قصة ضابط ألماني تخفى في شخصية لاجئ سوري لينفذ عمليات اغتيال

مخبأ فرانكو حيث يخزن الغذاء والسلاح استعداداً للحرب الأهلية (نيويورك تايمز)
مخبأ فرانكو حيث يخزن الغذاء والسلاح استعداداً للحرب الأهلية (نيويورك تايمز)
TT

قصة ضابط ألماني تخفى في شخصية لاجئ سوري لينفذ عمليات اغتيال

مخبأ فرانكو حيث يخزن الغذاء والسلاح استعداداً للحرب الأهلية (نيويورك تايمز)
مخبأ فرانكو حيث يخزن الغذاء والسلاح استعداداً للحرب الأهلية (نيويورك تايمز)

في ذروة أزمة اللاجئين التي واجهتها أوروبا، توجه رجل ملتحٍ يرتدي بنطالاً رياضياً إلى داخل مركز للشرطة. وكانت جيوبه فارغة سوى من هاتف محمول واحد وبضعة عملات نقدية معدنية أجنبية.

وبلغة إنجليزية ركيكة، قدم نفسه باعتباره لاجئاً سورياً، وقال إنه اجتاز نصف القارة الأوروبية سيراً على الأقدام وفقد أوراقه الثبوتية في الطريق. والتقط الضباط صوراً له وحصلوا على بصماته. وخلال العام التالي، حصل على مأوى وعقدت جلسة استماع له للنظر في حجة حصوله على اللجوء، وتأهل بالفعل للحصول على إعانة لمدة أشهر.

أما الاسم الذي قدمه فكان ديفيد بنجامين. في الحقيقة، كان ملازماً في الجيش الألماني، وعمد إلى إضفاء لون داكن على وجهه باستخدام مساحيق التجميل الخاصة بوالدته، ووضع بعضاً من مادة تلميع الأحذية على لحيته. وبدلاً عن السفر عبر أوروبا، كان في حقيقة الأمر قد سار لمسافة 10 دقائق فقط قادماً من منزله الذي ولد فيه في مدينة أوفنباخ غرب البلاد.

أما هذه الحيلة فكانت جزءاً من مخطط يميني لتنفيذ عمليات اغتيال عدة يمكن إلقاء اللوم عنها على شخصية اللاجئ التي ينتحلها الضابط الألماني، بغية إشعال قدر من القلاقل والاضطرابات المدنية الكافية لإسقاط جمهورية ألمانيا الفيدرالية.

من جانبه، ينفي الضابط الذي وردت الإشارة إليه في الوثائق المعروضة أمام المحكمة باسم فرانكو إيه. بالتوافق مع القوانين الألمانية المعنية بالحفاظ على الخصوصية، تورطه في مثل هذا الأمر. وقال إنه كان يسعى لكشف أوجه قصور في منظومة اللجوء، لكن حياته المزدوجة التي عاشها طوال 16 شهراً لم تنكشف إلا بعدما ضبطته الشرطة أثناء محاولة حصوله على مسدس كان يخفيه داخل واحدة من دورات المياه في مطار فيينا.

