قلب بيروت الثقافي تعرض لأكبر دمار منذ إعلان لبنان الكبير

حصاد العام الثقافي (3 - 3): نكبات 2020 المتوالية اختتمت بصحوة

أحد عروض مهرجان الرقص المعاصر
أحد عروض مهرجان الرقص المعاصر
TT

قلب بيروت الثقافي تعرض لأكبر دمار منذ إعلان لبنان الكبير

أحد عروض مهرجان الرقص المعاصر
أحد عروض مهرجان الرقص المعاصر

أشدّ المتشائمين وأكثرهم سوداوية، ما كان ليتصور أن مئوية تأسيس لبنان الكبير، ستكون بهذه المأسوية. ما حدث عام 2020 في البلد الصغير، إضافة إلى ما جلبه الوباء، تجاوز في حجمه كل التوقعات. إنه عام السقوط واستمرار السقوط، حيث لا قرار.
بدأ العام صعباً ومسبوقاً بنكسات تلو نكسات. العجلة الثقافية الاعتيادية كانت قد توقفت منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، تاريخ اندلاع الانتفاضة اللبنانية، في وجه السلطة. بدأ الشلل الثقافي فعلياً مع هذا التاريخ حيث لم يعد من مجال للتستر على الانهيار المالي، المخبأ بورقة توت. في الوقت نفسه آثر المثقفون أن ينقلوا جلّ جهودهم إلى ساحات الاعتصام. كل الأنشطة انتقلت إلى هناك، من المحاضرات إلى المناقشات، الموسيقى، الغناء، الحوارات، الرسم. المواعيد الثقافية السنوية بدأت تتساقط بدورها. أول الضحايا كان «معرض بيروت العربي والدولي للكتاب» الذي ينعقد في ديسمبر (كانون الأول). أقدم المعارض العربية الذي صمد أمام الانفجارات والاغتيالات والحروب والاجتياحات، أُلغي هذه المرة لسبب مالي بحت. لا شيء أهم من المال يمكن أن يطيح بالكتب. تلك كانت صدمة معنوية للرواد الذين بدأوا يستشعرون أن ثمة شيئا خطيراً يحدث، وضربة للناشرين، الذين يرون في معرض بيروت متنفسهم الحر لتقديم إصدارتهم دون رقابة أو حسابات مسبقة. وهو أيضاً موضع احتفالاتهم بإصدارتهم الجديدة، ولقاءاتهم وتفاعلهم.
افتتح عام 2020 حزيناً، والجميع يعرف أن القادم ليس بسهل. ومع ذلك بقيت المقاومة كبيرة، ومحاولات التنشيط الثقافي مستمرة وإن ببطء، ليأتي وباء «كورونا» ويباغت الجميع، ويدخل العالم في فترات حجر تطول أو تقصر، فيما يبقى الخروج من المنازل محدوداً. وكما كل المحرومين من نعمة المسرح والأدب والمعارض والسينما، لجأ اللبنانيون إلى ما وفره الإنترنت من أنشطة، وإلى كتبهم القديمة، وجمّدت دور النشر إصداراتها، بسبب الإرباك المالي من جهة، وتوقف حركة النقل والشحن بفعل الوباء من جهة أخرى.
قليل من الدور الكبرى استفادت مما تبقى من خدمات البريد السريع، لتأمين كمية من الكتب إلى مشترين خارج لبنان.
ملاحظ أن المحاضرات والمناقشات التي كان لها مكانها «أونلاين» لم تكن ذات طابع أدبي أو فكري، بقدر ما حلّ مكانها نقاشات حول صعوبة الوضع المعيشي والحياتي، وسبل الخروج من الأزمة المالية والسياسية، التي يجمع كثيرون على أنها من أصعب ما مرّ به لبنان منذ تأسيسه.
لم تكن القراءة أولوية ولا الشاغل الأبرز في فترات الحجر عند اللبنانيين، ولم يصعد نجم الكتاب الإلكتروني، كما كان متوقعاً. كان لا بد من انتظار بداية فصل الصيف كي تستعيد دور النشر شيئاً من حركتها. وإن كانت «الدار العربية للعلوم» تقول إنها لم تترك للحجر أن يغير من برنامجها، وإنها لم تتوقف سوى أيام، ليصدر عنها كل يوم كتاب، فإن هذا ليس حال الدور الأخرى، التي خشيت مغامرة غير مأمونة العواقب. لا يمكن تشبيه عدد الإصدارات بالسنوات التي سبقت. ولا يمكن الحديث عن صيف عادي، اختفت فيه المهرجانات التي كانت تملأ المناطق ضجيجاً. واقتصر الأمر على حفل واحد كبير ومؤثر حمل اسم «صوت الصمود»، أصرت مهرجانات بعلبك على أن تقيمه في القلعة التاريخية المهابة، تأكيداً منها على أنها لا تغيب. نقل الحفل الذي كان دون جمهور، ببث مباشر على كل المحطات التلفزيونية اللبنانية، وحظي بإخراج وإنتاج استثنائيين، بفعل تطوع عشرات الفنانين في هذا العمل، من أجل إعادة الأمل إلى اللبنانيين.
