كتلة الأصوات اللاتينية باتت حاسمة في الحسابات الانتخابية الأميركية

وسط انقسام غير مسبوق في المشهد السياسي

كتلة الأصوات اللاتينية باتت حاسمة في الحسابات الانتخابية الأميركية
TT

كتلة الأصوات اللاتينية باتت حاسمة في الحسابات الانتخابية الأميركية

كتلة الأصوات اللاتينية باتت حاسمة في الحسابات الانتخابية الأميركية

منذ مطالع هذا القرن لم يعد التمدّد الكثيف للحالة «اللاتينية» (أو الهسبانيكية) في الولايات المتحدة الأميركية مقصوراً على المدن الكبرى، مثل نيويورك ولوس أنجليس وميامي حيث تتعايش اللغتان الإنجليزية والإسبانية تقريباً على قدم المساواة، بل أصبحت هذه الحالة متغلغلة في العمق الأميركي أيضاً. إذ بات مألوفاً أن نرى جاليات المهاجرين من بلدان أميركا اللاتينية تتردّد على المدارس والكنائس الخاصة بها، وتُصدر صحافتها وتدير إذاعاتها وقنواتها التلفزيونية باللغة الإسبانية.
وكانت التقديرات الديمغرافية تشير منذ سنوات إلى أن المتحدرين من أصول لاتينية لن يلبثوا أن يصبحوا الأقليّة الأكثر عدداً، كما حصل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي شارك فيها أكثر من 32 مليون لاتيني، يشكّلون 13.3 في المائة من مجموع الناخبين، علماً بأن العدد الإجمالي للجالية اللاتينية يزيد على 60 مليوناً.
في انتخابات العام 2016 الرئاسية، استطاع المرشح (ثم الرئيس) الجمهوري دونالد ترمب، بفضل اقتراحه الشهير بناء جدار فاصل على الحدود مع المكسيك، استنهاض مشاعر الناخبين البيض الذين منحوه فوزاً ثميناً، ولو بفارق ضئيل في عدد من الولايات الحاسمة. وكان من الطبيعي، بعد الهجوم الذي شنّه ترمب على الجاليات اللاتينية في تلك الحملة الانتخابية، والأهمية المتزايدة لهذه الجاليات في المشهد الانتخابي، أن يركّز المعسكران الجمهوري والديمقراطي في حملتيهما على استقطاب هذه المجموعة السكانية التي صوّتت لصالح هيلاري كلينتون بنسبة 66 في المائة في انتخابات العام 2016.
وحقاً، كان الديمقراطيون قد بنوا استراتيجيتهم الانتخابية في المعركة الانتخابية مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الفائت على تحقيق 4 أهداف رئيسة، هي دفع الناخبين إلى المشاركة بنسبة عالية، وتقليص الفارق الحالي لصالح الجمهوريين بين البيض، والحصول على أعلى نسبة ممكنة من أصوات السود، والحؤول دون حصول ترمب على نسبة أكبر من الأصوات اللاتينية من تلك التي نالها في الانتخابات السابقة.
جرت العادة في الانتخابات الرئاسية الأميركية خلال العقود القليلة الماضية أن تنحصر المعركة حول «الصوت اللاتيني» في ولايتي فلوريدا وتكساس، إلا أنه مع ازدياد عدد الناخبين المتحدرين من أصول لاتينية في عموم الولايات، ولا سيما مدنها الكبرى، اتسعت حلبة المعركة لتشمل ولايات أخرى، مثل ويسكونسن وأريزونا ونورث كارولينا وبنسلفانيا.
وما حصل أنه بعكس معظم التوقعات تمكن ترمب من تجديد فوزه في فلوريدا، ليس فقط بفضل احتفاظ الجمهوريين كالعادة بأصوات المقاطعات الشمالية الريفية ذات الأغلبية البيضاء، بل لنجاح ترمب في اللعب على حبال الخوف والتطلعات في صفوف المتحدرين من أصول كوبية وفنزويلية وكولومبية في جنوب الولاية ووسطها. كذلك استطاع ترمب أن يكرّر الفوز في تكساس، وإن كان بفارق أقل من الانتخابات السابقة. وفي المقابل، خسر في الولايات الأخرى التي كان الصوت اللاتيني فيها حاسماً، إذ لم يحصل سوى على 32 في المائة من مجموع الناخبين المتحدرين من أصول لاتينية، مقابل 65 في المائة لمنافسه الديمقراطي جو بايدن.