* إلقاء القبض عليه في فيينا
أثار إلقاء القبض على فرانكو إيه. في أبريل (نيسان) 2017 صدمة كبيرة في ألمانيا. ومنذ ذلك الحين، اختفت وقائع قضيته عن الأنظار، لكن من المحتمل أن يتبدل هذا الوضع عندما يمثل أمام المحكمة مطلع العام المقبل.
وعندما يحدث ذلك، ستمثل ألمانيا كلها معه - ليس فقط جراء الفشل الإداري الذي سمح لضابط ألماني لا يتحدث العربية بتقديم نفسه كلاجئ على مدار تلك الفترة الطويلة، وإنما أيضاً للتراخي الواضح منذ فترة طويلة في محاربة التطرف اليميني.
جدير بالذكر هنا، أن إحدى جماعات اليمين المتطرف، يقودها جندي سابق وقناص يعمل في صفوف الشرطة في شمال ألمانيا، عكفت على تخزين أسلحة وإبقاء قوائم تضم أسماء من أسمتهم أعداء، وطلبت شراء أكياس للجثث. كما ظهرت جماعة أخرى يديرها ضابط قوات خاصة يشار إليه باسم شفري هانيبال، وسلطت الضوء على قوة النخبة الأولى بالجيش الألماني، المعروفة باسم وحدة قيادة القوات الخاصة. هذا الصيف، وبعد العثور على متفجرات وقطع تذكارية تتعلق بالحقبة النازية بحوزة رقيب أول، جرى تفكيك وحدة قيادة القوات الخاصة بأكملها.
من جانبي، أجريت لقاءات مع الكثير من أعضاء مثل هذه الشبكات على امتداد العام الماضي، بينهم فرانكو إيه، وفي اعتقادي فإن قصة حياته المزدوجة وتطور رحلته في الحياة من ضابط واعد، حسبما رأى رؤساؤه، إلى ما يصفه المحققون اليوم بشخص كان على وشك ارتكاب أعمال إرهابية، تجسد قصة وجهين لألمانيا.
عندما التقيت فرانكو إيه. منذ ما يزيد على العام في أحد المطاعم ببرلين، جاء مسلحاً بوثائق، بعضها مذكرات والبعض الآخر مقتطفات من ملف الشرطة ضده. وبدا في ذلك الوقت واثقاً من نفسه. وبالفعل، رفضت محكمة في فرانكفورت قضية الإرهاب المثارة ضده لنقص الأدلة.
إلا أنه بعد أشهر عدة، أحيت المحكمة العليا القضية من جديد بعد استئناف الشرطة على قرار المحكمة الأولى. وحينها، اتصل بي فرانكو إيه. هاتفياً وكان يرتعد خوفاً؛ ذلك أنه حال إدانته سيواجه عقوبة السجن لمدة تصل 10 سنوات.
وفي بعض الأحيان، كان يعرض أمامنا فيديوهات لنفسه وهو متنكر في شكل لاجئ. وفي إحدى المرات، قادنا عبر درجات سلم كانت تصدر صريراً لدى النزول عليها نحو باب معدني قادنا إلى غرفة كان يخزن فيها ذخيرة ونسخة من كتاب «كفاحي» لأدولف هتلر قبل أن تصادرهم الشرطة.
وقال فرانكو إيه. إنه انتحل صفة لاجئ كي ينبه إلى خطورة قرار المستشارة أنجيلا ميركل بالسماح لأكثر عن مليون لاجئ بدخول ألمانيا، الأمر الذي اعتبره تهديداً للأمن والهوية الوطنية. وقال إن نظام اللجوء كان غارقاً للغاية تحت وطأة ضغوط الإقبال لدرجة أن أي شخص كان باستطاعته دخول البلاد.

* المسدس المخفي
ألقي القبض على فرانكو إيه. داخل مطار فيينا عام 2017، تحديداً في الثالث من فبراير (شباط) أثناء محاولته استعادة مسدس كان مخفياً داخل دورة مياه. وأطلق سراحه تلك الليلة بعدما أخبر الشرطة بأنه رغب في تسليم المسدس إليهم، لكن الضباط احتفظوا بهاتفه ووحدة «يو إس بي» وجدت في حقيبة كان يحملها على ظهره. وحصل الضباط على بصمات أصابعه وأرسلوها إلى الشرطة الألمانية للتحقق من هويته.
أما المطابقة التي جاءت بعد أسابيع فصدمت الشرطة الذين اعتقدوا أنهم كانوا يجرون تفحصاً روتينياً فحسب بخصوص هوية فرانكو. وكشفت النتيجة عن أن لديه هويتين.
أفادت بطاقة هويته بأنه ضابط بالجيش الألماني، تحديداً في لواء فرنسي ـ ألماني في إلكيرش، قرب ستراسبورغ. إلا أنه في الوقت ذاته كشفت السجلات عن أن بصماته تخص أيضاً لاجئاً مسجلاً قرب ميونيخ.

* وساور المحققين القلق
وألقي القبض على فرانكو إيه. ليلة حفل الأخوة السنوي، الذي يستضيفه «حزب الحرية» النمساوي المنتمي إلى التيار اليميني المتطرف. ومن بين النظريات المطروحة، أن فرانكو إيه. خطط لإطلاق النار على شخص ما تلك الليلة بينما يتظاهر بأنه ينتمي إلى تيار اليسار.
وبمجرد تولي السلطات الألمانية مسؤولية التحقيق، عثروا على وثيقتين في وحدة «يو إس بي» الخاصة بفرانكو إيه.، واحدة منها «دليل المجاهدين لتصنيع المتفجرات»، والأخرى «المقاومة الكاملة»، كتاب إرشادات يعود إلى فترة «الحرب الباردة» يتعلق بكيفية خوض حرب عصابات في مناطق حضرية.
أما الهاتف المحمول، فقد قاد المحققين إلى شبكة مترامية الأطراف من مجموعات الدردشة عبر تطبيق «تلغرام» المنتمية إلى اليمين المتطرف، تضم في صفوفها العشرات من الجنود وضباط الشرطة وآخرين كانوا يستعدون لانهيار النظام الاجتماعي فيما أطلقوا عليه «اليوم إكس». كما احتوى الهاتف على ساعات من المذكرات الصوتية التي سجل فيها فرانكو إيه. خواطره طوال سنوات.

