احتدام المواجهة بين ترمب وجمهوريي «الشيوخ»

توقعات بتأخير المصادقة على نتيجة الانتخابات بعد اعتراض سيناتور عليها

ميتش مكونيل زعيم الأغلبية الجمهورية في «الشيوخ» لدى عودته إلى مكتبه أول من أمس (غيتي)
ميتش مكونيل زعيم الأغلبية الجمهورية في «الشيوخ» لدى عودته إلى مكتبه أول من أمس (غيتي)
TT

احتدام المواجهة بين ترمب وجمهوريي «الشيوخ»

ميتش مكونيل زعيم الأغلبية الجمهورية في «الشيوخ» لدى عودته إلى مكتبه أول من أمس (غيتي)
ميتش مكونيل زعيم الأغلبية الجمهورية في «الشيوخ» لدى عودته إلى مكتبه أول من أمس (غيتي)

يحتدم الصراع بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والجمهوريين في مجلس الشيوخ، فمع اقتراب المجلس من تحدي الفيتو الرئاسي لمشروع التمويل الدفاعي، تحاول القيادات الجمهورية الالتفاف حول مطالب ترمب زيادة المساعدات للأميركيين لتصل إلى ألفي دولار أميركي.
ويترأس هذه الجهود زعيم الأغلبية الجمهورية ميتش مكونيل الذي أدرجه ترمب مؤخراً على لائحة الجمهوريين الداعمين للرئيس المنتخب جو بايدن. وهي لائحة حاول مكونيل تجنبها حتى اللحظة الأخيرة؛ تفادياً لمواجهة لا مفر منها مع ترمب.
لكن تحركات مكونيل الحالية في مجلس الشيوخ عززت موقعه أكثر على اللائحة؛ فهو وقف في المجلس متحدثاً إلى زملائه ودعاهم إلى تحدي الرئيس الأميركي ولو بطريقة غير مباشرة، فقال عن مشروع التمويل الدفاعي الذي نقضه ترمب «قريباً سيصبح المشروع المهم هذا قانوناً رسمياً... فبالنسبة لرجال القوات المسلحة الأميركية ونسائها، الفشل ليس خياراً. إذن، عندما يحين دورنا في الكونغرس لدعمهم، فالفشل ليس خياراً أيضاً. أنا أحث زملائي على دعم المشروع مرة جديدة».
وتردد صدى دعوات مكونيل في الكونغرس، فأيده زملاؤه الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء، وحاول بعض الجمهوريين التخفيف من حدة تصريحات مكونيل فتحدث جون كورنين، وهو من القيادات الجمهورية، عن فيتو الرئيس فقال «الرئيس لديه الحق الدستوري في نقض أي مشروع لأي سبب، وهو مارس هذا الحق. والأسباب التي اعتمد عليها ليست عاطلة، لكنها أسباب غير متعلقة بالمشروع هذا». ويتفق الكثيرون مع تعليق كورنين هذا؛ ما يجعل قرار كسر الفيتو مسألة وقت فحسب، بانتظار التصويت عليه رسمياً في مجلس الشيوخ.
ولم يتوقف مكونيل عند هذا الحد، بل صبّ الزيت على النار من خلال معارضته المبطنة لطلب ترمب زيادة المساعدات للأميركيين إلى 2000 دولار أميركي. فزعيم الأغلبية المحنك سياسياً والذي حفظ قواعد الكونغرس وخباياه عن ظهر قلب، قرر اعتماد تكتيك إجرائي يقضي على المساعدات مع الظهور بمظهر الداعم للرئيس الأميركي. ولمّح مكونيل بتفاصيل خطته هذه في خطاب أدلى به في مجلس الشيوخ، فتحدث عن مطالب ترمب بزيادة المساعدات، وتعديل المادة 230 التي تؤمّن الحماية لوسائل التواصل الاجتماعي، والنظر في ادعاءات الغش في الانتخابات، وقال مكونيل «الرئيس سلّط الضوء على ثلاث قضايا يرغب في أن يتطرق إليها الكونغرس سوية. هذه قضايا مهمة ربطها الرئيس مع بعضها بعضاً. وهذا الأسبوع سيبدأ مجلس الشيوخ بالنظر في آلية لتسليط الضوء على هذه الأوليات الثلاث».
تصريح مشبع بالمعاني المبطنة، ويظهر للوهلة الأولى أن مكونيل يسعى لتطبيق أجندة الرئيس، لكن بعد الإمعان في النظر فيه، تتبين ملامح خطة مكونيل المخفية في طياته. فهو لم يتعهد طرح أي من هذه القضايا للتصويت، كما أنه ربط هذه الملفات ببعضها بعضاً؛ ما يعني أنه ينوي طرحها كلها ضمن مشروع واحد؛ ما سيقضي على أي أمل لهذه المشاريع بالتمرير في المجلس.
