إسرائيل وبايدن... لا مشكلة حقيقية بينهما

الخلاف بين «مؤسسة السلطة» في تل أبيب من جهة ونتنياهو من جهة ثانية

إسرائيل وبايدن... لا مشكلة حقيقية بينهما
TT

إسرائيل وبايدن... لا مشكلة حقيقية بينهما

إسرائيل وبايدن... لا مشكلة حقيقية بينهما

«إذا كان لا بد من عمل ضروري لجعل العلاقات الأميركية - الإسرائيلية في عهد الرئيس المنتخب جو بايدن، علاقات جيدة، فعلينا أن نجري مفاوضات بين إسرائيل كدولة ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. نحن لا نخاف على إسرائيل من بايدن؛ فهو صديق وحليف قديم رصيده زاخر بالأحداث التي أثبت خلالها إخلاصه للحلف الاستراتيجي مع إسرائيل. أما مشكلتنا فهي مع نتنياهو، الذي نخشى أن يحاول تكرار صداماته مع البيت الأبيض إبان عهد باراك أوباما. لقد كان بايدن هناك في البيت الأبيض، كنائب للرئيس، شاهداً حيّاً على الكثير من المحادثات الهاتفية الساخنة بين تل أبيب وواشنطن. وعندما كان أوباما يغلق الخط، كان بايدن يسمعه يشتم بكلمات من الوزن الثقيل. وهو بالتأكيد كان يتمنى لو أن نتنياهو غير موجود في رأس هرم الحكم الإسرائيلي، ويحسب ألف حساب للتعامل معه. ومع ذلك فإنه سيواصل العمل بحذر حتى لا يكون سبباً في خلافات معه»... بهذه الكلمات لخّص متحدّث صورة الموقف السياسي في تل أبيب وواشنطن هذه الأيام، عشية دخول جو بايدن إلى البيت الأبيض.
قائل الكلمات أعلاه هو أحد الجنرالات السابقين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ولقد دخل الحلبة السياسية وغادرها بسرعة، ويعمل في مجال الأبحاث السياسية والاستراتيجية. واليوم يسمح الرجل لنفسه بأن يقول: «إذا كان هناك تنافس بين بنيامين نتنياهو وجو بايدن فإنني ممن يتمنون ألا يكون الفوز من نصيبنا. لأن لدينا رئيس حكومة يكرّس كل شيء، أيضاً في العلاقات الخارجية، لمصلحة معركته الشخصية».
لكن منذ أن تجرأ بنيامين نتنياهو على الاعتراف بنتائج الانتخابات الأميركية واتصل ليهنئ الرئيس الجديد بايدن، تبذل جهود كثيرة لإقناعه بضرورة أخذ زمام المبادرة وفتح صفحة جديدة معه ومع الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة. ويقف وراء هذه الجهود كثيرون: قادة يهود الولايات المتحدة، وأنصار إسرائيل في الحزب الديمقراطي، ومسؤولون في أجهزة الأمن في البلدين، والسفير الإسرائيلي في واشنطن، رون دريمر، وعدد من رجال الأعمال في البلدين، ورئيس «المؤتمر اليهودي العالمي» رون لاودر، ورئيس «الوكالة اليهودية» يتسحاك هيرتسوغ... وغيرهم. هؤلاء جميعاً يرون أن مصلحة إسرائيل تقتضي تحسين علاقاتها مع بايدن.
وكما يقول الدكتور إلداد شافيت، الباحث الاستراتيجي في معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، فإن انتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة يحتّم على إسرائيل إعادة النظر في سياساتها وأساليب تعاونها مع إدارته الجديدة. ويقول: «لا أحد ينكر أنه طيلة السنوات التي عمل خلالها في الميدان السياسي وتولى منصب نائب الرئيس، أظهر الرئيس المنتخب تعاطفاً والتزاماً تجاه إسرائيل وحاجاتها الأمنية ومصالحها. وفي الوقت نفسه، اعتادت إسرائيل وقيادتها على إدارة رئاسية مختلفة تماماً عن إدارة باراك أوباما خلال السنوات الأربع الماضية. ففي ظل إدارة ترمب تطابقت المواقف في معظم الأحيان، وقُدّمت هدايا أميركية كثيرة لنتنياهو، كالاعتراف بالقدس عاصمة ونقل السفارة الأميركية إليها من تل أبيب، والاعتراف بضم الجولان، وتشريع الاستيطان، وغير ذلك. ولكن، مع تسلّم إدارة جديدة، ستضطر الدولتان إلى أن تتعلما مجدداً كيفية العمل معاً. ومن وجهة نظر إسرائيل، سيكون من الضروري تضييق الفجوات التي تبدأ على ما يبدو بالظهور بين البلدين».