* إلقاء القبض عليه للمرة الثانية
في 26 أبريل 2017، وفي خضم تدريبات عسكرية على أحد السواحل في بافاريا، ألقي القبض على فرانكو إيه. من جديد، وبعد ذلك اصطحبه ضباط فيدراليون بعيداً عن المكان، في الوقت الذي كان 90 ضابطاً آخرين يشنون مداهمات بمناطق مختلفة عبر ألمانيا والنمسا وفرنسا.
وعبر سلسلة من المداهمات، ضبطت الشرطة أكثر عن 1000 طلقة ذخيرة، علاوة على عشرات المذكرات المكتوبة ومذكرات شخصية. وعندما شرعوا في قراءة المضبوطات، بدأت تتضح أمامهم ملامح رجل ظلت تراود خياله أفكار راديكالية منذ إن كان مراهقاً.
وخلال المقابلات التي أجريناها مع فرانكو إيه. تحدث عن سنوات ماضية وتناول سنوات طفولته وتاريخ أسرته الذي يبدو متطابقاً مع تاريخ ألمانيا ذاتها.
ووصف فرانكو إيه. المكتوب في مذكراته بأنها كانت محاولات تجريبية مع أفكار مختلفة، وليس دليلا على اعتناقه آيديولوجية محددة أو أي نوايا لديه لتنفيذ أمر ما. وتضمنت الأفكار الواردة في مذكراته تأملات له في كيف يمكنه تحويل مسار التاريخ الألماني.
ومن بين ما كتبه الفقرة التالية المدونة بتاريخ يناير (كانون الثاني) 2007، «أتمنى الالتحاق بالمؤسسة العسكرية جندياً والفوز بمكانة بارزة داخل المؤسسة العسكرية، بحيث أتمكن من أن أصبح يوماً قائداً للقوات المسلحة الألمانية. وبعد ذلك، يقع انقلاب عسكري».

* الانضمام إلى الجيش
في 2008، في وقت كان العالم قد سقط لتوه في أكبر أزمة مالية منذ «الكساد العظيم»، انضم فرانكو إيه. إلى الجيش، وكان في الـ19 حينها. وسرعان ما وقع الاختيار عليه ليكون واحداً من حفنة من كوادر الجيش الألماني التي تقرر إلحاقها بأكاديمية سانت سير العسكرية العريقة في فرنسا، والتي تأسست عام 1802 على يد نابليون.
وتضمنت سنوات دراسته الخمس خارج البلاد تنقله في فصول دراسية بين مؤسسة «ساينسيز بو» في باريس و«كينغز كوليدج لندن» وكذلك ساندهرست، واحدة من أعرق أكاديميات التدريب العسكري في بريطانيا، بجانب دراسته خلال موسم دراسي صيفي في جامعة كمبردج.
عام 2013، وضع رسالة الماجستير الخاصة به تحت عنوان «التغيير السياسي واستراتيجية التخريب». وعلى امتداد 169 صفحة، شدد فرانكو إيه. على أن انهيار الحضارات العظيمة دائماً ما جاء نتيجة الهجرة وتمييع النقاء العرقي بسبب السماح بدخول أقليات تخريبية البلاد. وأشار إلى أن الدور القادم سيكون من نصيب أوروبا والغرب إذا لم يدافعوا عن أنفسهم.
وكتب أن المجتمعات متعددة الأعراق تفتقر إلى الاستقرار، وأن الأمم التي تسمح بالهجرة إليها ترتكب نمطاً من «الإبادة الجماعية». أما الجزء الأخير من الرسالة فيشير إلى أن «العهد القديم» يشكل الأساس الذي تقوم عليه جميع أعمال التخريب، وأنه بمثابة خطة إرشادية لليهود للفوز بالهيمنة العالمية. وأضاف أن هذه ربما تكون «المؤامرة الأكبر في التاريخ الإنساني». وشعر القائد الفرنسي للأكاديمية العسكرية بالفزع مما تضمنته الرسالة، وسرعان ما حولها إلى قادة فرانكو إيه. من الألمان.
ومع ذلك، لم يتعرض فرانكو إيه. للفصل من الخدمة العسكرية، ولم يجر الإبلاغ عنه لدى وكالة الاستخبارات العسكرية الألمانية التي تتولى مهمة مراقبة التطرف داخل صفوف القوات المسلحة. بدلاً عن ذلك، تعرض فرانكو إيه. للتوبيخ، وطلب منه تقديم رسالة أخرى.

