القراءة في زمن «كورونا» 1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ

القراءة في زمن «كورونا»  1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ
TT

القراءة في زمن «كورونا» 1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ

القراءة في زمن «كورونا»  1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ

وفرت جائحة «كورونا»، كما يبدو، الوقت «القسري» للتفرغ للقراءة، وسط قبضة عزلة إجبارية، وهلع من الوباء وتداعياته الكارثية، فجاءت القراءات، وإن غالباَ بشكل غير مباشر، حاملة بصمات الوباء شكلاً وروحاً ومعنى... «فلسفة الموت»، وروايات «الطاعون»، و«الحب في زمن الكوليرا»، روايات نفضت عن نفسها غبار التاريخ لتحيا من جديد وكأنها كتبت في هذه اللحظات الاستثنائية من تاريخها الإنساني.
ماذا قرأ الشعراء والروائيون والنقاد والمثقفون العرب في مثل هذا المناخ؟ هل وفر لهم فرصة للقراءة الحقيقية، أم كانت هذه القراءة وسيلة للهروب من العزلة والضجر والملل والاكتئاب، ومن حياة لاهثة ومضطربة ممهورة بوشم الخوف على شتى المستويات؟
في قبضة عزلة إجبارية، لم يختاروها، وهلع من جائحة كورونا (كوفيد - 19) وتداعياتها الكارثية، ماذا قرأ الأدباء والشعراء والمثقفون المصريون؟ هل وفر لهم هذا المناخ فرصة للإبداع؟ أم أصابتهم العزلة بالضجر والملل والاكتئاب، خصوصاً أنها أصبحت تحكم نظرتهم لأنفسهم، ووجودهم في حياة لاهثة ومضطربة على شتى المستويات؟

وفرت جائحة «كورونا» كما يبدو الوقت القسري للتفرغ للكتابة، ولكنه أيضاً طبع المزاج بلونه المتشائم، فجاءت القراءات تحمل بصمات الوباء شكلاً وروحاً ومعنى... «فلسفة الموت»، وروايات «الطاعون»، و«الحب في زمن الكوليرا»، نفضت الغبار عن نفسها وعادت بين الأيدي من جديد.
هو عام ممهور بوشم الخوف... حتى القراءة غاصت في لجج المأساة.

القاص والروائي السعودي جبير المليحان:
«حرب نهاية العالم»

نادراً ما تختار سجنك بنفسك؛ وهذا ما فرضته عليّ كورونا!
بتعمد بقيت في البيت بعيداً عن مخالطة الآخرين «خوفاً» من وحش هذا الوباء. وقد وجدت فائضاً كبيراً من الوقت لم أتعوده في حياتي التي لا تخلو من الضجيج. ولذلك فالخيار الأفضل هو القراءة والكتابة؛ شيئان أحبهما، وأزعم إتقان ممارستهما. وجدت لدي كماً هائلاً، وكنوزاً من الكتب التي اقتنيتها طوال الأيام ولم أتمكن من قراءتها (لضيق الوقت!)، وأولها سلسلة روايات الرائع الإسباني كارلوس رويث زافون «مقبرة الكتب المنسية» والمؤلفة من أربع روايات تُشكّل تيمة أدبية أساسية، ترتبط ببعضها عبر الشخصيات والمواضيع المتعددة، غير أن كل رواية منها مستقلة عن الأخرى ومنفردة بذاتها.
ثم انتقلت إلى جاره العظيم المبدع جوزيه ساراماجو، ورواياته المدهشة «العمى» و«انقطاعات الموت» و«قايين» و«الطوف الحجري» و«الذكريات الصغيرة» و«مسيرة الفيل»، وبقية رواياته الغريبة والمدهشة حتى مع كآبة بعضها. وكنت قد قرأت بعضاً من روايات الكاتب الكبير البيروفي ماريو باراغاس يوسا كرواية «حفلة التيس»، ورواية «البيت الأخضر» ورواية «العمّة جوليا»، لكني توقفت طويلاً أمام ملحمته الرائعة «حرب نهاية العالم» وترجمتها الجيدة لأمجد حسين. هذه الرواية بحجمها الكبير وعدد صفحاتها التي تناهز 715 صفحة، وبخط صغير؛ فريدة من نوعها، وهي من الكتب التي تستمتع بقراءتها وتبقى في ذاكرتك وقتاً طويلاً كرواية «مائة عام من العزلة» لماركيز مثلاً.
تحكي رواية «حرب نهاية العالم» قصة حرب برازيلية. غير أنها يمكن أن تحكي عن أي حرب أخرى، حتى الحروب الحالية التي تتناحر فيها قوة العقل مع خرافة المعتقد. تتحدث الرواية - زمنياً - عن السنوات الأخيرة في القرن التاسع عشر، حيث أطاح انقلاب جمهوري بملكية براغانسا.
وجاء «المرشد» أو المسيح المعاصر مبعوث العناية الإلهية لخلاص البشر قبل حلول نهاية العالم عام 1900.
هذا المرشد لا يميزه غير وشاحه أرجواني اللون، وكاريزماه الطاغية في أوساط المعدمين والفقراء والمجرمين والفارين من السجون والعبيد والمضطهدين والمفلسين. لقد جاء لينقذهم من المؤامرة الماسونية البروتستانتينية الكافرة المعادية لله التي ستقر النظام المتري وفصل الدين عن الدولة. تستمر الرواية بتعدد شخصياتها، ووصفها الدقيق بأسلوب سلس كأنك تعيش تفاصيل الحدث.
الروائية والكاتبة السعودية
أميمة الخميس: «واستقرت بها النوى»

