7 مشاريع عالمية كبرى قد تغير وجه الأرض

منها تحويل المضايق إلى سدود عملاقة تجهز الطاقة الكهربائية

جزر النخيل الصناعية في دبي
جزر النخيل الصناعية في دبي
TT

7 مشاريع عالمية كبرى قد تغير وجه الأرض

جزر النخيل الصناعية في دبي
جزر النخيل الصناعية في دبي

لقد اكتشف الإنسان أعماق البحار والمحيطات وحفر الأنفاق تحتها، إلا أنه يظل يطمح إلى تنفيذ مشاريع لأفكار أكثر تطورا وخيالا. في الوقت الذي تقرأ هذه السطور، سيبدأ العمل في شق قناة جديدة كبيرة تربط بين المحيطين الأطلنطي والهادي عبر نيكاراغوا، يبلغ طولها 278 كيلومترا، وتتطلب جرف مليارات الأطنان من التربة والصخور بكلفة 50 مليار دولار أميركي. ولدى الانتهاء من المشروع ستكون هذه القناة أعمق من قناة بنما، وأطول منها بـ3 أضعاف. ويقول محبذو هذا المشروع الجبار إنه «سيكون أكبر عمل هندسي في التاريخ، وإن كان ليس الأكبر من المشاريع التي راودت أفكار البعض». «فجميعنا يعيش في أماكن جرى تصميمها وهندستها»، كما يقول خبير العمليات الهندسية الكبرى ستانلي برون من جامعة كنتاكي في أميركا، لذا فمن الطبيعي أن نفكر جميعنا «بشكل كبير ».
قد يكون هذا الأمر صحيحا، لكن بعض المشاريع تبدو كما لو أنها من أفلام جيمس بوند، مثل غمر «ديث فالي» (وادي الموت) في ولاية كاليفورنيا في أميركا بمياه الفيضان، أو تعديل شريط (برزخ) بنما الضيق بلغمه بالمتفجرات النووية، وغيرها، كحجز بحار كاملة خلف سدود عملاقة لتوليد الطاقة الكهربائية.