* مخطط الاغتيال
عندما عاد فرانكو إيه. إلى ألمانيا في وقت لاحق، عام 2014، بدا وكأن شيئاً لم يحدث. ووصفه قائده في دريسدن بأنه نموذج للجندي الألماني. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، نال إشادة أخرى في تقرير جديد. وأفاد التقرير كيف أنه جرى تكليفه مسؤولية الحفاظ على ذخائر، وأنه أنجز مسؤوليته «بفرح ونشاط عظيمين»، وأنه انجذب نحو الجنود الذين يشاركونه أفكاره.
وتولى ضابط زميل له وصديق تقديمه إلى شبكة دردشة عبر الإنترنت تضم العشرات من ضباط الجيش والشرطة الذين يشعرون بالقلق إزاء قضية الهجرة. وبعد ذلك، بدأ تكديس قبو بأغذية وإمدادات أخرى، ثم بدأ في الحصول على أسلحة وذخائر على نحو غير قانوني.
وعندما رحبت ميركل بعشرات الآلاف من طالبي اللجوء السياسي الذين كانوا في أغلبهم مسلمين قادمين من الحروب المشتعلة في سوريا والعراق وأفغانستان، بدا خطر الحرب أو وقوع اضطرابات مدنية داخل ألمانيا حقيقياً، حسبما ذكر فرانكو إيه.
ويقول المحققون، إنه في تلك اللحظة، بدأ فرانكو إيه. في التفكير في العنف، لكن كي يتمكن من دفع الناس نحو العنف كان من الضروري وقوع حادث «محفز». وكان ذلك عندما شرع في البحث عن عدد من المحفزات الممكنة، أو بالأحرى الأهداف.
ونهاية عطلة «الكريسماس» الخاصة به عام 2015 ـ 10 أيام قبل توليه مهمته الأولى في اللواء الفرنسي ـ الألماني قرب ستراسبورغ ـ بدأ فرانكو إيه. ينتحل صفة لاجئ. وأثناء جلوسه داخل مركز الشرطة في انتظار مقابلته الأولى باعتباره ديفيد بنجامين، شخصية اللاجئ التي انتحلها، عكف فرانكو إيه. على دراسة خريطة للعالم معلقة على الجدار المقابل. وكان يحاول أن يقرر ما إذا كانت دمشق أو حلب تبدو موطن ولادة أكثر مصداقية.

* سرقة الهوية
بمرور الوقت، تمكن من اختلاق تاريخ عائلي ممتد. ونظراً لطلاقته في الفرنسية بعد التدريب العسكري الذي خاضه هناك، أخبر من أجروا معه المقابلة بأنه سوري مسيحي من أصول فرنسية، وقال إنه ارتاد مدرسة ثانوية فرنسية، ثم عمل في جمع الفاكهة في تل حاصل، قرية صغيرة خارج حلب.
وقال فرانكو إيه. إن السلطات الألمانية لم تشكك في الرواية التي طرحها قط، بسبب الضغوط الشديدة لطلبات اللجوء في ذلك الوقت. وبعد يومين من دخوله مركز الشرطة، جرى تسجيله طالب لجوء، وجرى نقله إلى أماكن إقامة جماعية مؤقتة. وأخيراً، جرى نقله إلى محل إقامة صغير في باوستارينغ، قرية صغيرة على بعد 250 ميلاً للغرب من القاعدة العسكرية التي يعمل بها.
وشهدت المترجمة المغربية التي حضرت جلسة الاستماع الخاصة به للحصول على اللجوء، أن شكوك ساورتها حيال قدرته على الحديث بالعربية، لكن نظراً لاسمه الذي بدا يهودياً لم تجرؤ على التفوه بذلك. ولأنها مسلمة، خشيت أن تبدو في مظهر من يعادي السامية.
في النهاية، جرى منح فرانكو إيه. «حماية فرعية»، مكانة تسمح لطالبي اللجوء ممن لا يحملون أوراقاً ثبوتية بالإقامة والعمل في ألمانيا.
وكان فرانكو إيه. يعيش حياته المزدوجة طيلة نحو سبعة أشهر عندما سافر إلى برلين في صيف 2016، وقبل رحلته إلى برلين وخلال الأيام التالية، اشترى فرانكو ايه. أجزاء تلسكوبية ومسدساً، وشوهد يتدرب على إطلاق النار لتجريب إكسسوارات خاصة بمسدس.
وعلى قائمة الاغتيالات التي وضعها، قبل أن تلقي الشرطة القبض عليه، توجد أسماء العديد من السياسيين البارزين والنشطاء بمجال حقوق الإنسان. وكانت الخطة أن ينفذ عملية اغتيال، ثم يتخفى في هوية اللاجئ السوري، من أجل إثارة الغضب الشعبي وموجة من الاضطرابات من أجل تعزيز أجندة اليمين المتطرف على الصعيد السياسي.



حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
TT

حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)

تواجه محافظة تعز اليمنية تصعيداً عسكرياً حوثياً متواصلاً يفاقم معاناة سكانها، مع استمرار القصف على الأحياء والقرى السكنية، وتشديد القيود على حركة المدنيين ووصول الإمدادات الأساسية، وسط تقارير حقوقية توثق مقتل مئات المدنيين وإصابة آخرين، واختطاف مئات الأشخاص، وتضرر مئات المنازل والمركبات.

ووثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 1891 جريمة وانتهاكاً قالت إن جماعة الحوثيين ارتكبتها بحق المدنيين والأعيان المدنية في المحافظة، خلال الفترة من الأول من سبتمبر (أيلول) حتى 22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، في تقرير حمل عنوان «تعز... الاجتياح الدامي والقتل الممنهج».

جاءت هذه الحصيلة بالتزامن مع رصد الشبكة 21 جريمة وانتهاكاً إضافياً خلال 24 ساعة، إلى جانب إطلاق نحو 213 مقذوفاً على مناطق سكنية.

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي على تعز (أ.ب)

وحسب التقرير الممتد على 52 يوماً، أسفرت الانتهاكات عن مقتل 212 مدنياً، بينهم 38 طفلاً، من ضمنهم سبعة رُضّع، و27 امرأة، وإصابة 319 مدنياً، بينهم 29 طفلاً و46 امرأة. كما وثَّق 23 حالة تصفية ميدانية، وخمس مجازر جماعية، و314 حالة اختطاف وإخفاء قسري، بينها 14 طفلاً احتُجزوا رهائن للضغط على ذويهم، إضافةً إلى مداهمة 516 منزلاً بحثاً عن أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بالقوات الحكومية.

أضرار واسعة

تشير الأرقام التي أوردتها الشبكة الحقوقية إلى اتساع نطاق الأضرار التي طالت الممتلكات المدنية؛ إذ تضرر 356 منزلاً جراء القصف، بينها 98 منزلاً دُمرت كلياً، وفُجرت ثلاثة منازل أخرى، فيما لحقت أضرار بـ131 مركبة مدنية، ونُهبت 36 مركبة ووسيلة نقل خاصة بالمواطنين.

وفي أحدث الوقائع التي وثقتها الشبكة، قُتل طفلان وأصيب ثلاثة مدنيين، بينهم امرأتان، كما اختُطف أربعة أشخاص ونُقلوا إلى جهات مجهولة، وتعرضت ثلاثة منازل للمداهمة والنهب، وتضررت سبعة منازل، بينها منزلان دُمرا كلياً. ومن بين القتلى الطفل عمار ياسر الشريحي، الذي قالت الشبكة إن الحوثيين اختطفوه من منزله في قرية الأكمة بمنطقة صبر، قبل العثور عليه مقتولاً.

سكان في مدينة تعز يرددون بعد صلاة الجمعة هتافات ضد الحوثيين (رويترز)

وامتد القصف والقنص، وفق التقرير، إلى قرى كحلان والشقب، وحي المطار القديم، ومناطق الضباب وميهال ونجد قسيم. وفي قرية كحلان بمديرية صبر الموادم، أصابت قذائف هاون منزلين، وألحقت أضراراً بمحتوياتهما، ونفقت ماشية، دون تسجيل إصابات بين أفراد إحدى الأسر المستهدفة.

استهداف شامل

لا تقتصر التداعيات على الخسائر البشرية والدمار؛ إذ قالت الشبكة إن الحوثيين أطلقوا نحو 9876 مقذوفاً خلال الفترة التي يغطيها تقريرها، وشددوا الحصار على المحافظة منذ الثالث من سبتمبر، واستحدثوا 26 نقطة وحاجز تفتيش خارج إطار القانون. كما أشارت إلى تفجير عبّارة في طريق هيجة العبد وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين تعز ومحافظة لحج وصولاً إلى عدن.