لأنه في 2020 حدث الذي لم يحدث، فنحن أيضاً قرأنا الكتب المقصاة المهملة التي كنا نعد أنفسنا يوم ما بأننا سنطالعها، ولا ندري متى وكيف؟ ويبدو أن تسعة أشهر من لزوم المنزل، جعلتنا نذهب إلى لزوم ما لا يلزم فوق الأرفف، نلطف بها نظرات التأنيب والتقريع من الكتب المؤجلة في أرجاء المكتبة.
منها الكتاب الضخم «تاريخ القرآن» للمستشرق نولدكه ولم يضف لي جديداً على مستوى الأطروحات الاستشراقية، وأيضاً المجلد الضخم لكتاب «المركزيات الثقافية» لإبراهيم عبد الله، وهو كتاب ثري في نقد الأفكار العقدية والعرقية والثقافية، التي تتبلور عبرها المركزيات الحضارية، وكتاب صادق جلال العظم «ما بعد ذهنية التحريم»، فوجدته امتداداً لكتابه السابق «ذهنية التحريم».
ويندرج في نطاق الموسوعات كتاب «موسوعة العاقل» الذي قدم فيه الكاتب يوفال هراري تاريخاً مختصراً للنوع البشري، هذا الكتاب الذي ترجم لعشرات اللغات، ووزعت منه ملايين النسخ، يصنف من باب الكتب العلمية الشعبوية Popular science، لكن القارئ لا يفتقد المتعة والدهشة في أي صفحة من صفحاته.
وباقي مطالعاتي تتصل بنادي كتاب أشاركه مع مجموعة من الصديقات، ومن خلاله نقرأ معاً 24 كتاباً سنوياً بمعدل كتابين بالشهر ونناقشها معاً. سأشير إلى أبرز الكتب في قائمة هذا الموسم الذي أعتقد تتصدره «رباعية نابولي» للروائية الإيطالية إيلينا فيرنتي، وهي باعتقادي من أروع الروايات الحديثة التي تقدم منظوراً نسوياً ذكياً وشفافاً ومختلفاً في تفسير هذا العالم.
أيضاً تأتي رواية (قد تكون أقرب للسيرة الذاتية) «أن تقرأ لوليتا في رمضان» للكاتبة آذر نفيسي بمحتوى ثري لتجربة أكاديمية ابنة لعائلة مستنيرة في إيران، تعرضت لبطش نظام لاهوتي ثيوقراطي.
أما كتاب كارل بوب «المجتمع المفتوح وأعداؤه»، رغم أنه صدر عام 1945 ما زال مدهشاً بالنسبة لي، فكاتبه كارل بوبر يصنف كآخر فلاسفة التنوير، ويرفض في كتابه النزعات الشمولية التاريخانية التي تكبل إرادة الفرد، فهو الموازي الفلسفي للروائي جورج أورويل.
وأنهيت هذا العام بسيرة د. حمزة المزيني «واستقرت بها النوى»، المدهش والممتع معاً، فمن خلال الخاص ننتقل إلى العام، وننظر برؤية بانورامية، كيف تبلورت الهوية الجمعية الوطنية، عبر كثير من النضالات والتضحيات والولاء والحب الذي رتق الشتات وأسهم في تأسيس معالم الدولة المدنية الحديثة.

الكاتبة السعودية رجاء البوعلي:
بين «الطاعون» و«فلسفة الموت»!