اللاتينيون تجاوزوا السود
بعدما تجاوز عدد الناخبين اللاتينيين عدد الناخبين السود (الأفروأميركيين) لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، بات من المؤكد أن تشتدّ المنافسة أكثر في المستقبل على استقطاب هذه الكتلة الناخبة التي بات يطلَق عليها مُسمّى «العملاق النائم». والحال أن التقديرات الديمغرافية الأميركية تشير راهناً إلى أن نسبة النمو السكاني بين اللاتينيين تكاد تضاعف نسبة النمو عند السود مرتين. ومن ثم، يُتوقع أن تغدو الكتلة العرقية الأولى في الولايات المتحدة بحلول العام 2050 إذا استمر نموها بالوتيرة الحالية، إذ يزيد عدد الناخبين في صفوفها بمقدار مليون ناخب كل سنة.
من ناحية أخرى، في حين يشكّل الناخبون السود، أو الأفروأميركيون، كتلة واحدة متجانسة يسهل تحديد نزعاتها السياسية، تتوزّع الأصوات اللاتينية على مشارب وهواجس مختلفة بين ساحة رحبة، انتماءاتها تتوزّع كالآتي؛ 59 في المائة من المكسيكيين، و14 في المائة من البورتوريكيين، و5 في المائة من الكوبيين، و22 في المائة من بلدان أميركا اللاتينية الأخرى. يضاف إلى ذلك أن 75 في المائة من اللاتينيين ليسوا من المهاجرين الجدد، بل هم ولدوا في الولايات المتحدة، وبالتالي فإن اهتماماتهم وشواغلهم لا تختلف كثيراً عن تلك التي تساور أي مواطن أميركي آخر. ولقد دلّت الاستطلاعات في أوساط الجاليات اللاتينية على أن اهتماماتها تتدرّج في الأولويات من أزمة «كوفيد 19» إلى التأمين الصحي وفرص العمل والرواتب، قبل مشكلات الهجرة وقضايا العدالة الاجتماعية.

ضآلة مشاركتهم السياسية
كذلك، تفيد الدراسات الإحصائية التي أجريت في الولايات المتحدة منذ ثمانينات القرن الماضي أن نسبة مشاركة اللاتينيين في الانتخابات كانت دائماً دون مشاركة المجموعات العرقية الأخرى. فبينما يشارك البيض والسود بنسبة تتجاوز عادة 60 في المائة، لا تزيد مشاركة اللاتينيين على 48 في المائة.
وكانت حملة بايدن الانتخابية قد أعربت عن قلقها من تدنّي نسبة إقبال اللاتينيين على المشاركة في الانتخابات المسبقة عبر البريد قبل 4 أيام من موعد الانتخابات مقارنة بالناخبين البيض والسود. وعليه، صعّدت أنشطتها لتعبئتهم، خاصة في الولايات، التي يمكن لأصواتهم أن ترجّح كفّة الفوز فيها، مثل فلوريدا وأريزونا وبنسلفانيا. وفعلاً، أثمرت جهود المعسكر الديمقراطي في الشوط الأخير من الحملة الانتخابية لتعبئة الناخبين اللاتينيين بما يكفي للفوز في عدد من الولايات التي تسمّى «متأرجحة»، لكن الديمقراطيين عجزوا عن قلب المعادلة التقليدية في تكساس، كما عادوا، واصطدموا بحاجز الكتلة الكوبية والفنزويلية اليمينية في ولاية فلوريدا... حيث تصوّت عادة لصالح المعسكر الجمهوري، وضد كل الذين تصفهم بـ«التقدميين».
الجدير بالذكر أن المعسكرين الجمهوري والديمقراطي كانا يسعيان منذ سنوات إلى إرساء استراتيجيات بعيدة الأمد لاستقطاب الصوت اللاتيني الذي سيصبح عاملاً أساسياً في ترجيح كفة الانتخابات، والذي تتشعّب ميوله وفقاً للمنشأ الذي يتحدّر منه وظروفه التاريخية والاجتماعية. وإذا كان التاريخ المشترك من حيث العبودية والعنصرية والتمييز هو الذي يجمع بين الناخبين السود، فإن دوافع الهجرة اللاتينية تختلف باختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية في بلدان المنشأ، وأيضاً بتنوّع الثقافات والتجارب السياسية، الأمر الذي يقتضي تنويع الخطاب السياسي الذي يستهدف استقطاب الصوت اللاتيني لترجيح الكفة في الانتخابات.
وفق الدراسات، فإن 60 في المائة من اللاتينيين هم دون سن الـ33 من العمر، و40 في المائة من الناخبين دون الـ30، وغالبية هؤلاء لا تتابع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة التقليدية باللغة الإسبانية. ولذا لجأ الديمقراطيون والجمهوريون إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتوجيه رسائلهم الانتخابية باللغة الإسبانية، مستخدمين لهجات ولكنات مختلفة حسب المناطق الجغرافية، مثل اللكنة الكوبية في الرسائل الموجهة إلى فلوريدا، أو اللكنة المكسيكية في تلك الموجهة إلى أريزونا.

