صور تزوّر الحقيقة

تأثيرها لا يقل خطورة عن تزوير الوثائق

صورة  نشرتها مجلة «دير شبيغل» الألمانية لإطلاق صواريخ إيرانية، واعترفت المجلة بعد ذلك أن الصورة مزورة
صورة نشرتها مجلة «دير شبيغل» الألمانية لإطلاق صواريخ إيرانية، واعترفت المجلة بعد ذلك أن الصورة مزورة
TT

صور تزوّر الحقيقة

صورة  نشرتها مجلة «دير شبيغل» الألمانية لإطلاق صواريخ إيرانية، واعترفت المجلة بعد ذلك أن الصورة مزورة
صورة نشرتها مجلة «دير شبيغل» الألمانية لإطلاق صواريخ إيرانية، واعترفت المجلة بعد ذلك أن الصورة مزورة

على مر التاريخ تم تزوير وثائق مهمة جدا ظلت لسنوات طويلة ينظر إليها وكأنها حقيقية إلى أن كشف أمرها. من هذه الوثائق قصة تزوير مذكرات أدولف هتلر على يد كونراد كوجاو أشهر مزور ألماني في العالم الذي أقنع إدارة مجلة «شتيرن» عام 1983 بأنه يملك مذكرات هتلر الأصلية وبالفعل قبض مقابل بيعه المذكرات لهذه المجلة ونشرها أكثر من 9 ملايين مارك ألماني إلا أن الشكوك التي حامت حول حقيقة المذكرات دفعت المكتب الاتحادي الجنائي لإجراء تحريات والكشف عن الحقيقة. فتقليد المزور لخط هتلر كان من المستحيل كشفه لكن نوع الورق الذي كتبت عليه المذكرات فضحه وكانت صناعة في الثمانينات وليس الثلاثينات وهو التاريخ الذي ادعى كوجاو أن هتلر قد كتب مذكراته خلاله.
والمشكلة أن المذكرات بيعت بسرعة بالملايين فأصبحت كالمرجع المقدس للذين كانوا ما زالوا مقتنعين بالفكر النازي وأجج مشاعرهم، وهذا شكل خطرا على ألمانيا من إيقاظ الفكر النازي. وتمكن المزور كوجاو من تزوير 62 مجلدا، الكثير من الأعداد ما زال بين الأيدي رغم مصادرة معظمها، وتعتبر اليوم لبعض هواة جمع الوثائق وثائق غير عادية، وللنازيين من الوثائق النادرة، ووجدت لها طريقا إلى كل أنحاء العالم.
وتزوير الصور لا يقل خطورة عن تزوير الوثائق، لأنها تتحدث في الكثير من الأحيان أكثر من النص المكتوب، ففي كل زاوية منها تفاصيل أكثر دقة تراها العين وليست بحاجة إلى تفسير أو شرح، وهذا سبب تغييرا حتى في مجرى تاريخ بعض البلدان لذا اهتمت مجموعة من المصورين الأوروبيين بقضية تزوير الصور وأقامت معرضا متنقلا بعنوان «صور تكذب» يضم أكثر من 300 صورة. جال المعرض في البداية مدينة بون الألمانية ثم مدينة برن السويسرية وسوف يعرض في مدن أخرى بعد أن جمعت المئات من صوره في كتيب.
وتأثير الصور يدفع إلى القول: «إن من يملك صورا يملك سلطة». فالصورة المزورة خاصة إذا كانت معبرة بإمكانها أن تتلاعب بمشاعر ومفاهيم الإنسان بالتأثر بها أو التأثير عليه، وهذا دفع أنظمة ديكتاتورية لاستغلال تزوير الصور لمآرب معينة، فهي لعبت دورا كبير في الثورات الشعبية في الماضي أو في الحروب. فعلى سبيل المثال غيرت الصور المزورة الكثير من مفاهيم ما سمي بربيع براغ في جمهوريات تشيكوسلوفاكيا سابقا، حيث أزيل كل من سمركوفسكي وسفوبودا من صورة الاحتفالات بهذه المناسبة عام 1968 وكانا يقفان إلى جانب رئيس الحزب ألكسندر دوبتشيك فأزيل خوفا من أن تذكر الصورة بأفكارهما الإصلاحية المعارضة للحزب وللرئيس، واختفيا تماما بعد ذلك من أدبيات الحزب.