- إسرائيل وإيران والفلسطينيون
من الصعب القول، في أي مجال، إن «إسرائيل تريد هذا أو ذاك»، لأن إسرائيل ليست كتلة موحّدة في مواقفها، حتى إزاء القضايا الاستراتيجية. وكما هي الولايات المتحدة ممزّقة بين تيارين في الحكم، يمثلهما الحزبان الجمهوري والديمقراطي، في إسرائيل تمزّق أكبر. وثمة صراعات بين عدة تيارات: اليمين يفكر بطريقة واليسار مضاد له، والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية لها حسابات مختلفة، ورئيس الوزراء نتنياهو يُعتبر تياراً مختلفاً عن الجميع، يتحكم به وضعه القضائي ومحاكمته بتهمة الفساد.
حكومة نتنياهو، اليوم، تريد من إدارة بايدن اتخاذ مواقف متشددة من المشروع النووي الإيراني وإحباطه، وتقييد قدرات طهران على إنتاج صواريخ باليستية بعيدة المدى. كذلك تريد مساندة أميركية لها في عملياتها المثابرة في ضرب التموضع الإيراني في سوريا، والسعي لإخلاء الشام من الوجود العسكري الإيراني المباشر، وضرب الميليشيات الإيرانية، بما في ذلك «حزب الله»، كي لا يجعل من الجولان الشرقي جبهة حرب جديدة مع إسرائيل. وأخيراً، تريد أيضاً مواصلة دعمها للضغوط على «حزب الله» في لبنان.
هذه الحكومة تعرف تماماً أن بايدن ليس ترمب ولن يكون كذلك. ومع هذا فإنها تريد منه، أولاً، ألا يلغي شيئاً من المواقف التي اتخذها ترمب، وكانت بمثابة هدية لنتنياهو، مثل قضايا القدس والجولان والاستيطان. وأيضاً الاستمرار في التوصل إلى اتفاقيات السلام مع العالم العربي. وعموماً، أن تكون سياسته أقرب ما يمكن لسياسة ترمب. وحقاً، أطلق نتنياهو تصريحات واضحة بشأن بعض المواضيع تدل على أنه لن يتنازل عن طروحاته. وفي الموضوع الإيراني يقال إن اغتيال عالم الذرة في قيادة «الحرس الثوري» محسن فخري زادة - الذي تنسبه جهات أجنبية إلى إسرائيل - جاء رسالة من نتنياهو لبايدن مفادها أن لديه وسائل ضغط ومسار عمل مستقلاً مع طهران.
في الموضوع السوري لا يقف نتنياهو وحده، بل تشاركه «المؤسسة الأمنية»، أي الجيش والاستخبارات، الرأي بضرورة محاربة التموضع الإيراني العسكري. وإذا كان ثمة اكتفاء قبل سنتين بإبعاد القوات الإيرانية عن حدود وقف إطلاق النار مع إسرائيل في الجولان لمسافة 70 - 80 كلم، فإن مطلب نتنياهو و«المؤسسة» بات اليوم يتجاوز الإخلاء ليصل إلى الانسحاب التام من سوريا. وبالذات، إبعاد الميليشيات التابعة لإيران من الجنوب السوري تماماً. ويعلن الفريقان أن كل فرد من الميليشيات في هذه المنطقة وكل موقع، سيكون هدفاً للتصفية.
