عمرو موسى: إسرائيل قابلت «المبادرة العربية» بسلبية لأنها تستدرجها إلى التفاوض مع العرب مجتمعين

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (4)

عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد
عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد
TT

عمرو موسى: إسرائيل قابلت «المبادرة العربية» بسلبية لأنها تستدرجها إلى التفاوض مع العرب مجتمعين

عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد
عمرو موسى مع الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والشيخ عبد الله بن زايد

في الحلقة الرابعة من الكتاب الجديد للأمين العام الأسبق للجامعة العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية» الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» وحرره ووثقه خالد أبو بكر، يستعرض موسى جهوده والجامعة العربية في القضية الفلسطينية، التي خصص لها فصلين على مساحة 66 صفحة. تناول الأول، ظروف ولادة مبادرة السلام العربية في قمة بيروت 2002، والتي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بين عبد العزيز (رحمه الله)، وكان حينها ولياً للعهد. فيما خصص الثاني لتطورات القضية الفلسطينية، مركزاً على الانقسام الفلسطيني بين «فتح» و«حماس»، أو الضفة وغزة على القضية الفلسطينية، ومؤتمر أنابوليس للسلام، ثم الانقسام العربي العمودي في ظل العدوان على غزة سنة 2009. وموقف إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما من القضية الفلسطينية. هذه الحلقة من الفصل الأول، يروي موسى تفاصيل «المبادرة العربية للسلام» ودوره في صياغة بعض بنودها لتجاوز بعض الاختلافات على بنودها.
تبوأت منصبي أميناً عاماً لجامعة الدول العربية بينما كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية قائمة ونشطة. كما كان التعنت الإسرائيلي مستمراً بل متصاعداً، وكذلك كان الجمود يشل «عملية السلام» (وهو الاسم الذي كان شائعاً للمفاوضات العربية - الإسرائيلية المتردية، وأنا هنا أستخدم العبارة للتسهيل). فمنذ أن تسلم الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش مهامه رسمياً في 20 يناير (كانون الثاني) 2001 وحتى أحداث 11 سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، لم تقدم إدارته أي مبادرة سياسية لمعالجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وظلت نظرتها إلى الانتفاضة الفلسطينية على أنها حالة عنف، تعالج بإجراءات أمنية فقط.
في المجمل كان الموقف الأميركي تجاه القضية الفلسطينية في الفترة الممتدة من 20 يناير 2001 وحتى 11 سبتمبر 2001، ثابتاً على حاله، مع الأخذ في الاعتبار أن إدارة بوش اتبعت سياسة العصا مع الفلسطينيين، لاعتقادها أن سياسة الجزرة لم تنجح مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مفاوضات كامب ديفيد 2000. وبالتالي يجب احتواء وإنهاء القضية الفلسطينية بالرؤية التي تراها مناسبة، والتي تتقاطع مع السياسة الإسرائيلية، إلا أن الأمور تغيّرت بعد 11 - 9.
بعد وقوع هذه الهجمات في نيويورك، وفيما كانت القوات الأميركية تنهي استعدادها لغزو أفغانستان، وكانت الإدارة الأميركية منهمكة في حشد تحالف دولي واسع لدعم «الحرب على الإرهاب»، أعلن بوش أن «قيام دولة فلسطينية كان دوماً جزءاً من الرؤية الأميركية ما دام حق إسرائيل في الوجود محترماً... لكن أولاً، عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، يتعين علينا الوصول إلى تقرير ميتشل (تقرير أصدرته لجنة لتقصي الحقائق التي ترأسها السيناتور جورج ميتشل لبحث أسباب اندلاع انتفاضة سنة 2000). فقد وضع السيناتور ميتشل مخططاً قابلاً للتطبيق يوافق عليه معظم العالم، وهو طريق ضروري لحل مشاكل الشرق الأوسط في نهاية المطاف. ونحن نعمل بجد مع الجانبين (الفلسطيني والإسرائيلي) لتشجيع الحد من العنف حتى يمكن إجراء مناقشات هادفة».