ومن صور الحرب العالمية الأولى المزورة واحدة تحت عنوان «موت في الجو» ونشرت عام 1933 وهي لطائرة تهوي بعد اندلاع النار فيها نتيجة إصابتها بقذيفة يابانية، لكن اتضح عام 1994 أنها كانت لعبة يمكن تحريكها من الأرض صنعها أحد مصانع اللعب الأميركية. كما استغلت الصور المزورة في الحرب الأهلية الأميركية لأهداف دعائية ولتعميق العداء بين الجنوب والشمال وبيعت هذه الصور بعد ذلك بأسعار خيالية كتذكار. وكرست النازية أفضل المزورين للدعائية وللترويج والتهويل وإقناع الناس بأن النصر لألمانيا، لذا كان لدى النازية ما يسمى وزارة الدعاية.
والصورة المشهورة جدا في العالم وتحولت إلى رمز لهزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية تلك التي التقطت في الثاني من شهر مايو (أيار) 1945 تظهر جنديا سوفياتيا يرفع علم بلاده فوق قبة مبنى الرايخ تاغ (مجلس النواب الألماني)، لكن السوفيات تأخروا في التقاط الصورة فدخول الحلفاء إلى برلين وإحراق مجلس النواب كان في 30 أبريل (نيسان) 1945 فما كان من الجيش الأحمر إلا الادعاء بأنه يوم النصر، كما أزيلت من الصورة يد جندي كان يسند زميله الذي يرفع العلم لأنه كان يحمل في يده ساعات مسروقة، ومن أجل إكمال التزوير أضاف المزور دخانا داكنا يرتفع من المبنى مع أن الحرائق كانت قد أطفئت.
إلا أن تزوير الصور ليس وليد القرن العشرين بل قبل ذلك بكثير حتى أن مصادر تتحدث عن تزوير تم في أواسط القرن الـ19 لصور فوتوغرافية بالاستعانة بتقنيات بسيطة يومها وكانت إما مواد كيماوية أو إلصاق صورة فوق أخرى بالشكل المطلوب ثم إعادة تصويرها وهذا سمي «خدعا تصويرية».
لكن الأهم من كل ذلك هو تزوير الصور التاريخية بهدف صنع صورة لحقيقة معينة غير موجودة، إما سياسية وإما اجتماعية كما حصل في الثورة البلشفية أو الثورة الثقافية الصينية أو الحروب في أوروبا والعالم.
ويعتبر المصور الفوتوغرافي الفرنسي ايبولت بايار (1801-1887) أول مزور صور، ففي مارس (آذار) عام 1838 طور أول طريقة تزوير بنقل الصورة محمضة على الورق وبعد إدخال التزوير الذي يريده أعاد تصوير الصورة باستخدامه عدة صور غير محمضة إلى أن تصبح لديه الصورة المطلوبة وكأنها صورة أصلية.
وحسب تقدير علماء نفس فإن تزوير الصور لهدف سياسي يكون عادة جزءا من سياسة حكام يستغلون حقيقة أن الإنسان العادي يميل إلى المبالغة في تقدير مصداقية الصور، لذا فإن استخدامهم لهذه الصور من الأمور السهلة، خاصة إذا كان الإعلام يساهم في ذلك، وهذا حدث ويحدث في كل المجتمعات لمصالح أفراد أو جماعات معينة وهذا ما قام به مثلا ديكتاتوريون مثل ستالين الذي أسند مهمة تزوير جزء كبير مما التقط من الصور خلال وبعد ثورة الفلاحين في روسيا إلى أشهر المصورين المعروفين بالتزوير من أجل شطب معارضيه أو منافسيه، على سبيل المثال الثوري المجري تيبور ستامبولي من صورة كان يقف فيها خلف لينين. وتمكن المزور من صنع صورة، وكأن ستامبولي لم يكن في الصورة أصلا بعد أن أعاد المشهد الذي كان خلفه بكل تفاصيله، وكان هدف ستالين محو كل علاقة لهذا الثوري بالثورة البلشفية، وبهذا اختفى من تاريخ الثورة الروسية ولا يذكره أحد ومحيت كل علاقة له بها مع أنه كان من أبرز القياديين فيها.
