سهى عرفات ترفض اتهام إسرائيل بقتل أبو عمار «من دون دليل»

قالت إن الانتفاضة الثانية كانت «خطأ كبيراً»... وتصريحاتها أثارت غضب الفلسطينيين

سهى عرفات مع أبو عمار (غيتي)
سهى عرفات مع أبو عمار (غيتي)
TT

سهى عرفات ترفض اتهام إسرائيل بقتل أبو عمار «من دون دليل»

سهى عرفات مع أبو عمار (غيتي)
سهى عرفات مع أبو عمار (غيتي)

في أعقاب الغضب الفلسطيني الواسع واتهامها بتبرئة إسرائيل من اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وانتقادها الانتفاضة الفلسطينية الثانية، نشرت أرملته سهى عرفات توضيحاً قالت فيه إن ما نشرته صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية، أول من أمس الجمعة، على لسانها أخرج من سياقه.
وقالت أرملة الرئيس الفلسطيني الراحل، سهى عرفات، في منشور عبر صفحتها على موقع «إنستغرام»: «أريد أن أوضح شيئاً مهماً للصادقين من أبناء شعبنا. أنا عملت مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي في فيلم وثائقي عن أبو عمار وسيعرض بعد أسبوع، وكل ما تناقلته الصحافة هو خارج عن سياقه الأصلي. إن قضية وفاة ياسر عرفات لا تزال عند القضاء، ولا أستطيع اتهام أحد بقتله، حتى إسرائيل، لأنني لا أملك دليلاً. أنا لا أريد أن تلصق التهم في معارك سياسية كيدية فلسطينية داخلية من دون دليل قاطع». وأضافت سهى عرفات أنها قالت في المقابلة إن «اتهامنا بالإرهاب الذي تتحدثون عنه هو الذي أوصل صوتنا إلى العالم»، مشيرة إلى أنها «أعربت عن رأيها بمعارضتها للانتفاضة، لأن الحرب لم تكن متساوية». وختمت أرملة الزعيم الفلسطيني الراحل، مؤكدة أنها لن تخاف من إبداء رأيها حتى وإن تم تحريفه، معتبرة أن «الحقيقة ستسطع دائماً».
وكان يارون نيسكي، وهو منتج تلفزيوني إسرائيلي وكاتب سيناريو، قد أعد مسلسلاً وثائقياً سوية مع المخرج داني ليبر، بعنوان «الأعداء»، يروي قصة حياة ستة قادة عرب بارزين والعمليات المختلفة التي قامت بها إسرائيل لإفشال خططهم. وسيتم بث المسلسل في الثاني عشر من الشهر الحالي. وقد كشف المنتج مقتطفات من المقابلة التي أجراها مع سهى عرفات، وسيتم بثها في الحلقة الثانية من المسلسل يوم 19 الحالي، والمخصصة لشخصية ياسر عرفات. وفي إطار الترويج لهذا المسلسل، نشر نيسكي ورونين طال، الصحافي في «يديعوت أحرونوت»، مقابلة مطولة مع سهى عرفات نشرت في الصحيفة وفي موقعها الإلكتروني ««ynet، أول من أمس. وتضمنت المقابلة تصريحات مثيرة، أغضبت الكثير من الفلسطينيين.
وجاء في مقدمة المقابلة: «في سبتمبر (أيلول) الماضي، بينما واجه العالم كله الموجة الثانية من كورونا، أوضحت سهى عرفات أنها لا تنوي ترك جثمان زوجها الراحل يرقد بسلام في قبره القائم في البناء الفخم في رام الله. وأعلنت أنه عقب طلبها هي وابنتها، قررت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان استئناف التحقيق في ملابسات وفاة الرئيس. بعد 16 عاماً من وفاته، لا تزال مقتنعة أنه تم تسميم عرفات بمادة البولونيوم 210. المادة المشعة التي عرضها الروس على العالم في عام 2007. باغتيال العميل ألكسندر ليتفينينكو في لندن، وسهى مصممة على تصحيح هذا الفصل في كتب التاريخ. تقول الآن: «ياسر عرفات تعرض للتسميم بالتأكيد، لكن ليس من قبل إسرائيل وإنما من قبل أحد الفلسطينيين. اعتقد الجميع أن إسرائيل مذنبة، لكنني لم أتهمها. لطالما قلت إنه من السهل جداً أن نقول إسرائيل، لكنني لا أعتقد أن الإسرائيليين قتلوا عرفات لأننا جيرانهم ولو كانوا مذنبين لكنا سننتقم منهم على ذلك طوال قرون. الجميع اتهموها، وأنا فكرت «ما هو الدليل الذي تملكونه على أن إسرائيل مسؤولة؟».