وحقاً، وحسب مصدر عسكري كبير في الجيش الإسرائيلي، فإن القصف الذي تنفذه إسرائيل في سوريا «يحتوي على رسالة يفهمها جيداً النظام السوري والقادة الإيرانيون وقيادة (حزب الله) أيضاً، مفادها أن أي حراك أو استفزاز أو ضربة توجه لإسرائيل سيأتي الرد عليها أقسى بعشرات الأضعاف، وستكون موجهة إلى العناصر الثلاثة معاً: الجيش السوري ومواقع الوجود الإيراني والمواقع التي تنطلق منها العمليات». وضرب مثلاً على ذلك في القصف الأخير في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إذ اكتُشِف لغم قرب الحدود مع إسرائيل فقصفت ثمانية أهداف داخل سوريا، ما أدى لمقتل 11 شخصاً، بينهم سوريون وإيرانيون.
أما في الموضوع الفلسطيني، فالانطباع في إسرائيل أن بايدن لن يسارع لتقديم مقترحاته الخاصة. ولم يتضح إلى أي مدى سترى إدارته القادمة في «خطة القرن» التي طرحها ترمب، أو في مكوّناتها، أساساً لتجديد العملية السياسية. مع ذلك فإن نتنياهو يدرك أن بايدن سيعيد العلاقات بين الإدارة الأميركية والسلطة الفلسطينية، وسيعيد فتح مكاتب منظمة التحرير في واشنطن، وأيضاً سيخصّص مساعدات مالية سنوية، وسيسعى لتقييد المشروع الاستيطاني، وسيؤيد حل الدولتين ويبقيه على الأجندة الدولية. ولذا فإن حكومة نتنياهو تحاول الاستفادة مما تبقى من فترة ترمب لإقرار مشاريع استيطانية. وتستعد لمواجهة مطالب الإدارة الجديدة، مع الأمل بوقوع الفلسطينيين في أخطاء يسهل استغلالها لعرقلة التقدم في الحلول والتسويات.
أخيراً، هناك موضوع لا خشية في إسرائيل من تراجع فيه عند بايدن، وهو موضوع العلاقات الثنائية في المجال العسكري والأمني؛ فالدعم الأميركي السنوي بقيمة 38 مليار دولار، يعود أصلاً لعهد أوباما - بايدن وسيستمر. والجيش الإسرائيلي يقيم علاقات تعاون وشراكة مباشرة مع الجيش الأميركي، لا تتأثر بسوء العلاقات بين السياسيين، لأنها مبنية على تقييم مهني للمصالح المشتركة. والأمر نفسه ينطبق على التعاون الاستخباري والحرب «السيبرانية».
السؤال إذن هو: متى سيطرح موقف نتنياهو من هذه القضايا مع بايدن؟
- اتصالات غير مستفزة
أوساط سياسية عليمة، تؤكد أن رجال نتنياهو باشروا الاتصالات مع طاقم بايدن، ولكن بحذر شديد كي لا يغيظوا ترمب، وأن هذه الاتصالات ستزداد وثوقاً عندما يدخل بايدن رسمياً إلى البيت الأبيض، ثم إن نتنياهو سيواصل التقليد التاريخي بالقيام بزيارة رسمية إلى واشنطن في أقرب وقت ممكن، بعد تنصيب الرئيس الأميركي، وهو لن يكتفي بالعلاقات الثنائية معه، بل سيسعى إلى «تشكيل جبهة إيجابية مع الدول العربية التي تواجه الإشكاليات نفسها مع الإدارة الديمقراطية في واشنطن».