خطاب لكل معسكر
حملة بايدن الموجّهة إلى الناخب اللاتيني ركّزت على تشبيه منافسه دونالد ترمب بـ«الحكام المستبدّين» الذين تعاقبوا على السلطة في بلدان أميركا اللاتينية، ونجحت في استقطاب عدد من مشاهير الأغنية والسينما المتحدرين من أصول لاتينية. وفي المقابل، ركّز الجمهوريون في حملتهم على وصف ترمب للديمقراطيين بـ«الاشتراكيين»... وعلى إحدى مقولات بايدن بأنه في حال انتخابه سيكون «أحد أكثر الرؤساء تقدميّة في تاريخ الولايات المتحدة»، مرفقين بصوره في رسائلهم الدعائية صوراً للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو والزعيمين الفنزويليين اليساريين السابق والحالي أوغو تشافيز ونيكولاس مادورو. بل إن ترمب جال في ولاية فلوريدا إبّان حملته الانتخابية تحت شعار «مناضلون ضد الاشتراكية»، مؤكداً أنه طالما هو في البيت الأبيض لن يسمح بأن تصبح الولايات المتحدة «دولة اشتراكية».
هذا، ومن أصل 60 مليون أميركي لاتيني يعيش في الولايات المتحدة، يقيم 8 ملايين في ولاية كاليفورنيا التي تجمع أكبر عدد من «الأصوات الناخبة» بين الولايات الأميركية. ويصوّت اللاتينيون عادة في هذه الولاية لصالح الديمقراطيين، فمثلاً، حصل بيل كلينتون على 73 في المائة من أصواتهم في انتخابات العام 1996. غير أن نسبة إقبال هؤلاء على الاقتراع تبقى متدنية، ولم تتجاوز أبداً 47 في المائة. ويقول باحثون إن فوز دونالد ترمب في انتخابات العام 2016 وحصوله على 33 في المائة من أصوات الناخبين اللاتينيين رغم ما صدر عنه من انتقادات وشتائم في حقهم - حيث وصفهم مراراً بأنهم «مجموعات من القتلة والمغتصبين» - دفع بالديمقراطيين إلى إعادة نظر جذرية في استراتيجيتهم لاستقطاب الصوت اللاتيني.
وبعدما كان الديمقراطيون يراهنون طوال سنوات على النمو الديمغرافي، ويعتبرون أن الصوت اللاتيني المتنامي بمعدل مليون ناخب إضافي كل سنة سيصبّ في غالبيته الساحقة لصالحهم على غرار الصوت الأسود، استفاقوا على واقع مختلف. إذ اكتشفوا أن الصوت اللاتيني يخضع، هو أيضاً، لمعادلات التشرذم والتأرجح التي يخضع لها الصوت الأبيض.
وفعلاً، تفيد بعض الاستطلاعات أنهم ليسوا بقلّة بين الناخبين اللاتينيين أولئك الذين يؤيدون خطاب ترمب المتطرف في موضوع الهجرة، وهذا من باب الحرص على مصالحهم والخشية من تدهور أوضاعهم بسبب المنافسة. يضاف إلى ذلك أن المتحدرين من أصول لاتينية هم في الغالب من المتديّنين الذين تجذبهم السياسات الاجتماعية المحافظة، وبخاصة، تلك التي تسير اليوم في ركب الكنيسة «الإنجيلية الجديدة» (الإيفانجيليكالز) واسعة النفوذ في صفوفهم. وكانت النجمة اللاتينية الصاعدة في صفوف الحزب الديمقراطي آلكسندريا أوكاسيو - كورتيز، وهي نائبة يسارية متحمّسة عن ولاية نيويورك في مجلس النواب الأميركي، قد انتقدت سياسة الحزب تجاه الناخبين اللاتينيين، وقالت: «لا أعتقد أن حزبنا قام يوماً بعمل جدّي في هذا المجال. ولا أدري كيف تقبل مجموعات الأقليات السكانية بهذا الاهتمام الموسمي العابر الذي ينتهي بمجرد إقفال صناديق الاقتراع». أيضاً، انتقدت شخصيات ديمقراطية أخرى حملة بايدن «البطيئة والمتأخرة» لاستقطاب الصوت اللاتيني، مع أنها في نهاية المطاف أنفقت مبلغاً قياسياً على الإعلانات المرئية والمسموعة باللغة الإسبانية، بلغت 20 مليون دولار أميركي، مقابل 9 ملايين دولار أنفقتها حملة ترمب.

