صور تزوّر الحقيقة

تأثيرها لا يقل خطورة عن تزوير الوثائق

صورة  نشرتها مجلة «دير شبيغل» الألمانية لإطلاق صواريخ إيرانية، واعترفت المجلة بعد ذلك أن الصورة مزورة
صورة نشرتها مجلة «دير شبيغل» الألمانية لإطلاق صواريخ إيرانية، واعترفت المجلة بعد ذلك أن الصورة مزورة
TT

صور تزوّر الحقيقة

صورة  نشرتها مجلة «دير شبيغل» الألمانية لإطلاق صواريخ إيرانية، واعترفت المجلة بعد ذلك أن الصورة مزورة
صورة نشرتها مجلة «دير شبيغل» الألمانية لإطلاق صواريخ إيرانية، واعترفت المجلة بعد ذلك أن الصورة مزورة

على مر التاريخ تم تزوير وثائق مهمة جدا ظلت لسنوات طويلة ينظر إليها وكأنها حقيقية إلى أن كشف أمرها. من هذه الوثائق قصة تزوير مذكرات أدولف هتلر على يد كونراد كوجاو أشهر مزور ألماني في العالم الذي أقنع إدارة مجلة «شتيرن» عام 1983 بأنه يملك مذكرات هتلر الأصلية وبالفعل قبض مقابل بيعه المذكرات لهذه المجلة ونشرها أكثر من 9 ملايين مارك ألماني إلا أن الشكوك التي حامت حول حقيقة المذكرات دفعت المكتب الاتحادي الجنائي لإجراء تحريات والكشف عن الحقيقة. فتقليد المزور لخط هتلر كان من المستحيل كشفه لكن نوع الورق الذي كتبت عليه المذكرات فضحه وكانت صناعة في الثمانينات وليس الثلاثينات وهو التاريخ الذي ادعى كوجاو أن هتلر قد كتب مذكراته خلاله.
والمشكلة أن المذكرات بيعت بسرعة بالملايين فأصبحت كالمرجع المقدس للذين كانوا ما زالوا مقتنعين بالفكر النازي وأجج مشاعرهم، وهذا شكل خطرا على ألمانيا من إيقاظ الفكر النازي. وتمكن المزور كوجاو من تزوير 62 مجلدا، الكثير من الأعداد ما زال بين الأيدي رغم مصادرة معظمها، وتعتبر اليوم لبعض هواة جمع الوثائق وثائق غير عادية، وللنازيين من الوثائق النادرة، ووجدت لها طريقا إلى كل أنحاء العالم.
وتزوير الصور لا يقل خطورة عن تزوير الوثائق، لأنها تتحدث في الكثير من الأحيان أكثر من النص المكتوب، ففي كل زاوية منها تفاصيل أكثر دقة تراها العين وليست بحاجة إلى تفسير أو شرح، وهذا سبب تغييرا حتى في مجرى تاريخ بعض البلدان لذا اهتمت مجموعة من المصورين الأوروبيين بقضية تزوير الصور وأقامت معرضا متنقلا بعنوان «صور تكذب» يضم أكثر من 300 صورة. جال المعرض في البداية مدينة بون الألمانية ثم مدينة برن السويسرية وسوف يعرض في مدن أخرى بعد أن جمعت المئات من صوره في كتيب.
وتأثير الصور يدفع إلى القول: «إن من يملك صورا يملك سلطة». فالصورة المزورة خاصة إذا كانت معبرة بإمكانها أن تتلاعب بمشاعر ومفاهيم الإنسان بالتأثر بها أو التأثير عليه، وهذا دفع أنظمة ديكتاتورية لاستغلال تزوير الصور لمآرب معينة، فهي لعبت دورا كبير في الثورات الشعبية في الماضي أو في الحروب. فعلى سبيل المثال غيرت الصور المزورة الكثير من مفاهيم ما سمي بربيع براغ في جمهوريات تشيكوسلوفاكيا سابقا، حيث أزيل كل من سمركوفسكي وسفوبودا من صورة الاحتفالات بهذه المناسبة عام 1968 وكانا يقفان إلى جانب رئيس الحزب ألكسندر دوبتشيك فأزيل خوفا من أن تذكر الصورة بأفكارهما الإصلاحية المعارضة للحزب وللرئيس، واختفيا تماما بعد ذلك من أدبيات الحزب.