أحد المسؤولين في حزب «كحول لفان» (أزرق - أبيض)، يضع قضية العلاقة مع بايدن «كواحدة من القضايا التي توجب على نتنياهو الحفاظ على حكومته الحالية لكي تقوّي مركزه في واشنطن». ويقول إن بايدن أقرب بفكره إلى أبرز قادة «كحول لفان» بيني غانتس (رئيس الحكومة البديل ووزير الأمن) وغابي أشكنازي (وزير الخارجية)، مما هو من نتنياهو. ويرى أنه في حال استمرار الحكومة وتعذّر التوجه لانتخابات مبكرة، سيسعى غانتس وأشكنازي إلى إجراء حوار مهني جدّي وودود مع فريق بايدن. ثم يضيف «هناك أمور تحتاج بشكل ملح إلى مداولات إيجابية. إننا على دراية جيدة بتوجّه كان قد بدأ خلال عهد أوباما، واستمر في حقبة ترمب، وسيبقى على الأرجح خلال ولاية بايدن، ألا وهو: الحدّ، إلى أقصى درجة ممكنة، من الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. وليس بوسع إسرائيل وضع حدّ لهذا التطور. لكن من وجهة نظرنا، ونظر الشركاء العرب، يجب ألا يُلحق هذا القرار الضرر بصورة الولايات المتحدة كقوة رائدة في المنطقة، وألا يتمّ اعتباره وكأنه يحدّ من التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها في المنطقة، خصوصاً أن هناك من يسعى لملء الفراغ مثل روسيا والصين. وهناك القضية الإيرانية، التي نخشى أن يعيد بايدن فيها عقارب الساعة إلى الوراء فيعود إلى الاتفاق النووي. وهنا ينبغي أن يكون لنا وللشركاء العرب المتضرّرين من سياسة إيران وممارساتها، كلمة وتأثير. وإذا توجّهت إدارة بايدن لاتفاق جديد فنحن نريد اتفاقاً موسّعاً يشمل الصواريخ الباليستية واتفاقاً يمنع إيران من تطوير قدراتها النووية العسكرية بأي حال، وكذلك نريد نظام تفتيش صارماً... ولكي يحصل هذا ينبغي ألا يتوقف نظام العقوبات الشديدة».
- قلق بين الباحثين
في نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أجرى معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، يوماً دراسياً حول العلاقة بين حكومة بنيامين نتنياهو وإدارة جو بايدن، تضمنت «سيناريوهات» متعددة، وتجلّى خلالها القلق من تكرار الخلافات التي سادت إبّان عهد باراك أوباما.
شارك في المداولات مجموعة من الخبراء والاستراتيجيين والجنرالات السابقين في الجيش. وأكدوا أنه «بعد أربع سنوات من إدارة ترمب، التي كان لإسرائيل خلالها تأثير كبير على السياسة الأميركية، سيتوجب عليها إجراء تعديلات تلائم الواقع الجديد وصياغة استراتيجية محدثة لاتصالها مع الفريق الذي سيقود السياسة الخارجية المقبلة. ومع أن بايدن يُعد صديقاً لإسرائيل، فمن المتوقع أن يكون متشككاً إزاء نيات الحكومة الإسرائيلية بسبب الرواسب المتبقية من فترة نهاية عهد أوباما، والعلاقة الحميمة التي سادت بين نتنياهو وترمب. وبالتالي، يحتاج كلا الجانبين إلى تعلم العمل معاً مجدداً، ومن المحتمل أن تكون الإدارة الجديدة مهتمة بالمبادرة». لذا، مهم جداً (وفق الخبراء) أن تصل إسرائيل إلى الاجتماع مع الإدارة الجديدة «بأيدٍ نظيفة»، ومن المهم استيعابها السريع لحقيقة أن الواقع تغيّر، وأن عليها تكييف السلوك مع السياسة الأميركية المتبلوِرة وطريقة سلوك الرئيس المقبل والإدارة الجديدة.
ومن ثم خرج الباحثون بتوصيات مفصلة في أساسها «أن تحافظ إسرائيل، أقله في الأشهر المقبلة، على الحوار مع الإدارة الجديدة بتكتم، مع تجنب الانتقاد وتقديم النصائح على الملأ، وتجنب إجراءات التحدي بشكل خاص. ويجب عليها أيضاً الامتناع عن الظهور وكأنها تحاول تطويق الإدارة من خلال الكونغرس، خاصة إذا بقيت الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ومن المهم، كذلك، أن تجدول إسرائيل القضايا التي ستُطرح للنقاش وفقاً للأولويات. إذ يجب التركيز على القضية الإيرانية التي من المحتمل أن تنشأ الخلافات حولها. كما يجب على إسرائيل عرض خطوات يمكن دفعها قدماً، لا مجرد التركيز على رفض الأفكار التي تطرحها الإدارة. ومن المتوقع أيضاً أن تطفو الفجوات في القضية الفلسطينية. وفي هذا السياق، يجب أن تركز الاستراتيجية الإسرائيلية على محاولة إقناع الإدارة الجديدة بالحفاظ على المكوّنات الإيجابية لـ(خطة القرن)، مع ضمان عدم رفض الإدارة للبرنامج بأكمله بفعل الرغبة بالتنكر لإرث ترمب».
