أبرز الإنجازات العلمية في «عام الجائحة»

أول مهمة عربية إلى المريخ... ونظام للتنبؤ بشكل البروتينات... وشريحة كومبيوتر في الدماغ

رسم تخيلي لمسبار الأمل الإماراتي
رسم تخيلي لمسبار الأمل الإماراتي
TT

أبرز الإنجازات العلمية في «عام الجائحة»

رسم تخيلي لمسبار الأمل الإماراتي
رسم تخيلي لمسبار الأمل الإماراتي

رغم أن معظم الناس سيربطون على الأرجح عام 2020 بظهور وباء «كوفيد - 19»، فإن من الإنصاف القول إن هذا العام كان مليئاً بالاختراقات في مختلف مجالات الحياة، توارت أخبارها خلف متابعة أعداد الإصابات والوفيات جراء الوباء، الذي ظلت بعض ألغازه عصية على الفهم حتى الآن.
وإذا كانت بعض هذه الاختراقات لم تأخذ حظها من الاهتمام، فربما تكون نهاية العام هي فرصة مناسبة لنقول إن عام 2020 لم يكن عاماً استثنائياً بسبب ظهور الوباء فقط، لكنه كان كذلك أيضاً بسبب بعض الإنجازات غير المسبوقة في مجالات المهام الفضائية والتشخيص الطبي والتقنيات العصبية.

مهام فضائية

يعد هذا المجال هو الأكثر إنجازاً في عام 2020، لا بسبب عدد المهام الفضائية التي انطلقت، فحسب، بل بسبب قيمة هذه المهام وانضمام شركاء جدد لهذا المجال الذي كان حكراً على دول ومؤسسات بعينها، ومن أبرز هذه المهام:
> ثلاث رحلات فضائية للمريخ. تظهر في رحلات الفضاء إلى المريخ دولة الإمارات العربية المتحدة، كأول دولة عربية ترسل مسباراً فضائياً إلى الكوكب الأحمر هو مسبار الأمل، حيث انطلق من قاعدة «مركز تانيغاشيما الفضائي» في اليابان يوم 20 يوليو (تموز)، ومن المقرر وصوله إلى المريخ في شهر فبراير (شباط) من عام 2021.
ولن يحط «مسبار الأمل» على الكوكب، لكنه سيبدو في مداره الأحمر لمدة عامين على الأقل، بهدف دراسة الغلاف الجوي العلوي ومراقبة تغير المناخ على كوكب المريخ، وهو ما يميزه عن المهمة الأخرى التي ستحط على أرض الكوكب، والتي أطلقتها الصين في 23 يوليو (تموز) من قاعدة فضائية في وينتشانغ في جزيرة هاينان.
ويتوقع بلوغ المسبار الصيني (المريخ 5) الحامل للمركبة «تيانوين» الكوكب الأحمر في شهر فبراير (شباط) أيضاً، وستكون نقطة الهبوط المستهدفة سهلاً مسطحاً يقع داخل حوض يعرف باسم «يوتوبيا» شمال خط استواء المريخ، وستدرس المركبة جيولوجية المنطقة، من على السطح وما تحت السطح.
وبعد إطلاق المهمة الصينية بسبعة أيام، أطلقت كالة الفضاء الأميركية (ناسا) في 30 يوليو (تموز) المسبار الأميركي «برسفيرنس» باتجاه الكوكب الأحمر، ومن المقرر وصوله أيضاً في فبراير (شباط)، ليكون خامس مسبار أميركي يحط على هذا الكوكب، وستكون مهمته هي اكتشاف آثار لجراثيم قديمة كان يعج بها الكوكب الأحمر على الأرجح قبل ثلاثة مليارات سنة.
> أول رحلة مأهولة لـ«سبيس إكس». انطلقت في نوفمبر (تشرين الثاني) أول رحلة لشركة «سبيس إكس» المملوكة لرائد التكنولوجيا إيلون ماسك إلى المحطة الدولية، حيث حملت 4 رواد فضاء، في أول مهمة كاملة ترسل فيها وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) طاقماً إلى الفضاء على متن مركبة مملوكة للقطاع الخاص... وإضافة إلى ذلك، كانت أول رحلة تعود من خلالها أميركا إلى عهد انطلاق الرحلات لمحطة الفضاء الدولية من أراضيها، بعد أن اضطر رواد الفضاء الأميركيين خلال السنوات الماضية، للقيام برحلاتهم إلى الفضاء على متن مركبة الفضاء الروسية سويوز.

