مخاوف أميركية من سقوط اليمن في الفوضى والتفتيت وصعود «القاعدة»

خبير أميركي لـ «الشرق الأوسط»: الحوثيون لا يريدون عداء مباشرا مع واشنطن

د. شارلز شميتز
د. شارلز شميتز
TT

مخاوف أميركية من سقوط اليمن في الفوضى والتفتيت وصعود «القاعدة»

د. شارلز شميتز
د. شارلز شميتز

أبدت واشنطن قلقها من استمرار الاضطرابات في اليمن ومخاوفها من سقوطها في الفوضى.
وحول الأنباء والتقارير عن استقالة الرئيس اليمين عبد ربه منصور هادي، قالت جين بساكي «نسعى للحصول على تأكيدات حول حقيقة الأوضاع في اليمن، ولن نقفز إلى استنتاجات، ونحن مستمرون في مساندة انتقال سلمي ومساندة الاتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين». وأضافت نعتقد أن الحوار بين الطرفين هو الطريق الوحيد لتخفيف تصاعد العنف. وأشارت بساكي إلى عدم تغير الوضع الأمني في السفارة الأميركية في صنعاء.
بينما اندلعت الاشتباكات بين القبائل اليمنية في مأرب والمقاتلين الحوثيين وهي المنطقة الغنية بحقوق النفط ومنشآت البنية التحتية للطاقة.
وقد أعلن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، للصحافيين، مساء الأربعاء، أن «الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي اضطر لقبول الاتفاق مع الحوثيين والاستجابة للكثير من المطالب المتعلقة بإجراء تغييرات دستورية وتقاسم السلطة بشكل واسع»، مشيرا إلى أنه «يجري مع البيت الأبيض محادثات مستمرة حول الأزمة التي تواجهها اليمن التي تعد شريكا أساسيا في معركة واشنطن ضد تنظيم القاعدة».
وأوضحت الخارجية الأميركية أن «الأمور ليست واضحة على الأرض وتتطور باستمرار، وأن واشنطن تشجع الاستمرار في الحوار بين الطرفين، وتشجيع المناقشات حول وقف إطلاق النار». وأكدت جين ساكي، المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، استمرار تعاون واشنطن مع صنعاء في مكافحة الإرهاب. بينما قال جوش آرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، إن «سلامة موظفي السفارة الأميركية في صنعاء، على رأس الأولويات لدى الرئيس أوباما، كذلك الحفاظ على التعاون في مكافحة الإرهاب في اليمن».
وأبدى مسؤولو البنتاغون والاستخبارات الأميركية مخاوف من تصاعد العنف في صنعاء وإمكانية تدهور الأوضاع بشكل يهدد الشراكة التي أبرمتها إدارة أوباما مع اليمن لمكافحة الإرهاب، وتحديد أهداف الحوثيين من الانقلاب على السلطة.
بينما أشار محللون إلى قلق الإدارة الأميركية من سقوط اليمن في الفوضى وخطر التفتيت ومخاطر الانهيار الاقتصادي، بما يؤدي إلى ارتفاع النفوذ الإيراني وصعود تنظيم القاعدة في اليمن، وهو التنظيم الذي أعلن مسؤوليته عن الهجوم الإرهابي على مجلة «شارلي أيبدو» بداية الشهر الحالي في باريس.
وكانت إدارة أوباما قد راعت عملية انتقال سياسية في اليمن خلال الأعوام الماضية، بهدف استعادة الاستقرار في اليمن، والحد من الطائفية ومكافحة تنظيم القاعدة، وقدمت واشنطن تمويلا وتدريبا لمكافحة الإرهاب في اليمن، وشنت كثيرا من الغارات باستخدام طائرات من دون طيار ضد قادة رئيسيين في تنظيم القاعدة. وقد استشهد الرئيس أوباما - في خطاب ألقاه في سبتمبر (أيلول) الماضي - باليمن كمثال على قدرة الولايات المتحدة في النجاح في مواجهة الإرهاب دون إرسال قوات برية إلى الخارج. وقال: «استراتيجيتنا في مواجهة الإرهابيين الذين يهددونا هي دعم الشركاء في الخطوط الأمامية، ولدينا قصص نجاح في اليمن والصومال».
وقال المحلل العسكري، وولف بليتزر: «إن البيت الأبيض يواجه قرارا صعبا للحفاظ على نفوذه المحدود في أرض الواقع في اليمن، وإذا اضطرت الإدارة الأميركي إلى إغلاق أبواب السفارة في صنعاء، فإن هذا سيكون هزيمة رئيسية للسياسة الخارجية في اليمن، لأننا بحاجة إلى شراكة مع حكومة في هذه البلد للقضاء على تنظيم القاعدة، ولا يمكن أن نفعل ذلك من خلال ضربات جوية أو باستخدام الأدوات الاستخباراتية فقط». وأضاف: «نحن بحاجة إلى حكومة مركزية قوية».
