كتلة الأصوات اللاتينية باتت حاسمة في الحسابات الانتخابية الأميركية

وسط انقسام غير مسبوق في المشهد السياسي

كتلة الأصوات اللاتينية باتت حاسمة في الحسابات الانتخابية الأميركية
TT

كتلة الأصوات اللاتينية باتت حاسمة في الحسابات الانتخابية الأميركية

كتلة الأصوات اللاتينية باتت حاسمة في الحسابات الانتخابية الأميركية

منذ مطالع هذا القرن لم يعد التمدّد الكثيف للحالة «اللاتينية» (أو الهسبانيكية) في الولايات المتحدة الأميركية مقصوراً على المدن الكبرى، مثل نيويورك ولوس أنجليس وميامي حيث تتعايش اللغتان الإنجليزية والإسبانية تقريباً على قدم المساواة، بل أصبحت هذه الحالة متغلغلة في العمق الأميركي أيضاً. إذ بات مألوفاً أن نرى جاليات المهاجرين من بلدان أميركا اللاتينية تتردّد على المدارس والكنائس الخاصة بها، وتُصدر صحافتها وتدير إذاعاتها وقنواتها التلفزيونية باللغة الإسبانية.
وكانت التقديرات الديمغرافية تشير منذ سنوات إلى أن المتحدرين من أصول لاتينية لن يلبثوا أن يصبحوا الأقليّة الأكثر عدداً، كما حصل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي شارك فيها أكثر من 32 مليون لاتيني، يشكّلون 13.3 في المائة من مجموع الناخبين، علماً بأن العدد الإجمالي للجالية اللاتينية يزيد على 60 مليوناً.
في انتخابات العام 2016 الرئاسية، استطاع المرشح (ثم الرئيس) الجمهوري دونالد ترمب، بفضل اقتراحه الشهير بناء جدار فاصل على الحدود مع المكسيك، استنهاض مشاعر الناخبين البيض الذين منحوه فوزاً ثميناً، ولو بفارق ضئيل في عدد من الولايات الحاسمة. وكان من الطبيعي، بعد الهجوم الذي شنّه ترمب على الجاليات اللاتينية في تلك الحملة الانتخابية، والأهمية المتزايدة لهذه الجاليات في المشهد الانتخابي، أن يركّز المعسكران الجمهوري والديمقراطي في حملتيهما على استقطاب هذه المجموعة السكانية التي صوّتت لصالح هيلاري كلينتون بنسبة 66 في المائة في انتخابات العام 2016.
وحقاً، كان الديمقراطيون قد بنوا استراتيجيتهم الانتخابية في المعركة الانتخابية مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الفائت على تحقيق 4 أهداف رئيسة، هي دفع الناخبين إلى المشاركة بنسبة عالية، وتقليص الفارق الحالي لصالح الجمهوريين بين البيض، والحصول على أعلى نسبة ممكنة من أصوات السود، والحؤول دون حصول ترمب على نسبة أكبر من الأصوات اللاتينية من تلك التي نالها في الانتخابات السابقة.
جرت العادة في الانتخابات الرئاسية الأميركية خلال العقود القليلة الماضية أن تنحصر المعركة حول «الصوت اللاتيني» في ولايتي فلوريدا وتكساس، إلا أنه مع ازدياد عدد الناخبين المتحدرين من أصول لاتينية في عموم الولايات، ولا سيما مدنها الكبرى، اتسعت حلبة المعركة لتشمل ولايات أخرى، مثل ويسكونسن وأريزونا ونورث كارولينا وبنسلفانيا.
وما حصل أنه بعكس معظم التوقعات تمكن ترمب من تجديد فوزه في فلوريدا، ليس فقط بفضل احتفاظ الجمهوريين كالعادة بأصوات المقاطعات الشمالية الريفية ذات الأغلبية البيضاء، بل لنجاح ترمب في اللعب على حبال الخوف والتطلعات في صفوف المتحدرين من أصول كوبية وفنزويلية وكولومبية في جنوب الولاية ووسطها. كذلك استطاع ترمب أن يكرّر الفوز في تكساس، وإن كان بفارق أقل من الانتخابات السابقة. وفي المقابل، خسر في الولايات الأخرى التي كان الصوت اللاتيني فيها حاسماً، إذ لم يحصل سوى على 32 في المائة من مجموع الناخبين المتحدرين من أصول لاتينية، مقابل 65 في المائة لمنافسه الديمقراطي جو بايدن.