اكتشافات كونية

ورغم أن نتائج تلك المهام الفضائية لم تظهر بعد، لكن كانت هناك مهام فضائية تم التخطيط لها في أعوام سابقة، حققت بعض الاكتشافات الكونية المهمة في 2020، ومن أهمها:
> اكتشاف ثقب أسود قريب من الأرض. وتم وصف هذا الاكتشاف وتوثيقه في مايو (أيار) بدورية «الفلك والفيزياء الفلكية»، وهو عبارة عن ثقب أسود يمكن رؤيته بالعين المجردة، إذا تم النظر إليه من الجهة الجنوبية للأرض في سماء رائقة، ويقع على بعد نحو 1000 سنة ضوئية، أو ما يعادل تقريباً 9.5 ألف مليون كيلومتر في كوكبة المرقب، وتم الاستدلال عليه من الطريقة التي يتفاعل بها مع نجمين قريبين منه، أحدهما يدور في مدار الثقب والنجم الثاني يدور في مدار حولهما معاً، على خلاف الطريقة المعتادة لاكتشافات الثقوب السوداء.
والطريقة المعتادة هي تتبع كيفية تفاعل الثقب الأسود بعنف مع سحابة الغاز والغبار التي تتراكم حوله، إذ يمزق هذه المادة المحيطة به وينجم عن ذلك انبعاث غزير لأشعة أكس يلتقطه التلسكوب.
> أكبر انفجار كوني. ويتعلق هذا الاكتشاف برصد أدلة على حدوث انفجار كوني هائل في الفضاء يفوق 5 مرات الانفجارات التي رصدت من قبل، وتم وصفه بأنه «أكبر انفجار كوني منذ نشأة الكون». ونشرت دورية الفيزياء الفلكية في فبراير (شباط) دراسة عن هذا الاكتشاف، ذهب فيها الباحثون إلى القول إن الطاقة الضخمة المرصودة قد انبثقت من ثقب أسود هائل على بعد 390 مليون سنة ضوئية من الأرض.
> ميلاد كوكب واختفاء آخر. وعثر علماء فلك فرنسيون في مايو (أيار) على أول دليل مباشر على ولادة كوكب جديد، ووثقوا هذا الاكتشاف في دورية «علم الفلك والفيزياء الفلكية»، أعلن علماء أميركيون في أبريل (نيسان) أن كوكباً آخر اختفى.
وقال العلماء الفرنسيون عن ميلاد الكوكب، إنهم رصدوا باستخدام تلسكوب المرصد الجنوبي الأوروبي الكبير جداً (VLT)، ميلاد هذا الكوكب الذي يحيط بنجم وليد اسمه «إيه بي أوريجا» (AB Aurigae)، على بعد نحو 520 سنة ضوئية من الأرض.
أما عن قصة اختفاء الكوكب، فقد كان مصدرها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، التي أعلن علماؤها في 21 أبريل (نيسان) أن الكوكب المعروف باسم Fomalhaut b، والمشهور بأنه أحد أول الكواكب الخارجية المكتشفة خارج النظام الشمسي، اختفى.
ودفع هذا السلوك غير المتوقع لـ«الكوكب» الواقع على بعد 25 سنة ضوئية من الأرض، إلى استنتاج أن ما كان يعتقد أنه كوكب، كان في الواقع سحابة من الغبار، تُركت في أعقاب التصادم الكوني.

تقنيات ذكية

> الغرسات العصبية بتقنية «نيورالينك». وكما كان رائد التكنولوجيا الأميركي إيلون ماسك حاضراً في رحلات الفضاء، كان حاضراً في إنجاز آخر، اسمه «تقنية نيورالينك»، بما يجعله الشخص الأبرز في إنجازات عام 2020 العلمية.
وتقنية نيورالينك، هي أحد إنجازات الشركة التي تحمل الاسم نفسه، والتي تأسست عام 2016، وهي شركة تقنية لعلوم الأعصاب تركز على بناء أنظمة الواجهات العصبية الآلية.
وهذه التقنية التي تم الإعلان عنها في أغسطس (آب) عبارة عن شريحة كومبيوتر صغيرة، يتم زرعها داخل الدماغ، بحيث يمكنها قراءة كل أنشطة الدماغ، فضلاً عن المواد الكيميائية، ما يجعلها قادرة على التخطيط وتوقع الوظائف الخاصة بالشخص، كما تتيح المنطقة التي سيتم فيها زرع الشريحة معالجة بعض مشاكل السمع والبصر، فضلاً عن بعض المشاكل النفسية، كما أنه من الممكن مستقبلاً أن تعالج العديد من الأمراض المتعلقة بالأعصاب، ويمكن من خلالها التواصل مع الهواتف الذكية وأجهزة الكومبيوتر وغيرها.
> رصد البروتينات بنظام «ألفا فولد». في مجال ليس ببعيد عن تقنية «نيورالينك»، تمكن فريق الذكاء الصناعي «ديب مايند» التابع لشركة «غوغل»، في التغلب على تحدٍ بيولوجي بدا مستحيلاً لعقود، وذلك عبر خوارزمية الذكاء الصناعي «ألفا فولد»، التي مكنت من التنبؤ بشكل البروتينات بناء على تكوينها.
والبروتينات هي في الأساس سلاسل من «الأحماض الأمينية» التي تم ثنيها في شكل معقد، ويؤدي توقع بنيتها إلى تحسين العلوم الطبية الحيوية بشكل كبير، والسماح للأطباء بتطوير علاجات جديدة بشكل أسرع.
وقال أندريه لوباس، مدير معهد «ماكس بلانك» لعلم الأحياء التنموي في مدونة «ديب مايند»: «لقد سمحت لنا نماذج (ألفا فولد) الدقيقة بشكل مذهل بحل بنية البروتين التي كنا عالقين فيها لما يقرب من عقد من الزمان».