قال خبير أميركي متخصص في اليمن إن «تقدم قوات الحوثيين في اليمن، ووصولهم إلى القصر الجمهوري، يعتبر هزيمة لسياسة الرئيس باراك أوباما، ليس فقط في اليمن، ولكن أيضا في الحرب ضد الإرهاب». وقال إن «واشنطن تتردد في طريقة التعامل مع الحوثيين. وذلك لأن الحوثيين يعادون منظمة القاعدة، التي تراها واشنطن العدو الأول في حربها العالمية ضد الإرهاب». وأضاف أن «الحوثيين أنفسهم لا يريدون عداء مباشرا لواشنطن».
وفي مقابلة مع «الشرق الأوسط»، قال د. شارلز شميتز، أستاذ في جامعة توسون في بولتيمور (ولاية ميريلاند)، ومتخصص في اليمن، حيث عمل في برنامج «فولبرايت»، وزميل في المعهد الأميركي للدراسات اليمنية في اليمن، إن «واشنطن تريد (الباب مفتوحا) نحو التعامل مع الحوثيين». وأضاف أنه «لا واشنطن تعرف كيف تتعامل مع الحوثيين، ولا الحوثيون يعرفون كيف يريدون حكم اليمن». وقال: «ليست قيادة الحوثيين متأكدة من كيفية حكم اليمن. انتقلت حركة الحوثي، من خلال كثير من المراحل في تطورها، من مجموعة نهضة دينية صغيرة إلى تمرد مسلح، والآن، صارت القوة المهيمنة في اليمن. وخلال كل هذه المراحل، تمارس قيادة الحوثيين شعار (التعلم بالممارسة)».
وأضاف شميتز أنه «يبدو أن قيادة الحوثيين لا تريد أن تحكم مباشرة، بل من خلال الحكومة الحالية. ربما لأن قيادة الحوثيين تعرف أنها تتمتع بمصداقية قوية في أقصى الشمال، لكن ليس في المناطق الوسطى والجنوبية من اليمن. وأنها تفتقر إلى الشرعية، وذلك لأن الحوثيين لم يكونوا جزءا من، أو شاركوا في، المجتمعات في هذه المناطق». وقال: «لهذا، يحتاج الحوثيون إلى غطاء من الشرعية التي توفرها الدولة اليمنية. ولهذا، يريدون ضمان صوت قوي في الحكومة، من دون أن يحكموا حكما مباشرا».
وعن السياسة الأميركية نحو اليمن، قال: «إن الولايات المتحدة تريد الاستقرار في اليمن. وتريد أن تكون حكومة اليمن مسؤولة عن مواطنيها، وتسيطر على أراضيها، وتحترم المجتمع الدولي. وأهم من ذلك، تريد الولايات المتحدة أن تقدر حكومة اليمن على مواجهة تنظيم القاعدة في اليمن».
وأضاف: «تريد الولايات المتحدة كل هذه الأشياء. لكنها لا تستطيع إملاء شروطها على اليمنيين. في الحقيقة، ربما فوجئت الولايات المتحدة، مثل أي شخص آخر، بقوة الحوثيين التي جعلتهم يستولون على اليمن بهذه السرعة. في نفس الوقت، تعرف الولايات المتحدة أن الحوثيين يتمتعون بشرعية كبيرة في اليمن. وفي نفس الوقت، تريد الولايات المتحدة حكومة شرعية في اليمن، وذلك للمساعدة في تحقيق الاستقرار، واستتاب الأمن».
وعن نفوذ إيران في اليمن على ضوء انتصارات الحوثيين، قال شميتز: «نعم، لا تحب الولايات المتحدة النفوذ الإيراني في اليمن. لكن، إذا كان الحوثيون يقدرون على تحقيق الاستقرار في اليمن، فلما لا؟ وحقيقة أن الحوثيين يواجهون بشكل فعال تنظيم القاعدة. لا يؤذي علاقة الحوثيين مع الولايات المتحدة».
وبينما تواصل الولايات المتحدة الهجمات بطائرات «درون» (بدون طيار) على منظمة القاعدة في اليمن، قال شميتز إن «الولايات المتحدة يمكن أن تتحالف مع الحوثيين في هذا الجانب». واستبعد أن يأتي يوم تهاجم فيه هذه الطائرات الحوثيين أيضا.
وأضاف: «لن تهاجم الولايات المتحدة الحوثيين. وليست حركة الحوثي جماعة إرهابية. إنها جماعة متمردة. حركة الحوثي هي العدو اللدود لتنظيم القاعدة. تماما مثل الولايات المتحدة. على هذا يتفق الأميركيون والحوثيون».