اللاتينيون تجاوزوا السود
بعدما تجاوز عدد الناخبين اللاتينيين عدد الناخبين السود (الأفروأميركيين) لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، بات من المؤكد أن تشتدّ المنافسة أكثر في المستقبل على استقطاب هذه الكتلة الناخبة التي بات يطلَق عليها مُسمّى «العملاق النائم». والحال أن التقديرات الديمغرافية الأميركية تشير راهناً إلى أن نسبة النمو السكاني بين اللاتينيين تكاد تضاعف نسبة النمو عند السود مرتين. ومن ثم، يُتوقع أن تغدو الكتلة العرقية الأولى في الولايات المتحدة بحلول العام 2050 إذا استمر نموها بالوتيرة الحالية، إذ يزيد عدد الناخبين في صفوفها بمقدار مليون ناخب كل سنة.
من ناحية أخرى، في حين يشكّل الناخبون السود، أو الأفروأميركيون، كتلة واحدة متجانسة يسهل تحديد نزعاتها السياسية، تتوزّع الأصوات اللاتينية على مشارب وهواجس مختلفة بين ساحة رحبة، انتماءاتها تتوزّع كالآتي؛ 59 في المائة من المكسيكيين، و14 في المائة من البورتوريكيين، و5 في المائة من الكوبيين، و22 في المائة من بلدان أميركا اللاتينية الأخرى. يضاف إلى ذلك أن 75 في المائة من اللاتينيين ليسوا من المهاجرين الجدد، بل هم ولدوا في الولايات المتحدة، وبالتالي فإن اهتماماتهم وشواغلهم لا تختلف كثيراً عن تلك التي تساور أي مواطن أميركي آخر. ولقد دلّت الاستطلاعات في أوساط الجاليات اللاتينية على أن اهتماماتها تتدرّج في الأولويات من أزمة «كوفيد 19» إلى التأمين الصحي وفرص العمل والرواتب، قبل مشكلات الهجرة وقضايا العدالة الاجتماعية.

ضآلة مشاركتهم السياسية
كذلك، تفيد الدراسات الإحصائية التي أجريت في الولايات المتحدة منذ ثمانينات القرن الماضي أن نسبة مشاركة اللاتينيين في الانتخابات كانت دائماً دون مشاركة المجموعات العرقية الأخرى. فبينما يشارك البيض والسود بنسبة تتجاوز عادة 60 في المائة، لا تزيد مشاركة اللاتينيين على 48 في المائة.
وكانت حملة بايدن الانتخابية قد أعربت عن قلقها من تدنّي نسبة إقبال اللاتينيين على المشاركة في الانتخابات المسبقة عبر البريد قبل 4 أيام من موعد الانتخابات مقارنة بالناخبين البيض والسود. وعليه، صعّدت أنشطتها لتعبئتهم، خاصة في الولايات، التي يمكن لأصواتهم أن ترجّح كفّة الفوز فيها، مثل فلوريدا وأريزونا وبنسلفانيا. وفعلاً، أثمرت جهود المعسكر الديمقراطي في الشوط الأخير من الحملة الانتخابية لتعبئة الناخبين اللاتينيين بما يكفي للفوز في عدد من الولايات التي تسمّى «متأرجحة»، لكن الديمقراطيين عجزوا عن قلب المعادلة التقليدية في تكساس، كما عادوا، واصطدموا بحاجز الكتلة الكوبية والفنزويلية اليمينية في ولاية فلوريدا... حيث تصوّت عادة لصالح المعسكر الجمهوري، وضد كل الذين تصفهم بـ«التقدميين».
الجدير بالذكر أن المعسكرين الجمهوري والديمقراطي كانا يسعيان منذ سنوات إلى إرساء استراتيجيات بعيدة الأمد لاستقطاب الصوت اللاتيني الذي سيصبح عاملاً أساسياً في ترجيح كفة الانتخابات، والذي تتشعّب ميوله وفقاً للمنشأ الذي يتحدّر منه وظروفه التاريخية والاجتماعية. وإذا كان التاريخ المشترك من حيث العبودية والعنصرية والتمييز هو الذي يجمع بين الناخبين السود، فإن دوافع الهجرة اللاتينية تختلف باختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية في بلدان المنشأ، وأيضاً بتنوّع الثقافات والتجارب السياسية، الأمر الذي يقتضي تنويع الخطاب السياسي الذي يستهدف استقطاب الصوت اللاتيني لترجيح الكفة في الانتخابات.
وفق الدراسات، فإن 60 في المائة من اللاتينيين هم دون سن الـ33 من العمر، و40 في المائة من الناخبين دون الـ30، وغالبية هؤلاء لا تتابع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة التقليدية باللغة الإسبانية. ولذا لجأ الديمقراطيون والجمهوريون إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتوجيه رسائلهم الانتخابية باللغة الإسبانية، مستخدمين لهجات ولكنات مختلفة حسب المناطق الجغرافية، مثل اللكنة الكوبية في الرسائل الموجهة إلى فلوريدا، أو اللكنة المكسيكية في تلك الموجهة إلى أريزونا.