* مشاريع عالمية
وفيما يلي 7 من أكبر المشاريع العالمية، التي قد يمكن المضي بها:
1 - سدود على الأطلنطي: يمكن تشييد حاجز عبر مضيق جبل طارق، مما يعني تحويل الأطلنطي إلى خزان هائل من المياه. وكان هذا العمل قد جرى اقتراحه لأول مرة من قبل المهندس المعماري الألماني هيرمان سورجيل في العشرينات من القرن الماضي، مما يقلل من تدفق المياه إلى البحر الأبيض المتوسط لتبدأ مياهه بالتبخر، وهذا يجعل مستوى البحر ينخفض بمقدار 200 متر، وبالتالي تنكشف مساحة 600 ألف كيلومتر مربع من اليابسة الجديدة.
لكن الآثار البيئية الناجمة عن ذلك مفزعة، منها رفع مستوى مياه البحر والمحيطات في بقية أنحاء العالم بنحو 1.35 متر. ويقول ريتشارد كاثكارد مستشار العقارات في بيربانك في كاليفورنيا المحبذ للمشاريع الكبيرة، الذي كتب الكثير من المقالات والكتب في ذلك، «إن الأكاديميين يخشون عادة الخوض في أفكار مثل هذه».
ومع توقع ارتفاع مستوى البحار والمحيطات عشرات الأمتار خلال القرون المقبلة بسبب التسخين الحراري، يعتقد كاثكارد، كما نقلت عنه مجلة «نيوساينتست» البريطانية، أن فكرة السد جديرة بالدراسة، ولكن بدلا من تخفيض مستوى مياه المتوسط، يمكن جعل السد يحافظ على مستواه الحالي، ومنع غرق المزارع والأراضي المنخفضة مثل مدينتي البندقية والإسكندرية. بيد أن مصر بالذات ستستفيد من مشروع كهذا، لأن ارتفاع منسوب البحر بسبب التسخين الحراري سيغرق مساحات واسعة من دلتا النيل، ويشرد ملايين من أهاليها في عام 2100.
2 - قناة لمرور الماء عبر الأطلنطي. إن شمال أفريقيا بحاجة إلى المياه النقية. وأقرب مصدر لها هو نهر الكونغو، ثاني أكبر نهر في العالم، لكنه ينساب عبر مناطق خطرة جدا. إذن لماذا لا نحتجز مياه الأمازون أكبر نهر في العالم بدلا منه؟ فكل ما نحتاجه هو أنبوب طويل جدا. ونقل المياه هذه عبر الأطلنطي، عن طريق أنبوب، فكرة راودت هنريخ هيمر في عام 1993، فقد تصور أنبوبا يمتد بطول 4300 كيلومتر حاملا 10 آلاف متر مكعب بالثانية، مما يكفي إلى ري 315 ألف كيلومتر مربع من الأرض. طبعا المشروع يتطلب مد الأنبوب بعرض 30 مترا على عمق 100 متر من سطح الأطلنطي، فضلا عن 20 محطة ضخ بكلفة تقدر بـ20 تريليون دولار.
3 - غمر منخفض القطارة
غمر المناطق المنخفضة بالمياه: في عام 1905 قام مهندسو الري في كاليفورنيا عن طريق الخطأ بإغراق منخفض من الأرض بالمياه، وكانت النتيجة بحر سالتون أكبر بحيرة في هذه الولاية. من هنا برز الكثير من الاقتراحات عبر العقود، لغمر المناطق المنخفضة الأخرى في العالم بالمياه. والمرشح الأكبر هنا منخفض القطارة في شمال غربي مصر، الذي يقع تحت سطح البحر بنحو 130 مترا، وتبلغ مساحته 19 ألف كيلومتر مربع من الكثبان الرملية، والمستنقعات المالحة. والفكرة هي غمره بمياه المتوسط، الذي يقع 50 كيلومترا إلى الشمال مولدا تيارا كهربائيا، وهو الغرض الأساسي. فإذا ظل عامل تدفق المياه يعادل مستوى التبخر، فإن توليد الطاقة الكهربائية سيستمر إلى ما لا نهاية.
ومن المؤكد أن بحر القطارة هذا إذا ما تكون، سيكون مالحا جدا، لكن المناطق المحيطة به قد تستفيد من الطقس البارد الذي قد يسببه. والفكرة هذه تدور منذ عام 1912، وكانت الحكومات المصرية قد نظرت فيه في السيتينات والسبيعينات. والمشكلة هنا هي التلال التي تفصل المنطقة عن البحر، التي تتطلب شق أنفاق تحتها، والتي قد تتطلب بدورها الاستعانة بالمتفجرات النووية، وهذا ما عجل في استبعاد الفكرة، التي كانت قد برزت مجددا بفضل خطة «ديسيرتيك» التي تقضي بإنشاء محطة للطاقة الشمسية في شمال أفريقيا تقوم بضخ مياه البحر عبر أنبوب إلى مرافق تخزين تقام فوق التلال التي تنساب نزولا إلى المنخفض، لتدير توربينات توليد التيار الكهربائي. والفكرة هذه خرج بها مجدي راغب المهندس النووي في جامعة الينوي، التي لا تحتاج إلى شق أي أنفاق.