ولم تسلم صور الثورة الصينية من التزوير بهدف تزوير ملامحها السياسية أيضا.
والصورة التي أخضعت للتزوير الأكثر نجاحا وظلت حقيقية حتى مطلع التسعينات في الصين هي صورة لماو تسي تونغ وهو يحفر لزرع شتلة شجرة بالقرب من سد مينغ ونشرت عام 1958 وإلى جانبه عمدة بكين بينغ تشاو، لكن عندما تسلم الأمانة العامة للحزب هويا غوينفونغ أقال عمدة بكين لخلاف سياسي معه وجرده من مناصبه وكان يجب أيضا أن يمحوه من كل الصور. ومن ينظر إلى الصورة اليوم لا يتصور أن شخصا قد اختفى منها، فالأشخاص.
ومن الصور الساخنة، تلك التي نشرتها عام 2011 صحيفة «تسوتونغ» التابعة للمجموعة اليهودية الحريديم أو الحريدية الأصولية. إنها صورة لأسامة بن لادن وهو مقتول، ويقال إنها حصلت على النسخة الأصلية قبل أن تنشر في الإعلام فقامت بتزويرها، حيث ظهرت إلى جانب الجثة وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون وامرأة أخرى محجبتين لأسباب دينية، إلا أن الصورة اختفت بدورها قبل أن تحدث أزمة بين تل أبيب والبيت الأبيض.
ومع أنه لا يعرفها شخصيا حسب قوله ظهرت صورة لوزير الخارجية الأميركي الحالي جون كيري، عندما كانت سيناتورا عن الحزب الديمقراطي، مع الممثلة جين فوندا في مظاهرة في نيويورك في 13 يونيو (حزيران) 1971، ضد الحرب الأميركية في فيتنام. وكان يقول إن صورة الممثلة تعود لتاريخ آخر وجمعها المصور الأميركي كان لايت بعد ذلك مع تاريخ العام الذي سبق ذكره.
والصورة التي زادت التوتر الشعبي في سويسرا هي تلك التي نشرتها الصحيفة السويسرية الصفراء «بليك» في نوفمبر عام 1997 لساحة معبد حتشبسوت في الأقصر، فقبل يوم شن متطرفون هجوما على مجموعة من السياح السويسريين وآخرين غربيين وقتلوا عددا منهم، إلا أن الصحافية أرادت المبالغة جدا، فصبغت ساحة المعبد بالأحمر وكأنه بركة من دم الضحايا، إضافة إلى وجود جنديين مصريين.
وكادت صور نشرتها مجلة «ديرشبيغل» الألمانية يوم 10 يوليو (تموز) 2008 لصواريخ قالت إنها لإيران وانتشرت كما البرق في كل وسائل الإعلام، وكادت تحرك السفن الأميركية في الخليج العربي، لكن المجلة اعترفت بعد ذلك بأن الصور مزورة وما أطلق ليس إلا صاروخين أحدهما تعطل قبل إطلاقه.
ولم يقتصر التلاعب بالصور على الأمور السياسية بل والمصلحة الشخصية أيضا، فالكل يذكر صورة الرئيس الفرنسي ساركوزي في صيف عام 2008 وهو يجدف مع ابنه في قارب، لكن ترهلا في بطنه ظهر واضحا، فطلب من الصحيفة التي نشرت الصورة إزالة هذا الترهل وكان ما أراده الرئيس فعاد بطنه مشدودا.
وفي محاولة منها للتصدي لتهمة الإخفاق في اكتشاف حياة فوق كوكب المريخ نشرت «التايمز» الأميركية صورة نقلتها صحيفة «بيلد» الألمانية يوم 23 يناير (كانون الثاني) 2008 قالت إنها من وكالة ناسا فيها شيء كما لو كان كائنا بشريا فوق رمال حمراء ومرتفعات، مع عنوان «هل هناك حياة فوق المريخ»؟ وكانت هذه الرحلة قد كلفت أكثر من 600 مليون يورو وظلت تبحث لنحو 4 أعوام عما يدل على وجود حياة. وكان هدف التزوير مواصلة حصول ناسا على تمويل لاكتشاف المريخ.
