القراءة في زمن «كورونا» 1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ

القراءة في زمن «كورونا»  1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ
TT

القراءة في زمن «كورونا» 1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ

القراءة في زمن «كورونا»  1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ

وفرت جائحة «كورونا»، كما يبدو، الوقت «القسري» للتفرغ للقراءة، وسط قبضة عزلة إجبارية، وهلع من الوباء وتداعياته الكارثية، فجاءت القراءات، وإن غالباَ بشكل غير مباشر، حاملة بصمات الوباء شكلاً وروحاً ومعنى... «فلسفة الموت»، وروايات «الطاعون»، و«الحب في زمن الكوليرا»، روايات نفضت عن نفسها غبار التاريخ لتحيا من جديد وكأنها كتبت في هذه اللحظات الاستثنائية من تاريخها الإنساني.
ماذا قرأ الشعراء والروائيون والنقاد والمثقفون العرب في مثل هذا المناخ؟ هل وفر لهم فرصة للقراءة الحقيقية، أم كانت هذه القراءة وسيلة للهروب من العزلة والضجر والملل والاكتئاب، ومن حياة لاهثة ومضطربة ممهورة بوشم الخوف على شتى المستويات؟
في قبضة عزلة إجبارية، لم يختاروها، وهلع من جائحة كورونا (كوفيد - 19) وتداعياتها الكارثية، ماذا قرأ الأدباء والشعراء والمثقفون المصريون؟ هل وفر لهم هذا المناخ فرصة للإبداع؟ أم أصابتهم العزلة بالضجر والملل والاكتئاب، خصوصاً أنها أصبحت تحكم نظرتهم لأنفسهم، ووجودهم في حياة لاهثة ومضطربة على شتى المستويات؟

وفرت جائحة «كورونا» كما يبدو الوقت القسري للتفرغ للكتابة، ولكنه أيضاً طبع المزاج بلونه المتشائم، فجاءت القراءات تحمل بصمات الوباء شكلاً وروحاً ومعنى... «فلسفة الموت»، وروايات «الطاعون»، و«الحب في زمن الكوليرا»، نفضت الغبار عن نفسها وعادت بين الأيدي من جديد.
هو عام ممهور بوشم الخوف... حتى القراءة غاصت في لجج المأساة.

القاص والروائي السعودي جبير المليحان:
«حرب نهاية العالم»

نادراً ما تختار سجنك بنفسك؛ وهذا ما فرضته عليّ كورونا!
بتعمد بقيت في البيت بعيداً عن مخالطة الآخرين «خوفاً» من وحش هذا الوباء. وقد وجدت فائضاً كبيراً من الوقت لم أتعوده في حياتي التي لا تخلو من الضجيج. ولذلك فالخيار الأفضل هو القراءة والكتابة؛ شيئان أحبهما، وأزعم إتقان ممارستهما. وجدت لدي كماً هائلاً، وكنوزاً من الكتب التي اقتنيتها طوال الأيام ولم أتمكن من قراءتها (لضيق الوقت!)، وأولها سلسلة روايات الرائع الإسباني كارلوس رويث زافون «مقبرة الكتب المنسية» والمؤلفة من أربع روايات تُشكّل تيمة أدبية أساسية، ترتبط ببعضها عبر الشخصيات والمواضيع المتعددة، غير أن كل رواية منها مستقلة عن الأخرى ومنفردة بذاتها.
ثم انتقلت إلى جاره العظيم المبدع جوزيه ساراماجو، ورواياته المدهشة «العمى» و«انقطاعات الموت» و«قايين» و«الطوف الحجري» و«الذكريات الصغيرة» و«مسيرة الفيل»، وبقية رواياته الغريبة والمدهشة حتى مع كآبة بعضها. وكنت قد قرأت بعضاً من روايات الكاتب الكبير البيروفي ماريو باراغاس يوسا كرواية «حفلة التيس»، ورواية «البيت الأخضر» ورواية «العمّة جوليا»، لكني توقفت طويلاً أمام ملحمته الرائعة «حرب نهاية العالم» وترجمتها الجيدة لأمجد حسين. هذه الرواية بحجمها الكبير وعدد صفحاتها التي تناهز 715 صفحة، وبخط صغير؛ فريدة من نوعها، وهي من الكتب التي تستمتع بقراءتها وتبقى في ذاكرتك وقتاً طويلاً كرواية «مائة عام من العزلة» لماركيز مثلاً.
تحكي رواية «حرب نهاية العالم» قصة حرب برازيلية. غير أنها يمكن أن تحكي عن أي حرب أخرى، حتى الحروب الحالية التي تتناحر فيها قوة العقل مع خرافة المعتقد. تتحدث الرواية - زمنياً - عن السنوات الأخيرة في القرن التاسع عشر، حيث أطاح انقلاب جمهوري بملكية براغانسا.
وجاء «المرشد» أو المسيح المعاصر مبعوث العناية الإلهية لخلاص البشر قبل حلول نهاية العالم عام 1900.
هذا المرشد لا يميزه غير وشاحه أرجواني اللون، وكاريزماه الطاغية في أوساط المعدمين والفقراء والمجرمين والفارين من السجون والعبيد والمضطهدين والمفلسين. لقد جاء لينقذهم من المؤامرة الماسونية البروتستانتينية الكافرة المعادية لله التي ستقر النظام المتري وفصل الدين عن الدولة. تستمر الرواية بتعدد شخصياتها، ووصفها الدقيق بأسلوب سلس كأنك تعيش تفاصيل الحدث.
الروائية والكاتبة السعودية
أميمة الخميس: «واستقرت بها النوى»