واتهم التقرير الجماعة بعرقلة دخول الغذاء والدواء والوقود وأسطوانات الأكسجين ومياه الشرب، وعرقلة قوافل الإغاثة والإمدادات التجارية، بما فيها أدوية الأمراض المزمنة ولقاحات الأطفال. وحذرت الشبكة من أن منع الوقود اللازم لتشغيل مولدات المستشفيات ومراكز علاج السرطان وغسيل الكلى يهدد حياة المرضى، في وقت قالت فيه إن التصعيد تسبب في نزوح نحو 280 ألف شخص من المحافظة.

عربة إسعاف في تعز تعرضت لهجوم حوثي (أ.ف.ب)

ووثقت الشبكة أيضاً تحويل خمس مدارس؛ أربع حكومية وأخرى أهلية، إلى غرف عمليات ومخازن أسلحة وسجون، إلى جانب استهداف ثلاث سيارات إسعاف وثلاثة مرافق صحية ومستشفيات، ومقتل خمسة من أفراد الطواقم الطبية، وفق التقرير.

وفي جانب آخر، قالت الشبكة إن الحوثيين استقطبوا شباناً من فئة المهمشين في منطقة السامقة بمديرية المعافر، لإلحاقهم بدورات ثقافية وتدريبية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال جنوبي المحافظة، محذرةً من تجنيد الأطفال واستغلال الفئات الأكثر هشاشة.

وطالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بإعلان تعز مدينة منكوبة، ووقف القصف ورفع الحصار وفتح الطرق وضمان وصول المساعدات، فيما دعت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية إلى حماية النساء والأطفال والطواقم الطبية، وإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.


نازحو لحج بين قسوة النزوح وشح المساعدات الإنسانية

نازحون فروا من استهداف الحوثيين يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)
نازحون فروا من استهداف الحوثيين يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)
TT

نازحو لحج بين قسوة النزوح وشح المساعدات الإنسانية

نازحون فروا من استهداف الحوثيين يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)
نازحون فروا من استهداف الحوثيين يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

بدأت السلطات المحلية في محافظة لحج (جنوب اليمن) توزيع مساعدات غذائية ونقدية على الأسر المتضررة والنازحة، بالتزامن مع التحضير لإنشاء مخيم طارئ يستوعب ألف أسرة في مرحلته الأولى، مع استمرار نزوح المدنيين من مناطق المواجهات في مديرية المضاربة ومناطق الصبيحة المجاورة.

وتأتي التحركات الإغاثية في وقت يواجه فيه النازحون ظروفاً معيشية قاسية، إذ اضطرت أسر إلى مغادرة منازلها وممتلكاتها بحثاً عن الأمان، فيما يقيم بعض الفارين في العراء أو داخل أحواش ومرافق عامة تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات والخصوصية.

وشملت التدخلات توزيع 1410 سلال غذائية مقدمة من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، عبر مؤسسة «يماني للتنمية والأعمال الإنسانية»، إلى جانب تدشين مساعدات نقدية طارئة لمرة واحدة تستفيد منها 800 أسرة بتمويل من منظمة «أوكسفام».

كما وزّعت الجهات المعنية مساعدات غذائية مقدمة من برنامج الأغذية العالمي على 700 أسرة نازحة في مديريات المحافظة، بينها أسر قدمت من مناطق الصراع في الساحل وتعز ومديريات الصبيحة.

حضور سعودي لإغاثة النازحين اليمنيين بمحافظة لحج (إعلام حكومي)

ودعت السلطة المحلية ولجنة الطوارئ الإنسانية إلى توسيع نطاق الاستجابة الإغاثية، في ظل ازدياد الاحتياجات وصعوبة وصول المساعدات إلى جميع الأسر المتضررة، مشيدتين بدور الجهات الممولة والمنفذة في توفير الدعم الغذائي والنقدي.

مخيم لاستيعاب ألف أسرة

بالتوازي مع توزيع المساعدات، بدأت السلطة المحلية خطوات عملية لتجهيز موقع مخيم إنساني طارئ في منطقة الوهط، بهدف توفير مأوى للأسر التي فرت من تصاعد المواجهات في مناطق الصبيحة.

جاء التحرك بتوجيهات من محافظ لحج، مراد الحالمي، حيث نفذ مسؤولون في المحافظة نزولاً ميدانياً إلى الموقع المخصص للمخيم، تمهيداً لاستكمال إجراءات تسلم الأرض والانتقال إلى أعمال التجهيز والتنفيذ.