لكن ما كان يحاول أن يردمه الفنانون والموسيقيون، أُحبط في جزء من الثانية. فبعد ما يقارب الشهر من هذا الحفل الكبير، الذي أراد أن يداوي الجروح الغائرة، وفي الرابع من أغسطس (آب)، دوّى انفجار المرفأ الهائل الذي عصف بمنطقة قطرها ثمانية كيلومترات، وأجهز على القلب الثقافي النابض للعاصمة اللبنانية. منطقة تحتضن عشرات المؤسسات الثقافية في مبانيها التراثية. الخسائر لا يمكن حسبانها بعدد غاليريات الفن التي دُمّرت، وهي كثيرة، أو المسارح التي تضررت، وهي أيضاً ليست بقليلة، ولا دور التصميم اللبنانية - العالمية، وأصيبت بعطب بالغ، ولا بعدد المتاحف التي خرجت من الخدمة، وكلها تضم بين حناياها مقتنيات ثمينة، وأعمالاً يصعب تعويضها أو ترميميها. المنطقة التي دمرها الانفجار هي في معظمها تراث معماري يمثل الجزء الأكثر أصالة من بيروت بعد أن أتت الحرب الأهلية على جزء ليس بيسير من وسطها التاريخي. وقدرت مديرية الآثار في وزارة الثقافة اللبنانية عدد المباني التاريخية المدمرة بـ640 مبنى، 60 منها معرضة لخطر الانهيار، مما استدعى حملة دولية من «اليونيسكو» لإنقاذ هذا الإرث الضخم المهدد بالهدم والاندثار، بسبب العجز عن الترميم أو حتى عمل إصلاحات. وإذا كانت بعض الغاليريات والمسارح بدأت تلملم جراحها، فإن عدداً كبيراً منها لا تزال تنظم له حملات تبرعات من أجل المساهمة في إعادة الأنشطة أو جزء منها في أسرع وقت ممكن. ومتحف أساسي لم يمض وقت طويل على إعادة ترميمه من آثار الحرب الأهلية، مثل «سرسق» أضراره الكبيرة ستحتاج إلى سنة على أقل تقدير، لتعاد إليه الحياة. وإذا كان هذا المتحف محظوظاً لأنه تلقى تعاطفاً من جهات عديدة خارج لبنان، فهي ليست حال كل الذين طالهم عصف الانفجار.
وبدأت خطة عمل تتخطى لبنان لتشمل دولاً عربية أخرى تقوم بها «آفاق» و«المورد الثقافي» لمد يد العون للفنانين والمثقفين، الذين تعطلت أعمالهم، بسبب الوباء، أو فقدوا معداتهم أو منازلهم أو أماكن عملهم، بفعل الانفجار، بدعمهم بمبلغ مالي على وجه السرعة، وبالتشبيك بين العاملين الثقافيين، لمساعدتهم على إقامة مشاريع جماعية.
أي أن مسعى كبيراً يتم العمل عليه حالياً في لبنان ودول عربية، لتغيير أنماط العمل، وأسلوب التفكير بالمشاريع، وإخراجها من حيزها الفردي الضيق، بحيث تفتح الآفاق أمام تعاون مشترك، أقل كلفة، وأكثر نجاعة. وهذا قد يمنح الجميع قدرة على النهوض السريع.
بالطبع افتقدت بيروت، نهاية العام الحالي، وللسنة الثانية على التوالي لمعرضي الكتاب الرئيسيين العربي والفرنكوفوني. أما «مهرجان بيروت للرقص المعاصر»، الذي أصرّ منظموه على أن يستمر رغم كل الصعاب، فقد تابعه عشاقه عبر البث المباشر «أونلاين»، بحيث رقصت الفرق من على مسارح في أماكن مختلفة من العالم، ومن بينها ليون وبيروت، وأريد لهذه الدورة ألا تغيب، بانتظار عودتها حية إلى العاصمة اللبنانية في السنة المقبلة.
ويسجل للفنانين والمثقفين عدم استسلامهم، بحيث نشطت في بيروت في الشهر الأخير من السنة، حركة تشبه الانبعاث من الركام. شهدت العاصمة معارض فنية وعروضاً وأنشطة بينها معرضان للرسم أقامهما غاليري «أجيال» للفنانتين هبة كلش وسمر مغربل. وكان هذا الغاليري قد تعرض لضرر مادي، وآخر أشد وطأة بفقد أحد أهم العاملين فيه، وهو الشاب فراس الدحويش الذي قضى في الانفجار. ويغلق العام أيضاً على معرض في «دار النمر» يتضمن عشرات القطع القديمة التي جُمِعت من الأرشيف الحياتي اليومي للناس، تحت عنوان «لزوم ما لا يلزم». والأكثر لفتاً للانتباه هو معرض «الفن الجريح» في فيلا عودة الذي أشرف عليه فنياً جان لوي مانغي، ويقدم اللوحات - وبينها لرسامين كبار - التي تضررت في انفجار المرفأ، في سياق يعيد إليها الحياة، رغم التشوهات الكبيرة التي ألمت بها. كما يشارك في المعرض نفسه 66 فناناً بأعمال لهم أنجزوها قبل الانفجار وبعده، في محاولة لاستقراء التغيرات المزاجية والفنية التي طرأت عليهم.
ولعل الفن الأبرز الذي لم يفقد ألقه خلال هذه الشهور العجاف هو السينما؛ فخلال فترات الحجر أنجز عدد من السينمائيين سلسلة أفلام قصيرة عن هذه التجربة. ومؤخراً أُنجزت سلسلة من 15 فيلماً قصيراً، مستلهمة من 15 قصة حقيقة عاشها ضحايا انفجار المرفأ.
كل الأعمال الفنية باتت تدور حول الانفجار ومفاعيله، إما أنها تحاول أن تفهم ما حدث للنفس الإنسانية التي عاشت تحولات درامية مفاجئة، في لحظة من الثانية، أو أنها تنشط لجمع التبرعات، ومد يد العون لمن لا يزالون يعيشون تحت الصدمة. ومن بين هذه الأنشطة مسرحية «همسات» التي قُدمت عن بُعد، لمساعدة المسارح التي لم تتمكن بعد من النهوض.
عام كان يُفترض أن يكون عيداً يمتد لشهور من الاحتفاليات، لتذكّر وتقييم الإنجازات الثقافية التي حققها اللبنانيون طوال مائة سنة، وهي ليست بقليلة، سواء على مستوى النشر أو الأدب أو الموسيقى والمسرح والغناء. لكن الظروف السوداء شاءت أن يصبح الأمر على غير ذلك. ويبقى الأمل في مخيلة تأبى أن تستسلم، وفي نبض لا يريد أن يخبو.



السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
TT

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي، وبدرجة تقييم بلغت 6.817 من 10 على مقياس تقييم الحياة.

ويصدر هذا التقرير السنوي عن مركز أبحاث الرفاهية في جامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسة «غالوب» الدولية بالتزامن مع اليوم العالمي للسعادة في 20 مارس (آذار).

ويعتمد التقرير على استطلاعات رأي تشمل أكثر من 140 دولة، تقيس مستوى رضا الأفراد عن حياتهم وفق عدة عوامل رئيسية، أبرزها: الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، والحرية في اتخاذ القرارات، والكرم، ومستوى مكافحة الفساد.

وتؤكد النتيجة نجاح الجهود المبذولة ضمن «رؤية السعودية 2030»، لا سيما عبر «برنامج جودة الحياة» الذي يعتمد هذا التقرير كأحد المؤشرات المرجعية له.

وتجاوزت مساهمة قطاعات جودة الحياة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 20.5 مليار دولار، وجذبت ما يزيد عن 5.8 مليارات دولار في الاستثمارات غير الحكومية، كما عزَّزت الصادرات غير النفطية بأكثر من 5.6 مليارات دولار.

ويعكس التقدم المطرد في ترتيب السعودية الأثر الإيجابي للتحولات الشاملة التي شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة، حيث أسهمت في تعزيز أنماط الحياة الصحية بالمجتمع، وبناء منظومة متكاملة ترتكز على الإنسان وتُعزِّز رفاهيته.

