المشهد الثقافي المصري تحت كابوس الجائحة... البحث عن وجود بديل

حصاد العام الثقافي (2 - 3): أنشطة معلَّقة وتأجيل معرض الكتاب وفقد مروِّع لكوكبة من المبدعين

المشهد الثقافي المصري تحت كابوس الجائحة... البحث عن وجود بديل
TT

المشهد الثقافي المصري تحت كابوس الجائحة... البحث عن وجود بديل

المشهد الثقافي المصري تحت كابوس الجائحة... البحث عن وجود بديل

وسط حياة مضطربة ولاهثة، تصارع من أجل البقاء، وتجنب العدوى بفيروس كورونا المميت (كوفيد - 19)، اتسم المشهد الثقافي المصري خلال عام 2020 بالخوف والحذر الشديدين. ومع تصاعد وتيرة الجائحة وسقوط آلاف الضحايا، وفرض الدولة الحظر والغلق وتقنين التجوال، تحول المشهد إلى صدمة قاسية لدى قطاعات ثقافية عديدة، خصوصاً قطاع النشر والتوزيع، بشقيه الحكومي والخاص. فيما بدت سياسة التباعد الاجتماعي أشبه برمانة ميزان مرتجفة، بين أنماط سلوك مستقرة، تغيرت فجأة، وخطط بديلة، اتسم معظمها بالعشوائية والرعونة، ومحاولة كسر إيقاع مشهد كارثي لا يزال ضاغطاً، بشكل يدعو إلى مزيد من الحذر والقلق، والحزن على أرواح كتاب، بعضهم كان في أوج النضج والازدهار.
هكذا، في هذا المناخ المسمَّم، توقفت الأنشطة الأدبية في العاصمة والأقاليم، وفقدت الحياة الثقافية جزءاً من حيويتها ورهانها على تيار جديد في الكتابة المغامرة، فرض وجوده بقوة في الشعر والرواية والقصة والنقد. ففي القاهرة، توقفت ندوات أدبية مهمة بعضها كان يقام أسبوعياً، علي رأسها ندوة «منتدى المستقبل»، وندوة «ورشة الزيتون»، كما توقفت المهرجانات والمؤتمرات الأدبية، سواء التي يقيمها المجلس الأعلى للثقافة، وأغلبها يتسم بحضور ومشاركة عربية لافتة، أو التي تقيمها الهيئة العامة لقصور الثقافة وتعنى بتنشيط الحياة الأدبية في الأقاليم. وأصاب تأجيل معرض القاهرة الدولي للكتاب، من شهر يناير (كانون الأول) إلى يونيو (حزيران) المقبل الناشرين المصريين بحالة من الإحباط الشديد، خصوصاً أن معظمهم كان يعوِّل عليه في التعويض من حجم الخسائر الجمّة التي تعرضوا لها جراء الجائحة، وعدم وجود بدائل أخرى، فمعظم المشاركات في معارض الكتاب العربية واجهت المصير نفسه.
رد الفعل على هذا الإحباط ترجمه بعفوية على صفحته بـ«فيسبوك» الناشر محمد هاشم صاحب دار «ميريت»، فكتب: «مش كفاية علينا فقر وذعر كورونا، الجماعة بيموتونا. تأجيل معرض القاهرة ليونيو سيصيب الناشرين في مقتل»، واعتبر هاشم تأجيل المعرض ضربة لصناعة النشر، واستمراراً لمنهج حصار الثقافة والحرب ضدها. كما أوقفت دار «بتانة» نشاطها الثقافي الذي كانت تقيمه أسبوعياً في شكل ندوة أدبية متنوعة، وكتب رئيسها د. عاطف عبيد على صفحته بـ«فيسبوك»: «بتانة تعلِّق النشاط الثقافي حتى إشعار آخر، نسأل الله السلامة للجميع».