في الحقيقة، فور اطلاعي على تلك التصريحات التي هي الأولى لبوش متحدثاً عن دولة فلسطينية اعتبرت أنها لا تعدو أن تكون عملية غير سليمة مبنى ومعنى وأهدافاً؛ ذلك أنني قدرت وقتها أن الرجل يحتاج إلى دعم العرب والمسلمين في حربه المقبلة ضد بعض دولهم، ولذلك فلا مانع لديه من مغازلتهم في القضية المركزية بالنسبة للكثيرين منهم، وهي القضية الفلسطينية. مما يؤكد استنتاجي، هو أنه بعد تلك التصريحات بنحو خمسة أيام، وبالتحديد في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2001. بدأت الولايات المتحدة حربها على أفغانستان.
- فريدمان وولادة «المبادرة العربية»
نشر توماس فريدمان، كاتب العمود الشهير في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في 6 فبراير (شباط) 2002. رسالة إلى القادة العرب على لسان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش - شرح فيما بعد أنها كانت رسالة وهمية من ادعائه - تحت عنوان «Dear Arab Leage”. ومن ضمن ما قاله فيها: «أنت (أي الحكام العرب) من يملك القدرة على إعادة تشكيل الدبلوماسية حقاً، وليس أنا. وهنا نصيحتي لكيفية القيام بذلك: لديك قمة جامعة الدول العربية المقرر عقدها في مارس (آذار) في لبنان. أقترح أن يصدر مؤتمر القمة قراراً بسيطاً واحداً: «يقول 22 من أعضاء جامعة الدول العربية لإسرائيل إنه مقابل انسحاب إسرائيلي كامل إلى خطوط 4 يونيو (حزيران) 1967 - في الضفة الغربية وغزة والقدس ومرتفعات الجولان - نحن نقدم اعترافاً كاملاً بإسرائيل، وعلاقات دبلوماسية كاملة، أي سلام كامل مع جميع الدول العربية الـ22 للانسحاب الكامل».
بعد أقل من أسبوع، التقى فريدمان الأمير عبد الله، ولي العهد حينها، في مزرعته قرب الرياض. وكتب الصحافي الأميركي تفاصيل تلك المقابلة التي تضمنت الإعلان لأول مرة عما عرف بـ«مبادرة الأمير عبد الله للسلام في الشرق الأوسط»، قبل أن تعتمدها 22 دولة عربية في قمة بيروت في 28 مارس 2002، ليصبح اسمها «المبادرة العربية للسلام».
من جانبي أقول إن مضمون رسالة فريدمان سبقها نقاش طويل امتد طوال السنة الأخيرة لي وزيراً لخارجية مصر والسنة الأولى أميناً عاماً للجامعة العربية، وذلك بينه (فريدمان) وبيني في دافوس، عن أفضل الطرق وأنجعها لإرساء الأسس اللازمة لسلام متوازن يأخذ في الاعتبار الاحتياجات الأساسية لكلا الطرفين، ولا يزال فريدمان يذكرني بذلك. كانت آخر مرة ناقشنا فيها تلك الذكريات في يناير 2019. وبهذه المناسبة أدعو من يريد إلى التواصل مع فريدمان ليسأله عن الأصل المشترك لفكرة الطرح المتوازن للحقوق والالتزامات بالنسبة للطرفين العربي والإسرائيلي.
والواقع أننا على الجانب العربي، كنا نبحث عن مخرج، فالهجمة شرسة علينا باعتبارنا إرهابيين أو على الأقل منتجين لهم وذلك في أعقاب أحداث 11 - 9. فكان لا بد من الانتقال إلى شن حرب دبلوماسية تنقلنا من خانة الدفاع دون تقديم تنازلات مؤلمة أو مع تنازلات متبادلة. كان تفكير ولي العهد السعودي في ذلك الوقت هو التفكير السليم الذي ينبع من نفس منطق «خذ وأعطِ».
وكان الأمير (الملك) عبد الله هو وحده صاحب المكانة التي تؤهله لطرح المبادرة العربية دون مزايدة من آخرين سوف يتحرجون من مهاجمته أو الاعتراض على ما يقترحه. كان الأمير عبد الله ذا مصداقية هائلة لدى الرأي العام العربي والحكومات العربية جميعاً ولدى العالم، ومن ثم كان اقتراحه أو مبادرته خطوة تاريخية جديرة بالتأييد الشامل لها.
