من الأفلام القصيرة والكتابات لأفلام طويلة قام برسمها آخرون تحت إشرافه.
وُلد هاياو لأب كان يعمل في شركة مُخصصة لتزويد القوات اليابانية بالوقود. الحرب كانت مستعرة ووالده كان طرفاً شبه مباشر في الجهود الحربية اليابانية ضد الولايات المتحدة آنذاك. كولد صغير، لم يأبه هاياو للحرب بحد ذاتها بقدر ما هام حباً بحركة الطيران والتحليق كلما اصطحبه والده معه من حين لآخر. وهذا الهيام صاحبه إلى اليوم، إذ تنظر إلى أفلامه تجد ترجمة فنية وخيالية حقيقية لهذا الوله بالتحليق. هو، في قراءة موازية، حلم في الانطلاق بعيداً عن شروط الحياة الطبيعية فأبطاله قادرون على هذا الفعل إنما من غير تلك السمات التي نجدها في أفلام هوليوود المستوحاة من الكوميكس («آيرون مان» أو «سوبرمان» وسواهما).
نجد ما يجسّد حب ميازاكي للطيران في «قلعة في السماء» وفي Porko Rosso سنة 1992 ثم، وعلى نحو أكثر تميّزاً في «قلعة هاول المتحركة» (Howl‪’‬s Moving Castle) الذي أنجزه سنة 2004 و«سبيريتد أواي» (2002)
هذا الشغف بالحركة الفضائية التي لا ترتفع كثيراً فوق سطح الأرض (كما حال الطائرات عموماً) لم يكن التأثير الوحيد الذي لازم ميازاكي طويلاً ولا العنصر الذي جعل من حكاياته عاكساً للعلاقات الإنسانية على نحو غير مألوف كثيراً عند سواه من فناني الرسوم. هناك عنصر البراءة والتضحية الذي يوليهما لبطلاته. وهذا العنصر بدوره مستوحى من تأثير عائلي خالص.
في الأربعينات، وكان لا يزال حينها دون العاشرة، تبيّن أن والدته مهددة بالموت في أي لحظة نسبة لإصابتها بالسل. لم تمت في حينه بل عاشت حتى عام 1981 لتموت في سن الحادية والسبعين، لكن هذا الوضع ومخاوفه وإعجابه بكفاح والدته ضد الموت وعزيمتها التي أجلت رحيلها لأكثر من أربعة عقود كان كله حافزاً لتصوير الإناث اللواتي يقدن أفلامه بمزيج من براءة طبيعية وقوّة داخلية. شخصياته النسائية شجاعة وذات عزيمة قوية. شخصيات لا تتردد في فعل الخير للدفاع عما تراه صواباً.
إنما في هذا الإطار ذاته، لا يمكن الخلط بين صورة المرأة في أفلام ميازاكي والصورة الأكثر شيوعاً في مجلات وأفلام الكوميكس الأميركية. هي ليست بحاجة للقتل لكي تبرهن عن جدارتها بالدفاع عن الحق ومواجهة الشر، بل هي أكثر انتماء للفتاة الطبيعية التي تعالج مهامها بلا عنف من أي نوع.

معالم وسمات
خارج هذا التأثير الواصل إليه من حياة والديه هناك الكثير في أفلام ميازاكي التي تثير الإعجاب وتشهد بالتميّز الشديد.
في المقدّمة هنا تواجهنا أعماله بحكايات تحث على الروحانيات كفاعل مهم ومحفّز كبير لتحريك لا الشخصيات وحدها بل الحكايات جميعاً. إنه، على سبيل المثال، لن يعمد إلى الاتكال على رسم تكامل الآلة، بل على تكامل الإنسان. طائراته قديمة وقد لا تطير جيداً، لكن أبطاله يحلقون جيداً بروحانياتهم الطبيعية.
في عام 1963 انضم لشركة Toei التي كانت تنتج الرسوم المتحركة. في الفترة ذاتها اكتشف أن العديد من أعماله هي نسخ منقّحة لفن الأنيميه المنتشر في ذلك الحين. وأن رسوماته متأثرة بما كان موجوداً حوله من أنماط. والحكاية التي تُروى عنه إنه حال إدراكه ذاك جمع أعماله وأتلفها وأخذ يبحث عن أسلوبه الخاص.