وسط هذا الجو شكل فضاء الإنترنت الوجود البديل، واكتسب مصداقية مشروعة، وأصبح مسرح البشر وملاذهم الآمن لإدارة أعمالهم وشؤونهم، على شتى المستويات الإنسانية، في مقابل مسرح كورونا المحفوف بالمخاطر والأهوال، عزز ذلك أن آلية الحوار عبر الإنترنت خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، تكسر حاجز العزل والتباعد الاجتماعي، وتضيِّق الفجوة بين الفضاء الافتراضي والواقع المعيش، كما أنها لا تحتاج إلى كمامات وأقنعة ومحاليل وأمصال وغيرها مما تتطلبه تدابير الوقاية الصحية لمجابهة الوباء الفتَّاك. لقد أصبح الإنترنت بثقافته السلسلة البسيطة الحرة سلاحاً للمواجهة، وفي الوقت نفسه، سوقاً لتبادل السلع والمنافع والأفكار، ما جعل كثيراً من دور النشر تستغله لتجاوز أزمة الكتاب وتسويقه على مواقع بيع الكتب «أون لاين» وتحقيق مبيعات معقولة في سياق ثقافة شراء الكتب من الأسواق الإلكترونية بمواقعها المتعددة التي بدأت في الاتساع، كما تخلى بعض القراء عن عاداتهم النمطية في القراءة، وربطها بضرورة توفر الكتاب الورقي. ومع ذلك يرى كثير من الناشرين أن هذه السوق الإلكترونية مؤقتة لمواجهة أزمة طارئة، ولا يمكن التعويل عليها في صناعة مستقبل الكتاب، التي ستظل مرتبطة بطباعة ونشر الكتاب الورقي لسنين طويلة مقبلة، فضلاً عن أن الإنترنت برغم أهميته، يمنح القارئ ملكية عابرة للكتاب، عكس ملكيته الفعلية الخاصة، حين يوجد في رف مكتبته، ويلجأ إليه في أي وقت يشاء.
وفي محاولة لكسر طوق العزلة، خصوصاً بعد الهدوء النسبي للجائحة في موجتها الأولى، وتحت شروط رسمية محدد من قبل الحكومة وتقييد نسبة الحضور بعدد معين، استأنفت بعض الإدارات نشاطها، وكان من أبرز الأنشطة التي عقدت، المؤتمر الأدبي لإقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي الذي تقيمه الهيئة العامة لقصور الثقافة، واستضافته مدينة بنها، بمحافظة القليوبية المجاورة للعاصمة، واستمر على مدار ثلاثة أيام في سبتمبر (أيلول) الماضي، تحت عنوان «الأدب واستلهام الموروث الثقافي»، وأطلق اسم الشاعر الراحل مجدي الجابري على هذه الدورة العشرين من عمر المؤتمر.
شجع نجاح المؤتمر، وشوق الكتاب العارم للتجمع واللقاء، على خرق معادلات الحماية من الوباء المستجد، واستعاد الكتاب والمثقفون بعضاً من حماسهم المجمّد خلف أسوار العزل، فواصلت ورشة الزيتون ندوتها الأسبوعية بقيادة الشاعر شعبان يوسف، وشكلت محطة مهمة في كسر طوق العزلة. كما استأنف غاليري «ضي» آتلييه العرب للثقافة والفنون، نشاطه بحماس بالغ، ونظم الغاليري مسابقة متنوعة، تحت رعاية رئيس مجلس إدارته الناقد هشام قنديل بعنوان «ما بعد كورونا»، رأس لجنتها الدكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة الأسبق، تقدم إليها نحو 1400 فنان من مصر والعالم العربي، وبلغت جوائزها 750 ألف جنيه مصري، في فروع الفن التشكيلي: النحت، والتصوير، والرسم، والخزف، والجرافيك، إضافة إلى الموسيقى، والشعر، والقصة القصيرة، وكلها من الأعمال التي أنتجها أصحابها في فترة الإجراءات الوقائية من فيروس كورونا. وأقام الغاليري مهرجاناً موسعاً بهذه المناسبة في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي استمر 20 يوماً.
