الناطق باسم الحوثي لـ «الشرق الأوسط»: إقالة مدير مكتب الرئاسة باتت واجبة

هادي يعقد اجتماعا استثنائيا بمجلس الدفاع الوطني ويطلب تدخل الجيش.. وشبوة تهدد بوقف إمدادات النفط والغاز

عناصر من الحوثيين في نقطة تفتيش في العاصمة اليمنية صنعاء (أ.ف.ب)
عناصر من الحوثيين في نقطة تفتيش في العاصمة اليمنية صنعاء (أ.ف.ب)
TT

الناطق باسم الحوثي لـ «الشرق الأوسط»: إقالة مدير مكتب الرئاسة باتت واجبة

عناصر من الحوثيين في نقطة تفتيش في العاصمة اليمنية صنعاء (أ.ف.ب)
عناصر من الحوثيين في نقطة تفتيش في العاصمة اليمنية صنعاء (أ.ف.ب)

اتخذت أزمة اختطاف الدكتور أحمد عوض بن مبارك، مدير مكتب الرئاسة اليمنية وأمين عام مؤتمر الحوار الوطني الشامل، أبعادا جديدة على الساحة اليمنية وخلقت تداعيات سياسية واجتماعية كبيرة تهدد مسيرة التسوية السياسية القائمة في البلاد.
وفي حين طلبت اللجان الشعبية التي تحتجز بن مبارك، إقالته من منصبه شرطا للإفراج عنه، أعلنت قبائل شبوة الجنوبية التي ينتمي إليها بن مبارك عن خطوات تصعيدية احتجاجا على ما تعرض له من خطف على أيدي الحوثيين.
في السياق ذاته، قال محمد عبد السلام، الناطق باسم عبد الملك الحوثي، إن اللجان الشعبية التابعة لـ«أنصار الله – الحوثيين» اضطرت إلى اتخاذ خطوة إيقاف الدكتور أحمد عوض بن مبارك، مدير مكتب رئاسة الجمهورية، بهدف إيقاف تمرير مسودة الدستور الجديد بصورة غير توافقية كما ينص اتفاق السلم والشراكة الموقع بين الحوثيين وكل الأطراف السياسية في الساحة اليمنية. وأكد عبد السلام، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أنه ضمن القضايا التي كان يراد تمريرها في مسودة الدستور موضوع تقسيم اليمن إلى أقاليم، واعتبر أن ذلك يخالف مخرجات الحوار الوطني ومبدأ السلم والشراكة المتفق عليه، مشيرا إلى أن إيقاف بن مبارك هدف إلى إيقاف هذه المساعي.
وردا على سؤال بشأن ما يطرح من أن الحوثيين لديهم معلومات تفيد بتخابر بن مبارك مع جهات أجنبية، قال محمد عبد السلام «هذا الكلام سابق لأوانه رغم كل ما يطرح». وعما إذا كان الحوثيون يشترطون إقالة مدير مكتب الرئاسة مقابل الإفراج عنه، أكد أن «القضية الأساسية هي قضية مسودة الدستور.. لكن بعد كل ما جرى لا يمكن أن يظل بن مبارك في منصبه، لأن مدير مكتب الرئاسة ليس شيئا شخصيا لهادي وإنما لليمن ككل». وحول وضع اعتقال بن مبارك، قال عبد السلام إنه يتم التعامل معه «وفقا لأخلاقنا المعروفة عنا، والقضية ليست فيه وإنما في موضوع الدستور».
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر سياسية يمنية مطلعة أن الساعات الماضية شهدت مفاوضات بين الحوثيين ووسطاء من مستشاري الرئيس ووجاهات سياسية وقبلية في محاولة لإقناع الحوثيين بالإفراج عن مدير مكتب الرئاسة، غير أن الحوثيين اشترطوا لإطلاق سراحه، إقالته من منصبه وتعيين شخص آخر بدلا منه، كما حدث مع اللواء يحيى المراني، وكيل الجهاز المركزي للأمن السياسي (المخابرات) للشؤون الداخلية، الذي اختطف لنحو 3 أسابيع قبل أن يجري الإفراج عنه بوساطة عمانية مقابل إقالته من منصبه ونفيه من اليمن إلى إحدى الدول العربية.
وأكدت المصادر أن الوساطة ما زالت مستمرة، حتى اللحظة.
وإزاء هذه التداعيات، عقد الرئيس عبد ربه منصور هادي، أمس، اجتماعا استثنائيا لمجلس الدفاع الوطني بحضور رئيسي مجلسي النواب يحيى الراعي، والوزراء خالد محفوظ بحاح. وحسب مصادر رسمية، فقد بحث الاجتماع الاستثنائي «مستجدات الأوضاع الأمنية بكل صورها والتطورات الراهنة على مختلف مستوياتها»؛ حيث أكد هادي على «ضرورة اضطلاع الجيش والأمن بمسؤولية حفظ الأمن في العاصمة صنعاء والحرص الكامل على عدم الانجرار إلى عودة الاقتتال والمتاريس داخل العاصمة أو غيرها من المحافظات، وذلك من أجل الحفاظ على السكينة واستتباب الأمن من الاختراقات التي تتكرر هنا وهناك»، مشيرا إلى ضرورة وأهمية «حسن الأداء والالتزام الكامل بالعمل وفقا لأسس وقوانين الأمن وبما يرسخ الأمن والسكينة العامة»، مشيرا إلى أن على القادة «التنسيق المشترك بما يحقق الأهداف المرجوة وإزالة الاحتقانات وحماية المصالح العامة وبث الاطمئنان لدى المواطن».