ومن صور الحرب العالمية الأولى المزورة واحدة تحت عنوان «موت في الجو» ونشرت عام 1933 وهي لطائرة تهوي بعد اندلاع النار فيها نتيجة إصابتها بقذيفة يابانية، لكن اتضح عام 1994 أنها كانت لعبة يمكن تحريكها من الأرض صنعها أحد مصانع اللعب الأميركية. كما استغلت الصور المزورة في الحرب الأهلية الأميركية لأهداف دعائية ولتعميق العداء بين الجنوب والشمال وبيعت هذه الصور بعد ذلك بأسعار خيالية كتذكار. وكرست النازية أفضل المزورين للدعائية وللترويج والتهويل وإقناع الناس بأن النصر لألمانيا، لذا كان لدى النازية ما يسمى وزارة الدعاية.
والصورة المشهورة جدا في العالم وتحولت إلى رمز لهزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية تلك التي التقطت في الثاني من شهر مايو (أيار) 1945 تظهر جنديا سوفياتيا يرفع علم بلاده فوق قبة مبنى الرايخ تاغ (مجلس النواب الألماني)، لكن السوفيات تأخروا في التقاط الصورة فدخول الحلفاء إلى برلين وإحراق مجلس النواب كان في 30 أبريل (نيسان) 1945 فما كان من الجيش الأحمر إلا الادعاء بأنه يوم النصر، كما أزيلت من الصورة يد جندي كان يسند زميله الذي يرفع العلم لأنه كان يحمل في يده ساعات مسروقة، ومن أجل إكمال التزوير أضاف المزور دخانا داكنا يرتفع من المبنى مع أن الحرائق كانت قد أطفئت.
إلا أن تزوير الصور ليس وليد القرن العشرين بل قبل ذلك بكثير حتى أن مصادر تتحدث عن تزوير تم في أواسط القرن الـ19 لصور فوتوغرافية بالاستعانة بتقنيات بسيطة يومها وكانت إما مواد كيماوية أو إلصاق صورة فوق أخرى بالشكل المطلوب ثم إعادة تصويرها وهذا سمي «خدعا تصويرية».
لكن الأهم من كل ذلك هو تزوير الصور التاريخية بهدف صنع صورة لحقيقة معينة غير موجودة، إما سياسية وإما اجتماعية كما حصل في الثورة البلشفية أو الثورة الثقافية الصينية أو الحروب في أوروبا والعالم.
ويعتبر المصور الفوتوغرافي الفرنسي ايبولت بايار (1801-1887) أول مزور صور، ففي مارس (آذار) عام 1838 طور أول طريقة تزوير بنقل الصورة محمضة على الورق وبعد إدخال التزوير الذي يريده أعاد تصوير الصورة باستخدامه عدة صور غير محمضة إلى أن تصبح لديه الصورة المطلوبة وكأنها صورة أصلية.
وحسب تقدير علماء نفس فإن تزوير الصور لهدف سياسي يكون عادة جزءا من سياسة حكام يستغلون حقيقة أن الإنسان العادي يميل إلى المبالغة في تقدير مصداقية الصور، لذا فإن استخدامهم لهذه الصور من الأمور السهلة، خاصة إذا كان الإعلام يساهم في ذلك، وهذا حدث ويحدث في كل المجتمعات لمصالح أفراد أو جماعات معينة وهذا ما قام به مثلا ديكتاتوريون مثل ستالين الذي أسند مهمة تزوير جزء كبير مما التقط من الصور خلال وبعد ثورة الفلاحين في روسيا إلى أشهر المصورين المعروفين بالتزوير من أجل شطب معارضيه أو منافسيه، على سبيل المثال الثوري المجري تيبور ستامبولي من صورة كان يقف فيها خلف لينين. وتمكن المزور من صنع صورة، وكأن ستامبولي لم يكن في الصورة أصلا بعد أن أعاد المشهد الذي كان خلفه بكل تفاصيله، وكان هدف ستالين محو كل علاقة لهذا الثوري بالثورة البلشفية، وبهذا اختفى من تاريخ الثورة الروسية ولا يذكره أحد ومحيت كل علاقة له بها مع أنه كان من أبرز القياديين فيها.
