اضطرابات غير مسبوقة في تونس... والنظام السياسي في خطر

في الذكرى العاشرة للثورة

اضطرابات غير مسبوقة في تونس... والنظام السياسي في خطر
TT

اضطرابات غير مسبوقة في تونس... والنظام السياسي في خطر

اضطرابات غير مسبوقة في تونس... والنظام السياسي في خطر

تعيش أغلب محافظات تونس تحركات احتجاج عشوائية واضطرابات غير مسبوقة شلت قطاعات حساسة من شبكات توزيع قوارير الغاز إلى القضاء والمستشفيات ومؤسسات المحروقات والفوسفات والنقل. ولقد زادت هذه التحركات، التي خرجت عن سيطرة النقابات والأحزاب، من إرباك السلطات في الذكرى العاشرة للثورة التي أطاحت بحكم زين العابدين بن علي، علماً بأنها تتزامن مع دعوات إلى تغيير النظام السياسي و«تدخل الجيش»، في خطوة استباقية لـ«ثورة جياع» يفجّرها المهمشون والعاطلون الذين تتضاعف أعدادهم بسبب جائحة «كوفيد - 19».
ولذا يتساءل المراقبون حول ما كانت هذه الاضطرابات الاجتماعية العنيفة الواسعة ظرفية أم أنها ستزيد المشهد السياسي تعقيداً وتشل المزيد من مؤسسات الحكم، عشية مصادقة البرلمان على مشروع الحكومة لميزانية الدولة لعام 2021؟ وهل سينجح صناع القرار في احتواء الإضرابات والاعتصامات وأعمال العنف رغم الصراعات التي استفحلت داخل البرلمان من جهة وبين رموز السلطتين التنفيذية والقضائية من جهة ثانية؟ وهل يمكن أن تؤدي تحركات الجيل الجديد من الشباب العاطل عن العمل إلى تعديل بوصلة السياسيين والنقابات... أم يحصل العكس؛ فتتعمق الهوة بين الرؤساء الثلاثة، وبين السلطات المركزية والفئات الأكثر تضرراً من الأزمة الاقتصادية ومن الجائحة القاتلة، لا سيما في المحافظات المهمشة المتاخمة للحدود مع الجزائر وليبيا؟