نقص التمويل يحول دون وصول المساعدات إلى الفارين من تصعيد الحوثيين (إعلام حكومي)

وشارك في النزول رئيس لجنة الطوارئ الإنسانية، وكيل المحافظة أحمد إبراهيم أحمد، ورئيس وحدة النازحين عمر الصماتي، ومدير عام مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل صائب شكري، ومدير عام مكتب الأشغال العامة والطرق صلاح الثعلبي، إلى جانب مسؤولين عن الأراضي والمساحة.

وأكدت السلطة المحلية ضرورة تسريع تجهيز الموقع وتنسيق الجهود بين الجهات المعنية لتوفير المأوى والخدمات الأساسية، في ظل ازدياد الاحتياجات الإنسانية للأسر التي فقدت استقرارها بسبب النزوح.

فجوة تمويلية

عى الرغم من بدء توزيع السلال الغذائية والمساعدات النقدية والتحرك لإنشاء المخيم في لحج، لا تزال الاحتياجات تتجاوز نطاق التدخلات القائمة، خصوصاً مع استمرار تدفق الأسر النازحة واضطرار بعضها إلى الإقامة في ظروف غير ملائمة.

ودعت السلطات المحلية المنظمات الإنسانية المحلية والدولية والجهات المانحة والقطاع الخاص إلى المساهمة في تجهيز المخيم وتوفير مستلزماته، بما يشمل الاحتياجات الأساسية للأسر الوافدة.

وتعكس التحركات الجارية مسارين متوازيين للاستجابة للأزمة في لحج، يتمثل أولهما في تقديم مساعدات عاجلة لتخفيف أعباء المعيشة، والثاني في توفير مأوى للأسر الجديدة، وسط حاجة متزايدة إلى توسيع الدعم الإنساني وضمان وصوله إلى الفئات الأشد احتياجاً.


بعد الهجوم الإرهابي... ماذا نعرف عن كنيسة حمود والوجود المسيحي في الكرك؟

كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس (الدليل الرسمي للكنائس التابعة للبطريركية في الأردن)
كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس (الدليل الرسمي للكنائس التابعة للبطريركية في الأردن)
TT

بعد الهجوم الإرهابي... ماذا نعرف عن كنيسة حمود والوجود المسيحي في الكرك؟

كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس (الدليل الرسمي للكنائس التابعة للبطريركية في الأردن)
كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس (الدليل الرسمي للكنائس التابعة للبطريركية في الأردن)

سلّط هجوم إرهابي مسلح استهدف مشيّعين خلال جنازة في كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس بقرية حمود -في محافظة الكرك جنوبي الأردن- الضوء على أحد مواقع الوجود المسيحي التاريخي في المملكة، وأعاد الاهتمام بالكنيسة، وموقعها.

وأفادت تقارير أولية بأن مسلحين ترجلا من مركبة، وأطلقا النار خلال تشييع الجنازة، فيما أعلنت مديرية الأمن العام الأردنية ملاحقة المشتبه بهما. وأعلن تلفزيون المملكة اليوم (السبت)، ارتفاع عدد قتلى هجوم كنيسة الكرك في الأردن إلى 8، فيما أشار مدير الأمن العام الأردني إلى إصابة 40 شخصاً.

وتُعرف الكنيسة إعلامياً باسم «كنيسة حمود»، نسبة إلى القرية التي تقع فيها، فيما يعود اسمها الرسمي إلى القديس جورجيوس، المعروف أيضاً باسم القديس جورج. وهي إحدى الكنائس التابعة لبطريركية القدس للروم الأرثوذكس في الأردن.

وتتمتع محافظة الكرك بمكانة تاريخية في الأردن، كما تضم تجمعات مسيحية تعيش إلى جانب الأغلبية المسلمة منذ عقود طويلة، وتنتشر فيها كنائس تتبع طوائف مختلفة.

طُوِّقت ساحة كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس (رويترز)

وفيما يلي أبرز المعلومات عن الكنيسة، وتاريخها، والوجود المسيحي في محافظة الكرك والأردن.

أين تقع كنيسة حمود وما أهميتها الدينية؟

تقع كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، على بُعد نحو 118 كيلومتراً جنوب العاصمة عمّان. وهي واحدة من الكنائس التابعة لبطريركية القدس للروم الأرثوذكس في الأردن، وفق الدليل الرسمي للكنائس التابعة للبطريركية.

وتحمل الكنيسة اسم القديس جورجيوس، المعروف أيضاً باسم القديس جورج، الذي ويحظى بمكانة بارزة في التقليد المسيحي الشرقي.