خطاب لكل معسكر
حملة بايدن الموجّهة إلى الناخب اللاتيني ركّزت على تشبيه منافسه دونالد ترمب بـ«الحكام المستبدّين» الذين تعاقبوا على السلطة في بلدان أميركا اللاتينية، ونجحت في استقطاب عدد من مشاهير الأغنية والسينما المتحدرين من أصول لاتينية. وفي المقابل، ركّز الجمهوريون في حملتهم على وصف ترمب للديمقراطيين بـ«الاشتراكيين»... وعلى إحدى مقولات بايدن بأنه في حال انتخابه سيكون «أحد أكثر الرؤساء تقدميّة في تاريخ الولايات المتحدة»، مرفقين بصوره في رسائلهم الدعائية صوراً للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو والزعيمين الفنزويليين اليساريين السابق والحالي أوغو تشافيز ونيكولاس مادورو. بل إن ترمب جال في ولاية فلوريدا إبّان حملته الانتخابية تحت شعار «مناضلون ضد الاشتراكية»، مؤكداً أنه طالما هو في البيت الأبيض لن يسمح بأن تصبح الولايات المتحدة «دولة اشتراكية».
هذا، ومن أصل 60 مليون أميركي لاتيني يعيش في الولايات المتحدة، يقيم 8 ملايين في ولاية كاليفورنيا التي تجمع أكبر عدد من «الأصوات الناخبة» بين الولايات الأميركية. ويصوّت اللاتينيون عادة في هذه الولاية لصالح الديمقراطيين، فمثلاً، حصل بيل كلينتون على 73 في المائة من أصواتهم في انتخابات العام 1996. غير أن نسبة إقبال هؤلاء على الاقتراع تبقى متدنية، ولم تتجاوز أبداً 47 في المائة. ويقول باحثون إن فوز دونالد ترمب في انتخابات العام 2016 وحصوله على 33 في المائة من أصوات الناخبين اللاتينيين رغم ما صدر عنه من انتقادات وشتائم في حقهم - حيث وصفهم مراراً بأنهم «مجموعات من القتلة والمغتصبين» - دفع بالديمقراطيين إلى إعادة نظر جذرية في استراتيجيتهم لاستقطاب الصوت اللاتيني.
وبعدما كان الديمقراطيون يراهنون طوال سنوات على النمو الديمغرافي، ويعتبرون أن الصوت اللاتيني المتنامي بمعدل مليون ناخب إضافي كل سنة سيصبّ في غالبيته الساحقة لصالحهم على غرار الصوت الأسود، استفاقوا على واقع مختلف. إذ اكتشفوا أن الصوت اللاتيني يخضع، هو أيضاً، لمعادلات التشرذم والتأرجح التي يخضع لها الصوت الأبيض.
وفعلاً، تفيد بعض الاستطلاعات أنهم ليسوا بقلّة بين الناخبين اللاتينيين أولئك الذين يؤيدون خطاب ترمب المتطرف في موضوع الهجرة، وهذا من باب الحرص على مصالحهم والخشية من تدهور أوضاعهم بسبب المنافسة. يضاف إلى ذلك أن المتحدرين من أصول لاتينية هم في الغالب من المتديّنين الذين تجذبهم السياسات الاجتماعية المحافظة، وبخاصة، تلك التي تسير اليوم في ركب الكنيسة «الإنجيلية الجديدة» (الإيفانجيليكالز) واسعة النفوذ في صفوفهم. وكانت النجمة اللاتينية الصاعدة في صفوف الحزب الديمقراطي آلكسندريا أوكاسيو - كورتيز، وهي نائبة يسارية متحمّسة عن ولاية نيويورك في مجلس النواب الأميركي، قد انتقدت سياسة الحزب تجاه الناخبين اللاتينيين، وقالت: «لا أعتقد أن حزبنا قام يوماً بعمل جدّي في هذا المجال. ولا أدري كيف تقبل مجموعات الأقليات السكانية بهذا الاهتمام الموسمي العابر الذي ينتهي بمجرد إقفال صناديق الاقتراع». أيضاً، انتقدت شخصيات ديمقراطية أخرى حملة بايدن «البطيئة والمتأخرة» لاستقطاب الصوت اللاتيني، مع أنها في نهاية المطاف أنفقت مبلغاً قياسياً على الإعلانات المرئية والمسموعة باللغة الإسبانية، بلغت 20 مليون دولار أميركي، مقابل 9 ملايين دولار أنفقتها حملة ترمب.