عام الحفريات

من الحصول على تفسير جديد لحدث وقع قبل 445 مليون سنة، إلى قائمة من اكتشافات الحفريات التي تتعلق بالماضي أيضاً، والتي تجعل من عام 2020 هو عام الاكتشافات المهمة في هذا المجال، ومن أبرز هذه الاكتشافات:
> أول حفرية لديناصور منقار البط. اكتشف فريق بحثي من جامعة باث البريطانية أول حفرية لديناصور منقار البط في المغرب، ما يشير إلى أن الديناصورات عبرت مئات الكيلومترات في المياه المفتوحة للوصول إلى هناك.
ووفق دراسة نُشرت حول هذه الحفرية في دورية «البحث الطباشيري» خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، فإن هذا الديناصور الجديد الذي تمت تسميته «أجنابيا أوديسيوس»، اكتشف في صخور بالمغرب يعود تاريخها إلى نهاية العصر الطباشيري منذ 66 مليون عام، وكان صغيراً مقارنة بأقاربه من ديناصورات منقار البط، حيث كان يبلغ طوله 3 أمتار فقط، وكان بحجم المهر.
> نوع جديد من التيروصور. وكما كان المغرب مكاناً لاكتشاف أول أول حفرية لديناصور منقار البط، كان أيضاً مكاناً لاكتشاف نوع جديد من التيروصور.
واكتشف فريق من علماء الحفريات بجامعتي بورتسموث وباث في بريطانيا في منطقة «كم كم» الصحراوية (جنوب شرقي المغرب) نوعاً جديداً من التيروصورات الصغيرة، مماثلة في الحجم للديك الرومي، وتختلف عن أي من التيروصورات الأخرى التي شوهدت من قبل، وذلك بسبب منقارها النحيل الطويل بلا أسنان.
والتيروصورات هي أقل شهرة من أبناء عمومتها (الديناصورات)، ويوجد أكثر من 100 نوع معروف من هذه الزواحف المجنحة، بعضها بحجم طائرة مقاتلة والبعض الآخر صغير مثل العصفور، ويعد النوع الجديد الذي نشر الموقع الإلكتروني لجامعة باث البريطانية تقريراً عنه في أكتوبر (تشرين الأول) فريداً من نوعه.
> كنز من المعلومات في حفرية قرد. ومن الديناصورات إلى القرود، حيث ملأت حفرية قرد تعود إلى 13 مليون عام، واكتشفها فريق بحثي أميركي شمال الهند، فراغاً كبيراً في سجل أحافير القرود، وقدمت أدلة جديدة حول تاريخ هجرة أسلاف قرد الجيبون من أفريقيا إلى آسيا.
والحفرية المكتشفة التي تم توثيقها سبتمبر ( أيلول) في دورية «بروسيدينج أوف رويال سوسيتي»، وهي ضرس سفلي كامل، ينتمي إلى جنس وأنواع غير معروفة سابقاً من قرد الجيبون، وتمثل أقدم سلف معروف لهذا القرد، وأول نوع من القردة الأحفورية تم اكتشافه في موقع الحفريات الشهير «رامناغار» بالهند منذ ما يقرب من قرن.
> اكتشاف حفرية أقدم بجعة في التاريخ. كان من المعروف أن طيور البجع تمتد أسلافها إلى فرنسا ويرجع عمرها إلى عصر الأوليجوسين (فترة جيولوجية امتدت إلى نحو 34 مليون سنة مضت) بناءً على هيكل عظمي جزئي واحد من جنوب شرقي فرنسا، ولكن حفرية اكتشفت في وادي الحيتان بمصر أعادت كتابة تاريخ حفريات طيور البجع، إذ يرجع تاريخها إلى عصر الإيوسين، تحديداً 36 مليون سنة، أي أقدم بنحو 6 ملايين سنة من أقدم حفرية لطائر البجع.
وتم الإعلان عن هذا الاكتشاف في مؤتمر الحفريات الفقارية في العالم (SVP)، الذي أقيم بشكل افتراضي في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) بسبب جائحة كورونا، وجاء هذا الكشف في إطار تعاون دولي بين علماء من جهاز شؤون البيئة المصري وجامعة ميشيغان الأميركية.

دفن وانقراض
> دليل على دفن الإنسان البدائي لموتاه. وبالرغم من اكتشاف هيكل عظمي لطفل من الإنسان البدائي بعمر نحو عامين، بين عامي 1970 و1973، فإن المجموعات المرتبطة بهذه العينة ظلت غير مستغلة في أرشيف المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بفرنسا، حتى حمل عام 2020 نتائج دراسة أجريت على هذه العينة، وأثبت من خلالها الباحثون من المركز الوطني للبحث العلمي والمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي (فرنسا) وجامعة إقليم الباسك (إسبانيا)، أن الإنسان البدائي كان يدفن موتاه.
وأظهر الباحثون في الدراسة التي نشرت في ديسمبر (كانون الأول) بدورية «ساينتيفيك ريبورتيز»، أن الهيكل العظمي قد دُفن في طبقة رسوبية وبقيت العظام، التي كانت غير متناثرة نسبياً، في وضعها التشريحي، ما يشير إلى أنها حفظت أفضل من الحيوانات العاشبة الأخرى الموجودة في الطبقة نفسها، وهو ما يكشف عن سرعة دفنها بعد الموت.
> انقراض جماعي. نجح العلماء في تقديم أدلة على أسباب حادث الانقراض الجماعي الذي وقع قبل 445 مليون سنة، والذي يسمى «الانقراض الجماعي الأوردوفيشي المتأخر».
وكانت النظريات السابقة تتحدث عن أن السبب إما حدوث التبريد أو التجلد، لكن من خلال الجهود المشتركة للمسح الجيولوجي لكندا وجامعة هال في إنجلترا، كشف الجيولوجيون عام 2020 عن السبب الحقيقي لوقوع هذا الحدث.
ووفقاً لدراستهم، كان الاحترار العالمي، الناجم بشكل أساسي عن الانفجارات البركانية ونقص الأكسجين، هو السبب الرئيسي لانقراض جماعي مبكر حدث. رغم اعتراض بعض الباحثين على النتائج، فإن الأدلة المقدمة كانت كافية، وهو جعل الجميع يدرك أن الكوكب الذي نعرفه في عام 2020 يكافح أيضاً من آثار الاحتباس الحراري، وبالتالي، يبدو أن إدراك قضايا الماضي إلزامي لمستقبلنا.