ولم تسلم صور الثورة الصينية من التزوير بهدف تزوير ملامحها السياسية أيضا.
والصورة التي أخضعت للتزوير الأكثر نجاحا وظلت حقيقية حتى مطلع التسعينات في الصين هي صورة لماو تسي تونغ وهو يحفر لزرع شتلة شجرة بالقرب من سد مينغ ونشرت عام 1958 وإلى جانبه عمدة بكين بينغ تشاو، لكن عندما تسلم الأمانة العامة للحزب هويا غوينفونغ أقال عمدة بكين لخلاف سياسي معه وجرده من مناصبه وكان يجب أيضا أن يمحوه من كل الصور. ومن ينظر إلى الصورة اليوم لا يتصور أن شخصا قد اختفى منها، فالأشخاص.
ومن الصور الساخنة، تلك التي نشرتها عام 2011 صحيفة «تسوتونغ» التابعة للمجموعة اليهودية الحريديم أو الحريدية الأصولية. إنها صورة لأسامة بن لادن وهو مقتول، ويقال إنها حصلت على النسخة الأصلية قبل أن تنشر في الإعلام فقامت بتزويرها، حيث ظهرت إلى جانب الجثة وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون وامرأة أخرى محجبتين لأسباب دينية، إلا أن الصورة اختفت بدورها قبل أن تحدث أزمة بين تل أبيب والبيت الأبيض.
ومع أنه لا يعرفها شخصيا حسب قوله ظهرت صورة لوزير الخارجية الأميركي الحالي جون كيري، عندما كانت سيناتورا عن الحزب الديمقراطي، مع الممثلة جين فوندا في مظاهرة في نيويورك في 13 يونيو (حزيران) 1971، ضد الحرب الأميركية في فيتنام. وكان يقول إن صورة الممثلة تعود لتاريخ آخر وجمعها المصور الأميركي كان لايت بعد ذلك مع تاريخ العام الذي سبق ذكره.
والصورة التي زادت التوتر الشعبي في سويسرا هي تلك التي نشرتها الصحيفة السويسرية الصفراء «بليك» في نوفمبر عام 1997 لساحة معبد حتشبسوت في الأقصر، فقبل يوم شن متطرفون هجوما على مجموعة من السياح السويسريين وآخرين غربيين وقتلوا عددا منهم، إلا أن الصحافية أرادت المبالغة جدا، فصبغت ساحة المعبد بالأحمر وكأنه بركة من دم الضحايا، إضافة إلى وجود جنديين مصريين.
وكادت صور نشرتها مجلة «ديرشبيغل» الألمانية يوم 10 يوليو (تموز) 2008 لصواريخ قالت إنها لإيران وانتشرت كما البرق في كل وسائل الإعلام، وكادت تحرك السفن الأميركية في الخليج العربي، لكن المجلة اعترفت بعد ذلك بأن الصور مزورة وما أطلق ليس إلا صاروخين أحدهما تعطل قبل إطلاقه.
ولم يقتصر التلاعب بالصور على الأمور السياسية بل والمصلحة الشخصية أيضا، فالكل يذكر صورة الرئيس الفرنسي ساركوزي في صيف عام 2008 وهو يجدف مع ابنه في قارب، لكن ترهلا في بطنه ظهر واضحا، فطلب من الصحيفة التي نشرت الصورة إزالة هذا الترهل وكان ما أراده الرئيس فعاد بطنه مشدودا.
وفي محاولة منها للتصدي لتهمة الإخفاق في اكتشاف حياة فوق كوكب المريخ نشرت «التايمز» الأميركية صورة نقلتها صحيفة «بيلد» الألمانية يوم 23 يناير (كانون الثاني) 2008 قالت إنها من وكالة ناسا فيها شيء كما لو كان كائنا بشريا فوق رمال حمراء ومرتفعات، مع عنوان «هل هناك حياة فوق المريخ»؟ وكانت هذه الرحلة قد كلفت أكثر من 600 مليون يورو وظلت تبحث لنحو 4 أعوام عما يدل على وجود حياة. وكان هدف التزوير مواصلة حصول ناسا على تمويل لاكتشاف المريخ.