بدأ عام 2020 بارداً عليّ بعد رحيل والدي على حِين غرَّة في نهاية 2019، الحدث الذي أعادني بقوة إلى زاوية القراءة من ثلاثة مسارات: أدبية وفكرية وشيء من الفلسفة. فقد قطعت وعداً داخلياً أن يكون عملي الآتي مجموعة قصصية، أوثق فيها لحظات حاسمة عبر السرد؛ ليبقى شاهداً على حياة الإنسان ودهشته الصارخة في لحظات وجودية عظيمة كالموت. فبدأت قراءاتي حول فلسفة الموت والعالم الآخر، جاء ذلك عبر قراءة لبعض آراء الفلاسفة والعلماء مثل: أفلاطون، وديكارت، وهاسكر، وإيريك لنبرغ، ودوركين، وكيكغور، وفتغنشتاين ومعتقدات بعض الديانات كالهندوسية والبوذية والإسلام، كذلك الروايات التي عالجت تلك القضية بموضوعية غير مسبوقة كـ«انقطاعات الموت» للروائي البرتغالي جوزيه سارماغوا.
أدبياً، احتلت الروايات والدواوين الشعرية النصيب الأكبر من قراءاتي لهذا العام، فمن عاداتي مجاراة الحدث المعاصر بقراءة ما يقابله في الكتب حتى لو تطلب الأمر تكرار القراءة، هكذا رافقتني «الطاعون» للكاتب الفرنسي ألبير كامو، تؤازرني طيلة فترة الحجر الذي صارعناه مُثقلاً من شهر مارس (آذار)، أقارب بها يوميات «كوفيد - 19»، كما تقدمت قراءاتي للمجموعات القصصية المترجمة تحديداً مثل «الضفة الثالثة للنهر»، وهي قصص مترجمة من أميركا اللاتينية وغيرها من الأعمال السردية المنوعة لستيفان زفايغ، وهرمان هيسه، ولويجي بيرانديللو، وذلك لتدريب مهاراتي السردية القصصية - تحديداً - لعلها تُسفر عن قصص قصيرة مقبلة في الطريق.
فكرياً، عُدت إلى الكتب النقدية والفكرية بشكل انتقائي جداً، كالذي يخطو بحذر على أطراف شاطئ يدرك جيداً مدى غزارته، فصاحبت سعيد ناشيد ببعض كتبه، وإيزايا برلين في «الحرية»، وميشيل فوكو في «تاريخ الجنسانية»، والدكتور عبد الجبار الرفاعي.

الشاعر السعودي إبراهيم زولي:
«رسائل إلى ميلينا»

ما من شك في أن المحصول القرائي في عام 2020 م كان وفيراً، ولا يمكن مضاهاته، إلا ما ندر، بسنوات خلت، والمؤكد أن جائحة «كوفيد - 19» كان لها الفضل في ذلك، إن كان ثمة من فضائل للأوبئة. وما يميز هذا العام، أقله من تجربتي الخاصة، أنه قدم اقتراحات قرائية مغايرة، وليست ورقية فقط، كالكتاب الصوتي الذي بات خياراً مطروحاً في زمن ضجيج الميديا، والأجهزة الذكية، وغياب معارض الكتب، وكذلك المؤلفات التي لا يمكن لك الحصول عليها، لسبب أو لآخر، إلا بصيغة «بي دي إف».
وكما كان الوباء يصيب ملايين سكان المعمورة، كانت حجراتنا في الوقت عينه تضج بجثث المؤلفين ومداد كلماتهم، وهم يستدرجوننا لغواية تصفح آثارهم صباح مساء.
من الكتب التي قرأتها كتاب «أعمدة الحكمة السبعة» الذي دوّن فيه الضابط البريطاني لورنس العرب تجربته السياسية عقب سقوط الدولة العثمانية، وظهور القومية العربية. وقرأت للتشيكي فرانز كافكا (1883 - 1924) كتابه «رسائل إلى ميلينا» هذا الكتاب مفارق في لغته وفانتازيته التي طبعت روائعه السردية كالمسخ والمحاكمة. في هذا الكتاب، كثير من التقشف اللغوي، والبلاغة التي تتمظهر في حدودها الدنيا، مثلما فعل رامبو في رسائله إلى أخته إيزابيل. وكان لكتاب «أبناء الأيام» لعبقري أوروغواي إدواردو غاليانو، وقت فيه من المتعة والدهشة الشيء الكثير، لا سيما أن العمل ترجمة صالح علماني، والكتاب له معمار فني يختلف عن روائعه الأخرى كأفواه الزمن، وذاكرة النار، والشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية، فهو موزع على اثني عشر فصلاً بعدد شهور السنة، وكل فصل بعدد أيام الشهر ويسرد في كل يوم حكاية.
من الكتب التي أحرص ما استطعت على قراءتها، كتب السير الذاتية، وكان أن وقع بين يدي كتاب «تربية سلامة موسى» لواحد من من أهم رواد التنوير والعقلانية في القرن العشرين، سلامة موسى (1887 - 1958م).
اللافت أن للشاعر والمترجم العراقي عبد القادر الجنابي كتاباً يحمل الاسم نفسه «تربية عبد القادر الجنابي»، وهو سيرة ذاتية أيضاً.
وكانت لكتب الرحلات وقفة مع «رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة»، وتعد من أهم الرحلات في العصور الوسطى، وكانت بتكليف من الخليفة العباسي المقتدر بالله سنة 921م، التي وصلت إلى نهر الفولقا، ويقال إن أقدم وصف لروسيا كان من خلال هذه الرحلة. العمل ملحمة سردية بامتياز، ومحاولة لجر المخيلة إلى أقصاها.
ومن بين الكتب التي استمتعت بها كتاب «ملوك العرب» للمفكر والرحالة متعدد المواهب أمين الريحاني. زار المؤلف في الفترة بين عامي 1922 و1924م، الحجاز ونجد واليمن والبحرين والكويت والعراق، وقدم وصفاً دقيقاً لحياة الناس وطرق عيشهم ولبسهم، والعمران ووسائل النقل، ما يجعل العمل وثيقة مهمة وشهادة على حقبة من تاريخ الجزيرة العربية.