وفي سياق الفن التشكيلي، برز عدد من المعارض بشكل لافت للفنانين: إبراهيم الطنبولي، وسماء يحيى، وفتحي عفيفي، وناثان دوس، تنوعت ما بين التصوير والتجهيز في الفراغ، واللعب على إيقاع الحياة الشعبية، والنحت، في أشكال غير تقليدية، وعبر نوافذ وفراغات مفتوحة.
فتح هذا الاختراق باباً صغيراً للأمل في جدار الجائحة المراوغ، لكن يخشى كثير من المتابعين أن يعود لمربع العزل الأول، مع اشتداد وتيرة الموجة الثانية للوباء، وترسخ شعور بالخوف من الفقد لدى عدد كبير من الكتاب والمثقفين، خصوصاً بعدما ضرب الفيروس عدداً منهم، ورحلوا متأثرين به. فقبل أيام رحل الكاتب الروائي بهاء عبد المجيد (53 عاماً)، أستاذ الأدب الإنجليزي بكلية التربية بجامعة عين شمس، وأستاذ زائر بجامعة أكسفورد بلندن، وله عدد من الأعمال الأدبية، منها رواياته: «سانت تريزا» و«النوم مع الغرباء» و«البيانو الأسود». كما رحل الكاتب والشاعر إيهاب الورداني (63 عاماً)، أمين صندوق اتحاد الكتاب المصري، ومن أعماله: «ثمة حارس يفزعه الوقت»، و«على باب ناعسة»، و«أحمل وطنًا يشبهني». وضمت قائمة الفقد الكاتب سعيد الكفراواي (81 عاماً)، ناسك القصة القصيرة، بعد صراع مع المرض، والشاعر رفعت سلام (69 عاماً) من أبرز شعراء جيل السبعينات، بعد صراع مع سرطان الرئة، ورحلة عطاء خصبة في الشعر والترجمة والبحث في الأدب. والكاتب نبيل فاروق (74 عاماً) إثر أزمة قلبية حادة، صاحب سلسلة «الرجل المستحيل»، ويعد أحد رموز الأدب البوليسي والخيال العلمي، ولحقت بهم القاصة الروائية منار حسن فتح الباب، بعد صراع طويل مع المرض... تعد منار واحدة من أبرز كتاب التسعينات، شاركت في تأسيس قناة النيل الثقافية وصدرت لها مجموعات قصصية منها: «القطار لا يصل إلى البحر» و«أحلام صغيرة»، ورواية للناشئة بعنوان «مملكة الفراشات»، وديوان نثري بعنوان «رجل وامرأة»، ورواية «ظلال وحيدة»، ولها دراسة أسلوبية عن «الخطاب الروائي عند غسان كنفاني».
وقبل أن يطوي العام أوراقه رحلت الكاتبة أمل خالد صاحبة رواية «غزة في القلب»، عن عمر ناهز 55 عاماً.
ورغم حالة الكساد التي عمت سوق النشر، فإن بعضها حرص على اختراق الأزمة، فليس أجمل من كتاب ممتع، يبدد من هلع ومخاوف العزل، والجلوس في البيت. ومن ضمن هذه الإصدارات رواية «العابرة» لإبراهيم عبد المجيد، عن منشورات المتوسط - إيطاليا، ورواية ريم بسيوني «سبيل الغارق» عن دار نهضة مصر، ورواية «بالقرب من الحياة» لإنجي همام عن دار ابن رشد، والمجموعة القصصية «الأميرة والرجل من العامة» لمحمد طه إبراهيم، والمجموعة القصصية «مخاوف نهاية العمر» لعادل عصمت عن دار الكتب خان.
في الختام، يبقى كتاب كورونا مفتوحاً، في انتظار أن يغلقه العلماء في معامل وأبحاث العالم ويضعوه فوق الرف، ربما للذكرى أو النسيان.



السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».