الفلسطينيون يحتفلون بذكرى الثورة وسط صدامات مع قوات الاحتلال

عباس: نسعى لدى دول عربية وإسلامية لحشد الدعم الدولي وإيجاد حل شامل وعادل

اشتباكات بين متظاهرين فلسطينيين وقوات إسرائيلية في قرية دير جرير بالضفة الغربية أمس (أ.ب)
اشتباكات بين متظاهرين فلسطينيين وقوات إسرائيلية في قرية دير جرير بالضفة الغربية أمس (أ.ب)
TT

الفلسطينيون يحتفلون بذكرى الثورة وسط صدامات مع قوات الاحتلال

اشتباكات بين متظاهرين فلسطينيين وقوات إسرائيلية في قرية دير جرير بالضفة الغربية أمس (أ.ب)
اشتباكات بين متظاهرين فلسطينيين وقوات إسرائيلية في قرية دير جرير بالضفة الغربية أمس (أ.ب)

في الوقت الذي احتفل فيه الفلسطينيون، أمس (الجمعة)، بالذكرى السنوية 56 لانطلاقة الثورة الفلسطينية بقيادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، شهدت المناطق المحتلة في القدس الشرقية والضفة الغربية صدامات دامية مع قوات الاحتلال الإسرائيلي أسفرت عن إصابة العشرات.
وألقى الرئيس محمود عباس كلمة بالمناسبة، ندد فيها بالاحتلال. وقال إن هذه «الثورة المجيدة غيرتِ المسارَ التاريخيَ المظلمَ لنكبةِ عامِ 1948، إلى مسارٍ حَمَلَ الأملَ بقدرةِ شعبِنا الفلسطينيِ على تحقيقِ أهدافهِ بالحريةِ والاستقلالِ الوطنيِ والكرامة بحولِ اللهِ وقدرتهِ».
وتوجه عباس إلى جميع الفلسطينيين في الوطنِ وفي مخيماتِ اللجوءِ وفي كلِ بقاعِ الأرض، بتحيةِ احترامٍ وتقدير، وقال: «إنني أقول لكمْ إنَّ ساعةَ الحريةِ آتيةٌ لا محالة. وأتمنى أنْ يأتيَ العامُ المقبلُ وقدْ تخلصْنَا منَ الاحتلال، ومنْ جائحة كورونا، ومنَ الانقسام، وأنْ نعيشَ أحراراً في وطنِنا ودولتِنا الفلسطينيةِ المستقلةِ وعاصمتُها الأبديةُ القدسُ الشريف». وجدد عباس، دعوته لعقد مؤتمر دولي للسلام في النصف الأول من العام الجاري، برعاية دولية لحل الصراع مع إسرائيل. وفي الوقت ذاته، أعرب عباس عن تطلعه للعمل مع الإدارة الأميركية المقبلة على «أسس من الثقة المتبادلة لتعزيز العلاقات معها وتحقيق السلام والأمن للجميع». وأكد «التمسك بالسلام العادل والشامل والدائم المستند لقرارات الشرعية الدولية، ولمبادرة السلام العربية». وقال: «نسعى للعمل والتنسيق مع أشقائنا من الدول العربية والإسلامية والصديقة حول العالم من أجل حشد الدعم الدولي، وإيجاد حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية مبني على أساس حل الدولتين على حدود عام 1967، لتعيش دول المنطقة جميعها بأمن وسلام واستقرار».
وأضاف أن الشعب الفلسطيني سيواصل «نضاله وتصديه لممارسات إسرائيل العدوانية، بتمتين الجبهة الداخلية، وتحقيق المصالحة والذهاب للانتخابات».
وقد أجريت عدة فعاليات بهذه المناسبة في شتى أنحاء فلسطين والشتات، شملت المسيرات والمهرجانات ولكن بشكل متواضع، بما تحدده إجراءات الوقاية من كورونا. وشهدت المسيرات اعتداءات من قوات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين. فقد اعتدى شبان يشتبه بأنهم من تنظيم «شبيبة التلال» الإرهابيّة، فجر أمس (الجمعة)، على سيارة تقلّ ثلاثة مقدسيّين، بعد ليلة من الاعتداءات في نابلس وأماكن أخرى من الضفة الغربية. وذكرت الشرطة الإسرائيليّة أنها اعتقلت 20 متظاهراً بشبهات «إخلال النظام العام، والتسبب بأضرار وإغلاق الطرقات». واعتدى «شبيبة التلال» على دوريات للشرطة الإسرائيليّة وعلى حافلات نقل المسافرين.
وقال مسؤول ملف الاستيطان شمال الضفة، غسان دغلس، إنّ مجموعة من المستوطنين هاجمت بالحجارة منزل المواطن معتز القصرواي، على أطراف بلدة حوارة، الأمر الذي ألحق أضراراً مادية بالنوافذ والزجاج بداخله. وكانوا قد هاجموا عدة مركبات فلسطينية في المنطقة ذاتها، مساء الخميس، وكذلك مركبات على طريق رام الله - نابلس قرب قرية اللبن الشرقية، وعلى شارع جنين - نابلس، من على مدخل مستوطنة «حومش» المخلاة قرب سيلة الظهر.