وتتابع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية: «كانت وفاة عرفات، ولا تزال، فصلاً غامضاً، أنتج عدداً لا يحصى من النظريات والتفسيرات - من التسميم إلى العدوى إلى الإيدز. في أكتوبر (تشرين الأول) 2004. تدهورت الحالة الصحية لعرفات، وسمحت له إسرائيل - التي فرضت حصاراً على مجمع السلطة الفلسطينية في المقاطعة - بالسفر إلى باريس لتلقي العلاج. في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) توفي. تقول سهى: «ظللت أشك طوال الوقت بحدوث خطأ ما. لقد شارك 50 طبيباً في علاجه في المستشفى في باريس، وأجروا جميع الفحوصات الممكنة - فحصوا جميع أنواع الأمراض الأفريقية والسموم المحلية الصنع - ولم يجدوا شيئاً. وقالوا، لا نعرف كيف مات». لغز وفاة عرفات الغامضة عاد إلى الظهور في عام 2012، بمبادرة من صحافي من قناة الجزيرة، الذي سعى إلى إجراء تحقيق مستقل. تقول سهى: «سألني عن متعلقات عرفات الشخصية. أعطيته حقيبته وثيابه وملابسه الداخلية وبيجامته. توجهت الجزيرة إلى المركز الجامعي في لوزان بسويسرا، ووجدوا في ملابسه الداخلية وعلى فرشاة أسنانه بقايا من مادة البولونيوم 210. طلبت فتح القبر وإخراج جثة ياسر، وأبو مازن (الرئيس الفلسطيني، محمود عباس)، كان ملزماً بالموافقة. وتم إجراء ثلاثة تحقيقات منفصلة - من قبل فرق من روسيا وفرنسا وسويسرا - واكتشف الفريق السويسري أن جثة عرفات كانت مليئة بالبولونيوم، لا أعرف متى سمموه بهذه المادة، وكيف وصلت إليه، لكن من الواضح لي مائة في المائة أن البولونيوم قتله».
وسألها الصحافيان الإسرائيليان: «يعتقد الكثيرون أنه حتى لو كان عرفات ينوي حقاً التفاوض على السلام مع إسرائيل، فإنه لم يستطع الانفصال عن ماضيه كزعيم لمنظمة إرهابية». فأجابت: «الانتفاضة الثانية كانت خطأه الكبير. لا أعرف من أقنعه بالقيام بالانتفاضة وهو في منتصف عملية السلام. كان عليه الانتظار حتى يتم إيجاد حل سلمي، لأننا لسنا معادلين لإسرائيل. قلت له إنه يجب أن يوقف هجمات (حماس) لأنها ستؤدي في النهاية إلى حرب أهلية. شرحت أنه بعد 11 سبتمبر (2001) لا أحد يريد أن يرى المزيد من الانفجارات، الناس لا يريدون رؤية دماء. عندما أخبرته برأيي غضب. تحدثت إليه عبر الهاتف من باريس وقال لي (عليك أن تتوقفي). وأنا قلت حماس أم غير حماس، أنت ملتزم بعملية السلام وعليك وقف ذلك. لم يشأ أحد رؤية هجمات إرهابية في نوادي تل أبيب أو القدس. لكنه اعتقد أنه سيتمكن من تحصيل ثمن بفضل الانتفاضة، لكن الثمن الوحيد الذي دفعه هو حياته. كان عرفات رجلاً مناضلاً طوال حياته. كان يعتقد أن العالم كله سيسمعه خلال الانتفاضة الثانية».
وسألناها: «في الانتفاضة الثانية، وقف عرفات مرة أخرى في مبارزة مع أرييل شارون، كما في لبنان؟»، فأجابت: «أعتقد أن الأنا لدى شارون وعرفات جعلتهما يقاتلان بعضهما بعضاً. شارون كان لديه الجيش الأكثر تطوراً في العالم، وعرفات أراد أن يظهر له أن لديه القدرة على محاربته من خلال الإرهاب. هذا لم ينجح في لبنان فوجدا نفسيهما في ساحة المعركة في رام الله ولم يستطع عرفات السيطرة عليها في تلك اللحظة بالذات. تلعب الأنا دائماً دوراً في السياسة. ولم يتمكنا من السيطرة على الأنا». وأكدت أن عرفات كان رجلاً طيب القلب ونصيراً حقيقياً للسلام، على عكس ما تظهره إسرائيل.
وقالت سهى عرفات أيضاً: «أعلم أنه كان هناك الكثير من النساء حول ياسر عرفات. لكنه أرادني أنا أن أحبه. يقولون، (ذهبت إليه بسبب المال). هذا هراء. لقد خاطرت بحياتي خلال سنواتنا معاً. ماذا يكون هذا إن لم يكن حباً؟ عشنا في المخابئ، كان منزلنا في غزة فظيعاً، مع فئران في كل مكان، من دون صرف صحي، كنت أنام وأنا أسمع أصواتها، فكان يقول لي، (نامي، هذا مجرد فأر). ونمت». وأضافت: «كنت أشعر بالمرارة. بسبب النميمة، والكلام، والغيرة. لم يكن هناك حد لذلك. لم أكن معتادة على ذلك. نشأت في بيت خلوق، التحقت بمدرسة كاثوليكية. الناس من حوله كانوا من مستويات متدنية للغاية، ولا يزالون كذلك، لا يحترمون النساء، ولا يسمحون لهن بالحديث. قال لي إن بعض أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية كانوا مستاءين للغاية عندما تزوجني. أراد الفلسطينيون واحدة أخرى تصمت ولا تثير جلبة، وينادونها يا أم فلان. أنا لم أكن كذلك».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.