تكشف الدعوات الرسمية إلى «الحوار الوطني» التي أطلقتها في تونس أخيراً قيادات نقابية وحزبية من جهة، ورؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان من جهة ثانية، اقتناعاً بخطورة الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد. وكانت تقارير مؤسسات مستقلة بينها «منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية» قد كشفت أن عدد الإضرابات والتحركات الاجتماعية ناهز هذا العام الـ6500. رغم قانون الطوارئ وفرض حظر شبه كامل للتجوال طوال أشهر بسبب جائحة «كوفيد - 19».
ولقد أدرك هشام المشيشي، رئيس الحكومة، ومستشاروه، خطورة الموقف، فلوحوا باستخدام القوة والتدخل لمنع التحركات التي تعطل مؤسسات ضخ النفط والغاز وتوزيع مواد الاستهلاك. بل، وحذروا من وجود «أطراف تدعم الاحتجاجات الفوضوية»، كما ورد على لسان الوزير مدير مكتب رئيس الحكومة معز لدين الله المقدم. أيضاً، طلب المشيشي علناً من رئيس الجمهورية قيس سعيّد الدعوة إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي بكامل أعضائه... أي بحضور الرؤساء الثلاثة وقيادات المؤسستين الأمنية والعسكرية. وأشرف رئيس الحكومة على اجتماع مشترك مع وزراء الدفاع والداخلية والعدل أصدر فيه أوامر واضحة لقوات الجيش والأمن وللنيابة العمومية، بالتدخل لفرض القانون ومنع تعطيل العمل والإنتاج وفض الاعتصامات في الطرق وعلى السكك الحديدية.
«موت سريري»؟
إلا أن صيحات الفزع التي أطلقها عدد من السياسيين والنقابيين وعلماء الاجتماع توحي بأن الأوضاع غدت أخطر بكثير من أن تُعالَج في اجتماع رفيع المستوى يشارك فيه مسؤولون كبار في الدولة يتنازعون الصلاحيات، ويخوضون صراعاً على المواقع «بسبب الثغرات الكبيرة داخل دستور 2014»، على حد تعبير خبير القانون الدستوري العميد الصادق بلعيد في تصريح أدلى به لـ«الشرق الأوسط». وفي الوقت نفسه حذّر الأكاديمي والإعلامي خالد عبيد من سيناريوهات «مخيفة» تهدد البلاد، منها الفوضى و«الانهيار الشامل» أمام انتفاضات «الجياع والعاطلين وعصابات التهريب والفساد». وأعرب عبيد عن اقتناعه بكون «النظام السياسي الذي تشكل بعد ثورة 2011 قد انتهى»، وأنه الآن «في مرحلة الموت السريري، وينتظر من يشفق عليه ويُطلق رصاصة الرحمة». وأردف أن الذين يصفون الاضطرابات الحالية بكونها «موجة ثورة جديدة»... واهمون ومخطئون.
- تصاعد «الشعبوية»
في السياق ذاته، حذّر الأكاديمي والخبير السياسي الدولي حمادي الرديسي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «الاضطرابات الفوضوية» الحالية التي توقع أن «تفاقم من إضعاف الدولة والمجتمع والنخب الوطنية»، مشبهاً إياها بتلك التي يشهدها كل من لبنان والعراق منذ أكثر من سنة. كذلك توقع الرديسي، الذي نشر أخيراً مع مجموعة من الجامعيين كتاباً عن «السياسات الشعبوية» في تونس منذ 2011، أن تفشل الاحتجاجات الشبابية الجديدة في تحقيق أهدافها، مثل القضاء على البطالة والفقر وغلاء الأسعار والتهميش. ومن ثم، ربط مع زملائه المؤلفين في كتابهم مسؤولية فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ثم تأزم الأوضاع بعد «كوفيد - 19»، بـ«المواقف والسياسات الشعوبية»، للرئيس سعيّد وحلفائه من دعاة التمرد على «الدولة المركزية»، ومؤيدي تشكيل «مجالس محلية ولجان شعبية وتنسيقيات شعبية تنقلب على أجهزة النظام الوطنية والجهوية التقليدية». أيضاً، حمّل هؤلاء زعامات الإسلام السياسي اليمينية «الشعبوية» وأحزاب أقصى اليسار من جهة، وقيادات «التيار الشعبوي الليبرالي اليميني»، بزعامة المحامية عبير موسي زعيمة الحزب الدستوري الحر من جهة ثانية، مسؤولية الأزمة الخانقة الراهنة. إذ اعتبر الرديسي وفريقه أن «تمجيد النظام السابق بأسلوب شعبوي كما تفعل عبير موسي ورفاقها»، وإن