اكتمل تطوره في مطلع السبعينات ومن فيلمه المبكر «قبر الحشرات» (Grave of Fireflies) سنة 1971. لم يكن فيلماً كبيراً لكنه كان، ولا يزال، العمل الأول في مسيرته كمخرج والعمل الأول كتأسيس لأسلوبه الخاص. بذلك وجد ميازاكي معالم وسمات أسلوبه في التأليف كما في الرسم وما إن حقق «قلعة كاغليوسترو» سنة 1979 حتى كان امتلك كل ما يحتاجه من مفردات وتقنيات العمل الممكن أن يُنسب إليه وإليه فقط.
هذا الفيلم المذكور («قلعة كاغليوسترو») لم يَشِخْ وتبدو عليه علامات السنين مع مرور الزمن، بل يبدو اليوم شهادة لاهتماماته المجتمعة تحت سقف هذا العمل وكل عمل لاحق. ففي هذا الفيلم مزيج بين رعاية المخرج للثقافة اليابانية وانفراد طريقته الرقيقة في الرسم. ومن السهولة أن نجد هذا المزيج في كل أعماله اللاحقة على اختلاف قصصها. هي دوماً نابعة من التراث الثقافي والسلوكي للإنسان الياباني ومبهرة في أفكارها البصرية وطريقة تنفيذها.
في عام 1984 أخرج فيلماً بعنوان Nausicaa of the Valley of the Wind وفيه قدّم رؤيته لعالم مهدد بالتكنولوجيا التي ستحاول انتزاع الإنسانية من داخل البشر. التكنولوجيا، كما نرى في هذا الفيلم، لديها برنامج عمل يتعارض والقيم الروحانية وفكرة أن كل شيء حولنا في الطبيعية (وهذا يشمل الأشجار والطيور والحيوانات) يصبح مهدداً إذ تتصدّى التطوّرات الصناعية تبعاً لطبيعة رسالاتها لما هو مبدأي وأخلاقي وطبيعي في الحياة.
يتمثّل هذا الصراع أيضاً في «سبيريتد أواي» (2002) إنما على صعيد فلسفي. يتناول حكاية فتاة تجد نفسها غير قادرة على التحكم بمصيرها وسط غابة من الشؤون والغايات الأنانية. تكتشف أن هذا العالم الذي تعيش فيه هو عالم مخيف ومن إدراكها هذا يتولد في ذاتها ذلك العزم على الخروج من سطوة ذلك العالم والتحرر من تبعاته.
الفيلم مذهل في جودته الفنية على المستويين التفصيلي والإجمالي وكحكاية ذات مرامي فلسفية وانتقادية ضمن فانتازيا بالغة الجمال أفكاراً وألواناً. لا عجب إنه نال أوسكار أفضل فيلم في العام التالي (2003) عنوة عن أربعة أفلام أميركية نافسته لم يحمل أي منها أكثر من حسن تنفيذ تقني لحكاية مرتبطة بأفق ضيّق من المواقف والمفادات.
نجاحه قاد لرغبة ديزني التعاون معه (عبر شركة غيبلي التي أنتجت أعماله). وقّعت معه عقداً سنة 1996 تم فسخه سريعاً بعدما سمحت ديزني لنفسها تغيير نهايات أفلامه.
بالمقارنة نجد في أفلامه دعوة لعالم أفضل. تواصله مع الأطفال والأولاد الذين يشاهدون فيلمه قائم على إيفاد رسالات إيجابية خالية من العنف والرغبة في التوجيه لأي غاية مادية. طبعاً هناك رسالات إيجابية في أفلام الاستوديوهات الأميركية، لكنها غالباً ما نجدها مرتبطة مع مفادات ضارّة بعضها يتضمن العنف («كوكب الكنز») وبعضها الدعوة لقبول المثلية («إيجاد نيمو») والكثير منها ساذج في الطرح وغايته المباشرة مادية بحتة.



أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.