والصورة التي كادت تباع بثمن مرتفع أرسلها أحد الشبان الألمان من شرفة شقة تقع أمام المركز التجاري في نيويورك، في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 تظهر طائرة ادعى الشاب أنها إحدى الطائرتين في طريقها لاختراق أحد الأبراج، لكن بعد تفحص الصورة اتضح أن الطائرة كانت بوينغ 767 وليست 757 أي أن الشاب استعان بصورة الطائرة الخطأ من أجل حيلته ففشلت محاولته في الحصول على بضعة آلاف من الدولارات من إحدى الصحف الألمانية.
وفي مطلع فبراير (شباط) 2005 عرضت محطة التلفزيون الأميركية «سي إن إن» صورة لجندي أميركي بكامل ملابسه ومعداته العسكرية قالت إنها نشرت على موقع لمجموعة إسلامية متطرفة وبأنه مخطوف لديها وهو يجلس أرضا وقد صوبت إليه فوهة بندقية. وحسب قول المحطة كان الجندي في مهمة بالعراق، لكن اتضح فيما بعد أن الصورة للعبة بملابس جندي أميركي صنعتها شركة «دراغون موديل يو إس إي» وأنتجت هذا النموذج عام 2003 وأطلقت عليه اسم «كودي» وكانت الأخطاء كثيرة أيضا، سواء فيما يتعلق بالسروال أو القميص العسكري أو لون التنكر. لكن الصورة انتشرت رغم الأخطاء فيها.
ولا داعي للحديث كثيرا عن الصورة المزورة للحرب العراقية ضد الكويت، فإلى جانب آبار البترول التي زورت صورها وبأنها تحترق ولا مجال لإطفائها شنت منظمات حماية البيئة حملة شديدة اللهجة ضد بغداد بعد إظهار مصورين طيورا نافقة ومغموسة بالنفط وبأنها مهددة بالانقراض إذا ما لم يتم إنقاذها لكن اتضح بعد ذلك أن الصور لطيور في مناطق لا علاقة لها لا بآبار النفط ولا بالحرب العراقية الكويتية.
ونشرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» يوم 31 مارس 2003 خلال الحرب ضد العراق صورا غير متقنة التزوير منها صور التقطها المصور براين فالسكي في البصرة جنوب العراق نشرتها الصحيفة بسرعة وتظهر هاربين عراقيين، لكن من يدقق في الصورة يرى أن بعض الأشخاص ظهروا في الصور مرتين، وهذا ما اعترف به المصور وقال إنه دمج صورتين مستفيدا من تقنية الكومبيوتر من أجل الإثارة. وعقب الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين نشرت صحيفة «بيلد» الألمانية صورة لجموع غفيرة متجمعة في ساحة ببغداد من أجل تحطيم تمثاله لكن المصور اعترف بعد ذلك بأن القليل من العراقيين تجمهروا وهو أضاف بضع عشرات كي تكون الصورة ذات قيمة تاريخية. وهذا التزوير يعتمده مصورون عند التقاط صور لمظاهرات، خاصة في الصين.
والصورتان اللتان أثارتا الاستياء خلال الحرب في العراق هي لجندي أميركي يروي عطش جندي عراقي في الأسر، ففي واحدة يقدم له الماء من دون تصويب البندقية على رأسه وفي الأخرى يصوب البندقية، ولكن حتى الآن لم تعرف الصورة الحقيقية كما تقول أرسولا دامين التي أشرفت على تنظيم معرض «صور تكذب» عندما كان في بون.
واضطر البيت الأبيض إلى سحب صورة للرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش في موقع للإنترنت وإصلاحها بالتزوير وتظهره في إحدى المدارس وهو يقرأ في كتاب للأطفال بالقرب من تلميذة صغيرة، والمضحك أن الرئيس كان يحمل الكتاب بالمقلوب.



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.