أما غمر وادي الموت في كاليفورنيا من شأنه أيضا أن يساعد في التقليل من آثار ارتفاع منسوب البحار والمحيطات، بسبب التسخين الحراري. لكن يبدو أنه حتى غمر جميع الأراضي المنخفضة في العالم بالمياه، لن يترك أي أثر على هذه الكارثة المقبلة، وهذا ما جعل هذه الفكرة غير جديرة بالتطبيق.
4 - سدود المضايق
ربط آسيا بأميركا الشمالية: المكان الصالح لربط أميركا الشمالية بآسيا هو مضيق بيرينغ، أي بين القسم الشمالي الشرقي من روسيا، وألاسكا. ويبلغ عرض المضيق 82 كيلومترا، ولا يتعدى عمقه 50 مترا. وفكرة إقامة مثل هذا الجسر تعود إلى عام 1890 ليشكل أطول جسر في العالم. لكن الأحوال المناخية القاسية في منطقة القطب الشمالي هذا من شأنها أن تسبب تحديا كبيرا. وهذا ما جعل روسيا تفكر بشق نفق بدلا من ذلك. فقد أعلنت في عام 1907 عن «تي كيه دي ورلد لينك» الذي هو عبارة عن خط سكة حديد بين سيبيريا وألاسكا عن طريق هذا النفق. لكن بعد 8 سنوات، لا أثر لهذا النفق، خصوصا بعد تردي العلاقات الأميركية الروسية. لكن الصين قد تأخذ زمام المبادرة في هذا الشأن، بعد الإعلان أن المهندسين الصينيين وضعوا خططا لمد خط سكة حديد سريعة تربط بين الصين وأميركا، عبر روسيا ومضيق بيرينغ وألاسكا وكندا.
5 - سد على المحيط الهندي: تدور الفكرة هنا على إقامة سد يقع بين منطقة في المحيط ينخفض فيه مستوى مياه البحر بفعل التبخير، والفرق الناجم هنا بين المنسوبين قد يستخدم في توليد التيار الكهربائي. وأبرز اقتراحين هنا يعود أحدهما إلى المهندس الهولندي رويلوف شولينغ في عام 2005، المتحمس للمشاريع الكبيرة، الذي اقترح إقامة سد على الخليج العربي، والذي ينفتح بدوره على المحيط الهندي، وذلك عند مضيق هرمز الذي يبلغ عرضه 39 كيلومترا. ومن شأن ذلك توليد 2500 ميغاوات من الكهرباء عن طريق تخفيض منسوب مياه الخليج إلى ارتفاع 35 مترا فقط. لكن شولينغ طالب بعدم تطبيق الفكرة هذه في وقت قريب، بسبب مرور الناقلات وخطوط ملاحتها عبر الخليج، ناقلة النفط إلى أرجاء العالم. أما المشروع الآخر، فهو إقامة سد على البحر الأحمر في المنطقة القريبة من اتصاله بالمحيط الهندي، عبر مضيق باب المندب. وهذا يتطلب سدا بطول 100 كيلومتر من اليمن إلى شمال أرتيريا. وقدر شولينغ أن مثل هذا السد يولد 50 ألف ميغاوات من الكهرباء، لكن قد يترتب على ذلك نتائج بيئية وخيمة.
6 - جزر صناعية
جزر صناعية: تشييد جزر صناعية أو شبه جزر، كالتي شيدتها دبي على سبيل المثال، يتطلب محاجر وحفرا عميقة. لكن شولينغ يعتقد بوجود أساليب أرخص لإنتاج أراض صناعية، عن طريق ضخ حامض الكبريتيك إلى حجر الكلس (الجيري)، ليحوله إلى جبس ينتفخ إلى ضعف حجمه الأصلي، لذا حيث يوجد حجر كلسي قريبا من سطح البحر، يمكن إقامة جزر صناعية عليها. وأحد هذه المناطق هو شريط «أدامز بريدج» الضيق ذو المياه الضحلة، الذي يمتد 35 كيلومترا، بين الهند وسريلانكا، مما يمكن من إقامة جسر متهاود الكلفة جدا.
7 - ربط المحيطين الهادي والأطلنطي: تدمير مضيق (برزخ) بنما الشريط الضيق من الأرض، الذي يربط بين الأميركيتين الشمالية والجنوبية، من شأنه توحيد المحيطين الأطلنطي والهادئ. ومن شأن تفجيرات وألغام نووية تحت الأرض، أن تقوم بهذه المهمة لإزالة الأرض الفاصلة بين المحيطين. وحال إتمام ذلك وإنجازه بالكامل يعود التيار المائي الذي كان ينساب سابقا حول الخط الاستوائي إلى سابق عهده، ليستقر المناخ العالمي. لكن بعض العلماء لا يقرون ذلك قائلين، إن إغلاق هذه الهوة قبل 3 ملايين سنة أرغمت المياه الدافئة في المناطق الأطلنطية الاستوائية على التدفق شمالا، معززة الرطوبة وسقوط الثلوج في المناطق القطبية، وإلى تشكل الطبقات الثلجية الشمالية الكبيرة، فإن زال هذا الشريط الأرضي فهذا من شأنه تسريع فقدان الغطاء الثلجي في غرينلاند.



حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟


الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة
TT

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

حديثاً، طرح أحد المدرسين على الطلاب سؤالاً بسيطاً حول الذكاء الاصطناعي، خلال تدريسه لأحد مواضيع العلوم الإنسانية: «هل لاحظتم أنكم تُصبحون أكثر تعلقاً ببرامج الدردشة الآلية المُفضلة لديكم؟ على سبيل المثال: هل تجدون أنفسكم تُرددون كلمتَي: «من فضلك»، و«شكراً»، لبرامج الدردشة الآلية أكثر من ذي قبل؟». أومأ جميع الطلاب تقريباً بالموافقة.

ثم سأل المدرس: «لماذا؟»، حينها رفعت إحدى الطالبات يدها وقالت: «حتى يتذكر الذكاء الاصطناعي عندما يسيطر أنني كنت لطيفة معه». وضحك الطلاب، ولكن ليس كلهم، كما كتب ويل جونسون*.

الخوف والتهويل حول الذكاء الاصطناعي

تميل المناقشات العامة حول الذكاء الاصطناعي إلى التأرجح بشدة بين التهويل الواعد والكارثة. فمن جهة، نرى وعوداً بإنتاجية وإبداع غير مسبوقين. ومن جهة أخرى، لا يخلو الأمر من تحذيرات بشأن البطالة الجماعية، وفقدان القدرة على التأثير البشري، وحتى انقراض جنسنا البشري.

في استطلاع رأي وطني أجريناه في ديسمبر (كانون الأول) شمل أكثر من 1600 أميركي، أفاد نحو 4 من كل 10 أشخاص بقلقهم البالغ إزاء التهديد الوجودي الذي يمثله الذكاء الاصطناعي للبشرية. ويُضاهي مستوى هذا القلق مستوى القلق الذي يشعر به كثيرون حيال تغير المناخ. والجدير بالذكر أن هذا القلق يتجاوز السن والدخل والعِرق والجنس والانتماء السياسي.

وتستحق هذه المخاوف اهتماماً جاداً، لذا ينبغي للحكومات وشركات التكنولوجيا مواصلة الاختبارات والإشراف والضمانات الصارمة، للتأكد من التطوير المسؤول لنماذج اللغة الضخمة.

ولكن التركيز حصرياً على أسوأ السيناريوهات قد يُغفل سؤالاً أكثر هدوءاً، وربما أكثر أهمية: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي الناس على أن يصبحوا أكثر وعياً بأهدافهم؟

الذكاء الاصطناعي: الغاية والهدف

لاستكشاف هذا السؤال، قدَّمنا ​​مقياساً جديداً في استطلاع رأي شمل بالغين أميركيين: «مقياس الذكاء الاصطناعي من أجل غاية وهدف محددين»، AI for Meaningful Purpose Scale» (AMPS)».

يسأل المقياس عما إذا كان الناس يشعرون بأن الذكاء الاصطناعي يُساعدهم على تحقيق أهداف مهمة بالنسبة لهم، وتطوير مهارات يجدونها ذات مغزى، والبقاء على اتصال بقيمهم وشعورهم بالاتجاه.

على سبيل المثال: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي المعلمين على قضاء وقت أطول مع الطلاب بدلاً من الأعمال الورقية؟ هل يُساعد مقدمي الرعاية على التعامل مع الأنظمة الصحية المعقدة؟ هل يُتيح لكبار السن فرصاً جديدة للإبداع والتعلم والتواصل؟ وهل يُساعد الشباب -الذين يُعتبرون اليوم الجيل الأكثر قلقاً في التاريخ الحديث- على إيجاد مسار حياة يبدو حقيقياً وقابلاً للتحقيق؟

تباين رأي الأجيال

كان التباين بين الأجيال لافتاً للنظر. فقد كان الشباب أكثر ترجيحاً بـ«نعم» بمرتين تقريباً من الجيل الأسبق، للقول بأن الذكاء الاصطناعي يدعم هذه الأهداف الأعمق. وكان الرجال أكثر ترجيحاً بمرتين من النساء، للحصول على درجة عالية في مقياس «AMPS».

ومن المرجح أن تعكس هذه الفجوة اختلافات في درجة الوصول المتاحة للتكنولوجيا، والتشجيع، والخيارات المبكرة، أكثر من كونها اختلافات جوهرية في الاهتمام أو القدرة. وهذه التفاوتات ليست قدراً محتوماً، ولكنها مؤشرات مبكرة. وإذا حدث وأصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً مُضاعفاً لقوة الحياة الهادفة، فلن يحدث ذلك تلقائياً أو بشكل عادل.

كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُؤثر في الرفاهية؟

لكن ما أثار دهشتنا أكثر هو مدى ارتباط درجات مقياس «AMPS» بمؤشرات أوسع للرفاهية. كان الأشخاص الحاصلون على درجات عالية في مقياس «AMPS» يعبِّرون بأكثر من الضعف عن شعور قوي لديهم بالاعتداد وقدرة التأثير الشخصي، والتواصل الاجتماعي، والأمل في المستقبل. بعبارة أخرى: كانوا يبدون أكثر أملاً في ازدهار حياتهم.

وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يجعل الناس سعداء بطريقة سحرية، ولكنه يشير إلى أنه عندما يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي بطرق تتوافق مع ما يهمهم حقاً، فإنهم يشعرون بمزيد من الكفاءة والتوجيه.

وجهات نظر متضاربة

ظهرت إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام عند دراسة كيفية امتلاك الناس وجهات نظر متضاربة حول الذكاء الاصطناعي. كانت الأجيال الأكبر سناً التي كانت قلقة للغاية بشأن التهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي، أقل عرضة بنسبة أقل من النصف لاستخدامه في خدمة ما يهمهم حقاً. أما بين الشباب، فلم يكن القلق بشأن الذكاء الاصطناعي مؤشراً على عدم الانخراط فيه.

وكان أفراد جيل الشباب قلقين بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي تماماً مثل كبار السن، ومع ذلك، كانوا لا يزالون يستخدمونه بنشاط للتعلم والنمو والسعي وراء أهدافهم.

مهارة تقبُّل حقيقتين متناقضتين

يُظهر لنا هذا أن الأجيال الشابة تبدو أكثر استعداداً لتقبُّل حقيقتين تبدوان متناقضتين في آن واحد: أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل مخاطر جسيمة، وأنه لا يزال بإمكانه أن يكون أداة قوية لحياة كريمة. قد تُصبح هذه القدرة على التعايش مع التوتر -دون تفاؤل ساذج أو خوف مُشلّ- إحدى أهم مهارات عصر الذكاء الاصطناعي.

كيف سيبدو مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

لن يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي بما سيؤول إليه تطوير الآلات فحسب؛ بل إن كيفية استخدام البشر لها، والغايات التي يسعون لتحقيقها، ستؤثر أيضاً على مسار تطوره وتُشكّله.

إذا تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي كمجرد تهديد، أو أداة لزيادة الكفاءة، فإننا نُفوّت فرصة ثمينة. ولكن إذا استخدمناه بوعي، فبإمكانه أن يُعزز الإنتاجية؛ بل والغاية أيضاً. فهو يمنح الناس شعوراً بالقدرة على التأثير، ويُضفي الأمل والتواصل في زمنٍ يندر فيه كل ذلك.

إذن، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُغير حياتنا، فقد غيّرها بالفعل. السؤال هو: هل سنُصمم الذكاء الاصطناعي -ونُعلّم الناس استخدامه- بطرقٍ تُعزز إحساسنا بالمعنى والغاية بدلاً من أن تُمحوهما؟

* مجلة «فاست كومباني».


الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟
TT

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

يدور كثير من المناقشات حول ميزانيات التسويق اليوم في الشركات والمؤسسات، في سؤال واحد: هل نستثمر في توظيف كاتب؟ أم نترك للذكاء الاصطناعي كتابة المحتوى؛ خصوصاً أن النسخ المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي سريعة وغير مكلفة، كما يزعم مصمموها أنها تتحسن في محاكاة أسلوب الكتابة البشري؟ هكذا تساءلت ديانا كيلي ليفي*.

أسلوب الكتابة البشري- إنساني

هنا تكمن المشكلة؛ إذ قد يبدو أسلوب كتابة الذكاء الاصطناعي بشرياً، ولكن الكُتّاب الحقيقيين يدركون أن الصحافة ليست مجرد أسلوب كتابة؛ بل هي ممارسة مبنية على العلاقات مع المصادر، والخبرة في الموضوع، والتجربة العملية. وهي الممارسة التي تُنتج تفاصيل مُدهشة أو عبارة مؤثرة تُثير مشاعر القارئ.

بين محتوى المقال وعمق التفاعل

لقد ثبت أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة بنية المقال، ولكنه لا يُحاكي حدس شخص أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع الخبراء، والاستماع إلى مخاوف الجمهور، والتعاون مع محررين ذوي خبرة، وفهم ما يُبقي القراء مُتفاعلين.

وغالباً ما يشعر الجمهور عندما يبدو المحتوى عاماً ومكرراً؛ لأنهم يرغبون في تعلم شيء جديد أو الاستمتاع. ونادراً ما تحقق النقاط المتكررة في مجال الذكاء الاصطناعي أياً من هذين الهدفين.