وجاء ترتيب السعودية في التقرير متقدماً على عدة دول كبرى، إذ حلّت في مرتبة أعلى من الولايات المتحدة التي جاءت في المركز الـ23، وكندا الـ25، والمملكة المتحدة الـ29، فيما تصدرت فنلندا القائمة للعام التاسع على التوالي، تلتها آيسلندا والدنمارك.


«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
TT

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

انتقدت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني بمصر، مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2»، الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية، على خلفية ظهور بطلي العمل عمرو يوسف وأسماء جلال بملابس الشركة، في مشهد اعتبرته الشركة «غير لائق» ويمس «الصورة المشرفة المتأصلة لأطقم الركب الطائر في ذهن الجمهور»؛ بحسب بيان صدر (الاثنين).

واتهمت الشركة صناع الفيلم بـ«الإساءة لصورتها الذهنية وقيمتها المعنوية والانتقاص من مكانتها في مصر والعالم تحت دعوى الإبداع»، مؤكدة وقوفها بقوة «لحماية الحقوق المعنوية والأدبية للعاملين بالشركة ضد أي تشويه متعمد أو غير متعمد لصورتهم».

وتدور أحداث الفيلم - الذي حمل اسم «السلم والثعبان... لعب عيال» - ما بين الحب وطموحات الواقع، فيعيد طرح أسئلة الهوية والعاطفة من خلال قصة «أحمد»، الذي يقوم بدوره عمرو يوسف، المعماري المُبدع الذي يسعى لإعادة اكتشاف ذاته، و«ملك» التي تقوم بدورها أسماء جلال، رائدة الأعمال الطموحة التي تحاول الموازنة بين نجاحها المهني وحنينها العاطفي.

وشددت «مصر للطيران» على الاحتفاظ بحقها في «اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال استخدام الزي الرسمي المعتمد لأطقم الضيافة الجوية الخاص بالشركة وعلامتها التجارية المسجلة ضمن أحداث العمل دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة بالشركة، بالإضافة إلى الضرر الواقع بسبب استخدامها في (مشهد مسيء وغير لائق)»، بحسب البيان.

في السياق، أعلن طيار مصري يدعى أحمد فتح الله عبر حسابه على «فيسبوك» عن تقديم بلاغ للنائب العام ضد صناع الفيلم بتهمة «الإساءة للطيران»، مؤكداً أن تحركه جاء بدافع احترامه لمهنة الطيران ولكل من يعمل بها باعتبارها «من المهن التي لا يمكن السخرية منها».

المخرج طارق العريان خلال تحضيرات التصوير (الشركة المنتجة)

وعرض الجزء الثاني من «السلم والثعبان – لعب عيال» بعد 25 عاماً من عرض الجزء الأول، وهو من بطولة عمرو يوسف وأسماء جلال وظافر العابدين، ومن إخراج طارق العريان، وحقق إيرادات كبيرة مع عرضه بالصالات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وعلق الناقد الفني طارق الشناوي على الأزمة قائلاً إن «هناك حالة من التربص تجاه الأعمال الفنية خلال الفترة الأخيرة، وهذا المناخ يؤثر سلباً على حرية الإبداع»، مضيفاً أن «فقدان روح الدعاية والتفاعل الطبيعي مع الفن يعني خسارة جزء مهم من مقومات الحياة الثقافية».

وأضاف أن المشهد محل الجدل لا يتجاوز كونه «إيفيه» أو نكتة درامية قد تعجب البعض وقد لا تلقى قبولاً لدى آخرين، لكنه لا يحمل أي إساءة حقيقية أو تجاوز يستدعي هذا التصعيد، مشيراً إلى أن «الأزمة الحالية تعكس مشكلة أكبر بكثير من مجرد الاعتراض على مشهد داخل فيلم».

وأكد أن الأصوات المعترضة غالباً ما تكون الأعلى، لكنها لا تعبر بالضرورة عن الرأي العام، فتضخيم ردود الفعل أصبح ظاهرة متكررة، لافتاً إلى أن «بعض المهن، ومن بينها الطيارون وأطقم الضيافة، من المفترض أن يكون لديهم قدر من تقبل روح الدعابة، خاصة في إطار الأعمال الفنية التي تقوم بالأساس على الخيال والمعالجة الدرامية».

عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

واعتبر الناقد الفني أحمد سعد الدين أن تحركات «مصر للطيران» وغضب الطيارين «أمر غير مبرر»، مؤكداً أن «الفيلم لا يحمل أي إساءة، سواء للشركة أو للطيارين على حد سواء، لأنه يقدم مشهداً في إطار كوميدي، ومُوظف درامياً داخل الأحداث».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحدث من تصعيد يعكس حالة الاحتقان التي أصبحت موجودة لدى العديد من أصحاب المهن المختلفة الذين يعترضوا على ظهور نماذج سلبية أو أي مشاهد قد تكون محل تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يحمّل الأفلام السينمائية أكثر مما ينبغي ويجب عدم التعامل معها بهذا المنظور».

صناع الفيلم خلال العرض الخاص (الشركة المنتجة)

وأوضح أنه بالمنطق نفسه فإن العاملين بمجال الطيران كان يتوجب عليهم المطالبة بوقف عرض فيلم «مطاردة غرامية» الذي جمع بين فؤاد المهندس وشويكار في ستينات القرن الماضي وظهر خلاله البطل في وظيفة «مراقب جوي» متعدد العلاقات النسائية وتؤثر علاقته النسائية على عمله بشكل واضح يكاد يؤدي لحدوث كوارث في الحركة الجوية، لكن الواقع يشير إلى أن «الفيلم الذي قدمت أحداثه في معالجة مسرحية أيضاً يعد من كلاسيكيات السينما المصرية ومن الأفلام الكوميدية الناجحة، وصور بالفعل داخل مطار القاهرة آنذاك».


فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)

يستعيد فيلم «إيجي بست» قصة أحد أشهر مواقع القرصنة على الأفلام -عنوان الفيلم نفسه- الذي مثّل نافذة مهمة لأجيال من الشباب لمشاهدة أحدث الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية مجاناً عبر الإنترنت، وقد حقق الموقع انتشاراً عربياً واسعاً، ونجح في استقطاب نحو 13.5 مليار زائر، محققاً أرباحاً تخطت 100 مليون دولار، وقد عرض نحو 2500 فيلم عربي وأجنبي، منذ تأسيسه عام 2009، وحتى إغلاقه في 2019، حسب أرقام أوردها صناع الفيلم في نهاية أحداثه.

الفيلم الذي بدأ عرضه ضمن أفلام موسم عيد الفطر يتسم بروح شبابية ويجمع اثنين من نجوم السينما الشباب، وهما: أحمد مالك وسلمى أبو ضيف، بمشاركة مطرب الراب مروان بابلو في أول أعماله ممثلاً، إلى جانب كل من ميشال ميلاد، وأحمد عبد الحميد، وأحمد الرافعي، وحنان يوسف.

وأخرج الفيلم مروان عبد المنعم في أول أعماله الطويلة، وإنتاج طارق نصر الذي عَدّ الفيلم عملاً شبابياً يعبّر عن طموحات جيل بأكمله ويناقش مرحلة محورية في تطور العصر الرقمي في مصر، مسلطاً الضوء على الصراع بين الشغف والمسؤولية في إطار إنساني يناقش الصداقة والحب، مثلما ذكر في تصريحات صحافية. وحقّق «إيجي بست» خلال أيام عيد الفطر إيرادات لافتة بلغت نحو 21 مليون جنيه (الدولار الأميركي يعادل 52.5 جنيه مصري) ليحتل المركز الثاني بعد فيلم «برشامة».

مروان بابلو وأحمد مالك وسلمى أبو ضيف على ملصق الفيلم (الشركة المنتجة)

وعبر دراما مستوحاة من وقائع حقيقية تنطلق أحداث الفيلم من زقاق صغير بحي المرج (شرق القاهرة)، حيث يجمع الشغف بالأفلام بين الصديقين «محمد شوقي» الذي يؤدي دوره أحمد مالك، وصديقه «صابر» الذي يؤديه مروان بابلو، لا يستطيع شوقي شراء تذكرتَي سينما لمشاهدة فيلم مع «أنوار» بائعة محل الملابس التي يحبها ويتطلّع إلى الزواج منها وتؤديها سلمى أبو ضيف، ويكتفي بتذكرة واحدة لها، لكنها تلقي له بالتذكرة ويحصل عليها «صابر» الذي يضع كاميرا خلسة لنسخ الفيلم.

ومن هنا تبدأ رحلتهما في عمل موقع لمشاهدة الأفلام مجاناً، معتمداً على ما يحققه من إيرادات الإعلانات، ليحقق الموقع صدى واسعاً بين الجمهور، ويبدو مثل المصباح السحري الذي يجد فيه محبو الأفلام كل ما يحلمون به، وتنهال عليهم الأموال ويتغير حالهم. وحَلّ الفنان أحمد فهمي ضيف شرف في الفيلم مؤدياً دور المنتج الذي يسعى للتعاون مع مؤسسي الموقع، في حين ترددت موسيقى شارة برنامج «نادي السينما» بما تمثله من «نوستالجيا» على خلفية بعض المشاهد لتعبّر عن تعلق كبير بالفن السابع.

