القراءة في زمن «كورونا» 1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ

القراءة في زمن «كورونا»  1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ
TT

القراءة في زمن «كورونا» 1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ

القراءة في زمن «كورونا»  1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ

وفرت جائحة «كورونا»، كما يبدو، الوقت «القسري» للتفرغ للقراءة، وسط قبضة عزلة إجبارية، وهلع من الوباء وتداعياته الكارثية، فجاءت القراءات، وإن غالباَ بشكل غير مباشر، حاملة بصمات الوباء شكلاً وروحاً ومعنى... «فلسفة الموت»، وروايات «الطاعون»، و«الحب في زمن الكوليرا»، روايات نفضت عن نفسها غبار التاريخ لتحيا من جديد وكأنها كتبت في هذه اللحظات الاستثنائية من تاريخها الإنساني.
ماذا قرأ الشعراء والروائيون والنقاد والمثقفون العرب في مثل هذا المناخ؟ هل وفر لهم فرصة للقراءة الحقيقية، أم كانت هذه القراءة وسيلة للهروب من العزلة والضجر والملل والاكتئاب، ومن حياة لاهثة ومضطربة ممهورة بوشم الخوف على شتى المستويات؟
في قبضة عزلة إجبارية، لم يختاروها، وهلع من جائحة كورونا (كوفيد - 19) وتداعياتها الكارثية، ماذا قرأ الأدباء والشعراء والمثقفون المصريون؟ هل وفر لهم هذا المناخ فرصة للإبداع؟ أم أصابتهم العزلة بالضجر والملل والاكتئاب، خصوصاً أنها أصبحت تحكم نظرتهم لأنفسهم، ووجودهم في حياة لاهثة ومضطربة على شتى المستويات؟

وفرت جائحة «كورونا» كما يبدو الوقت القسري للتفرغ للكتابة، ولكنه أيضاً طبع المزاج بلونه المتشائم، فجاءت القراءات تحمل بصمات الوباء شكلاً وروحاً ومعنى... «فلسفة الموت»، وروايات «الطاعون»، و«الحب في زمن الكوليرا»، نفضت الغبار عن نفسها وعادت بين الأيدي من جديد.
هو عام ممهور بوشم الخوف... حتى القراءة غاصت في لجج المأساة.

القاص والروائي السعودي جبير المليحان:
«حرب نهاية العالم»

نادراً ما تختار سجنك بنفسك؛ وهذا ما فرضته عليّ كورونا!
بتعمد بقيت في البيت بعيداً عن مخالطة الآخرين «خوفاً» من وحش هذا الوباء. وقد وجدت فائضاً كبيراً من الوقت لم أتعوده في حياتي التي لا تخلو من الضجيج. ولذلك فالخيار الأفضل هو القراءة والكتابة؛ شيئان أحبهما، وأزعم إتقان ممارستهما. وجدت لدي كماً هائلاً، وكنوزاً من الكتب التي اقتنيتها طوال الأيام ولم أتمكن من قراءتها (لضيق الوقت!)، وأولها سلسلة روايات الرائع الإسباني كارلوس رويث زافون «مقبرة الكتب المنسية» والمؤلفة من أربع روايات تُشكّل تيمة أدبية أساسية، ترتبط ببعضها عبر الشخصيات والمواضيع المتعددة، غير أن كل رواية منها مستقلة عن الأخرى ومنفردة بذاتها.
ثم انتقلت إلى جاره العظيم المبدع جوزيه ساراماجو، ورواياته المدهشة «العمى» و«انقطاعات الموت» و«قايين» و«الطوف الحجري» و«الذكريات الصغيرة» و«مسيرة الفيل»، وبقية رواياته الغريبة والمدهشة حتى مع كآبة بعضها. وكنت قد قرأت بعضاً من روايات الكاتب الكبير البيروفي ماريو باراغاس يوسا كرواية «حفلة التيس»، ورواية «البيت الأخضر» ورواية «العمّة جوليا»، لكني توقفت طويلاً أمام ملحمته الرائعة «حرب نهاية العالم» وترجمتها الجيدة لأمجد حسين. هذه الرواية بحجمها الكبير وعدد صفحاتها التي تناهز 715 صفحة، وبخط صغير؛ فريدة من نوعها، وهي من الكتب التي تستمتع بقراءتها وتبقى في ذاكرتك وقتاً طويلاً كرواية «مائة عام من العزلة» لماركيز مثلاً.
تحكي رواية «حرب نهاية العالم» قصة حرب برازيلية. غير أنها يمكن أن تحكي عن أي حرب أخرى، حتى الحروب الحالية التي تتناحر فيها قوة العقل مع خرافة المعتقد. تتحدث الرواية - زمنياً - عن السنوات الأخيرة في القرن التاسع عشر، حيث أطاح انقلاب جمهوري بملكية براغانسا.
وجاء «المرشد» أو المسيح المعاصر مبعوث العناية الإلهية لخلاص البشر قبل حلول نهاية العالم عام 1900.
هذا المرشد لا يميزه غير وشاحه أرجواني اللون، وكاريزماه الطاغية في أوساط المعدمين والفقراء والمجرمين والفارين من السجون والعبيد والمضطهدين والمفلسين. لقد جاء لينقذهم من المؤامرة الماسونية البروتستانتينية الكافرة المعادية لله التي ستقر النظام المتري وفصل الدين عن الدولة. تستمر الرواية بتعدد شخصياتها، ووصفها الدقيق بأسلوب سلس كأنك تعيش تفاصيل الحدث.
الروائية والكاتبة السعودية
أميمة الخميس: «واستقرت بها النوى»