وتندرج الكنيسة ضمن الوجود الأرثوذكسي في محافظة الكرك، التي تضم كنائس أخرى تتبع طوائف مسيحية مختلفة. وتشير بطريركية اللاتين في القدس إلى أن المحافظة تضم جماعات كنسية لاتينية، إضافة إلى روم كاثوليك، وروم أرثوذكس، وأن الوجود المسيحي فيها يمتد عبر تاريخ طويل.

الكرك... تاريخ طويل من الوجود المسيحي والتعايش الديني

تُعد محافظة الكرك من المناطق الأردنية ذات الحضور المسيحي التاريخي، إذ تعود جذور الوجود المسيحي فيها إلى الحقبة البيزنطية، حين كانت المنطقة مركزاً أسقفياً يضم عدداً من الكنائس، فق تقرير تاريخي نشرته بطريركية اللاتين في القدس.

ولا يقتصر هذا الوجود على مدينة الكرك، المركز الإداري والتاريخي للمحافظة، بل يمتد إلى قرى وبلدات عدة، من بينها حمود والسماكية وأدر والربة والقصر.

وتضم المحافظة كنائس تتبع طوائف مختلفة، من بينها الروم الأرثوذكس واللاتين الكاثوليك والروم الكاثوليك، إلى جانب المساجد ودور العبادة الإسلامية.

وعلى مر السنين، لم يقتصر دور الكنائس في الكرك على إقامة الشعائر الدينية، بل امتد إلى المساهمة في تأسيس مدارس ومراكز صحية خدمت المسيحيين والمسلمين، لتصبح جزءاً من الحياة الاجتماعية والتعليمية في المنطقة.

كم يبلغ عدد سكان الكرك وأين يتركز المسيحيون فيها؟

يبلغ عدد سكان محافظة الكرك نحو 375 ألف نسمة، وفق تقديرات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية لنهاية عام 2025، التي حددت العدد بـ395400 نسمة.

وتاريخياً، ضمت الكرك عائلات وعشائر مسيحية عدة، من بينها الحجازين، والهلسا، والعكاشة، وفق التقرير التاريخي لبطريركية اللاتين في القدس. ويشير التقرير إلى أن هذه العائلات شكّلت جزءاً من النسيج الاجتماعي للمدينة إلى جانب العشائر المسلمة.

وتتركز بعض العائلات المسيحية في أحياء محددة، من بينها ما يُعرف باسم «حارة المسيحيين» في مركز مدينة الكرك، التي عاشت فيها عائلات مسيحية إلى جانب عائلات مسلمة على مدى أجيال. وتتسم المحافظة بطابع عشائري، وتنوع ديني.

وتتسم المحافظة بتنوع اجتماعي وديني يظهر في وجود مؤسسات وكنائس مسيحية إلى جانب المساجد ودور العبادة الإسلامية. ويشير مجلس الكنائس العالمي إلى الروابط التاريخية بين المسيحيين والمسلمين في الأردن، مؤكداً أهمية الحفاظ على دور العبادة، وحماية حرية ممارسة الشعائر الدينية.

المسيحيون في الأردن... ما نسبتهم وما طوائفهم؟

تشكل المسيحية أقلية دينية في الأردن، وتقدر وزارة السياحة والآثار الأردنية نسبتهم بنحو 2 إلى 3 في المائة من السكان.

وينتمي المسيحيون في المملكة إلى طوائف متعددة، من بينها الروم الأرثوذكس، والكاثوليك، والأرمن الأرثوذكس، والبروتستانت، فيما تنتشر الكنائس في مناطق مختلفة من البلاد.

تظهر بقعة دم على الأرض عند مدخل كنيسة للروم الأرثوذكس في أعقاب هجوم مسلح وقع في قرية حمود بمحافظة الكرك (أ.ف.ب)

هل شهدت الكرك هجمات أمنية مماثلة من قبل؟

شهدت محافظة الكرك هجوماً أمنياً دامياً في ديسمبر (كانون الأول) 2016، تبناه تنظيم «داعش»، واستهدف مدنيين، وقوات أمن.

وقُتل في الهجوم آنذاك 10 أشخاص، بينهم 7 من رجال الأمن، وسائحة كندية، وأصيب 34 آخرون. كما قُتل 4 من عناصر التنظيم بعد تحصنهم في قلعة الكرك التاريخية.

أما الهجوم الأخير، فوصفته وكالة «رويترز» بأنه هجوم نادر يستهدف الأقلية المسيحية في الأردن.