وقال منسق اللجان الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان شرق يطا وجنوب الخليل راتب الجبور، إن مجموعة من المستوطنين، اعتدت على رعاة الأغنام في منطقة ثعلة بمسافر يطا ومنعتهم من دخول المراعي، وهاجمت أغنامهم بالحجارة والهراوات. وأشار إلى أن المنطقة تتعرض في الآونة الأخيرة وبشكل يومي لهجمات واعتداءات منظمة من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، متمثلة بالاقتحامات، وهدم المنازل، وبإخطار بوقف البناء وتجريف الأرض والاستيلاء عليها لصالح الاستيطان.
وقد أدانت وزارة الخارجية والمغتربين بأشد العبارات الهجوم الإرهابي الذي ارتكبته عناصر استيطانية متطرفة من «شبيبة التلال»، وأكدت أن هذه الاعتداءات هي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تنفذها كتيبة المستوطنين المتطرفين المتقدمة في جيش الاحتلال، وتتم على الشوارع الرئيسية في وضح النهار بحماية ودعم وإسناد قوات الاحتلال وأجهزته وأذرعه المختلفة. وحملت الخارجية دولة الاحتلال وحكومتها وأذرعها المختلفة المسؤولية الكاملة والمباشرة عن تلك الجرائم ونتائجها، معبرة عن سخطها الشديد تجاه اللامبالاة الدولية والخنوع الدولي أمام آلة الإرهاب الإسرائيلية وجرائم الاحتلال المتواصل.
وأفادت مصادر فلسطينية بأن الشاب هارون رسمي أبو عرام (24 عاماً) أصيب برصاص الاحتلال، أمس، في منطقة لتوانة شرق مسافر يطا جنوب الخلي، ووصفت إصابته بالحرجة. وأصيب مواطن بالرصاص المطاطي، وآخرون بالاختناق، خلال قمع جيش الاحتلال مسيرة منددة بإقامة بؤرة استيطانية جديدة في منطقة جبل «الشرفة» بقرية دير جرير شرق رام الله، ولمناسبة الذكرى 56 لانطلاقة الثورة الفلسطينية. وأصيب 18 مواطناً بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط، والعشرات بحالات الاختناق بالغاز المسيل للدموع، أمس (الجمعة)، خلال قمع قوات الاحتلال الإسرائيلي المشاركين في مسيرة كفر قدوم الأسبوعية، المطالبة بفتح شارع القرية المغلق منذ أكثر من 17 عاماً، التي انطلقت هذا الأسبوع إحياء لانطلاق الثورة الفلسطينية. وأفاد منسق المقاومة الشعبية في كفر قدوم مراد شتيوي لـ«وفا» بأن العشرات من جنود الاحتلال اقتحموا القرية واعتلوا أسطح المنازل، وأطلقوا وابلاً من الرصاص المعدني وقنابل الغاز المسيل للدموع.
وأصيب عشرات المواطنين بالاختناق بالغاز المسيل للدموع، الجمعة، خلال قمع قوات الاحتلال الإسرائيلي، مسيرة بيت دجن الأسبوعية شرق نابلس، احتجاجاً على إقامة بؤرة استيطانية، وإحياء للذكرى 56 لانطلاقة الثورة الفلسطينية.
وفي القدس، شكا الفلسطينيون من منع الاحتلال آلاف المصلّين من أداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك، ما اضطرهم إلى أداء الصلاة في الشوارع القريبة. وقال شهود عيان إنّ أفراد الشرطة الإسرائيلية منعوا منذ ساعات الصباح الفلسطينيين من غير سكان البلدة القديمة من دخولها. وعلّل أفراد الشرطة قرارهم بالقيود المفروضة للحد من تفشي فيروس كورونا، بما يشمل منع السكان من التحرك لمسافة تزيد على كيلومتر واحد من منازلهم. وأدان خطيب المسجد الأقصى، الشيخ عكرمة صبري، في خطبة الجمعة، هذا المنع. وأوضح أنه تم منع المصلين من الوصول إلى المسجد «بذريعة وباء كورونا، وفي الوقت نفسه فإن اقتحامات المتطرفين اليهود للأقصى مستمرة ولم تتوقف». وأردف: «ما دام المصلي المسلم ملتزماً بلبس الكمامة ومستحضراً معه السجادة الخاصة به ومراعياً للتباعد أثناء الصلاة، فلا أرى مبرراً لهذه الإجراءات التي تحرم المسلمين من الصلاة بالأقصى».



الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)

بعد أسابيع من التصعيد الحوثي متعدد المسارات، بدت خطوط المواجهة أكثر هدوءاً خلال اليومين الأخيرين، وسط مخاوف الجماعة المدعومة من إيران من عملية برية متزامنة تحضر لها القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها.

وشهد أغسطس (آب) تصعيداً حوثياً واسعاً امتد من جبهات مأرب، وشبوة، وحضرموت، وتعز، والضالع، إلى الساحل الغربي، وباب المندب، واستخدمت خلاله الجماعة الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، في واحدة من أكثر موجات التصعيد اتساعاً منذ 2022.

وفي المقابل، ردت القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها بعمليات عسكرية، وضربات بالطيران المسيّر، إلى جانب التصدي للهجمات الحوثية على خطوط التماس، وإسقاط أعداد من الطائرات المسيّرة، في حين أظهرت التطورات الميدانية أن الجماعة لم تتمكن من تحويل تصعيدها إلى تغيير واضح في موازين السيطرة على الأرض.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الرحمن المحرّمي يجتمع عبر الفيديو مع قادة عسكريين (إكس)

وتتزايد، وفق مصادر عسكرية، مخاوف الحوثيين من أن يكون رفع الجاهزية الحكومية جزءاً من استعداد لعملية برية مباغتة، خصوصاً في ظل تعزيز التنسيق بين الوحدات المنتشرة في قطاعات المواجهة، ورفع مستوى الرصد، والمتابعة.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، مع قيادة محور المشاة والإسناد الثاني مستوى الجاهزية، والاستعداد في مختلف قطاعات المحور، والتطورات في جبهات المسيمير، وكرش، وحيفان، إلى جانب إجراءات تأمين باب المندب.

شهر من التصعيد والردود

لم يكن التصعيد الحوثي خلال أغسطس محصوراً في جبهة واحدة. فقد امتدت الهجمات من مناطق التماس في مأرب، وشبوة، وحضرموت، إلى الساحل الغربي، بينما تحولت مدينة المخا وميناؤها إلى أحد أبرز مسارح المواجهة، مع إطلاق الجماعة صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة باتجاه المدينة، والمنشآت الساحلية.

وفي إحدى أبرز الهجمات، تعرضت المخا لقصف صاروخي ومسيّر أدى إلى سقوط قتلى، وجرحى، وأضرار في الميناء، والمنشآت، كما امتدت المواجهات خلال الشهر إلى جبهات أخرى، بينها مأرب، وشبوة، وحضرموت، والضالع، وتعز.