لأنه في 2020 حدث الذي لم يحدث، فنحن أيضاً قرأنا الكتب المقصاة المهملة التي كنا نعد أنفسنا يوم ما بأننا سنطالعها، ولا ندري متى وكيف؟ ويبدو أن تسعة أشهر من لزوم المنزل، جعلتنا نذهب إلى لزوم ما لا يلزم فوق الأرفف، نلطف بها نظرات التأنيب والتقريع من الكتب المؤجلة في أرجاء المكتبة.
منها الكتاب الضخم «تاريخ القرآن» للمستشرق نولدكه ولم يضف لي جديداً على مستوى الأطروحات الاستشراقية، وأيضاً المجلد الضخم لكتاب «المركزيات الثقافية» لإبراهيم عبد الله، وهو كتاب ثري في نقد الأفكار العقدية والعرقية والثقافية، التي تتبلور عبرها المركزيات الحضارية، وكتاب صادق جلال العظم «ما بعد ذهنية التحريم»، فوجدته امتداداً لكتابه السابق «ذهنية التحريم».
ويندرج في نطاق الموسوعات كتاب «موسوعة العاقل» الذي قدم فيه الكاتب يوفال هراري تاريخاً مختصراً للنوع البشري، هذا الكتاب الذي ترجم لعشرات اللغات، ووزعت منه ملايين النسخ، يصنف من باب الكتب العلمية الشعبوية Popular science، لكن القارئ لا يفتقد المتعة والدهشة في أي صفحة من صفحاته.
وباقي مطالعاتي تتصل بنادي كتاب أشاركه مع مجموعة من الصديقات، ومن خلاله نقرأ معاً 24 كتاباً سنوياً بمعدل كتابين بالشهر ونناقشها معاً. سأشير إلى أبرز الكتب في قائمة هذا الموسم الذي أعتقد تتصدره «رباعية نابولي» للروائية الإيطالية إيلينا فيرنتي، وهي باعتقادي من أروع الروايات الحديثة التي تقدم منظوراً نسوياً ذكياً وشفافاً ومختلفاً في تفسير هذا العالم.
أيضاً تأتي رواية (قد تكون أقرب للسيرة الذاتية) «أن تقرأ لوليتا في رمضان» للكاتبة آذر نفيسي بمحتوى ثري لتجربة أكاديمية ابنة لعائلة مستنيرة في إيران، تعرضت لبطش نظام لاهوتي ثيوقراطي.
أما كتاب كارل بوب «المجتمع المفتوح وأعداؤه»، رغم أنه صدر عام 1945 ما زال مدهشاً بالنسبة لي، فكاتبه كارل بوبر يصنف كآخر فلاسفة التنوير، ويرفض في كتابه النزعات الشمولية التاريخانية التي تكبل إرادة الفرد، فهو الموازي الفلسفي للروائي جورج أورويل.
وأنهيت هذا العام بسيرة د. حمزة المزيني «واستقرت بها النوى»، المدهش والممتع معاً، فمن خلال الخاص ننتقل إلى العام، وننظر برؤية بانورامية، كيف تبلورت الهوية الجمعية الوطنية، عبر كثير من النضالات والتضحيات والولاء والحب الذي رتق الشتات وأسهم في تأسيس معالم الدولة المدنية الحديثة.

الكاتبة السعودية رجاء البوعلي:
بين «الطاعون» و«فلسفة الموت»!