«منجزات» الجائحة

> لقاحات كورونا. وبينما كان أصحاب هذه الإنجازات العلمية يتحدون الظروف الصعبة التي فرضتها جائحة كورونا، كان هناك آخرون معنيون بشكل أساسي بالعمل على مواجهة هذه الجائحة عن طريق فهم فيروس كورونا الجديد المسبب لها، ومن ثم العمل على إنتاج لقاح له.
وقالت منظمة الصحة العالمية إن هناك 191 لقاحاً قيد التطوير، منها 40 لقاحاً في مرحلة التقييم السريري البشري، ومن بينها 10 لقاحات وصلت إلى مرحلة التجارب الثالثة.
ومن بين اللقاحات العشرة التي وصلت إلى مرحلة التجارب السريرية، توجد خمسة لقاحات في الصدارة، بدأت بالفعل عمليات التلقيح ببعضها، ومن هذه اللقاحات لقاحان يستخدمان تقنية «الناقلات الفيروسية»، وهما لقاح «أكسفورد - أسترا زينيكا» واللقاح الروسي «سبوتنيك 5»، ويعتمد الأول على فيروس غدّي معدل وراثياً يتسبب عادة في نزلات البرد لدى الشمبانزي، ليحمل جزءاً من فيروس كورونا المعروف باسم بروتين «سبايك»، وعندما يدخل اللقاح إلى الجسم فإنه يستخدم هذا الرمز الجيني لإنتاج البروتين السطحي للفيروس التاجي، ما يؤدي إلى استجابة تهيئ الجهاز المناعي لمحاربة الفيروس التاجي في حالة الإصابة.
أما اللقاح الروسي، فيعتمد على التقنية نفسها، لكن بدلاً من استخدام فيروس غدّي يتسبب في نزلات البرد لدى الشمبانزي، يتم استخدام فيروس يسبب نزلات البرد عند البشر.
ويعتمد لقاحا موديرنا وفايزر على تقنية جديدة تستخدم لأول مرة، وهي «مرسال الحمض النووي الريبي»، حيث يتم حقن «مرسال الحمض النووي الريبي»، (mRNA) الذي يحمل المعلومات لإنتاج البروتينات الموجودة على سطح الفيروس، وهي نتوءات «بروتين سبايك» التي بواسطتها يلتصق الفيروس عادة بالمستقبلات على سطح الخلية البشرية، ويمكن أن تكون هذه اللقاحات أسرع في الإنتاج وأكثر فاعلية من اللقاحات النموذجية ويمكن إعادة صياغتها بسهولة إذا تحور الفيروس.
أما اللقاح الصيني الذي طورته شركة «سينوفارم»، فيعتمد على تقنية قديمة، وهي «الفيروس المعطل»، حيث تعتمد تلك التقنية على أخذ عينة من الفيروس يتم عزلها من مريض ثم يتم قتل الفيروس باستخدام مادة كيميائية، ويشتمل اللقاح على الفيروس المعطل ممزوجاً بهيدروكسيد الألومنيوم، وهو مادة مساعدة لأنها تعزز الاستجابات المناعية. وهذه التقنية قديمة تم استخدامها في لقاحات أخرى.
> الجائحة والعصافير. وإذا كانت الجائحة أثرت سلبياً على البشر، وبات الجميع يترقب فاعلية اللقاحات في القضاء عليها، فإنها في المقابل كانت إيجابية على العصافير، حيث نشرت في سبتمبر (أيلول) دورية «ساينس» التي تصدرها «الجمعية الأميركية لتقدم العلوم»، دراسة لباحثين من جامعة تينيسي الأميركية كشفت أن فترات الإغلاق التي شهدتها دول العالم بسبب الجائحة جعلت صوت العصافير أكثر عذوبة.
وكان كثير من الناس قد لاحظوا خلال فترات الإغلاق، بأن صوت العصافير والطيور من حولهم تغير، وأنهم لم يعودوا يسمعون نفس أنماط التغريد والزقزقة التي كانت سائدة قبل الجائحة، وقاد ذلك الباحثون إلى إجراء دراسة تبين خلالها أن الطيور عمدت إلى درجة تنغيم أخفض في طبقة صوتها، وأداء زقزقات أجمل وأوضح، بسبب اختفاء الضوضاء، حيث يجبر وجودها العصافير على التغيير من طريقة تغريدها، من أجل اختراق الضجيج المستمر الصادر عنها.



هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟
TT

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

عندما يحين وقت إجراء محادثة صعبة مع مريض يحتضر، حول تركيب أنبوب تغذية في جسمه، يتدرب الدكتور جوناثان تشين، طبيب الباطنية في جامعة ستانفورد، أولاً مع برنامج دردشة آلي. فهو يطلب من البرنامج أن يلعب دور الطبيب بينما يتقمص هو دور المريض، ثم يعكس الأدوار.