وفي رد فعل على اختطافه من قبل الحوثيين، أعلنت قبائل محافظة شبوة الجنوبية التي ينتمي إليها بن مبارك عن خطوات تصعيدية احتجاجا على عملية الاختطاف، وأغلقت معظم المرافق الحكومية في مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة، أبوابها، فيما هددت قبائل المنطقة بوقف استخراج وتصدير النفط والغاز من المحافظة إلى المحافظات الأخرى وإلى خارج اليمن، إذا لم يتم الإفراج السريع عن الدكتور بن مبارك، في الوقت الذي تعثر فيه عمل اللجنة الرئاسية الخاصة بتطبيع الأوضاع في محافظة مأرب المتوترة والمجاورة لشبوة، جراء عملية اختطاف بن مبارك.
من جهتها، واصلت دول مجلس التعاون الخليجي، أمس، تنديدها بما تعرض له الدكتور أحمد عوض بن مبارك وبالعمليات الإرهابية في اليمن. وتلقى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي اتصالا هاتفيا من الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، وقالت مصادر رسمية يمنية إن الزياني أعرب فيه عن رفض دول المجلس العمليات الإرهابية بكل صورها وأشكالها ومن أي مصدر كان. وأضاف أن دول مجلس التعاون الخليجي تدعم الرئيس هادي واليمن «من أجل استكمال المرحلة الانتقالية المشارفة على الانتهاء وفقا للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية المزمنة وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة باعتبار المبادرة الخليجية المخرج الوحيد والطبيعي والمنطقي لإنهاء الأزمات والانقسامات في اليمن وبلوغ آفاق الأمن والأمان والتطور والازدهار». وقال الزياني إن «عملية التغيير السياسي السلمي في اليمن مدعومة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي وبإشراف الأمم المتحدة»، وأكد أنه «لا يجوز الاعتراض على مسيرة التغيير في اليمن لاستنادها على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي شاركت فيه كل الأطياف السياسية اليمنية بكل انتماءاتها ومشاربها واتجاهاتها».
ونددت القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب القوى الإقليمية والدولية، بما أقدم عليه الحوثيون من اختطاف تحت تهديد السلاح لمدير مكتب الرئاسة، واعتبرت سلسلة من البيانات التي صدرت خلال الساعات الـ48 الماضية، أن ما جرى يرتقي إلى عمل العصابات، ووصف عبد الباري طاهر، نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» اختطاف بن مبارك بأنه «جرائم متعددة.. جريمة اختطاف، جريمة الاعتداء على النظام والقانون، ويتضح أن هذه الجماعة (الحوثيون) تعتمد على الغلبة والقوة وتريد أن تفرض قضايا سياسية بالسلاح، وفي هذا تعطيل للدستور ولبناء الدولة المدنية وخرق لما يتم التوافق عليه في اتفاق السلم والشراكة ولكل مخرجات الحوار الوطني الشامل»، وأضاف طاهر أن «الأمر المحزن هو التهاون مع الجماعات والميليشيات المسلحة من قبل الدولة، هذه الميليشيات تكتسح المدن وتعتدي على الوزارات والمؤسسات، وكل هذا التهاون أدى إلى هذه النتيجة الكارثية، ودون حزم من قبل الدولة ومواجهة هذا العنف، فسيكون مستقبل البلد في خطر. لا بد من مواجهة عنف هذه الجماعة التي تقطع الطريق والسبيل وتهدد أمن وسلامة البلاد، ولكن التهاون أدى إلى ما وصلنا إليه اليوم».
هذا وما زالت اللجان الشعبية التي اعتقلت بن مبارك، تحتجزه في مكان غير معروف حتى اللحظة، منذ صباح أول من أمس، وقد اعترفت، في بيان لها، بما سمته إيقاف مدير مكتب الرئاسة على خلفية مناقشة مسودة الدستور التي تنص على قيام دولة اتحادية في اليمن من 6 أقاليم. وقد تداول النشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي صورة يعتقد أنها لابن مبارك وهو ممدد على الأرض وبعض الأشخاص يمسكون به، دون أن تظهر وجوههم، غير أنه لم يتسن التأكد من صحة تلك الصورة أو مصدرها.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.