قيمة الصحافيين

هنا تكمن قيمة الصحافيين؛ إذ يعمل كثير من كتّاب ومحرري المجلات السابقين الآن مع الشركات التجارية كمسوقين للمحتوى. وهم يستخدمون مهاراتهم الصحافية لصياغة قصص تجذب الانتباه، وتشرح المواضيع المعقدة، وتترك القراء متشوقين للمزيد.

الصحفي- الخيار الأمثل

إليكم 6 أسباب تجعل الصحافي الخيار الأمثل لفريق المحتوى لديكم:

1- الصحافيون مدرَّبون على الكتابة للناس، لا لمحركات البحث:

تُعلّمك دراسة الصحافة -وسنوات العمل في غرف الأخبار وعلى صفحات المجلات– الكتابة للشخص الجالس أمامك. وهذا يعني كتابة فقرات افتتاحية آسرة تجذب القراء. ويعني أيضاً الانتقالات المنطقية التي تحافظ على انسيابية القراءة. ويتجلى ذلك في فقرات ختامية تجمع كل شيء معاً برؤية واضحة.

2- يتمتع الصحافيون بانضباط فطري:

تُدرّب ثقافة غرف الأخبار الصحافيين على الالتزام بالمواعيد النهائية كأمر لا يقبل المساومة. ويلازمهم هذا الانضباط في جميع المشاريع. ويعتبر الصحافيون سرعة التسليم معياراً أساسياً في العمل. لذا، ينبغي على المؤسسات التي تبحث عن محتوى عالي الجودة يلتزم بالمواعيد النهائية أن تفكر في توظيف صحافيين سابقين.

سهولة القراءة ومتعتها

3- تحويل المواضيع المعقدة إلى مقالات سهلة القراءة وممتعة:

يعرف الصحافيون كيفية تحويل المواضيع التقنية المعقدة إلى مقالات يفهمها القارئ العادي ويتذكرها. إذا كانت مؤسستك تعمل في مجال الصحة، أو التمويل، أو القانون، أو الصيدلة، أو تكنولوجيا الأعمال، أو أي مجال يتطلب تعلماً سريعاً، فإن هذه المهارة لا تُقدّر بثمن.

4- يعرف الصحافيون كيفية إيجاد المصادر واستخدامها:

لم يكن هناك وقت أفضل من الآن لإضافة مزيد من اقتباسات الخبراء إلى المحتوى الإعلامي. ويعرف الصحافيون كيفية تحديد المصادر المناسبة، وإجراء المقابلات، ودمج تلك الأفكار في المحتوى بطريقة سلسة وطبيعية. قد تستغرق هذه المهارات سنوات لتطويرها، ولكنها تُحسّن المحتوى بشكل ملحوظ.

عناوين جذابة

5- يعتقد الصحافيون أن كتابة العناوين رياضة أولمبية:

ما الفرق بين المحتوى الذي يجتذب الناس والمحتوى الذي يمرون به مرور الكرام؟ العناوين. يُدرك الصحافيون الذين عملوا في الصحف والمجلات مدى أهمية العنوان المناسب لجذب انتباه القارئ، وحثّه على شراء المنشور.

إنّ القدرة الفطرية على فهم المشاعر التي تدفع القارئ للنقر على مقال أو فتح رسالة إخبارية من أي مؤسسة، تنبع من سنوات من التجربة والملاحظات التحريرية.

6- إتقان أسلوب المؤسسة في التعامل والحفاظ على جاذبية المحتوى:

إنّ العمل في منشورات ومجالات مختلفة، ومع جمهور متنوع، يُعلّم الصحافيين المخضرمين تغيير النبرة والأسلوب باستمرار. عندما تُوظّف صحافياً للكتابة لمؤسستك، فإنك ستُقدّر إضفاءه طابعاً شخصياً على المحتوى، مع الحفاظ على النبرة والأسلوب المُحددين في وثائق المؤسسة.

يمكن لنماذج اللغة الكبيرة اتباع دليل لتطوير الأسلوب، ولكنها لا تستطيع مُحاكاة ما يحدث عندما يستمع الصحافي إلى قصة شخص ما، ويُحوّل تلك المُحادثة إلى محتوى يتفاعل معه جمهورك، ويرغب في قراءته مُجدداً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».