لأنه في 2020 حدث الذي لم يحدث، فنحن أيضاً قرأنا الكتب المقصاة المهملة التي كنا نعد أنفسنا يوم ما بأننا سنطالعها، ولا ندري متى وكيف؟ ويبدو أن تسعة أشهر من لزوم المنزل، جعلتنا نذهب إلى لزوم ما لا يلزم فوق الأرفف، نلطف بها نظرات التأنيب والتقريع من الكتب المؤجلة في أرجاء المكتبة.
منها الكتاب الضخم «تاريخ القرآن» للمستشرق نولدكه ولم يضف لي جديداً على مستوى الأطروحات الاستشراقية، وأيضاً المجلد الضخم لكتاب «المركزيات الثقافية» لإبراهيم عبد الله، وهو كتاب ثري في نقد الأفكار العقدية والعرقية والثقافية، التي تتبلور عبرها المركزيات الحضارية، وكتاب صادق جلال العظم «ما بعد ذهنية التحريم»، فوجدته امتداداً لكتابه السابق «ذهنية التحريم».
ويندرج في نطاق الموسوعات كتاب «موسوعة العاقل» الذي قدم فيه الكاتب يوفال هراري تاريخاً مختصراً للنوع البشري، هذا الكتاب الذي ترجم لعشرات اللغات، ووزعت منه ملايين النسخ، يصنف من باب الكتب العلمية الشعبوية Popular science، لكن القارئ لا يفتقد المتعة والدهشة في أي صفحة من صفحاته.
وباقي مطالعاتي تتصل بنادي كتاب أشاركه مع مجموعة من الصديقات، ومن خلاله نقرأ معاً 24 كتاباً سنوياً بمعدل كتابين بالشهر ونناقشها معاً. سأشير إلى أبرز الكتب في قائمة هذا الموسم الذي أعتقد تتصدره «رباعية نابولي» للروائية الإيطالية إيلينا فيرنتي، وهي باعتقادي من أروع الروايات الحديثة التي تقدم منظوراً نسوياً ذكياً وشفافاً ومختلفاً في تفسير هذا العالم.
أيضاً تأتي رواية (قد تكون أقرب للسيرة الذاتية) «أن تقرأ لوليتا في رمضان» للكاتبة آذر نفيسي بمحتوى ثري لتجربة أكاديمية ابنة لعائلة مستنيرة في إيران، تعرضت لبطش نظام لاهوتي ثيوقراطي.
أما كتاب كارل بوب «المجتمع المفتوح وأعداؤه»، رغم أنه صدر عام 1945 ما زال مدهشاً بالنسبة لي، فكاتبه كارل بوبر يصنف كآخر فلاسفة التنوير، ويرفض في كتابه النزعات الشمولية التاريخانية التي تكبل إرادة الفرد، فهو الموازي الفلسفي للروائي جورج أورويل.
وأنهيت هذا العام بسيرة د. حمزة المزيني «واستقرت بها النوى»، المدهش والممتع معاً، فمن خلال الخاص ننتقل إلى العام، وننظر برؤية بانورامية، كيف تبلورت الهوية الجمعية الوطنية، عبر كثير من النضالات والتضحيات والولاء والحب الذي رتق الشتات وأسهم في تأسيس معالم الدولة المدنية الحديثة.

الكاتبة السعودية رجاء البوعلي:
بين «الطاعون» و«فلسفة الموت»!