الروائي والقاص السعودي ماجد سليمان: «أساطير من قلب جزيرة العرب»

هناك كتب لا يتوقف عطاؤها بالأعوام الفاصلة بيننا وبين ولادتها، أو بموت أصحابها، فهي تكشف لنا جديداً لم نره في قراءة أولى أو ثانية، سخاء مادتها، وجودة أفكار أصحابها، وتجويدهم في تنظيمها وتبويبها، والسهر والتعب الذي بُذل في كتابتها جليٌّ في سطورها التي تضيء على أمد لا ينقطع.
كل عام أضع جدولاً لقراءة الجديد، وإعادة قراءة ما قرأتُ سلفاً، فالقراءة الواحدة لا تكفي لكتاب جذب النفس إليه، وأضحك السن أو أبكى العين، فكَرَّة واحدة لا تفي وتبني حين ننقل ما أَنِسْنَاهُ لأصدقاء وزملاء، فهناك كتب تشبه رفاق العمر، يسيرون معك حتى النهاية، لا تملهم، ولا تستغني عنهم، كذلك بعض الكتب، تشعر أنها رفيقة عمر، وأنيسة طريق، يصقلها الزمن دائماً لتبقى جديدة.
«أساطير من قلب جزيرة العرب»، رائعة الأديب السعودي عبد الكريم الجهيمان، رحمه الله، قرأتها في زمن مضى، وأعدت قراءتها قبل أشهر، وها أنا أعيد قراءتها مع دخول فصل الشتاء، الذي يُغرينا لقراءة هذا الشكل من الكتب الموزعة على أجزاء. أساطير وقصص وحكايات، بأساليب تميز بها أدبنا الشعبي، أحرق الجهيمان رحمه الله عمراً ليضيء لنا هذا القبس الطويل العريض من السرديات التي انفجرت ينابيعها من عُمقِ الأرض النجدية السخية بكل فتنة، وبرع في رسم ملامح نجد المغرية على شخوص تلك المرويات التي أوجدتها ذاكرة مجتمع قلب الجزيرة العربية، وأخذت تنسج تباعاً حتى عرفت طريقها من الرواية الشفهية إلى التدوين، الذي أغنى به الجهيمان مكتبتنا الأدبية والشعبية.
في هذه الموسوعة، ترى كيف كان يفكر الأوائل، وكيف يحلمون، وكيف يخيطون الأماني لمقبل الزمن، وكيف يَتجاوزون عثراتهم وخيباتهم، ففي هذه الأساطير رأينا حال مجتمعات سبقتنا، جُلهم أهلنا وأجدادنا، ولمسنا أحلامهم في سرد بسيط إلا أنه مغرٍ وثري، وكأنها تُنَبِّهُ المعاصرين أن الحياة لا تحتمل كثيراً من الجدية والشدة.
هذه الموسوعة الشعبية، عمل غير مسبوق في أدبنا المحلي، وفكرة غير مطروقة، وما جاء بعدها، تقليد لها، أو فرع منها، وكما قال المثل الشعبي: الأوَّلات الرّوابح.