طائرة مسيرة يستخدمها الجيش اليمني في الرد على تصعيد الحوثيين (إكس)

وبينما واصلت الجماعة تحركاتها على خطوط التماس، ومحاولاتها استخدام مناطق مدنية وريفية قريبة من الجبهات لإطلاق الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ردت القوات الحكومية على هذا التصعيد بعمليات وضربات استهدفت قدرات حوثية، ومواقع إطلاق، إلى جانب التصدي للهجمات على الأرض.

كما اتخذت المواجهة بعداً بحرياً خلال الشهر، مع استهداف الحوثيين سفناً تجارية في منطقة باب المندب، وجنوب البحر الأحمر، الأمر الذي أعاد المخاوف الدولية من التهديد الذي تشكله الجماعة لحركة التجارة والملاحة العالمية.

وفي تطور متصل، أعلنت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية ضبط شحنة معدات عسكرية في البحر الأحمر كانت في طريقها إلى الحوثيين، وقالت إن العملية جاءت بعد رصد استخباراتي لنشاط شبكات تهريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وضمت الشحنة أنظمة توجيه وتحكم للطائرات المسيّرة، ومعدات لبث ومعالجة الفيديو، وهوائيات اتصال، ومكونات إلكترونية، إضافة إلى أجزاء لأنظمة حقن الوقود، وأجهزة اتصال لا سلكية مخصصة للطائرات المسيّرة.

تذكير بالدعم الإيراني

بالتوازي مع التحركات العسكرية، تكثف القيادة السياسية اليمنية رسائلها إلى المجتمع الدولي بشأن طبيعة التهديد الحوثي، خصوصاً مع ارتباط التصعيد الداخلي بأمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون بمناسبة انتهاء فترة عملها، مشيداً بالدعم السياسي والدبلوماسي الفرنسي للحكومة اليمنية، وموقف باريس الرافض للجماعة الحوثية.

عضو مجلس القيادة اليمني عثمان مجلي مع السفيرة الفرنسية (سبأ)

وربط مجلي بين القدرات العسكرية الحوثية والدعم الإيراني، مشيراً إلى ضبط أسلحة، ومعدات، وخبراء إيرانيين، ومعتبراً أن استمرار هذا الدعم يمثل عاملاً أساسياً في قدرة الجماعة على مواصلة نشاطها العسكري.

كما أكد أهمية الدعم السعودي لليمن، وحكومته، وربط استعادة الاستقرار اليمني بحماية أمن المنطقة، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق هرمز.


تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
TT

تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)

لا تقتصر كلفة التصعيد العسكري الحوثي في اليمن على القتلى والجرحى والدمار، إذ تدفع النساء ثمناً متزايداً لتداعيات الحرب التي أعادت تشكيل حياتهن داخل الأسرة والمجتمع، وضيَّقت فرص العمل والحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية.

ومع تجدد التوترات العسكرية واتساع تداعياتها الإنسانية، تجد آلاف اليمنيات أنفسهن أمام أعباء متراكمة تبدأ بالنزوح وفقدان مصادر الدخل، ولا تنتهي عند القيود المفروضة على الحركة وتراجع الرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن مخاطر العنف والاستغلال والتجنيد والضغوط الاجتماعية التي تزداد مع اتساع دائرة الفقر.

وتقول مصادر حقوقية إن النساء في اليمن أصبحن من أكثر الفئات تعرضاً لتبعات الصراع، في وقتٍ تتراجع فيه قدرة الأُسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتتقلص الخدمات والمساعدات، بينما تفرض سنوات الحرب أعباء إضافية على النساء اللواتي فقدن المُعيل أو اضطررن إلى تولي مسؤولية أُسرهن بمفردهن.

الحوثيون يُجبرون النساء على المشاركة القسرية بفعاليات تعبوية (إكس)

تأتي هذه الأوضاع بينما حذّرت «الأمم المتحدة» من ازدياد مخاطر عودة اليمن إلى صراع واسع النطاق، وسط استمرار التوترات العسكرية وسقوط ضحايا مدنيين، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج موجات النزوح والفقر التي خلفتها سنوات الحرب.