براعة الذكاء الاصطناعي الفائقة

يشعر الدكتور تشين بعدم الارتياح حيال ذلك، فبرنامج الدردشة الآلي بارعٌ في إيجاد طرق للتواصل مع المرضى. كما يعلم الأطباء أيضاً براعته في التشخيص وقراءة الصور والفحوص – بل إنه أفضل من كثير من الأطباء – وكذلك في الإجابة عن أسئلة المرضى عبر البوابات الإلكترونية وكتابة طلبات الاستئناف لشركات التأمين عند رفض دواء أو إجراء طبي.

ما هي وظيفة الطبيب؟

إذن، ما هي وظيفة الطبيب؟ يجيب تشين بأن برامج الذكاء الاصطناعي باتت تُشكل «تهديداً وجودياً» للأطباء؛ فهي «تُهدد هويتهم ورسالتهم».

ويتفق الدكتور هارلان كرومولز، طبيب القلب في جامعة ييل ومستشار برنامج OpenEvidence، وهو برنامج ذكاء اصطناعي للأطباء، مع هذا الرأي.

ويضيف كرومولز، وهو أيضاً أحد مؤسسي شركتين ناشئتين تستخدمان الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الطبية والبيانات الرقمية: «إن قدرة الذكاء الاصطناعي على التفكير والتشخيص تتجاوز بالفعل قدرات الأطباء».

الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء

وقد عمل الكثير من الأطباء الذين فكروا ملياً في دور الذكاء الاصطناعي في الطب، مع شركات متخصصة في هذا المجال. وتشين واحد من هؤلاء الأطباء، ويقول إنه والكثير من زملائه يضطرون إلى التساؤل: «متى سيحين الوقت أمامهم للتخلي عن التدخل وترك الأمور للحاسوب؟».

ويقول الباحثون إن برنامجاً مطوراً منظراً مثل «دكتور تشات بوت» Dr. Chatbot ليس جاهزاً تماماً لاستقبال المرضى الآن. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء ونوعية المرضى الذين يعالجونهم.

أولوية الرعاية... بيد الطبيب

يقول الدكتور روبرت كاليف، طبيب القلب بجامعة ديوك والمفوض السابق لإدارة الغذاء والدواء الأميركية، إن الذكاء الاصطناعي يتولى ما وصفه بـ«بعض الأعمال الروتينية» التي يقوم بها الأطباء حالياً، مثل تدوين ملاحظات حول زيارات المرضى. ولكن حتى مع وجود كم هائل من المعرفة الطبية في خوادمه، فقد لا يكون ذلك كافياً للسماح للروبوتات بتولي رعاية المرضى. وكان كاليف عمل لدى شركة «ألفابت» لمدة ست سنوات، ويقدم استشاراته لشركة ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي لوصف الأدوية. ويضيف كاليف: «هناك كم هائل من المعلومات، إلا أن كيفية إجراء التفكير النقدي فيها أمر معقد».

رصد الحالة المرضية بدقة

من جهته، يقدم الدكتور لي شوام، طبيب الأعصاب والعميد المساعد للاستراتيجية الرقمية والتحول في كلية الطب بجامعة ييل، مثالاً على ذلك.

يقول المريض: «استيقظتُ أمس وأنا أشعر بدوار. كانت ذراعي مخدرة، وواجهتُ صعوبة في الكلام». ماذا يعني «الدوار» تحديداً؟ قد يعني أن المريض يشعر بدوار خفيف وعلى وشك الإغماء. أو قد يعني أن الغرفة تدور من حوله.

قد يكون المقصود بـ«الذراع الميتة» هو التنميل لا الضعف. قد يصف شخص مصاب بشلل جزئي في ذراعه شعوره بالتنميل. لكن المريض قد يشعر بوخزة إبرة إذا وخزه الطبيب شوام.

هل أصيب المريض بجلطة دماغية؟ هل هذه حالة طبية طارئة؟ يقول شوام إن لديه سنوات من التدريب تُساعده على تحديد المرضى، ومن لا داعي للقلق بشأنه، ومن يجب إدخاله إلى المستشفى... لقد تعلم قراءة العلامات الدقيقة واستخلاص المعلومات التي يصعب التعبير عنها بوضوح والتي نادراً ما تُدوّن.

ويضيف شوام أنه «يستطيع استخدام المنطق في ظل معلومات محدودة أو غير كاملة لاختيار التشخيصات الأكثر ترجيحاً لمزيد من التقييم، مع الموازنة بين الدقة والواقعية».

المصابون بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني

إن هذا العمل ليس من اختصاص برامج الدردشة الآلية. لذا؛ كما يقول شوام: «إنها بارعة في مطابقة الأنماط والتنبؤ... لكن لا يمكنها فعل ذلك إلا بناءً على البيانات المُعطاة لها عن المريض. ليس لديها أي وسيلة لاستخلاص تلك المعلومات بنفسها». ويضيف أن المصابين بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني. ويتابع: «في النهاية، فإنك تريد أن تنظر في عيني المريض»، وأن تشرح له ما إذا كان أمامه عشر سنوات ليعيشها أم ستة أشهر فقط.

الأدوات الذكية تخفف عمل الأطباء الاختصاصيين

لكن شوام لا يستبعد قدرات برامج الدردشة الآلية، التي يُقرّ بأنها قادرة على توسيع نطاق وصول الأطباء وتغيير بنية نظامنا الصحي. ويقول إن الذكاء الاصطناعي يتفوق بالفعل على الأطباء في بعض الحالات، مثل قراءة تخطيط كهربائية القلب. فهو قادر على تشخيص أمراض القلب من خلال رصد أنماط لا يستطيع أطباء القلب رؤيتها، والتي تتطلب عادةً إجراء تخطيط صدى القلب المكلف. وهذا يعني أن أطباء الأسرة يمكنهم الآن القيام ببعض مهام أطباء القلب.

كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تخفيف عبء العمل على بعض الاختصاصيين الطبيين، بحيث لا يضطر المرضى الذين يحتاجون إلى خبرتهم إلى الانتظار أسابيع أو شهوراً للحصول على موعد.

برامج لرصد أعراض الارتجاع المريئي

هذا ما يحدث بالفعل في عيادة الدكتور جون إريك باندولفينو، اختصاصي الارتجاع المرييي المعدي (GERD) في كلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن.

كان معظم المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء ينتظرون أسابيع للحصول على موعد معه. وأوضح أن «نسبة كبيرة من الحالات» كانت أقل خطورة ولا تتطلب رعايته.

*رصد الحالات المرضية. ابتكر باندولفينو حلاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي أطلق عليه اسم GERDBot. يقوم النظام بفرز المرضى، وتوجيه من لا يحتاجون فعلاً إلى زيارة الطبيب إلى مقدمي رعاية صحية آخرين. والهدف هو تسريع علاج من يعانون أعراضاً أكثر خطورة.

يبدأ المرضى بالإجابة عن أسئلة النظام الآلي. ومن تظهر عليهم أعراض تشير إلى مشكلة خطيرة، يخضعون للفحص فوراً. أما الباقون، فيتلقون اتصالاً خلال أسبوع من ممرضة ممارسة أو مساعد طبيب، يُطمئنهم ويصف لهم الأدوية اللازمة، إن لزم الأمر.

ويستقبل باندولفينو، الذي رخص نموذج ذكاء اصطناعي آخر من ابتكاره لشركة الأجهزة الطبية «ميدترونيك»، الآن عدداً أقل من المرضى، لكنهم هم من يحتاجون إلى خبرته. ويقول: «معظم الناس يُقدّرون حقيقة أن علاجهم قد ابتدأ بالفعل، وحصولهم على المعلومات فوراً، وإذا لم يستجب علاجهم أو ظهرت عليهم علامات تحذيرية، فانهم يُحالون إلى الطبيب».

ويُقرّ بأن قلة قليلة تشعر بأنها تُحال إلى رعاية أقل جودة. لكن الطريقة القديمة - التي كانت تتطلب انتظاراً يصل إلى ستة أشهر للحصول على موعد - كانت أسوأ بكثير لمن يرغبون في المساعدة والطمأنينة.

* رصد الأعراض الحادة. وكانت الخطوة التالية تخفيف العبء عن المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء الحادة. وقد طوّر باندولفينو خوارزمية ذكاء اصطناعي أطلق عليها اسم «إيزو-إنستين» Eso-Instein (Eso اختصاراً لكلمة «مريء»)، التي ستساعد اختصاصي الجهاز الهضمي الأقل تخصصاً على تحديد التشخيص الأرجح بناءً على أعراض المريض، ونتائج التنظير الداخلي، والفحوص الفيزيولوجية. ثم تُخبر الخوارزمية الطبيب بكيفية علاج المريض وتوقعات سير المرض.

ويقول باندولفينو: «في نهاية المطاف، عندما تتفوق الخوارزمية على الإنسان، سأضطر إلى البحث عن عمل آخر». ويضيف: «سيجعل الذكاء الاصطناعي أمثالي أقل أهمية تدريجياً».

كما أن خوارزمية الذكاء الاصطناعي التي ابتكرها باندولفينو قد تُتيح للاختصاصيين إحالة الكثير من مرضاهم إلى أطباء الرعاية الأولية، يُؤمل أيضاً أن تُسهم هذه الاستراتيجية نفسها في زيادة توافر أطباء الرعاية الأولية من خلال إسناد بعض مهامهم إلى ممرضين متخصصين. إذ إن هناك نقصاً حاداً في أعداد أطباء الرعاية الأولية، لا في المناطق الريفية فحسب، بل حتى في المدن الكبرى التي تضم كثيراً من المستشفيات وكليات الطب الكبيرة.

ارتقاء دور الممرضين... بفضل الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد المرضى، كما قال الدكتور آدم رودمان، طبيب باطني في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، بفرز المرضى وتمكين الممرضين الممارسين من القيام بجزء أكبر من عمل طبيب الرعاية الأولية؛ ما يتيح للطبيب معاينة المزيد من المرضى ذوي الاحتياجات المعقدة. وعندما يتعلق الأمر بالاختيار بين طبيب لا يستقبل مرضى جدداً أو طبيب يحيل المرضى إلى ممرض ممارس أو مساعد طبيب، فمن المرجح أن يتقبل المرضى هؤلاء المتخصصين الطبيين الآخرين.

مع ذلك، يُقرّ رودمان وباحثون آخرون بوجود مخاطر تتمثل في إمكانية أن تُعيد برامج الدردشة الآلية إنتاج التحيزات الموجودة بالفعل في المؤسسات الطبية. فعلى سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أنها قد تُولي اهتماماً أقل لامرأة أو لشخص يرتكب أخطاءً إملائية أو نحوية.