- ضغط سوري ـ لبناني لخفض سقف المبادرة
لم يكن السوريون مرتاحين إزاء مبادرة الأمير عبد الله؛ إذ إن ولي العهد لم يتشاور معهم قبل الإعلان عن مبادرته في «نيويورك تايمز». أظن أن الأمير وضع تجربة (الرئيس المصري الراحل أنور السادات) مع السوريين نصب عينيه؛ فقرر عدم التشاور أو التنسيق معهم قبل صياغة المبادرة، مخافة أن يطلقوا النار عليها قبل الإعلان عنها. لم يعلن السوريون غضبهم من ذلك صراحة، لكن مجهودهم الرئيسي في نقد المبادرة خلال اتصالاتهم انصب على عبارة «التطبيع الكامل»، التي وردت فيها، كرد من العرب على انسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من يونيو 1967.
في الوقت نفسه، اندفع السوريون ببراعة للعب بورقة «اللاجئين الفلسطينيين» وحق العودة الذي لم تتم الإشارة إليه في التفاصيل المنشورة عن المبادرة؛ لأنهم يدركون جيداً الحساسية الفلسطينية ثم اللبنانية من موضوع اللاجئين، ذلك أن بعض الطوائف اللبنانية ترى أن توطين نحو 350 ألف لاجئ فلسطيني معظمهم من المسلمين السنة، أمراً يخل بالميزان الديمغرافي في لبنان.
في 3 مارس 2002 (قبل انعقاد قمة بيروت وربما تمهيداً لها)، قام بشار الأسد بأول زيارة رسمية إلى بيروت من قبل رئيس دولة سوري منذ أكثر من خمسين عاماً. خلال زيارته، أصدر الأسد والرئيس اللبناني إميل لحود بياناً مشتركاً لم يشيرا فيه إلى مبادرة الأمير عبد الله صراحة، لكنهما قالا: «يجب أن تسمح التسوية الشاملة مع إسرائيل بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وإزالة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة».
بعد زيارة الأسد، تخلى السعوديون بهدوء عن مصطلح «التطبيع الكامل» من التصريحات الرسمية الممهدة للمبادرة. وفي هذا السياق، وصف وزير الخارجية سعود الفيصل في 10 مارس المبادرة بأنها تعرض على إسرائيل «سلاماً تاماً» مقابل الانسحاب إلى حدود عام 1967. ولم يركز على مصطلح «التطبيع الكامل».
- قمة بيروت 2002
صبيحة افتتاح قمة بيروت في 27 مارس 2002 دعاني الأمير سعود الفيصل إلى إفطار مبكر (نحو ساعة قبل وصول وزير خارجية سوريا فاروق الشرع لنفس الدعوة) وجاء الشرع بالفعل في موعده. لاحظت أنه يريد الانفراد بسعود وهو ما مكنته منه، إذ كان علي أن أصوغ المبادرة في صورتها النهائية تاركاً موضوع اللاجئين والتطبيع (أو الاعتراف) إلى حين انتهاء المباحثات السورية - السعودية. جلست أكتب على مائدة بعيدة وإن في ذات الصالون. كنت قاصداً أن أكتب النص في وجود سوريا، وأن أعرض النص على سعود في وجود الشرع.
كنا في الدور السادس من فندق فينيسيا الشهير في بيروت، وفي الصالون الخاص بكبار الضيوف تحديداً. لاحظت توتراً على فاروق الشرع وفروغ صبر لدى سعود. كنا في فترة الصباح الباكر تلك التي جمعتني والأمير وحدنا قد ناقشنا الموقف السوري الذي كنت مؤيداً له وهو ما ذكرته للأمير، قائلاً: «إن الأمر في النهاية أمر صياغة، خصوصاً في النقطة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين التي يدعمها قرار الأمم المتحدة 194 لسنة 1948. الذي يمكن استخدام صياغته. وأما الاعتراف أو التطبيع فطالما هو مشروط فلا غضاضة منه».
الحقيقة أن موقف سوريا أضاف إلى المبادرة ولم يضعفها، ولست أرى أن سوريا كانت معارضة لفكرة المبادرة في ذاتها، كما أؤكد أنها كانت حريصة على عدم الصدام مع (الملك) عبد الله. المهم أنه بعد التفاهم الذي جرى بين الأمير سعود وفاروق الشرع انضممت إليهما، حيث دار نقاش حول الصياغة النهائية، وقال الأمير سعود إن عمرو موسى كفيل بها.