لكن، توقع شميتز أن يكون التعاون الأميركي مع الحوثيين غير مباشر. وذلك لأن «حركة الحوثي يمنية ووطنية وأصلية، وليست دخيلة. وأنها تركز على أن تحمي اليمن، وتحافظ على سيادته، ضد القوى الأجنبية. لهذا، سيعارض الحوثيون النفوذ الأميركي في اليمن. وربما حتى يرفضون أن يتعاونوا مع الولايات المتحدة في عملياتها ضد تنظيم القاعدة، بقدر ما يأمل الأميركيون في ذلك».
وأضاف شميتز أن «الحوثيين لن يرفضون أن تساعدهم طائرات (درون) الأميركية في حربهم ضد تنظيم القاعدة. لكن، وهذه نقطة صحيحة جدا، يقول الحوثيون إن ضربات هذه الطائرات ليست فعالة ضد تنظيم القاعدة، وإن هزيمة القاعدة لن تتم إلا بزحف أرضي، وبتعاون مع الأجهزة الأمنية المحلية».
وعما سماه شميتز «فشل سياسة أوباما في اليمن وفي الحرب ضد الإرهاب»، قال: «تنعكس هذه التطورات على سياسة أوباما في اليمن، وفي المنطقة. وتشكك هذه التطورات في فعالية استراتيجية أوباما بالتحالف مع شركاء محليين، في نفس الوقت الذي يستخدم فيه القوة المباشرة. لهذا، يمكن القول إن صعود حركة الحوثي جاءت بسبب فشل نظام الرئيس السابق على عبد الله صالح، حليف الولايات المتحدة سابقا، وفشل حكومة عبد ربه منصور هادي، حليف الولايات المتحدة حاليا».
وعن موقف السعودية نحو هذه التطورات في اليمن، قال شميتز: «كان لحملة السعوديين ضد الإخوان المسلمين دور في صعود الحوثيين. ويعود ذلك لأن الإخوان المسلمين جزء هام في التجمع اليمني للإصلاح. لهذا، أضعف سحب الدعم السعودي للإخوان المسلمين التجمع اليمني للإصلاح. في نفس الوقت، يبدو أن السعوديين لم يكونوا قلقين عندما بدأ الحوثيون تقدمهم العسكري في الشمال ضد السلفيين وضد الإصلاح».
وأضاف: «في البداية، بينما رضي السعوديون بالسماح للحوثيين بإضعاف التجمع اليمني للإصلاح، لم يضعوا اعتبارات لانتصارات مستمرة للحوثيين تدخلهم صنعاء. أما بالنسبة للنفوذ الإيراني في اليمن، يرى السعوديون أن الحوثيين عملاء إيرانيين، وأنهم صورة طبق الأصل من حزب الله في اليمن، لهذا، الآن يحاول السعوديون بناء تحالف من القوى السياسية لمعارضة الحوثيين في صنعاء. وأخيرا، نشرت أخبار أن السعوديين يعملون على تأسيس تحالف وسط القبائل الصحراوية في منطقة الجوف الشرقية بهدف مواجهة الحوثيين. إذا حدث هذا، سيخلق مشكلات كثيرة للحوثيين».
وعن فشل «ربيع العرب اليمني» قال شميتز إن «سقوط صالح (في عام 2012) جلب الأمل في أن اليمنيين انتصروا على الفساد، وأنهم سيقدرون على بناء دولة فعالة، وموحدة، وأساسها المساواة، والعمل السياسي النزيه».
لكن، فشلت الحكومة المؤقتة، «لأن اتفاق دول مجلس التعاون الخليجي سمح باستمرار النخب القديمة في السلطة. لهذا، بدلا عن بناء دولة جديدة، لعبت النخب القديمة لعلبتها القديمة، وصارت تتنافس من أجل السيطرة على مؤسسات الدولة. وبعد أن أصدر مؤتمر الحوار الوطني وثيقة ورؤية لحكومة عادلة في اليمن، انشغلت النخب الفكرية في مناقشة كلمات ودلالات الوثيقة».
وقال: «خلال هذه الفترة، ظل المجتمع الدولي يدعو اليمنيين إلى تأسيس حكم رشيد. لكن، كيف يؤسسون حكما رشيدا وهم يواجهون أوضاعا مادية سيئة، ومتزايدة في السوء؟»
وعن احتمال أن ينفذ المجتمع الدولي اليمن حتى لا تصير دولة مارقة، قال شميتز: «ليس للقوى الأجنبية تأثير يذكر على هذه التطورات. نعم، تؤيد مجموعة الدول العشر (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، و5 دول من مجلس التعاون الخليجي، باستثناء قطر) مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي، وتؤيد حكومة الرئيس هادي، وتؤيد اتفاقية السلام والشراكة مع الحوثيين. لكن، برهنت هذه الدول العشر على أنها عاجزة، بل جاهلة، لتواجه زحف الحوثيين».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.