فعلى الرغم من أن الديمقراطيين يدعمون بشدة رفع مبلغ المساعدات، فإن هذا الدعم سيتبخر إذا ما تمت إضافة ملفي تعديل المادة 230 والنظر في الغش في الانتخابات إلى ملف المساعدات.
وتطرق زعيم الأقلية الديمقراطية في المجلس تشاك شومر لمحاولات مكونيل الالتفاف حول تمرير المساعدات، فقال «السيناتور مكونيل يعلم جيداً كيفية إقرار شيك الألفي دولار، كما أنه يعلم جيداً كيفية إسقاطها. إذا حاول مكونيل إدراج مواد حزبية غبر متعلقة بمشروع المساعدات الذي حظي بدعم الحزبين في مجلس النواب، فهذا التحرك لن يساعد العائلات التي تعاني حول البلاد، ولن يتم إقرار المساعدات. أي تحرك من هذا النوع من قبل مكونيل سيكون محاولة صارخة لحرمان الأميركيين من شيك الألفي دولار».
وقد فرضت هذه القضية تحالفات غريبة ونادرة في واشنطن، فاصطف السيناتور التقدمي برني ساندرز وراء ترمب لدعم طلبه زيادة المساعدات وقال «الرئيس ترمب، والرئيس المنتخب بايدن وزعيم الأقلية تشاك شومر ورئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي يدعمون هذا الاتفاق. يجب أن نزيد الدفعات المباشرة إلى 2000 دولار».
كل الأسماء التي ذكرها ساندرز ديمقراطية، ما عدا اسم الرئيس الأميركي، وهذا خير دليل على أن ترمب يغرد خارج سرب الجمهوريين في هذا الموضوع، وأنه وضعهم في موقف حرج للغاية تزامناً مع انتخابات جورجيا في مجلس الشيوخ.
لكن مكونيل ليس وليد الساعة، ويهمه للغاية الفوز في سباق جورجيا للاحتفاظ بأغلبية الحزب في مجلس الشيوخ؛ لهذا فقد وفّر في خطته طوق نجاة لكل من السيناتورة كيلي لوفر والسيناتور ديفيد بردو عن ولاية جورجيا. فهذه الخطة ستفسح المجال لكل من بردو ولوفر بالتصويت لصالح المساعدات، وهو أمر مهم للغاية بالنسبة للناخبين في جورجيا، مع الحرص على أن المشروع لن يبصر النور لأنه أدرج بقية البنود التي يعارضها الديمقراطيون فيه.
ولعلّ خير دليل على التفاف القاعدة الجمهورية التقليدية حول مكونيل يكمن في مقال لمجلس تحرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» المحافظة؛ إذ يقول عن استراتيجية زعيم الأغلبية «هذا هو الخيار الصحيح، لشيكات الألفي دولار غير ضرورية والأميركيون المحتاجون يمكنهم الاستعانة بفوائد إعانة البطالة والطوابع الغذائية والمساعدات الأخرى. سياسياً، ما فعله مكونيل هو تصحيح الأضرار فسيناتورا جورجيا دعما شيكات الألفي دولار ومكونيل هو الذي سيواجه غضب الناخبين. زعيم الأغلبية يعلم أن معظم الجمهوريين في المجلس يعارضون إضافة 350 مليار دولار أو أكثر للعجز».
ويتابع المقال «لنرى كيف تنعكس الأمور على جورجيا، لكن الخطأ ليس خطأ ميتش مكونيل. بل إن الضرر السياسي على الحزب الجمهوري أتى من دونالد ترمب...».
من جانب آخر، أعلن السيناتور الجمهوري جوش هاولي، أنه سيدعم جهود النواب الجمهوريين لعرقلة المصادقة على جو بايدن في الكونغرس في 6 يناير (كانون الثاني)، وبهذا سيضمن المعارضون فرض نقاش على المسألة والتصويت عليها؛ الأمر الذي قد يؤخر من موعد المصادقة بيوم تقريب.
وعلى الرغم من أن جهود المعارضين لن تقلب النتيجة، فإنها ستؤخرها وتظهر ولاء بعض الجمهوريين للرئيس ترمب. وبحسب قوانين الكونغرس، في حال اعتراض نواب وأعضاء في الشيوخ على المصادقة، ترفع الجلسة المشتركة يوم السادس من يناير، ويتم نقاش نتيجة الانتخابات والاعتراضات عليها في المجلسين، كلاً على حدة قبل التصويت.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».