لا ضمانات لأحد
في هذا الاتجاه، اعترف بعض الذين أشرفوا على حملة بايدن الانتخابية بالتقصير في التواصل والتفاعل مع الجاليات المتحدّرة من أصول لاتينية في تكساس وفلوريدا. ودعا هؤلاء إلى الإسراع في معالجة هذا التقصير وإرساء استراتيجية بعيدة الأمد في ضوء الفارق الضئيل الذي أعطى الفوز للحزب الجمهوري في هاتين الولايتين المهمتين، مقابل فوز الحزب الديمقراطي في ولايات أخرى بفضل الصوت اللاتيني.
مثلاً، تقول ماريسا فرنكو، الناشطة اللاتينية البارزة في الحزب الديمقراطي التي كانت المديرة التنفيذية لحملة بيرني ساندرز في الانتخابات الأولية: «إن تأييدنا لبايدن هو تأييد لخصمنا وليس لانتخاب مخلّص لنا. نريد للحزب الديمقراطي أن يقترب أكثر من الطبقة العاملة والمهاجرين والأقليات العرقية حيث يوجد مفتاح النصر في المستقبل، وحيث يجب أن تبدأ الحلول للمشكلات الأساسية التي يعاني منها مجتمعنا». ودعت فرنكو للتنبه إلى التباين العميق في المنازع السياسية للمتحدّرين من أصول لاتينية، التي تتراوح من الناخبين المحافظين المتديّنين في فلوريدا الذين يؤيدون ترمب... إلى الشباب «التقدميين» المتحدرين من أصول مكسيكية في أريزونا الذين كانوا يترددون حتى في تأييد بايدن. إلا أن فرنكو شدّدت، في الوقت ذاته، على ضرورة «ترسيخ هوية سياسية لاتينية» ترى فيها السبيل الوحيد لكي يحصل اللاتينيون على الاهتمام المطّرد بأوضاعهم.
وهنا يوضح مايك لوبيز، الخبير في معهد البحوث اللاتينية التابع لجامعة واشنطن، أن «الجاليات المتحدرة من أصول لاتينية كانت تعيش تقليدياً في مناطق لا تشكّل ميداناً للصراع السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين في الانتخابات. بمعنى أنها مناطق تكاد النتائج محسومة سلفاً فيها لأحد الحزبين... لكن بعدما تضاعف عدد الناخبين اللاتينيين منذ مطلع هذا القرن، وازديادهم بمعدل مليون ناخب جديد كل عام، أدركت الأحزاب مدى أهمية هذه الكتلة الانتخابية في مستقبل المشهد السياسي الأميركي، وأخذت تضع استراتيجيات للتعامل معها واستقطابها».