الشاعر السعودي علي النحوي:
«لماذا تركت الحصان وحيداً؟»

في خضم اهتمامي الإبداعي كرست قراءاتي هذا العام في الشعر والرواية فعدت لقراءة عدد من الدواوين الشعرية، ولعل أهمها دواوين محمود درويش مثل «لماذا تركت الحصان وحيداً؟»، و«كزهر اللوز أو أبعد»، وديوانا أدونيس «تنبأ أيها الأعمى»، و«أول الجسد آخر البحر»، وبعض الأعمال الشعرية المترجمة كأعمال رامبو.
أما في مجال الرواية فقد قرأت للروائية لينا هويا الحسن «بنات نعش»، و«نازك خانم»، وما شدني لهذه الروائية هو لغتها الشعرية واهتمامها بالصحراء السورية خاصة. ثم كانت لي قراءات فكرية وفلسفية مختلفة أتذكر منها كتاب «العقلانية والمعنوية» لمصطفى مالكيان، وكتاب «الماء والأحلام» لباشلار، وغيرهما من الكتب التي تشكل رصيداً معرفياً يضاف للرصيد الأدبي والفني.

الروائي الكويتي عبد الوهاب الحمادي: رب ضارة نافعة

في بدايات كورونا كانت القراءة مرتجلة متوترة بفعل الوتيرة الجديدة للمرض الذي أرعب العالم، صففت ما اقتنيت من أعمال لم أقرأها من قبل وشرعت بها، لكن مع تسارع الإغلاق وجدت نفسي متقيداً بخطة بدأت عفوية. عدت أقف وأناظر أرفف مكتبتي، ألزمت نفسي بقراءة الكلاسيكيات أو إعادة قراءة ما سبقت لي قراءته منها في زمن بعيد.
عدت لـ«الحوت الأبيض» موبي ديك الذي يطارده القبطان إيهاب مطاردة أسطورية لا تنسى.
«الحرب والسلم» في زمن نابليون كما فسّرها تولستوي والخراب الذي نال موسكو بسببها، آنا كارنينا ماتت مجدداً تحت عجلات القطار، دون كيخوته بترجمة رفعت عطفة يرافق سانشو يطارد أوهاماً صنعتها القراءة في عقله. وعلى السياق نفسه كانت قراءة لأعمال كاملة لكاتب مثل: غابرييل غارسيا ماركيز فقرأت «مائة عام من العزلة»، و«الحب في زمن الكوليرا»، و«قصة موت معلن» التي أراها تختزل أغلب جمال السرد عند ماركيز.
وبعده كان ماريو فارغاس يوسا؛ «قصة مايتا»، «ليتوما في جبال الإنديز»، وملحمته الكبرى «حرب نهاية العالم» التي ماثلت حروبها في الوصف الدقيق والساحر ليوسا ليضعها في مصاف حرب نابليون، رغم شهرة الأخيرة وتواضع حرب كانودوس في البرازيل نهاية القرن التاسع عشر.
تخلل تلك الأسماء روايات حامت مواضيعها حول الأوبئة؛ مثل «العمى» لساراماغو قراءة ثالثة أو رابعة، لكنها كانت جديدة تحت وطأة طاعون العصر المسمى «كورونا» أو «كوفيد - 19»، أتبعتها بطاعون ألبير كامو، وفي كلتا الروايتين كنت متعجباً من تماثل البشر في كل زمان ومكان.
هنالك بعض العناوين الأخرى من الروايات التي قرأت. لكن عندما رأيت الوقت يطول ويطول مع الإغلاق الذي أصاب العالم، قررت الرجوع لكتب «التراث»، للجاحظ، الناثر الأحب لقلبي وعدت لـ«الحيوان»، و«البيان والتبيين»، ورسائله التي حققها عبد السلام هارون.
ورجعت للكتابات التاريخية التي تخص تاريخ الجزيرة العربية قديمها وحديثها، وعدت للشعر خصوصاً مختارات أدونيس التي أسماها ديوان الشعر العربي. لذلك أقول - وآسف على الإطالة: رب ضارة نافعة. بددتُ زمن كورونا بأكبر قدر من المتعة وسط الكتب والقراءة. وأتطلع مع تنهيدة كبيرة، لعام جديد تنتهي فيه «كورونا» أو نتخفف منها قليلاً، ثم أنتقل من القراءة عن الحياة في الكتب إلى ممارستها كما كنت سابقاً. في انتظار تلك اللحظة.



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.