مخاوف الخبراء من قصور النظام الطبي

تدفع هذه المخاوف بعض الخبراء إلى التحذير من عدّ الذكاء الاصطناعي حلاً سحرياً للنظام الطبي. يقول الدكتور ليو أنتوني سيلي، مدير الأبحاث السريرية في مختبر علم وظائف الأعضاء الحاسوبي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «إن القلق الحقيقي ليس في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في استخدامه لتحسين نظام معيب بشدة بدلاً من إعادة تصوره». ويضيف سيلي: «قد لا يُدرك مرضى اليوم مدى قصور النظام الحالي في تلبية احتياجاتهم».

وتشاركه زميلته، مرضية قاسمي من مجموعة التعلم الآلي الصحي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مخاوف مماثلة؛ إذ قالت إن الذكاء الاصطناعي يمتلك «إمكانات هائلة»، لكن يبدو أنه يُستخدم حالياً في الغالب لزيادة أرباح الأنظمة الطبية من خلال «رفع ثمن الفواتير، واستبدال كوادر الرعاية الصحية الأولية للمرضى المحتاجين، أو الترويج للأدوية:».

وقال رودمان، إن على الأنظمة الطبية ومرضاها أن يكونوا على دراية بهذه المشكلات. وأضاف: «لكن هذا ليس سبباً للتخلي عن هذه التقنية». وهو يأمل أن يتمكن الباحثون، بفضل الذكاء الاصطناعي، من توثيق التحيزات والحد منها. أما مع البشر، الذين لديهم التحيزات نفسها، «فمن الصعب جداً التخفيف منها»، كما قال رودمان.

وأضاف رودمان أن الذكاء الاصطناعي، على الأقل في بعض المهام، سيكون أفضل من الأطباء. سيكون أكثر دقة في الالتزام بإرشادات الفحص وتقديم المشورة للمرضى بشأن عادات نومهم وغذائهم، على سبيل المثال.

آخر ما نريده: «طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بالكامل»

ويعلق يقول الدكتور جيفري أ. ليندر، اختصاصي الطب الباطني في جامعة نورث وسترن. على ذلك بأن «هذه هي الجوانب الروتينية في مهنة الطب».

ويضيف: «هناك الكثير من المهام التي نقوم بها في الرعاية الصحية الأولية والتي تبدو وكأنها مجرد إجراءات شكلية». ولكنه أعرب عن قلقه من أن يعتمد بعض الأطباء بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي، ويقول: «آخر ما نريده هو طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كامل»، حيث «أُعطّل عقلي وأترك الذكاء الاصطناعي يملي عليّ ما يجب فعله طوال الوقت».

لكن المشكلة تكمن في أنه بينما قد لا يكون الذكاء الاصطناعي مثالياً، فإن النظام الطبي الحالي ليس كذلك أيضاً. ويتضح جلياً أن دور الطبيب سيشهد تحولاً جذرياً.

الدور المهم للأطباء

لكن لا يزال للأطباء أدوار مهمة يؤدونها. ويقول ليندر: «الطب الباطني تخصصٌ يعتمد على التعامل المباشر مع المرضى. إنك تتعرف على مرضاك بمرور الوقت، وتعرف قيمهم، وتعرف عائلاتهم».

ويوافق الدكتور جوشوا شتاينبرغ، طبيب الرعاية الأولية في جامعة ولاية نيويورك الطبية في بينغهامتون، نيويورك، على ذلك. ويقول: «حتى لو قرأ الذكاء الاصطناعي جميع المراجع الطبية، سأظل أنا الخبير في حالة مرضاي». ويضيف: «أعتقد أن دورنا كأطباء قد يبدو مختلفاً بعض الشيء، لكنني سأظل جالساً على كرسي متحرك صغير، أتحدث مع المريض».

* خدمة «نيويورك تايمز»


عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية
TT

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ستانفورد، أن التفاعلات بين جينات عدة، وليس الطفرات الجينية الفردية فقط، تلعب دوراً حاسماً في تطور بعض أمراض القلب الوراثية وتحديد شدتها. وتشير هذه النتائج إلى أن الفهم التقليدي لأمراض القلب القائم على البحث عن خلل في جين واحد، قد يكون مبسطاً أكثر مما ينبغي.

تفاعلات جينية معقَّدة

وقاد هذا البحث البروفسور إيوان آشلي، أستاذ علم الوراثة وعلوم البيانات الطبية الحيوية في كلية الطب بجامعة ستانفورد؛ حيث يركز مختبره على دراسة الكيفية التي تؤثر بها التفاعلات الجينية المعقدة في صحة الإنسان. ونُشرت الدراسة على موقع «Stanford Medicine» في 23 يناير (كانون الثاني) 2026، وقد تفتح آفاقاً جديدة في تشخيص أمراض القلب الوراثية وعلاجها.

ولطالما وُصفت أمراض القلب بأنها حالات تُورَّث داخل العائلات نتيجة خلل جيني ينتقل من الآباء إلى الأبناء. ولسنوات طويلة ركّز العلماء على الطفرات الجينية الفردية بوصفها السبب الرئيسي وراء هذه الأمراض. إلا أن هذا النهج لم يفسر سبب اختلاف شدة المرض بين أشخاص يحملون الطفرة نفسها، أو لماذا يُصاب بعضهم بالمرض بينما لا يُصاب آخرون.