وأدى تجدد المواجهات إلى دفع عائلات يمنية جديدة إلى مغادرة منازلها واللجوء إلى مناطق ومخيّمات تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى الخدمات الأساسية. وتتحمل النساء جانباً كبيراً من تبعات النزوح، خصوصاً عندما تفقد الأسرة مُعيلها بسبب الحرب أو المرض أو انعدام فرص العمل.

أعباء متصاعدة

تُجسد أم عبير، وهي نازحة من الحديدة تقيم بمخيمات مأرب، جانباً من هذه المعاناة، فقد اضطرت أسرتها إلى الفرار ليلاً مع اشتداد المواجهات، بعدما أصبحت المُعيلة الوحيدة لأطفالها الستة على أثر وفاة زوجها بسبب مرض عضال.

وتقول، لـ«الشرق الأوسط»: «لم نأخذ شيئاً معنا، ونعيش، اليوم، في خيمة تفتقر إلى أبسط المقوّمات، وأعمل في غسل الملابس لتوفير الطعام لأطفالي».

ولا ترى أم عبير في النزوح مجرد فقدان للمنزل، بل انتقالاً إلى حياة تُكافح فيها يومياً لتوفير الغذاء والمياه والرعاية لأطفالها، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع المساعدات.

مجنّدات حوثيات شاركن في تدريبات قتالية بباحة مدرسة بصنعاء (إكس)

وتزداد الأعباء في الأُسر التي فقدت مصادر دخلها، إذ تجد النساء أنفسهن أمام مسؤوليات لم يكنَّ يتحملْنها وحدهن قبل الحرب؛ من تأمين الاحتياجات اليومية، إلى رعاية الأطفال والمرضى، في بيئة اقتصادية وإنسانية شديدة الهشاشة.

وبالتوازي مع آثار الحرب الاقتصادية والإنسانية، تواجه النساء، في مناطق سيطرة الحوثيين، منذ سنوات، قيوداً على الحركة والتنقل؛ من بينها اشتراط وجود مَحرم في بعض حالات السفر والتنقل بين المحافظات أو الخروج للعمل.

وتقول طبيبة، تعمل في المجال الميداني بمحافظة إب، إن هذه القيود أثّرت على قدرتها على الوصول للمناطق النائية وتقديم الخدمات الطبية للنساء والأطفال.

وتوضح، لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نتحرك بسهولة للوصول إلى القرى وتقديم الرعاية الطبية، لكن استمرار قيود الحوثيين على التنقل جعل مهمتنا أكثر صعوبة، خصوصاً عندما لا يتوفر شخص يمكنه مرافقتنا».

ولا تقتصر تداعيات ذلك، وفقاً للطبيبة، على العاملات في المجال الطبي، بل تمتد إلى النساء في المناطق المعزولة، اللواتي قد يجدن صعوبة في الوصول إلى الرعاية الصحية وخدمات الحمل والولادة والإسعافات الأولية.

الاحتجاز يوسع دائرة الخوف

إلى جانب النزوح والقيود على الحركة، تشير مصادر حقوقية إلى تعرض نساء في مناطق سيطرة الحوثيين للاحتجاز والاستدعاء والضغط، خصوصاً الناشطات والإعلاميات والعاملات في المجال المدني، في إطار ما تصفه المصادر بسياسة تهدف إلى الحد من النشاط الحقوقي والمجتمعي.

وتروي ناشطة حقوقية من صنعاء، فضّلت حجب اسمها، لـ«الشرق الأوسط»، أنها أمضت نحو ثلاثة أشهر في مركز احتجاز بعد مشاركتها في مبادرة لتوزيع مساعدات غذائية، مشيرة إلى تعرض أسرتها للتهديد بهدف دفعها إلى وقف نشاطها.

عملية التجنيد الحوثية امتدت لتطول الفتيات وطالبات المدارس (فيسبوك)

وتقول إن تجربة الاحتجاز لم تقتصر آثارها عليها، بل امتدت إلى أسرتها التي عاشت، وفق روايتها، تحت ضغط الخوف من تعرضها مجدداً للاعتقال أو اتخاذ إجراءات ضد أفراد عائلتها.