من التوصيات أيضاً «عمل إسرائيل على تنسيق السياسة الإقليمية، لا سيما في سياق الخطوات التي تتخذها إسرائيل لكبح التوسع الإيراني. وعلى إسرائيل أيضاً تكييف علاقتها مع الولايات المتحدة بشأن التنافس بين القوى العظمى، وتكثيف التعاون التكنولوجي معها إلى حد إنشاء تحالف تكنولوجي يقف في طليعة الصراع بين القوى. أضف إلى ذلك، من المهم التركيز على الفور على بذل جهود قوية لاستعادة العلاقات مع الحزب الديمقراطي، بما في ذلك إنشاء خطوط اتصال مفتوحة مع الأعضاء المنتخبين في الحزب الديمقراطي، وكذلك مع الجالية اليهودية في الولايات المتحدة».
ولكن، ما يبقى ناقصاً في طرح هذه القضية هو الوضع السياسي غير المستقر في إسرائيل، فإذا دخلت إلى معركة انتخابات جديدة، فستتحول العلاقة مع إدارة ترمب إلى موضوع انتخابي تتغلّب فيه السياسة الحزبية على الصورة الشمولية وتحدياتها. وإذا بقيت الحكومة الحالية بقيادة نتنياهو، فإن المسألة ستكون موضع نقاشات وخلافات داخل الحكومة نفسها. وعليه، فإن الموقف الإسرائيلي سيحاط بالضبابية... وحتى واشنطن، بمكانتها وأدواتها، لن تستطيع الحصول على صورة واضحة للموقف الإسرائيلي.
- اليهود الأميركيون... هم الأكثر قلقاً
- الشروخ في العلاقات بين حكومة بنيامين نتنياهو وبين إدارة أوباما - بايدن، تسببت بشروخ كبيرة أيضا بين تل أبيب وبين يهود الولايات المتحدة. وحسب دراسة أجريت أخيراً في مقر «الوكالة اليهودية العالمية» في القدس الغربية، فإن يهود أميركا هم الأكثر قلقاً من خطر العودة إلى الصراعات القديمة. ولذلك فهم يستصرخون المسؤولين الإسرائيليين طالبين رأب الصدع في أسرع وقت ممكن.
اليهود الأميركيون، حقاً، شريحة مهمة في العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. وبما أن معظمهم (77 في المائة) صوّتوا لصالح جو بايدن في الانتخابات الأخيرة، فإنهم لا يثقون بنتنياهو، ويتوجهون إلى «الوكالة اليهودية» و«المؤتمر الصهيوني العالمي» ورئيس الدولة في إسرائيل رؤوبين رفلين، طالبين إعادة اللحمة إلى اليهود، وإقناع نتنياهو ببذل جهد حقيقي لفتح صفحة جديدة مع الحزب الديمقراطي وزعيمه الرئيس بايدن، والامتناع عن تكرار الخلافات والصراعات التي سادت في عهد أوباما.
المعروف أن عدد اليهود في العالم يقارب 15 مليوناً، يعيش منهم في إسرائيل نحو 7 ملايين وفي الولايات المتحدة 6 ملايين. ولليهود الأميركيين تأثير على الحياة السياسية الأميركية وذلك نتيجة لانخراطهم في العمل السياسي وتبرّعاتهم السخية. ولكن خلافات سياسية كبيرة انفجرت بينهم وبين إسرائيل منذ حكومة بنيامين نتنياهو سنة 2009 وحتى اليوم، إذ إن الأخير كسر التقليد المبدئي للحركة الصهيونية بالالتزام بتحاشي الاصطفاف إلى جانب حزب ضد آخر في الولايات المتحدة، وبنى حلفاً صريحاً مع الحزب الجمهوري، ودخل في حرب علنية مع الرئيس الديمقراطي باراك أوباما. وطوال السنوات الأربع الأخيرة، بنى نتنياهو سياسته على التحالف مع الرئيس دونالد ترمب، غير المحبوب لدى يهود أميركا. والآن، مع انتخاب بايدن، ثمة قلق لدى العديد من الأوساط اليهودية في إسرائيل والولايات المتحدة من أن ينعكس التحيّز الإسرائيلي الرسمي سلباً على علاقة بايدن مع إسرائيل.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».