قلت إنني سوف أعدها بسرعة وأعرضها على كل منهما - ربما وهما جالسان هنا - قبل أن نطبعها ونعدها للعرض على الوزراء الآخرين، وهو ما حدث بالفعل، وبينما اطلع عليها سعود بسرعة ووافق عليها، قرأها فاروق الشرع كلمة كلمة، ثم توقف عند عبارة «العلاقات الطبيعية»، في سياق الفقرة التي تقول: «إنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل».
قلت له: يا أبا مضر، هذه عبارة أقل من «التطبيع الكامل التي تحفظتم عليها»، فسكت ولم يعلق وهو ما اعتبرته موافقة على الصياغة.
ثم سألني: ماذا تنوي أن تفعل الآن؟
قلت: سوف أراجع الصياغة مرة أخرى من حيث اللغة والترتيب، ثم أخطر بها باقي الوزراء، لكن لن أوزعها عليهم إلا في الاجتماع ذاته، أي سوف تكون هناك نسخة واحدة في يدي فقط للساعة أو الساعتين القادمتين، وأعتقد أن الاجتماع سوف يتأخر بعض الوقت.
ذهبت بعد ذلك إلى المكتب المخصص للأمين العام، وكان بجوار المكتب الذي خصص لرئيس القمة (الرئيس اللبناني إميل لحود) في دور تحت الأرض في الفندق، حيث توافد عدد من الوزراء تمهيداً للقمة التي اقترب موعد افتتاحها، وأطلعت من يريد على النص دون تسليم نسخ.
كان وزير الخارجية المصرية - أحمد ماهر السيد - مندهشاً مما جرى، وأطلعته من جانبي على النص، إذ لم يدعوه وزيرا الخارجية السعودي والسوري للانضمام إليهما؛ فغادر دون تعليق. أما كوفي أنان وخافيير سولانا وغيرهما فاتصلوا بي تليفونياً، وأعتقد أنهما اتصلا بالأمير سعود الذي ذكر أن النص معي وهو النص الوحيد، وكان ردي هو نفسه الذي ذكرته للوزراء. طلبت من مدير مكتبي (السفير هشام بدر) أن يقوم بترجمة النص إلى الإنجليزية وأن يكتبه بنفسه ويسلمني إياه، وهو أيضاً ما حدث.
اقتربت ساعة الانعقاد، وتركت الترتيبات للسفير هشام بدر، إذ انشغلت بأمر آخر هو إذاعة نص خطاب يود ياسر عرفات أن يلقيه على القمة من حصاره في المقاطعة برام الله، وكانت هناك معارضة من سوريا ولبنان، وعدم اقتناع من رئاسة القمة. كنت محبطاً وأنا أرى أن موقف القمة أو بعض أعضائها غير سليم إطلاقاً، لا من حيث الشكل ولا المضمون، ويجعل إسرائيل تبتسم ساخرة من موقف العرب تجاه الرئيس الفلسطيني.
هذا الموضوع أصابني بحالة إحباط وضيق كانت واضحة على وجهي؛ وهو ما لاحظه الأمير عبد الله ولي عهد السعودية، رحمه الله، وإذ به يضع يده على كتفي قائلاً: يا عمرو حين تشعر بضيق اقرأ سورة العصر: (وَالْعَصْرِ * إِنَ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَا الَذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِ وَتَوَاصَوْا بِالصَبْرِ). وقد فعلت وما زلت أفعل حتى الآن... رحم الله الملك عبد الله... كم أحببته.
- تحفظات ليبيا على المبادرة
الحقيقة أن الجلسة الختامية لقمة بيروت في 28 مارس 2002 قد تأخرت ساعتين ونصف الساعة بسبب اعتراض السوريين على الصياغة التي صدرت بها المبادرة العربية، الذين كانوا قد أصروا على إلغاء مصطلح «التطبيع الكامل» وطرح مصطلح «سلام كامل»، وكنت قد استبدلت بهما عبارة «العلاقات الطبيعية» كحل وسط، وهي الصيغة التي اعتمدها السوريون بعد مفاوضات شاقة.
كانت هناك صعوبة أخيرة تقف أمام الموافقة الجماعية على المبادرة العربية، هي اعتراض ليبيا على بعض البند الثالث من بنود المبادرة الذي ينص على: «اعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهياً، والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة».
كان أخي وصديقي علي التريكي هو ممثل ليبيا، وهو دبلوماسي قدير، وقد أثار اعتراض ليبيا على البند المشار إليه في الجلسة الرابعة (مغلقة) والتي انعقدت بعد ظهر اليوم الثاني للقمة، وجاء اعتراضه بالنص في محضر الجلسة كما يلي:
«فيما يخص الفقرة 3 التي تنص على (اعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهياً)، والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل... هذا يعني الدول العربية التي لها أرض محتلة وليس الدول العربية جميعاً على ما أعتقد؛ لأنه ما الذي يلزم دولة عربية في شمال أفريقيا أن تبرم اتفاقية سلام مع إسرائيل؟
لا نتحدث عن ليبيا... وإنما نتحدث عن الدول التي هي ضحية للعدوان الآن وأرضها محتلة. سوريا... لبنان... الفلسطينيون... هؤلاء هم الذين يبرمون اتفاقية سلام... أما الدول العربية الأخرى فما الذي يعنيها؟ ما الذي يجعلني أبرم اتفاقية سلام مع إسرائيل؟... نريد أن يوضح لنا أولئك الذين وضعوا الوثيقة أو لجنة الصياغة أو معالي الأمين العام: مَن الذي سيعقد اتفاقية مع إسرائيل؟ إنها الدول التي لها أرض محتلة والتي تقوم بعملية السلام أو المقصود كافة الدول؟».
بعد تمسك الكثير من الدول بنص الفقرة التي اعترضت عليها ليبيا، شدد التريكي على أن ليبيا «تؤيد المبادرة وليست ضدها. لقد اتفقنا على أن المبادرة هي تحرك سياسي يهدف إلى إحراج إسرائيل، ونحن مع مبادرة سمو الأمير عبد الله، لكن لا يمكن أن نقبل نصاً يلزم العرب جميعاً بأن يقوموا بتوقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل».
وعندئذ قال الأمير عبد الله بن عبد العزيز: «أشكر الأخ التريكي... وإذا كان ولا بد يتحفظ عليها فهو يقبلها، ومن ثم فليتحفظ على هذه النقطة». ثم عرضت المبادرة للتصويت ولم تصوت ليبيا ضدها، وجرت الموافقة عليها بالإجماع... رحم الله علي التريكي كان عروبياً صادقاً.
رد فعل إسرائيلي ـ أميركي سلبي
لم أتوقع استجابة إيجابية من الإسرائيليين على المبادرة العربية؛ لأنها تستدرجهم إلى الموقع الذي لا يحبونه في التفاوض مع العرب كجماعة بشأن القضية الفلسطينية، وهو موقع لا يقبلونه تاريخياً. فـ«المفاوضات الثنائية» مع طرف ضعيف هي الطريقة المفضلة التي يحبذونها؛ لإدراكهم أن أي مواجهة ولو تفاوضية مع العرب مجتمعين لن تكون في صالحهم أبداً.
السبب الثاني الذي جعلني لا أتوقع رداً إيجابياً من إسرائيل على المبادرة العربية أنها تبيع لهم «التطبيع الكامل»، وإن خففت صيغته كما سبق وبينت مقابل الأرض العربية وحدود 4 يونيو 1967، والحقيقة أن الخط الاستراتيجي في السياسة الإسرائيلية كما خبرتها يقوم على أنه بالإمكان الفوز بـ«تطبيع مجاني» من العرب من دون الحاجة للتفريط في الأرض المهمة بالنسبة لأمن إسرائيل القومي.
ما أدهشني حقاً هو رد الفعل الأميركي الفاتر للمبادرة مع أن العديد من المصادر والمؤسسات الأميركية كانت تدفع باتجاه صدور هذه المبادرة من قمة 2002 حتى يمكن «طمأنة» الإسرائيليين ودفع العملية السلمية إلى الأمام. كما أن الحضور والإصرار الدولي الكثيف الأوروبي والأميركي والأمم المتحدة لم يكن لمجرد المشاهدة والتشجيع، وإنما كان لضمان صدور المبادرة.
إذن لماذا هذا البرود فور صدورها؟ إنه موقف إسرائيل التي رأت في المبادرة خطورة أن يدعمها العالم ومن ثم يضغط عليها للقبول بها والتجاوب معها؟ ثم تصاعد العنف خلال الانتفاضة الثانية ليكهرب الجو ويصعب عرض مبادرة الجامعة العربية على مجلس الأمن، العرض السياسي المطلوب والمنطقي، بعد هذا الإجماع العربي على الموقف الجديد بمد يد السلام ويطرح تنازلات «متبادلة» محددة ومصاغة بجدية. نعم كان رد الفعل الأميركي الأولي بشأن المبادرة فاتراً، حيث وصفه المتحدث باسم وزارة الخارجية ريتشارد باوتشر بأنها مجرد «خطوة هامة وإيجابية». بعد بضعة أيام، على ذات النغمة وصفها وزير الخارجية كولن باول بأنها «خطوة مهمة»، لكنه نوه بالحاجة إلى مزيد من التفاصيل بشأنها، (وكأنهم لم يكونوا على دراية بها!)
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