لا ضمانات لأحد
في هذا الاتجاه، اعترف بعض الذين أشرفوا على حملة بايدن الانتخابية بالتقصير في التواصل والتفاعل مع الجاليات المتحدّرة من أصول لاتينية في تكساس وفلوريدا. ودعا هؤلاء إلى الإسراع في معالجة هذا التقصير وإرساء استراتيجية بعيدة الأمد في ضوء الفارق الضئيل الذي أعطى الفوز للحزب الجمهوري في هاتين الولايتين المهمتين، مقابل فوز الحزب الديمقراطي في ولايات أخرى بفضل الصوت اللاتيني.
مثلاً، تقول ماريسا فرنكو، الناشطة اللاتينية البارزة في الحزب الديمقراطي التي كانت المديرة التنفيذية لحملة بيرني ساندرز في الانتخابات الأولية: «إن تأييدنا لبايدن هو تأييد لخصمنا وليس لانتخاب مخلّص لنا. نريد للحزب الديمقراطي أن يقترب أكثر من الطبقة العاملة والمهاجرين والأقليات العرقية حيث يوجد مفتاح النصر في المستقبل، وحيث يجب أن تبدأ الحلول للمشكلات الأساسية التي يعاني منها مجتمعنا». ودعت فرنكو للتنبه إلى التباين العميق في المنازع السياسية للمتحدّرين من أصول لاتينية، التي تتراوح من الناخبين المحافظين المتديّنين في فلوريدا الذين يؤيدون ترمب... إلى الشباب «التقدميين» المتحدرين من أصول مكسيكية في أريزونا الذين كانوا يترددون حتى في تأييد بايدن. إلا أن فرنكو شدّدت، في الوقت ذاته، على ضرورة «ترسيخ هوية سياسية لاتينية» ترى فيها السبيل الوحيد لكي يحصل اللاتينيون على الاهتمام المطّرد بأوضاعهم.
وهنا يوضح مايك لوبيز، الخبير في معهد البحوث اللاتينية التابع لجامعة واشنطن، أن «الجاليات المتحدرة من أصول لاتينية كانت تعيش تقليدياً في مناطق لا تشكّل ميداناً للصراع السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين في الانتخابات. بمعنى أنها مناطق تكاد النتائج محسومة سلفاً فيها لأحد الحزبين... لكن بعدما تضاعف عدد الناخبين اللاتينيين منذ مطلع هذا القرن، وازديادهم بمعدل مليون ناخب جديد كل عام، أدركت الأحزاب مدى أهمية هذه الكتلة الانتخابية في مستقبل المشهد السياسي الأميركي، وأخذت تضع استراتيجيات للتعامل معها واستقطابها».