وعلى الرغم من جماهيريته الواسعة لأنه أحد أهم مطربي الراب، فإن الفيلم يخلو من غناء مروان بابلو ويعتمد على غناء مطربي الراب أبيوسف، والفنان شوقي، والفنان موند، بالإضافة إلى أغنية «2 في 1» لهادي معمر وطارق الشيخ. وقد أصدر صناع الفيلم «ميني ألبوم» الذي طُرح تزامناً مع عرض العمل.

عرض مجاني

وأقام فريق العمل عرضاً مجانياً للجمهور ليلة أول أيام عيد الفطر في سينما «ميامي» بالقاهرة، حضره طاقم الفيلم، وقال المؤلف أحمد حسني لـ«الشرق الأوسط» إنهم أقاموا مسابقة عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وقد شهد العرض نحو 800 شاب وفتاة، مؤكداً أن «مستوى تقييمات الجمهور للفيلم جيدة جداً، وأنها تجتذب جمهوراً جديداً كل يوم».

وكشف أحمد حسني عن أن فكرة الفيلم نبعت من رغبته هو والمخرج مروان عبد المنعم في تقديم فيلم عن شباب نجحوا في الإقدام على تجربة كبيرة بإمكانات محدودة، وأنهم وجدوا في «إيجي بست» تجربة مهمة، لأنهم أنفسهم تأثروا بها وشاهدوا أفلاماً كثيرة من خلالها زادت من تعلقهم بالسينما.

وأشار إلى أن الفيلم لا يروي سيرة هذا المشروع من البداية إلى النهاية، بل يختار منه ما يؤكد فكرته. وأضاف: «كان هدفي يتركز على مخاطبة من يشاهدون الأفلام بشكل غير قانوني وما يمثله ذلك من حرمانية وخسائر لصناعة السينما من خلال عمل درامي يتعرض للقرصنة، لكن بشكل غير مباشر»، مرجعاً التعاطف مع أبطاله إلى «أنهم لم يشعروا أنهم كانوا يقومون بعمل غير قانوني».

وحول تقديم مروان بابلو ممثلاً بالفيلم دون غناء، يقول حسني: «أردنا أن تكون التجربة تمثيلاً فقط، حتى لا نكسر إيهام المتفرج».

صورة جماعية لطاقم الفيلم بحضور الفنان عصام عمر الذي شارك منتجاً تنفيذياً به (الشرق الأوسط)

وعدّ الناقد طارق الشناوي فيلم «إيجي بست» عملاً عصرياً مأخوذاً من حالة عاشها شباب هذا الزمن، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لقد راهنت عليه قبل أن أشاهده من خلال أبطاله وفكرته المأخوذة من حياة دافعي التذكرة؛ إذ إن 80 في المائة من جمهور السينما هم هذا الجيل الذي كان يشاهد (إيجي بست)، وأنه تأكد بعد مشاهدة الفيلم من صحة رهانه»، لافتاً إلى أنه «من الأفلام التي تحقق تراكماً نوعياً في الإيرادات».

وتابع قائلاً: «براعة الفيلم في أنه لا يُشعر المشاهد أن هناك سيناريو مكتوباً، ولا أن هناك حبكة درامية، وإنما حالة مأخوذة من الحياة دون تدخل درامي، وقد عاش صناعه الحالة، كما عاش أبطاله هذا الإحساس في أدائهم، في فيلم لا يتورع عن تقديم لحظات ضعفهم، فلم يقدم شخصيات مثالية، بل قدم بشراً لديهم لحظات ضعف قد تكون هي مصدر قوتهم».

ولفت الشناوي إلى أن «مروان بابلو لديه تلقائية وحضور أمام الكاميرا، وهو اختيار ذكي»، مشيراً إلى أن «مالك وسلمى من أكثر الفنانين عصرية في فن (الأداء الهامس) الذي يعتمد على أقل قدر من الانفعال، وأن المخرج مروان عبد المنعم قدم تجربة ناضجة في أول أفلامه، وقد حافظ على تلقائية ممثليه»، مشيداً بـ«مشاهد المواجهة بين بابلو ومالك وسلمى».