معارك الجبال تُفاقم الخسائر الحوثية

يمنيون فارون من القتال يقفون في طابور للحصول على قسائم غذائية قرب عدن أمس (رويترز)
يمنيون فارون من القتال يقفون في طابور للحصول على قسائم غذائية قرب عدن أمس (رويترز)
TT

معارك الجبال تُفاقم الخسائر الحوثية

يمنيون فارون من القتال يقفون في طابور للحصول على قسائم غذائية قرب عدن أمس (رويترز)
يمنيون فارون من القتال يقفون في طابور للحصول على قسائم غذائية قرب عدن أمس (رويترز)

بينما تتواصل المواجهات العسكرية في جبهات غرب تعز ولحج والساحل الغربي اليمني، رأت مصادر عسكرية أن معارك الجبال وضربات الجوّ تفاقم الخسائر الحوثية.

وأعلنت القوات الحكومية صدّ هجوم حوثي في جبال كهبوب واستعادة مواقع تزامناً مع إسقاط 3 مسيّرات واستهداف تجمعات وآليات في المنطقة والوازعية.

وفي الريف الجنوبي لتعز، قالت القوات الحكومية إنها أحكمت السيطرة على جبل قرفان في منطقة حرض جرداد، بعد معارك أسفرت عن مقتل أكثر من 5 حوثيين، وإصابة نحو 20 آخرين.


تجاهل مصري لأنباء احتجاز 3 إسرائيليين في سيناء

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)
TT

تجاهل مصري لأنباء احتجاز 3 إسرائيليين في سيناء

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

تجاهلت مصر التعليق على ما تداولته تقارير عبرية منذ أيام، حول القبض على 3 إسرائيليين، حيث عمت أن ذلك يرجع «لأسباب تخص الأمن القومي المصري».

وتواصلت «الشرق الأوسط» مع جهات معنية في مصر، منها الرئاسة، ومجلس الوزراء، والخارجية، والهيئة العامة للاستعلامات، ووزارة الإعلام للحصول على تعليق حول القضية ولكن لم يتسن ذلك، وكذلك لم يصدر أي بيان مصري في هذا الشأن حتى الآن.

وكانت تقارير عبرية لهيئة البث الإسرائيلية «كان 11» وصحيفة «معاريف» و«القناة العاشرة الإسرائيلية»، زعمت «أن الإسرائيليين الثلاثة من بدو النقب، واحتجزتهم سلطات الأمن في مصر منذ نحو ستة أشهر في ظروف غامضة»، مشيرة إلى «أن عائلات المعتقلين وصلتها تأكيدات بأن عملية القبض تمت لأسباب تخص أمن مصر القومي وليست لمخالفات أو جرائم جنائية عادية».

وحسب الأنباء المتداولة، فإن «المقبوض عليهم 3 شبان كانوا في إجازة بجنوب سيناء منذ مارس (آذار) الماضي، وخلال عودتهم تم القبض عليهم في معبر طابا ومن وقتها انقطع الاتصال بينهم وبين عائلاتهم التي لم تعلم بمسألة اعتقالهم إلا بعد بحث واسع من محاميهم الإسرائيلي الذي حصل على تأكيد من الخارجية الإسرائيلية بوجود الشبان الثلاثة في السجون المصرية دون تفاصيل إضافية».

وأفادت هيئة البث الإسرائيلي «كان»، مساء الثلاثاء، بأن وزارة الخارجية الإسرائيلية «لم تتلق رداً رسمياً كافياً من مصر بشأن 3 إسرائيليين محتجزين لديها».