بدأ عام 2020 بارداً عليّ بعد رحيل والدي على حِين غرَّة في نهاية 2019، الحدث الذي أعادني بقوة إلى زاوية القراءة من ثلاثة مسارات: أدبية وفكرية وشيء من الفلسفة. فقد قطعت وعداً داخلياً أن يكون عملي الآتي مجموعة قصصية، أوثق فيها لحظات حاسمة عبر السرد؛ ليبقى شاهداً على حياة الإنسان ودهشته الصارخة في لحظات وجودية عظيمة كالموت. فبدأت قراءاتي حول فلسفة الموت والعالم الآخر، جاء ذلك عبر قراءة لبعض آراء الفلاسفة والعلماء مثل: أفلاطون، وديكارت، وهاسكر، وإيريك لنبرغ، ودوركين، وكيكغور، وفتغنشتاين ومعتقدات بعض الديانات كالهندوسية والبوذية والإسلام، كذلك الروايات التي عالجت تلك القضية بموضوعية غير مسبوقة كـ«انقطاعات الموت» للروائي البرتغالي جوزيه سارماغوا.
أدبياً، احتلت الروايات والدواوين الشعرية النصيب الأكبر من قراءاتي لهذا العام، فمن عاداتي مجاراة الحدث المعاصر بقراءة ما يقابله في الكتب حتى لو تطلب الأمر تكرار القراءة، هكذا رافقتني «الطاعون» للكاتب الفرنسي ألبير كامو، تؤازرني طيلة فترة الحجر الذي صارعناه مُثقلاً من شهر مارس (آذار)، أقارب بها يوميات «كوفيد - 19»، كما تقدمت قراءاتي للمجموعات القصصية المترجمة تحديداً مثل «الضفة الثالثة للنهر»، وهي قصص مترجمة من أميركا اللاتينية وغيرها من الأعمال السردية المنوعة لستيفان زفايغ، وهرمان هيسه، ولويجي بيرانديللو، وذلك لتدريب مهاراتي السردية القصصية - تحديداً - لعلها تُسفر عن قصص قصيرة مقبلة في الطريق.
فكرياً، عُدت إلى الكتب النقدية والفكرية بشكل انتقائي جداً، كالذي يخطو بحذر على أطراف شاطئ يدرك جيداً مدى غزارته، فصاحبت سعيد ناشيد ببعض كتبه، وإيزايا برلين في «الحرية»، وميشيل فوكو في «تاريخ الجنسانية»، والدكتور عبد الجبار الرفاعي.

الشاعر السعودي إبراهيم زولي:
«رسائل إلى ميلينا»

ما من شك في أن المحصول القرائي في عام 2020 م كان وفيراً، ولا يمكن مضاهاته، إلا ما ندر، بسنوات خلت، والمؤكد أن جائحة «كوفيد - 19» كان لها الفضل في ذلك، إن كان ثمة من فضائل للأوبئة. وما يميز هذا العام، أقله من تجربتي الخاصة، أنه قدم اقتراحات قرائية مغايرة، وليست ورقية فقط، كالكتاب الصوتي الذي بات خياراً مطروحاً في زمن ضجيج الميديا، والأجهزة الذكية، وغياب معارض الكتب، وكذلك المؤلفات التي لا يمكن لك الحصول عليها، لسبب أو لآخر، إلا بصيغة «بي دي إف».
وكما كان الوباء يصيب ملايين سكان المعمورة، كانت حجراتنا في الوقت عينه تضج بجثث المؤلفين ومداد كلماتهم، وهم يستدرجوننا لغواية تصفح آثارهم صباح مساء.
من الكتب التي قرأتها كتاب «أعمدة الحكمة السبعة» الذي دوّن فيه الضابط البريطاني لورنس العرب تجربته السياسية عقب سقوط الدولة العثمانية، وظهور القومية العربية. وقرأت للتشيكي فرانز كافكا (1883 - 1924) كتابه «رسائل إلى ميلينا» هذا الكتاب مفارق في لغته وفانتازيته التي طبعت روائعه السردية كالمسخ والمحاكمة. في هذا الكتاب، كثير من التقشف اللغوي، والبلاغة التي تتمظهر في حدودها الدنيا، مثلما فعل رامبو في رسائله إلى أخته إيزابيل. وكان لكتاب «أبناء الأيام» لعبقري أوروغواي إدواردو غاليانو، وقت فيه من المتعة والدهشة الشيء الكثير، لا سيما أن العمل ترجمة صالح علماني، والكتاب له معمار فني يختلف عن روائعه الأخرى كأفواه الزمن، وذاكرة النار، والشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية، فهو موزع على اثني عشر فصلاً بعدد شهور السنة، وكل فصل بعدد أيام الشهر ويسرد في كل يوم حكاية.
من الكتب التي أحرص ما استطعت على قراءتها، كتب السير الذاتية، وكان أن وقع بين يدي كتاب «تربية سلامة موسى» لواحد من من أهم رواد التنوير والعقلانية في القرن العشرين، سلامة موسى (1887 - 1958م).
اللافت أن للشاعر والمترجم العراقي عبد القادر الجنابي كتاباً يحمل الاسم نفسه «تربية عبد القادر الجنابي»، وهو سيرة ذاتية أيضاً.
وكانت لكتب الرحلات وقفة مع «رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة»، وتعد من أهم الرحلات في العصور الوسطى، وكانت بتكليف من الخليفة العباسي المقتدر بالله سنة 921م، التي وصلت إلى نهر الفولقا، ويقال إن أقدم وصف لروسيا كان من خلال هذه الرحلة. العمل ملحمة سردية بامتياز، ومحاولة لجر المخيلة إلى أقصاها.
ومن بين الكتب التي استمتعت بها كتاب «ملوك العرب» للمفكر والرحالة متعدد المواهب أمين الريحاني. زار المؤلف في الفترة بين عامي 1922 و1924م، الحجاز ونجد واليمن والبحرين والكويت والعراق، وقدم وصفاً دقيقاً لحياة الناس وطرق عيشهم ولبسهم، والعمران ووسائل النقل، ما يجعل العمل وثيقة مهمة وشهادة على حقبة من تاريخ الجزيرة العربية.