بدأ عام 2020 بارداً عليّ بعد رحيل والدي على حِين غرَّة في نهاية 2019، الحدث الذي أعادني بقوة إلى زاوية القراءة من ثلاثة مسارات: أدبية وفكرية وشيء من الفلسفة. فقد قطعت وعداً داخلياً أن يكون عملي الآتي مجموعة قصصية، أوثق فيها لحظات حاسمة عبر السرد؛ ليبقى شاهداً على حياة الإنسان ودهشته الصارخة في لحظات وجودية عظيمة كالموت. فبدأت قراءاتي حول فلسفة الموت والعالم الآخر، جاء ذلك عبر قراءة لبعض آراء الفلاسفة والعلماء مثل: أفلاطون، وديكارت، وهاسكر، وإيريك لنبرغ، ودوركين، وكيكغور، وفتغنشتاين ومعتقدات بعض الديانات كالهندوسية والبوذية والإسلام، كذلك الروايات التي عالجت تلك القضية بموضوعية غير مسبوقة كـ«انقطاعات الموت» للروائي البرتغالي جوزيه سارماغوا.
أدبياً، احتلت الروايات والدواوين الشعرية النصيب الأكبر من قراءاتي لهذا العام، فمن عاداتي مجاراة الحدث المعاصر بقراءة ما يقابله في الكتب حتى لو تطلب الأمر تكرار القراءة، هكذا رافقتني «الطاعون» للكاتب الفرنسي ألبير كامو، تؤازرني طيلة فترة الحجر الذي صارعناه مُثقلاً من شهر مارس (آذار)، أقارب بها يوميات «كوفيد - 19»، كما تقدمت قراءاتي للمجموعات القصصية المترجمة تحديداً مثل «الضفة الثالثة للنهر»، وهي قصص مترجمة من أميركا اللاتينية وغيرها من الأعمال السردية المنوعة لستيفان زفايغ، وهرمان هيسه، ولويجي بيرانديللو، وذلك لتدريب مهاراتي السردية القصصية - تحديداً - لعلها تُسفر عن قصص قصيرة مقبلة في الطريق.
فكرياً، عُدت إلى الكتب النقدية والفكرية بشكل انتقائي جداً، كالذي يخطو بحذر على أطراف شاطئ يدرك جيداً مدى غزارته، فصاحبت سعيد ناشيد ببعض كتبه، وإيزايا برلين في «الحرية»، وميشيل فوكو في «تاريخ الجنسانية»، والدكتور عبد الجبار الرفاعي.

الشاعر السعودي إبراهيم زولي:
«رسائل إلى ميلينا»

ما من شك في أن المحصول القرائي في عام 2020 م كان وفيراً، ولا يمكن مضاهاته، إلا ما ندر، بسنوات خلت، والمؤكد أن جائحة «كوفيد - 19» كان لها الفضل في ذلك، إن كان ثمة من فضائل للأوبئة. وما يميز هذا العام، أقله من تجربتي الخاصة، أنه قدم اقتراحات قرائية مغايرة، وليست ورقية فقط، كالكتاب الصوتي الذي بات خياراً مطروحاً في زمن ضجيج الميديا، والأجهزة الذكية، وغياب معارض الكتب، وكذلك المؤلفات التي لا يمكن لك الحصول عليها، لسبب أو لآخر، إلا بصيغة «بي دي إف».
وكما كان الوباء يصيب ملايين سكان المعمورة، كانت حجراتنا في الوقت عينه تضج بجثث المؤلفين ومداد كلماتهم، وهم يستدرجوننا لغواية تصفح آثارهم صباح مساء.
من الكتب التي قرأتها كتاب «أعمدة الحكمة السبعة» الذي دوّن فيه الضابط البريطاني لورنس العرب تجربته السياسية عقب سقوط الدولة العثمانية، وظهور القومية العربية. وقرأت للتشيكي فرانز كافكا (1883 - 1924) كتابه «رسائل إلى ميلينا» هذا الكتاب مفارق في لغته وفانتازيته التي طبعت روائعه السردية كالمسخ والمحاكمة. في هذا الكتاب، كثير من التقشف اللغوي، والبلاغة التي تتمظهر في حدودها الدنيا، مثلما فعل رامبو في رسائله إلى أخته إيزابيل. وكان لكتاب «أبناء الأيام» لعبقري أوروغواي إدواردو غاليانو، وقت فيه من المتعة والدهشة الشيء الكثير، لا سيما أن العمل ترجمة صالح علماني، والكتاب له معمار فني يختلف عن روائعه الأخرى كأفواه الزمن، وذاكرة النار، والشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية، فهو موزع على اثني عشر فصلاً بعدد شهور السنة، وكل فصل بعدد أيام الشهر ويسرد في كل يوم حكاية.
من الكتب التي أحرص ما استطعت على قراءتها، كتب السير الذاتية، وكان أن وقع بين يدي كتاب «تربية سلامة موسى» لواحد من من أهم رواد التنوير والعقلانية في القرن العشرين، سلامة موسى (1887 - 1958م).
اللافت أن للشاعر والمترجم العراقي عبد القادر الجنابي كتاباً يحمل الاسم نفسه «تربية عبد القادر الجنابي»، وهو سيرة ذاتية أيضاً.
وكانت لكتب الرحلات وقفة مع «رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة»، وتعد من أهم الرحلات في العصور الوسطى، وكانت بتكليف من الخليفة العباسي المقتدر بالله سنة 921م، التي وصلت إلى نهر الفولقا، ويقال إن أقدم وصف لروسيا كان من خلال هذه الرحلة. العمل ملحمة سردية بامتياز، ومحاولة لجر المخيلة إلى أقصاها.
ومن بين الكتب التي استمتعت بها كتاب «ملوك العرب» للمفكر والرحالة متعدد المواهب أمين الريحاني. زار المؤلف في الفترة بين عامي 1922 و1924م، الحجاز ونجد واليمن والبحرين والكويت والعراق، وقدم وصفاً دقيقاً لحياة الناس وطرق عيشهم ولبسهم، والعمران ووسائل النقل، ما يجعل العمل وثيقة مهمة وشهادة على حقبة من تاريخ الجزيرة العربية.