الصوت اللاتيني: تنوّع متعدّد الخلفيات... واتجاهه غير مضمون مستقبلاً
> مع تزايد اهتمام الأحزاب السياسية الأميركية بالصوت اللاتيني (الهسبانيكي) الذي بات يلعب دوراً وازناً في الانتخابات الرئاسية كما في انتخابات حكّام الولايات وأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، اندفعت الجاليات اللاتينية إلى تأسيس جمعيات وتنظيمات لتعزيز حضورها وزيادة نفوذها في المشهد السياسي الأميركي. ويأتي هذا التطور مع بلوغ الانقسام السياسي في الولايات المتحدة مستوى غير مسبوق في أعقاب الحملتين الأخيرتين من الانتخابات الرئاسية عام 2016 و2020.
وإذ يتوقع المراقبون مزيداً من الانقسام السياسي والاجتماعي في البلاد، أو أن يستمر الوضع على ما هو عليه من توتر في أحسن الأحوال، بات تشكيل معالم المشهد السياسي الأميركي في المستقبل محكوماً بدور الأقليات العرقية التي يشكّل اللاتينيون بينها القوة الصاعدة الأولى. ويجمع المحلِّلون على أن توجّهات الصوت اللاتيني، على أهميته في حسم المعارك الانتخابية في المستقبل، ستبقى خاضعة لمعادلة المنشأ الجغرافي التي يحكمها الموروث السياسي ودوافع الهجرة الأولى، كما دلّت على ذلك الانتخابات الرئاسية الثلاث الأخيرة.
عام 2016 فاز دونالد ترمب بفارق بسيط (أكثر بقليل من 100 ألف صوت من أصل 9 ملايين صوت تقريباً) في ولاية فلوريدا التي كان يتوقع فوزاً ساحقاً فيها بعدما مال الصوت اللاتيني في مدينة ميامي وضواحيها لصالح منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون. لكنه بعد 4 سنوات تمكّن من الفوز بفارق مريح (نحو 375 ألف صوت) في هذه الولاية التي تعتبر الأكثر تقلّباً بين الولايات الأميركية، ولقد عزز فوزه بفضل أصوات الناخبين المتحدرين من أصول كوبية وفنزويلية وكولومبية.
لكن في المقلب الآخر، كانت ولاية أريزونا، التي تصوّت عادة لصالح المرشح الجمهوري، تنضمّ إلى قافلة الولايات «الديمقراطية» بفضل التحالف الذي يتشكّل منذ سنوات بين المناطق الحضرية والريفية التي يتكاثر فيها عدد المتحدرين من أصول لاتينية. أما في الولايات المصنّفة «تقدمية»، مثل كاليفورنيا وكولورادو ونيو مكسيكو، فقد ثبّت الديمقراطيون مواقعهم بفضل ازدياد الدعم اللاتيني، يقابل ذلك استمرار تكساس على «جمهوريتها» لكن مع تضاؤل الفارق بين الحزبين.
هنا، يتضح من تحليل نتائج الانتخابات الأخيرة أن اتجاه الصوت اللاتيني يتأثر بنوع الجنس والفئة العمرية وبلد المنشأ... من تشيلي إلى المكسيك، مروراً بنيكاراغوا. وهو يتأثر كذلك بالديانة وفترة الإقامة في الولايات المتحدة. أما السمة الوحيدة المشتركة في هذه المجموعة المتنوعة فهي كونها تشكّل أكبر مجموعات الشباب دون الثلاثين من العمر في الولايات المتحدة. مع الإشارة إلى أن محللين يرون أن على الديمقراطيين ألا «يناموا على حرير» تأييد غالبية الناخبين اللاتينيين لهم في هذه الانتخابات وتلك التي سبقتها. إذ يعتقد هؤلاء أن نسبة عالية من الأصوات اللاتينية كانت ضد شخص دونالد ترمب وتصريحاته الاستفزازية أكثر منها تأييداً لخط الحزب الديمقراطي.

شخصيات «لاتينية» بارزة حالياً
> مجلس الشيوخ:
السيناتور الجمهوري تيد كروز (تكساس - من أصل كوبي)، والسيناتور الجمهوري ماركو روبيو (فلوريدا - من أصل كوبي)، والسيناتور الديمقراطي بوب مينينديز (نيو جيرسي - من أصل كوبي)، والسيناتورة الديمقراطية كاترين كورتيز ماستو (نيفادا - من أصل مكسيكي)، يضاف إليهم السيناتور المنتخب حديثاً بن راي لوهان، وهو ديمقراطي من أصل مكسيكي فاز في انتخابات ولاية نيو مكسيكو.

> حكام الولايات:
الحاكمة ميشيل لوهان غريشام، وهي ديمقراطية من أصل مكسيكي، تتولى منصب حاكم ولاية نيومكسيكو منذ مطلع 2019. خلفاً لحاكمة لاتينية أخرى، هي سوزانا مارتينيز.
> المحكمة العليا للولايات المتحدة:
القاضية سونيا سوتومايور (من أصل بورتوريكي)، وهي أول قاضية من أصل لاتيني تعيّن في هذه المحكمة.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.