الروائي والقاص السعودي ماجد سليمان: «أساطير من قلب جزيرة العرب»

هناك كتب لا يتوقف عطاؤها بالأعوام الفاصلة بيننا وبين ولادتها، أو بموت أصحابها، فهي تكشف لنا جديداً لم نره في قراءة أولى أو ثانية، سخاء مادتها، وجودة أفكار أصحابها، وتجويدهم في تنظيمها وتبويبها، والسهر والتعب الذي بُذل في كتابتها جليٌّ في سطورها التي تضيء على أمد لا ينقطع.
كل عام أضع جدولاً لقراءة الجديد، وإعادة قراءة ما قرأتُ سلفاً، فالقراءة الواحدة لا تكفي لكتاب جذب النفس إليه، وأضحك السن أو أبكى العين، فكَرَّة واحدة لا تفي وتبني حين ننقل ما أَنِسْنَاهُ لأصدقاء وزملاء، فهناك كتب تشبه رفاق العمر، يسيرون معك حتى النهاية، لا تملهم، ولا تستغني عنهم، كذلك بعض الكتب، تشعر أنها رفيقة عمر، وأنيسة طريق، يصقلها الزمن دائماً لتبقى جديدة.
«أساطير من قلب جزيرة العرب»، رائعة الأديب السعودي عبد الكريم الجهيمان، رحمه الله، قرأتها في زمن مضى، وأعدت قراءتها قبل أشهر، وها أنا أعيد قراءتها مع دخول فصل الشتاء، الذي يُغرينا لقراءة هذا الشكل من الكتب الموزعة على أجزاء. أساطير وقصص وحكايات، بأساليب تميز بها أدبنا الشعبي، أحرق الجهيمان رحمه الله عمراً ليضيء لنا هذا القبس الطويل العريض من السرديات التي انفجرت ينابيعها من عُمقِ الأرض النجدية السخية بكل فتنة، وبرع في رسم ملامح نجد المغرية على شخوص تلك المرويات التي أوجدتها ذاكرة مجتمع قلب الجزيرة العربية، وأخذت تنسج تباعاً حتى عرفت طريقها من الرواية الشفهية إلى التدوين، الذي أغنى به الجهيمان مكتبتنا الأدبية والشعبية.
في هذه الموسوعة، ترى كيف كان يفكر الأوائل، وكيف يحلمون، وكيف يخيطون الأماني لمقبل الزمن، وكيف يَتجاوزون عثراتهم وخيباتهم، ففي هذه الأساطير رأينا حال مجتمعات سبقتنا، جُلهم أهلنا وأجدادنا، ولمسنا أحلامهم في سرد بسيط إلا أنه مغرٍ وثري، وكأنها تُنَبِّهُ المعاصرين أن الحياة لا تحتمل كثيراً من الجدية والشدة.
هذه الموسوعة الشعبية، عمل غير مسبوق في أدبنا المحلي، وفكرة غير مطروقة، وما جاء بعدها، تقليد لها، أو فرع منها، وكما قال المثل الشعبي: الأوَّلات الرّوابح.