ما وراء الجين الواحد

تلعب الجينات دوراً أساسياً في تحديد صفات جسدية بسيطة، مثل لون العينين أو شكل الوجه، وغالباً ما ترتبط هذه الصفات بجين واحد. ولكن الأمراض المعقدة -وعلى رأسها أمراض القلب- لا تخضع لهذه القاعدة البسيطة. فجميع البشر تقريباً يحملون تغيرات صغيرة في الحمض النووي (DNA) يُطلق على بعضها أحياناً «أخطاء مطبعية» جينية. ومعظم هذه التغيرات غير ضار؛ لكن بعضها قد يسهم في حدوث المرض.

هنا يظهر مفهوم وراثي يُعرف باسم التآثر الجيني (Epistasis) وهو يحدث عندما يتفاعل جينان أو أكثر معاً، لتغيير النتيجة النهائية لصفة جسدية أو مرضية. في هذه الحالة يعتمد تأثير جين واحد على وجود أو غياب جين آخر، ما يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها عند دراسة كل جين على حدة.

ويؤكد آشلي أن الجينات لا تعمل بشكل منفصل؛ بل ضمن شبكات معقدة. وفهم هذه الشبكات يساعد العلماء على تفسير سبب ظهور المرض لدى بعض الأشخاص دون غيرهم.

التركيز على تضخم عضلة القلب

وركز فريق البحث على حالة تُعرف باسم «تضخم عضلة القلب»، وهي اضطراب يصبح فيه جدار القلب سميكاً بشكل غير طبيعي، ما يحد من قدرته على ضخ الدم بكفاءة. وقد تؤدي هذه الحالة إلى عجز القلب أو اضطرابات خطيرة في نبضات القلب، وقد تكون قاتلة في بعض الأحيان.

ولسنوات، اعتُقد أن تضخم عضلة القلب ناتج أساساً عن طفرات فردية في جينات مسؤولة عن بنية عضلة القلب. ولكن فريق آشلي افترض أن التفاعلات بين عدة جينات قد تلعب دوراً أكبر مما كان يُعتقد.

تحليل كميات هائلة من البيانات

ولاختبار هذه الفرضية، طوَّر الباحثون أدوات حاسوبية متقدمة، قادرة على كشف التآثرات الجينية الخفية داخل مجموعات ضخمة من البيانات الوراثية. واعتمدت الدراسة على ما يقرب من 10 سنوات من جمع البيانات، شملت تحليلات جينية لأكثر من 300 قلب بشري، إضافة إلى نحو 30 ألف صورة قلب، مأخوذة من قاعدة بنك البيانات الحيوية في المملكة المتحدة (UK Biobank) إحدى أكبر قواعد البيانات الطبية الحيوية في العالم.

وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة، فحص الفريق نحو 15 مليون تغير جيني مرتبط ببنية القلب، ثم قلَّص هذا العدد إلى نحو 1400 طفرة يُحتمل أن تتفاعل بعضها مع بعض. بعد ذلك صُمم نموذج حاسوبي لترتيب هذه التفاعلات، وفقاً لتأثيرها المتوقع، في شكل وحجم ووزن عضلة القلب.

ثلاثة جينات محورية

وقد أسفرت التحليلات عن بروز 3 جينات رئيسية: TTN وIGF1R وCCDC141. ويُعد جين TTN من الجينات المعروفة المرتبطة بأمراض عضلة القلب، بينما يلعب جين IGF1R دوراً مهماً في نمو القلب وتنظيم عمليات الأيض. أما جين CCDC141 فلا يزال غير مدروس على نطاق واسع، ولم يكن مرتبطاً سابقاً بشكل مباشر بأمراض القلب.

وأظهرت النتائج أن الطفرات في واحد من هذه الجينات بمفرده يكون تأثيرها محدوداً نسبياً؛ لكن عند اجتماع طفرات في جينين معاً يصبح التأثير أكثر وضوحاً وخطورة، ما يؤكد الدور المحوري للتآثر الجيني في تطور المرض.

تجارب مختبرية تؤكد النتائج

وللتحقق من هذه النتائج أجرى الباحثون تجارب على خلايا عضلة القلب البشرية المزروعة في المختبر. واستخدموا تقنيات تعتمد على الحمض النووي الريبي لتعطيل أزواج محددة من الجينات، ثم راقبوا استجابة الخلايا. وأظهرت النتائج أن تعطيل جينين متفاعلين معاً أدى إلى تقليل تضخم الخلايا القلبية بشكل ملحوظ، وهو أحد المؤشرات الرئيسية لمرض تضخم عضلة القلب.

أهمية النتائج وآفاق المستقبل

تحمل هذه النتائج أهمية كبيرة لمستقبل علاج أمراض القلب. فمعظم العلاجات الجينية الحالية تستهدف جيناً واحداً فقط؛ لكن إذا كان المرض ناتجاً عن تفاعل شبكة كاملة من الجينات، فإن هذا النهج قد لا يكون كافياً. وأوضحت الباحثة تشيانرو وانغ، المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم طب القلب والأوعية الدموية بجامعة ستانفورد، أن فهم هذه التفاعلات قد يساعد في تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية.

ورغم أن الدراسة ركَّزت على أمراض القلب، فإن نتائجها قد تمتد لتشمل أمراضاً معقدة أخرى، مثل السرطان والسكري واضطرابات الجهاز العصبي. ومع استمرار العلماء في فك رموز هذه الشبكات الجينية المعقدة، يبدو مستقبل الطب الدقيق أكثر قدرة على تقديم علاجات شاملة تستند إلى فهم أعمق لجينات الإنسان وتفاعلاتها.


بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.