وتشير المصادر الحقوقية كذلك إلى ضغوط تتعرض لها نساء وفتيات فيما يتعلق بالتعبئة والتجنيد والنشاط المرتبط بالهياكل النسائية التابعة للحوثيين، ما يضيف بعداً آخر إلى المخاطر التي تواجهها النساء في مناطق الجماعة.

وتنعكس الأزمة الإنسانية على صحة النساء والفتيات أيضاً، في ظل تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يحدّ قدرة كثيرات على الحصول على خدمات الصحة الإنجابية والرعاية أثناء الحمل والولادة.

ومع اتساع دائرة الفقر وانقطاع مصادر الدخل، تصبح الفتيات أكثر عرضة للتسرب من التعليم والزواج المبكر، خصوصاً داخل الأُسر التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وتقول أسماء، وهي أمّ لفتاتين من محافظة حجة، إن فقدان أسرتها مصدر دخلها دفعها إلى اتخاذ قرار وصفته بأنه «اضطراري» بتزويج ابنتها الكبرى عندما كانت في الرابعة عشرة.

وتضيف أن الحرب والفقر أغلقا أمام أسرتها معظم الخيارات، وحرَما أبناءها من حقوق أساسية؛ في مقدمتها التعليم، بينما بات تأمين الطعام والاحتياجات اليومية أولوية تتقدم على بقية الاحتياجات.

تبعات تتجاوز حدود الحرب

تكشف هذه الشهادات أن تأثير التصعيد على النساء اليمنيات لا يمكن قياسه بعدد الضحايا أو النازحين وحدهم، بل يمتد إلى فقدان مصادر الدخل، وتراجع الوصول إلى الخدمات، وتقييد الحركة، وارتفاع مخاطر العنف والاستغلال، فضلاً عن آثار طويلة الأمد على تعليم الفتيات وصحة النساء واستقرار الأُسر.

المخاطر في اليمن تتفاقم نتيجة انعدام خدمات الصحة الإنجابية (الأمم المتحدة)

وفي بلدٍ أنهكته سنوات الحرب، يمكن لأي عودة إلى التصعيد أن تعيد إنتاج هذه الأعباء على نطاق أوسع، خصوصاً في المناطق التي ما زالت تعاني آثار النزوح وتدهور الخدمات وتراجع فرص العمل.

كان صندوق الأمم المتحدة للسكان قد حذّر من أن النساء والفتيات في اليمن يواجهن أعباء متزايدة نتيجة النزاع والنزوح والانهيار الاقتصادي. ووفق بيانات الصندوق، كان نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة معرّضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في عام 2025، في حين كان أكثر من 90 في المائة من المناطق الريفية يفتقر إلى الخدمات اللازمة للوقاية من هذا العنف والاستجابة له.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
TT

أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)

يبدأ العام الدراسي الجديد في اليمن وسط أزمة تعليمية تتسع بفعل الفقر والنزوح وارتفاع تكاليف المعيشة، مع بقاء ملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية بعد أكثر من عقد من الصراع. وبينما يكافح الآباء لتأمين الغذاء والوقود، باتت نفقات التعليم عبئاً إضافياً يدفع كثيراً من الأسر إلى إبقاء أطفالها في المنازل أو إرسالهم إلى سوق العمل.

وأظهر مسح أجرته منظمة «أنقذوا الأطفال» على 2214 أسرة في عدن ولحج وتعز أن نحو ثلث الأطفال، بنسبة 32 في المائة، لم يلتحقوا بالمدارس قط، بينما انقطع ربعهم عن الدراسة ويحتاجون إلى دعم للعودة إليها. وشمل التقييم نحو 14 ألف شخص، بينهم قرابة 5 آلاف طفل.

وتشير خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية إلى أن 6.6 مليون طفل في اليمن، أي ما يقارب ثلث الأطفال، خارج المدارس، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الدولية.

ويعدّ وليد، البالغ 17 عاماً، واحداً من الأطفال اليمنيين الذين دفعتهم الحرب إلى ترك التعليم. فقد نزحت أسرته من الحديدة إلى مخيم في لحج عام 2017، بعد سنوات من القصف وانعدام الأمن، واضطر هو إلى مغادرة منزله ومدرسته وهو في الثامنة.