الروائي والقاص السعودي ماجد سليمان: «أساطير من قلب جزيرة العرب»

هناك كتب لا يتوقف عطاؤها بالأعوام الفاصلة بيننا وبين ولادتها، أو بموت أصحابها، فهي تكشف لنا جديداً لم نره في قراءة أولى أو ثانية، سخاء مادتها، وجودة أفكار أصحابها، وتجويدهم في تنظيمها وتبويبها، والسهر والتعب الذي بُذل في كتابتها جليٌّ في سطورها التي تضيء على أمد لا ينقطع.
كل عام أضع جدولاً لقراءة الجديد، وإعادة قراءة ما قرأتُ سلفاً، فالقراءة الواحدة لا تكفي لكتاب جذب النفس إليه، وأضحك السن أو أبكى العين، فكَرَّة واحدة لا تفي وتبني حين ننقل ما أَنِسْنَاهُ لأصدقاء وزملاء، فهناك كتب تشبه رفاق العمر، يسيرون معك حتى النهاية، لا تملهم، ولا تستغني عنهم، كذلك بعض الكتب، تشعر أنها رفيقة عمر، وأنيسة طريق، يصقلها الزمن دائماً لتبقى جديدة.
«أساطير من قلب جزيرة العرب»، رائعة الأديب السعودي عبد الكريم الجهيمان، رحمه الله، قرأتها في زمن مضى، وأعدت قراءتها قبل أشهر، وها أنا أعيد قراءتها مع دخول فصل الشتاء، الذي يُغرينا لقراءة هذا الشكل من الكتب الموزعة على أجزاء. أساطير وقصص وحكايات، بأساليب تميز بها أدبنا الشعبي، أحرق الجهيمان رحمه الله عمراً ليضيء لنا هذا القبس الطويل العريض من السرديات التي انفجرت ينابيعها من عُمقِ الأرض النجدية السخية بكل فتنة، وبرع في رسم ملامح نجد المغرية على شخوص تلك المرويات التي أوجدتها ذاكرة مجتمع قلب الجزيرة العربية، وأخذت تنسج تباعاً حتى عرفت طريقها من الرواية الشفهية إلى التدوين، الذي أغنى به الجهيمان مكتبتنا الأدبية والشعبية.
في هذه الموسوعة، ترى كيف كان يفكر الأوائل، وكيف يحلمون، وكيف يخيطون الأماني لمقبل الزمن، وكيف يَتجاوزون عثراتهم وخيباتهم، ففي هذه الأساطير رأينا حال مجتمعات سبقتنا، جُلهم أهلنا وأجدادنا، ولمسنا أحلامهم في سرد بسيط إلا أنه مغرٍ وثري، وكأنها تُنَبِّهُ المعاصرين أن الحياة لا تحتمل كثيراً من الجدية والشدة.
هذه الموسوعة الشعبية، عمل غير مسبوق في أدبنا المحلي، وفكرة غير مطروقة، وما جاء بعدها، تقليد لها، أو فرع منها، وكما قال المثل الشعبي: الأوَّلات الرّوابح.