وقال مدير الشؤون المعنوية الأسبق بالجيش المصري، اللواء سمير فرج، إن الأنباء المتداولة عن ضبط 3 إسرائيليين، إن ثبت صحتها، تؤكد «أن مصر تحافظ على سقف معين في علاقاتها مع إسرائيل، خصوصاً فيما يتعلق بالأمن القومي».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «العلاقات بين مصر وإسرائيل تشهد توتراً بالأساس لكن لن تصل إلى حد قطعها، وهذه الفترة تعيش إسرائيل حالة انتخابات، ومن ثم تعمل على إثارة مثل هذه القضايا وتأكيد أنها مهددة».

وتأتي التقارير العبرية الأخيرة، في وقت تشهد فيه العلاقات بين مصر وإسرائيل توتراً غير مسبوق منذ بدء الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وامتناع القاهرة عن اعتماد سفير جديد لإسرائيل، وكذلك استدعت السفير المصري من تل أبيب منذ نحو 3 أعوام ولم يعد من وقتها.

وقال وكيل المخابرات المصرية الأسبق اللواء محمد رشاد، إنه من «خلال ما ورد بالتصريحات الإسرائيلية، فإن الموقف غامض بالنسبة للأشخاص الذين يقال إنه تم ضبطهم في مصر»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الموقف الغامض لو كان حقيقة، ففي خلفيته علاقات متوترة بين مصر وإسرائيل نتيجة أحداث غزة واحتلال إسرائيل لممر فيلادلفيا (محور صلاح الدين) وإصرارها على عدم الانسحاب منه، وإجراء بعض التجهيزات الهندسية في منطقته بما يخالف اتفاقية (كامب ديفيد)».

الخبير المتخصص في الشؤون العربية والإسرائيلية، أشرف العشري، قال إنه «حسب المتداول من معلومات، فالمعتقلون هم من عرب الأرض الفلسطينية المحتلة أي من الخط الأخضر، وهناك شكوك حول زيارتهم ومهمتهم في مصر، ويبدو أنهم متورطون في أعمال تتعلق بالأمن القومي المصري».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «مثل هذه الأنباء لا تؤثر في العلاقات بين البلدين؛ لأن الحديث هنا عن أن المعتقلين من عرب إسرائيل وليسوا من اليهود، وبالتالي هذا الأمر لو صح سينتهي في إطار اتفاق معين والتزامات بين البلدين».


تحركات لحل «أزمة المعلمين»... مصر والكويت تشددان على عمق العلاقات

محادثات ولي عهد الكويت مع رئيس الوزراء المصري في نيويورك (مجلس الوزراء المصري)
محادثات ولي عهد الكويت مع رئيس الوزراء المصري في نيويورك (مجلس الوزراء المصري)
TT

تحركات لحل «أزمة المعلمين»... مصر والكويت تشددان على عمق العلاقات

محادثات ولي عهد الكويت مع رئيس الوزراء المصري في نيويورك (مجلس الوزراء المصري)
محادثات ولي عهد الكويت مع رئيس الوزراء المصري في نيويورك (مجلس الوزراء المصري)

في وقت تبذل الحكومة المصرية جهوداً لحل «أزمة المعلمين» الذين جرى الاستغناء عنهم في دولة الكويت، ضمن قرار قضى بإنهاء تعاقد أكثر من 7 آلاف معلم وافد، بينهم مصريون، شدد البلدان على «عمق العلاقات بينهما، والحرص على ترجمة الخصوصية في التعاون إلى مزيد من التقارب في جميع القطاعات».

وناقش رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مع ولي العهد الكويتي، الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، على هامش مشاركتهما في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، «أحوال الجالية المصرية في الكويت»، وأشاد مدبولي بـ«الدعم الذي يحظى به الوافدون المصريون، وحرص حكومة الكويت على تقديم مختلف أوجه الرعاية لهم»، حسب إفادة لمجلس الوزراء المصري.

وتطرّق اللقاء إلى «أزمة المعلمين»، بعد أسبوعين تقريباً من تأكيد وزيري خارجية البلدين «الدور الإيجابي للجالية المصرية في مختلف القطاعات بدولة الكويت».

وتحدّثت «نقابة المهن التعليمية» المصرية عن تحركات تقوم بها وزارة الخارجية بشأن أوضاع المعلمين المصريين الذين جرى الاستغناء عنهم في الكويت، وأكدت في إفادة لها الثلاثاء، «أهمية التحرك السريع لحماية مصالح المعلمين، وتوفير حلول عملية تضمن استمرارهم في العمل».