والصورة التي كادت تباع بثمن مرتفع أرسلها أحد الشبان الألمان من شرفة شقة تقع أمام المركز التجاري في نيويورك، في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 تظهر طائرة ادعى الشاب أنها إحدى الطائرتين في طريقها لاختراق أحد الأبراج، لكن بعد تفحص الصورة اتضح أن الطائرة كانت بوينغ 767 وليست 757 أي أن الشاب استعان بصورة الطائرة الخطأ من أجل حيلته ففشلت محاولته في الحصول على بضعة آلاف من الدولارات من إحدى الصحف الألمانية.
وفي مطلع فبراير (شباط) 2005 عرضت محطة التلفزيون الأميركية «سي إن إن» صورة لجندي أميركي بكامل ملابسه ومعداته العسكرية قالت إنها نشرت على موقع لمجموعة إسلامية متطرفة وبأنه مخطوف لديها وهو يجلس أرضا وقد صوبت إليه فوهة بندقية. وحسب قول المحطة كان الجندي في مهمة بالعراق، لكن اتضح فيما بعد أن الصورة للعبة بملابس جندي أميركي صنعتها شركة «دراغون موديل يو إس إي» وأنتجت هذا النموذج عام 2003 وأطلقت عليه اسم «كودي» وكانت الأخطاء كثيرة أيضا، سواء فيما يتعلق بالسروال أو القميص العسكري أو لون التنكر. لكن الصورة انتشرت رغم الأخطاء فيها.
ولا داعي للحديث كثيرا عن الصورة المزورة للحرب العراقية ضد الكويت، فإلى جانب آبار البترول التي زورت صورها وبأنها تحترق ولا مجال لإطفائها شنت منظمات حماية البيئة حملة شديدة اللهجة ضد بغداد بعد إظهار مصورين طيورا نافقة ومغموسة بالنفط وبأنها مهددة بالانقراض إذا ما لم يتم إنقاذها لكن اتضح بعد ذلك أن الصور لطيور في مناطق لا علاقة لها لا بآبار النفط ولا بالحرب العراقية الكويتية.
ونشرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» يوم 31 مارس 2003 خلال الحرب ضد العراق صورا غير متقنة التزوير منها صور التقطها المصور براين فالسكي في البصرة جنوب العراق نشرتها الصحيفة بسرعة وتظهر هاربين عراقيين، لكن من يدقق في الصورة يرى أن بعض الأشخاص ظهروا في الصور مرتين، وهذا ما اعترف به المصور وقال إنه دمج صورتين مستفيدا من تقنية الكومبيوتر من أجل الإثارة. وعقب الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين نشرت صحيفة «بيلد» الألمانية صورة لجموع غفيرة متجمعة في ساحة ببغداد من أجل تحطيم تمثاله لكن المصور اعترف بعد ذلك بأن القليل من العراقيين تجمهروا وهو أضاف بضع عشرات كي تكون الصورة ذات قيمة تاريخية. وهذا التزوير يعتمده مصورون عند التقاط صور لمظاهرات، خاصة في الصين.
والصورتان اللتان أثارتا الاستياء خلال الحرب في العراق هي لجندي أميركي يروي عطش جندي عراقي في الأسر، ففي واحدة يقدم له الماء من دون تصويب البندقية على رأسه وفي الأخرى يصوب البندقية، ولكن حتى الآن لم تعرف الصورة الحقيقية كما تقول أرسولا دامين التي أشرفت على تنظيم معرض «صور تكذب» عندما كان في بون.
واضطر البيت الأبيض إلى سحب صورة للرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش في موقع للإنترنت وإصلاحها بالتزوير وتظهره في إحدى المدارس وهو يقرأ في كتاب للأطفال بالقرب من تلميذة صغيرة، والمضحك أن الرئيس كان يحمل الكتاب بالمقلوب.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.