الشاعر السعودي علي النحوي:
«لماذا تركت الحصان وحيداً؟»

في خضم اهتمامي الإبداعي كرست قراءاتي هذا العام في الشعر والرواية فعدت لقراءة عدد من الدواوين الشعرية، ولعل أهمها دواوين محمود درويش مثل «لماذا تركت الحصان وحيداً؟»، و«كزهر اللوز أو أبعد»، وديوانا أدونيس «تنبأ أيها الأعمى»، و«أول الجسد آخر البحر»، وبعض الأعمال الشعرية المترجمة كأعمال رامبو.
أما في مجال الرواية فقد قرأت للروائية لينا هويا الحسن «بنات نعش»، و«نازك خانم»، وما شدني لهذه الروائية هو لغتها الشعرية واهتمامها بالصحراء السورية خاصة. ثم كانت لي قراءات فكرية وفلسفية مختلفة أتذكر منها كتاب «العقلانية والمعنوية» لمصطفى مالكيان، وكتاب «الماء والأحلام» لباشلار، وغيرهما من الكتب التي تشكل رصيداً معرفياً يضاف للرصيد الأدبي والفني.

الروائي الكويتي عبد الوهاب الحمادي: رب ضارة نافعة

في بدايات كورونا كانت القراءة مرتجلة متوترة بفعل الوتيرة الجديدة للمرض الذي أرعب العالم، صففت ما اقتنيت من أعمال لم أقرأها من قبل وشرعت بها، لكن مع تسارع الإغلاق وجدت نفسي متقيداً بخطة بدأت عفوية. عدت أقف وأناظر أرفف مكتبتي، ألزمت نفسي بقراءة الكلاسيكيات أو إعادة قراءة ما سبقت لي قراءته منها في زمن بعيد.
عدت لـ«الحوت الأبيض» موبي ديك الذي يطارده القبطان إيهاب مطاردة أسطورية لا تنسى.
«الحرب والسلم» في زمن نابليون كما فسّرها تولستوي والخراب الذي نال موسكو بسببها، آنا كارنينا ماتت مجدداً تحت عجلات القطار، دون كيخوته بترجمة رفعت عطفة يرافق سانشو يطارد أوهاماً صنعتها القراءة في عقله. وعلى السياق نفسه كانت قراءة لأعمال كاملة لكاتب مثل: غابرييل غارسيا ماركيز فقرأت «مائة عام من العزلة»، و«الحب في زمن الكوليرا»، و«قصة موت معلن» التي أراها تختزل أغلب جمال السرد عند ماركيز.
وبعده كان ماريو فارغاس يوسا؛ «قصة مايتا»، «ليتوما في جبال الإنديز»، وملحمته الكبرى «حرب نهاية العالم» التي ماثلت حروبها في الوصف الدقيق والساحر ليوسا ليضعها في مصاف حرب نابليون، رغم شهرة الأخيرة وتواضع حرب كانودوس في البرازيل نهاية القرن التاسع عشر.
تخلل تلك الأسماء روايات حامت مواضيعها حول الأوبئة؛ مثل «العمى» لساراماغو قراءة ثالثة أو رابعة، لكنها كانت جديدة تحت وطأة طاعون العصر المسمى «كورونا» أو «كوفيد - 19»، أتبعتها بطاعون ألبير كامو، وفي كلتا الروايتين كنت متعجباً من تماثل البشر في كل زمان ومكان.
هنالك بعض العناوين الأخرى من الروايات التي قرأت. لكن عندما رأيت الوقت يطول ويطول مع الإغلاق الذي أصاب العالم، قررت الرجوع لكتب «التراث»، للجاحظ، الناثر الأحب لقلبي وعدت لـ«الحيوان»، و«البيان والتبيين»، ورسائله التي حققها عبد السلام هارون.
ورجعت للكتابات التاريخية التي تخص تاريخ الجزيرة العربية قديمها وحديثها، وعدت للشعر خصوصاً مختارات أدونيس التي أسماها ديوان الشعر العربي. لذلك أقول - وآسف على الإطالة: رب ضارة نافعة. بددتُ زمن كورونا بأكبر قدر من المتعة وسط الكتب والقراءة. وأتطلع مع تنهيدة كبيرة، لعام جديد تنتهي فيه «كورونا» أو نتخفف منها قليلاً، ثم أنتقل من القراءة عن الحياة في الكتب إلى ممارستها كما كنت سابقاً. في انتظار تلك اللحظة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.