الصوت اللاتيني: تنوّع متعدّد الخلفيات... واتجاهه غير مضمون مستقبلاً
> مع تزايد اهتمام الأحزاب السياسية الأميركية بالصوت اللاتيني (الهسبانيكي) الذي بات يلعب دوراً وازناً في الانتخابات الرئاسية كما في انتخابات حكّام الولايات وأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، اندفعت الجاليات اللاتينية إلى تأسيس جمعيات وتنظيمات لتعزيز حضورها وزيادة نفوذها في المشهد السياسي الأميركي. ويأتي هذا التطور مع بلوغ الانقسام السياسي في الولايات المتحدة مستوى غير مسبوق في أعقاب الحملتين الأخيرتين من الانتخابات الرئاسية عام 2016 و2020.
وإذ يتوقع المراقبون مزيداً من الانقسام السياسي والاجتماعي في البلاد، أو أن يستمر الوضع على ما هو عليه من توتر في أحسن الأحوال، بات تشكيل معالم المشهد السياسي الأميركي في المستقبل محكوماً بدور الأقليات العرقية التي يشكّل اللاتينيون بينها القوة الصاعدة الأولى. ويجمع المحلِّلون على أن توجّهات الصوت اللاتيني، على أهميته في حسم المعارك الانتخابية في المستقبل، ستبقى خاضعة لمعادلة المنشأ الجغرافي التي يحكمها الموروث السياسي ودوافع الهجرة الأولى، كما دلّت على ذلك الانتخابات الرئاسية الثلاث الأخيرة.
عام 2016 فاز دونالد ترمب بفارق بسيط (أكثر بقليل من 100 ألف صوت من أصل 9 ملايين صوت تقريباً) في ولاية فلوريدا التي كان يتوقع فوزاً ساحقاً فيها بعدما مال الصوت اللاتيني في مدينة ميامي وضواحيها لصالح منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون. لكنه بعد 4 سنوات تمكّن من الفوز بفارق مريح (نحو 375 ألف صوت) في هذه الولاية التي تعتبر الأكثر تقلّباً بين الولايات الأميركية، ولقد عزز فوزه بفضل أصوات الناخبين المتحدرين من أصول كوبية وفنزويلية وكولومبية.
لكن في المقلب الآخر، كانت ولاية أريزونا، التي تصوّت عادة لصالح المرشح الجمهوري، تنضمّ إلى قافلة الولايات «الديمقراطية» بفضل التحالف الذي يتشكّل منذ سنوات بين المناطق الحضرية والريفية التي يتكاثر فيها عدد المتحدرين من أصول لاتينية. أما في الولايات المصنّفة «تقدمية»، مثل كاليفورنيا وكولورادو ونيو مكسيكو، فقد ثبّت الديمقراطيون مواقعهم بفضل ازدياد الدعم اللاتيني، يقابل ذلك استمرار تكساس على «جمهوريتها» لكن مع تضاؤل الفارق بين الحزبين.
هنا، يتضح من تحليل نتائج الانتخابات الأخيرة أن اتجاه الصوت اللاتيني يتأثر بنوع الجنس والفئة العمرية وبلد المنشأ... من تشيلي إلى المكسيك، مروراً بنيكاراغوا. وهو يتأثر كذلك بالديانة وفترة الإقامة في الولايات المتحدة. أما السمة الوحيدة المشتركة في هذه المجموعة المتنوعة فهي كونها تشكّل أكبر مجموعات الشباب دون الثلاثين من العمر في الولايات المتحدة. مع الإشارة إلى أن محللين يرون أن على الديمقراطيين ألا «يناموا على حرير» تأييد غالبية الناخبين اللاتينيين لهم في هذه الانتخابات وتلك التي سبقتها. إذ يعتقد هؤلاء أن نسبة عالية من الأصوات اللاتينية كانت ضد شخص دونالد ترمب وتصريحاته الاستفزازية أكثر منها تأييداً لخط الحزب الديمقراطي.

شخصيات «لاتينية» بارزة حالياً
> مجلس الشيوخ:
السيناتور الجمهوري تيد كروز (تكساس - من أصل كوبي)، والسيناتور الجمهوري ماركو روبيو (فلوريدا - من أصل كوبي)، والسيناتور الديمقراطي بوب مينينديز (نيو جيرسي - من أصل كوبي)، والسيناتورة الديمقراطية كاترين كورتيز ماستو (نيفادا - من أصل مكسيكي)، يضاف إليهم السيناتور المنتخب حديثاً بن راي لوهان، وهو ديمقراطي من أصل مكسيكي فاز في انتخابات ولاية نيو مكسيكو.

> حكام الولايات:
الحاكمة ميشيل لوهان غريشام، وهي ديمقراطية من أصل مكسيكي، تتولى منصب حاكم ولاية نيومكسيكو منذ مطلع 2019. خلفاً لحاكمة لاتينية أخرى، هي سوزانا مارتينيز.
> المحكمة العليا للولايات المتحدة:
القاضية سونيا سوتومايور (من أصل بورتوريكي)، وهي أول قاضية من أصل لاتيني تعيّن في هذه المحكمة.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.