وتلقى مؤخراً نحو 7 آلاف معلم ومعلمة من جنسيات مختلفة في الكويت، إشعارات بإنهاء عقودهم، عبر تطبيق «سهل» المخصص للمعاملات الحكومية، وحسب صحف كويتية، فإن «هذا الإجراء يأتي ضمن خطة حكومية لمعالجة الفائض عن حاجة القطاع التعليمي في البلاد من المعلمين والمعلمات».

ولا يوجد حصر بعدد المعلمين المصريين الذين جرى الاستغناء عنهم حتى الآن من «وزارة التعليم الكويتية»، وفق مسؤول الإعلام بـ«نقابة المهن التعليمية» المصرية، علاء حجاب، الذي قال إن «وزارة الخارجية المصرية تتخذ إجراءات لحصر أعداد من جرى الاستغناء عنهم»، إلى جانب أنها «تجري اتصالات مع السلطات الكويتية لتوفير فرص عمل بديلة لهم».

وبموازاة الاتصالات الحكومية، أشار حجاب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «نقابة المهن التعليمية المصرية تجري اتصالات مع (جمعية المعلمين الكويتية)، لبحث إمكانية توفير وظائف للمعلمين المصريين الذين استُغني عنهم، في المدارس الأهلية الكويتية»، وقال إن «هذه الجهود لم تسفر عن نتائج حتى الآن».

وقالت «نقابة المعلمين المصرية»، في إفادة لها الثلاثاء، إنها «تأمل في أن تسفر التحركات الحالية عن حلول عاجلة وملموسة، تضمن الحفاظ على عمل المعلمين المصريين، وفتح مسارات جديدة أمامهم للاستمرار في أداء رسالتهم التعليمية»، وأشارت إلى إمكانية «إتاحة فرص عمل للمعلمين داخل المدارس الأهلية بالكويت، بما يُسهم في الاستفادة من خبراتهم وكفاءاتهم، ويحافظ على استقرارهم المهني والاجتماعي».

محادثات ولي عهد الكويت مع رئيس الوزراء المصري في نيويورك (مجلس الوزراء المصري)

وينظر ممثل الجالية المصرية بالكويت، محمود عبد العزيز عشيش، إلى محادثات ولي عهد الكويت مع رئيس الوزراء المصري، على أنها «تُقدم رسالة طمأنة وتقدير للجالية المصرية في الكويت»، كما «تعكس عمق العلاقات بين البلدين»، وأشار إلى أن «هناك حرصاً لدى البلدين لمعالجة أزمة المعلمين المصريين، بما يراعي سياسات دولة الكويت في تنظيم سوق العمل لديها».

وشدد رئيس الوزراء المصري على «عمق العلاقات المصرية الكويتية»، وأكد خلال لقائه ولي العهد الكويتي «حرص بلاده على ترجمة خصوصية تلك العلاقات لمزيد من التقارب والتعاون في جميع القطاعات»، وأشار إلى «اهتمام بلاده بتعزيز الاستثمار المشترك والتبادل التجاري بين البلدين».

وأكد مدبولي أن «أمن الكويت ودول الخليج العربي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وأشار إلى «رفض بلاده القاطع وإدانتها أي اعتداءات طالت الكويت والخليج العربي»، حسب بيان مجلس الوزراء المصري.

من جانبه، أعرب ولي عهد الكويت عن تقدير بلاده «العلاقات التاريخية والأخوية» بين البلدين، وأكد «استمرار التواصل الفاعل بين الجانبين خلال الفترة المقبلة، وتعزيز التنسيق المشترك»، حسب بيان مجلس الوزراء المصري.

وأشار عشيش، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الجالية المصرية جزء أصيل من مسيرة التنمية والنهصة في الكويت منذ عقود، وقدمت إسهامات واضحة في التعليم والصحة والهندسة والقضاء والتجارة»، لافتاً إلى أن «هناك شراكات في مختلف القطاعات الداخلية بدولة الكويت»، عاداً ذلك «يعكس المناخ الجيد الذي يعمل فيه المصريون المقيمون بالكويت».

وأظهرت بيانات رسمية لوزارة القوى العاملة الكويتية أن عدد المصريين العاملين في الكويت وصل إلى 667 ألف عامل وعاملة، يحتلون المرتبة الثانية في عدد الوافدين بعد الهند.