نحو 70 % من الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين خارج العملية التعليمية (إعلام محلي)

ورغم محاولته مواصلة الدراسة في خيام تعليمية مؤقتة، اضطر لاحقاً إلى تركها لمساعدة والده المسن في العمل وإعالة الأسرة.

ويعكس وضعه واقعاً أوسع؛ إذ وجد المسح أن قرابة خمس حالات التسرب مرتبطة بعمالة الأطفال. وتقول «اليونيسف» إن 12.5 في المائة من الأطفال بين الخامسة والرابعة عشرة يعملون، وترتفع النسبة إلى 15.4 في المائة في المناطق الريفية، في أعمال قد تكون خطرة، بينها جمع الخردة والعمل في البناء وجمع الحطب.

وتظهر ضغوط المعيشة بوضوح في نتائج المسح، إذ قالت 92 في المائة من الأسر إنها لا تعرف مصدر وجبتها التالية، بينما تعتمد 95 في المائة منها على العمل اليومي لتوفير احتياجاتها. وأكدت 84 في المائة عدم قدرتها على تحمل تكاليف التعليم، بما فيها الزي المدرسي والكتب.

مدارس متضررة

لم تقتصر خسائر التعليم على قدرة الأسر على تحمل النفقات، إذ تضررت أو دُمرت أكثر من 2375 مدرسة، أو استخدمت لأغراض عسكرية أو كملاجئ للنازحين، مما عرقل وصول الأطفال إلى التعليم.

كما تعرض طلاب ومعلمون للقتل والإصابة جراء الهجمات على المنشآت التعليمية أو أثناء توجههم إليها. ووفق تقرير للتحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، تضرر أو قُتل 283 طالباً ومعلماً جراء الهجمات على التعليم في اليمن خلال عامي 2024 و2025.

وفي مناطق سيطرة الحوثيين، تبدو الأزمة أكثر حدة في بعض المحافظات. وذكرت مصادر عاملة في قطاع التعليم أن نسبة الأطفال الذين لم يلتحقوا بالدراسة هذا العام في الحديدة تراوحت بين 70 و80 في المائة، مرجعة ذلك إلى الرسوم التي فرضتها الجماعة، إلى جانب عجز الأسر عن شراء الكتب.

تحديات كبيرة تواجه الحكومة اليمنية مع بداية العام الدراسي (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن نحو 13 ألف طالب سجلوا في 60 مدرسة بالحديدة، مقارنة بـ24 ألفاً في العام السابق، لكن كثيراً منهم لا يحضرون بسبب عدم القدرة على دفع الرسوم، وارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء.

وتضيف أن أفضل مدرسة عامة في بعض المناطق لا تعمل سوى ساعة ونصف إلى ساعتين يومياً، نتيجة الحرارة ونقص المعلمين، في ظل استمرار توقُّف رواتبهم منذ سنوات.

مستقبل أكثر هشاشة

تأتي هذه التطورات مع أزمة تمويل إنساني حادة، اذ لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن العام الماضي 25 في المائة من الاحتياجات المطلوبة، مما أدَّى إلى إغلاق برامج وخدمات أساسية.

وحذرت ريشانا حنيفة، المديرة القُطْرِيَّة لـ«أنقذوا الأطفال»، من أن أطفال اليمن معرضون لخطر التحوُّل إلى «جيل ضائع»، مع دفع الأزمة الاقتصادية المزيد منهم بعيداً عن الفصول الدراسية نحو العمل.

ومع استمرار النزوح وتراجع المساعدات وارتفاع تكاليف التعليم، لا تبدو عودة الأطفال إلى المدارس مرتبطة بتوفير المقاعد الدراسية وحدها، بل بقدرة الأسر على البقاء أولاً؛ إذ كلما طال انقطاع الطفل عن التعليم، تراجعت فرص عودته، لتتحول الأزمة من تسرب مؤقت إلى خسارة طويلة الأمد لجيل كامل.