الشاعر السعودي علي النحوي:
«لماذا تركت الحصان وحيداً؟»

في خضم اهتمامي الإبداعي كرست قراءاتي هذا العام في الشعر والرواية فعدت لقراءة عدد من الدواوين الشعرية، ولعل أهمها دواوين محمود درويش مثل «لماذا تركت الحصان وحيداً؟»، و«كزهر اللوز أو أبعد»، وديوانا أدونيس «تنبأ أيها الأعمى»، و«أول الجسد آخر البحر»، وبعض الأعمال الشعرية المترجمة كأعمال رامبو.
أما في مجال الرواية فقد قرأت للروائية لينا هويا الحسن «بنات نعش»، و«نازك خانم»، وما شدني لهذه الروائية هو لغتها الشعرية واهتمامها بالصحراء السورية خاصة. ثم كانت لي قراءات فكرية وفلسفية مختلفة أتذكر منها كتاب «العقلانية والمعنوية» لمصطفى مالكيان، وكتاب «الماء والأحلام» لباشلار، وغيرهما من الكتب التي تشكل رصيداً معرفياً يضاف للرصيد الأدبي والفني.

الروائي الكويتي عبد الوهاب الحمادي: رب ضارة نافعة

في بدايات كورونا كانت القراءة مرتجلة متوترة بفعل الوتيرة الجديدة للمرض الذي أرعب العالم، صففت ما اقتنيت من أعمال لم أقرأها من قبل وشرعت بها، لكن مع تسارع الإغلاق وجدت نفسي متقيداً بخطة بدأت عفوية. عدت أقف وأناظر أرفف مكتبتي، ألزمت نفسي بقراءة الكلاسيكيات أو إعادة قراءة ما سبقت لي قراءته منها في زمن بعيد.
عدت لـ«الحوت الأبيض» موبي ديك الذي يطارده القبطان إيهاب مطاردة أسطورية لا تنسى.
«الحرب والسلم» في زمن نابليون كما فسّرها تولستوي والخراب الذي نال موسكو بسببها، آنا كارنينا ماتت مجدداً تحت عجلات القطار، دون كيخوته بترجمة رفعت عطفة يرافق سانشو يطارد أوهاماً صنعتها القراءة في عقله. وعلى السياق نفسه كانت قراءة لأعمال كاملة لكاتب مثل: غابرييل غارسيا ماركيز فقرأت «مائة عام من العزلة»، و«الحب في زمن الكوليرا»، و«قصة موت معلن» التي أراها تختزل أغلب جمال السرد عند ماركيز.
وبعده كان ماريو فارغاس يوسا؛ «قصة مايتا»، «ليتوما في جبال الإنديز»، وملحمته الكبرى «حرب نهاية العالم» التي ماثلت حروبها في الوصف الدقيق والساحر ليوسا ليضعها في مصاف حرب نابليون، رغم شهرة الأخيرة وتواضع حرب كانودوس في البرازيل نهاية القرن التاسع عشر.
تخلل تلك الأسماء روايات حامت مواضيعها حول الأوبئة؛ مثل «العمى» لساراماغو قراءة ثالثة أو رابعة، لكنها كانت جديدة تحت وطأة طاعون العصر المسمى «كورونا» أو «كوفيد - 19»، أتبعتها بطاعون ألبير كامو، وفي كلتا الروايتين كنت متعجباً من تماثل البشر في كل زمان ومكان.
هنالك بعض العناوين الأخرى من الروايات التي قرأت. لكن عندما رأيت الوقت يطول ويطول مع الإغلاق الذي أصاب العالم، قررت الرجوع لكتب «التراث»، للجاحظ، الناثر الأحب لقلبي وعدت لـ«الحيوان»، و«البيان والتبيين»، ورسائله التي حققها عبد السلام هارون.
ورجعت للكتابات التاريخية التي تخص تاريخ الجزيرة العربية قديمها وحديثها، وعدت للشعر خصوصاً مختارات أدونيس التي أسماها ديوان الشعر العربي. لذلك أقول - وآسف على الإطالة: رب ضارة نافعة. بددتُ زمن كورونا بأكبر قدر من المتعة وسط الكتب والقراءة. وأتطلع مع تنهيدة كبيرة، لعام جديد تنتهي فيه «كورونا» أو نتخفف منها قليلاً، ثم أنتقل من القراءة عن الحياة في الكتب إلى ممارستها كما كنت سابقاً. في انتظار تلك اللحظة.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.