كان قد يُضعف خصومه المحسوبين على «الإسلام السياسي» و«اليسار الراديكالي» أو أنصار الرئيس سعيّد، فإنه لن يكون قادراً على تقديم «البديل» ولا أن يتطوّر «من قوة هدم إلى قوة بناء». وفي اتجاه موازٍ، حذر الأكاديمي والكاتب أيمن البوغانمي - الذي أعد بدوره كتاباً جديداً عن «الشعبوية السياسية»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن تتسبب الاضطرابات في شل مؤسسات الدولة والمجتمع بسبب صمت غالبية النخب عن أخطاء كبار المسؤولين في الدولة والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني.
- «الزلزال» و«الإعصار»
من جهة ثانية، تعاقبت التحذيرات داخل البرلمان ووسائل الإعلام والجامعات من أن تكون الاضطرابات العنيفة والفوضوية والشاملة التي تشهدها تونس منذ أسابيع مؤشراً إلى «زلزال» أو «إعصار اجتماعي - سياسي» يؤدي إلى انهيار العديد من مؤسسات الدولة. وازداد التخوف في ظل تعاقب الدعوات إلى رئيس الجمهورية في وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية كي يأذن للمؤسسة العسكرية بالتدخل لحماية مؤسسات الإنتاج والتسويق والخدمات العمومية. في حين طالب آخرون الجيش بالتدخل لـ«إنقاذ البلاد»، ما يشير إلى نوع من التبرير المسبق لـ«سيناريو الانقلاب على الديمقراطية» كما يرى الأكاديمي والإعلامي الحبيب بوعجيلة والباحث في مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية سامي ابراهم.
وحقاً، استفحل الأمر بعدما تعدّدت الدعوات الموجّهة إلى قيس سعيّد من قبل عدد من خبراء القانون والسياسيين من أجل تنظيم «استفتاء شعبي» يؤدي إلى تغيير النظام السياسي الحالي (أي «النظام البرلماني - المجلسي») الحالي والاستعاضة عنه بـ«نظام رئاسي» يدعم مؤسسة رئاسة الجمهورية على حساب البرلمان والحكومة. وتزعم هذه الدعوات، بالخصوص، الصادق شعبان، أستاذ القانون ووزير العدل والتعليم العالي قبل 2010، والإعلامي ورجل الأعمال عمر صحابو، والوزير السابق وزعيم حزب التيار الديمقراطي اليساري محمد عبو. وقد برّر هؤلاء موقفهم بتخوفهم من «تزايد تأثير قوى الإسلام السياسي» عموماً، وحزب «حركة النهضة» خاصة، في المرحلة المقبلة.
كذلك نُظِّم حوار حول هذه القضايا بمشاركة خبير عسكري في إذاعة عمومية، فردّ البرلماني والوزير الأسبق للعدل نور الدين البحيري بقوة، ما تسبب في حملات انتقاد للإذاعة والصحافيين وفي إقالة مديرة الإذاعة واثنين من المذيعين «بصفة استعجالية» بعد اتهامهم بـ«الترويج لدعاة الانقلاب على الشرعية الانتخابية». ولقد تراوحت ردود الفعل على تعويض «النظام البرلماني» بـ«نظام رئاسي» بين الترحيب والانتقاد، وتبادل الاتهامات بين من يُعدّون «الأوفياء للثورة» وخصومها... حول مَن تحمل مسؤولية تدهور الأوضاع العامة في تونس منذ 10 سنوات.
- «ثورة جديدة»؟
واستطراداً، إذا كانت تونس قد تعوّدت على الاضطرابات الشبابية والاجتماعية في مثل هذا الموسم من كل عام، فإن تحركات هذا العام اكتست صبغة خاصة، لأنها تتزامن مع الذكرى العاشرة لانفجار اضطرابات محافظة سيدي بوزيد والجنوب التونسي، وبالطبع، لحادثة انتحار البائع المتجول محمد البوعزيزي حرقاً احتجاجاً على البطالة والفقر والبوليس. أيضاً اقترنت الاحتجاجات الحالية بدعوات إلى «ثورة جديدة» يقودها المهمّشون في الجهات الداخلية والأحياء الشعبية في العاصمة والمدن. واتهمت بعض الصحف، مثل «الشروق» اليومية و«الرأي العام» الأسبوعية، ومعهما عدد من المواقع القريبة من الائتلاف الحاكم، الرئيس قيس سعيّد وحلفاءه داخل النقابات و«التنسيقيات الشعبية» في الجهات الداخلية... بدعم الاضطرابات غير القانونية بهدف إسقاط الحكومة الحالية وحلّ البرلمان، وتنظيم استفتاء شعبي يؤدي إلى تعديل الدستور ودعم صلاحيات الرئيس.
كذلك، وجهت تهمة دعم هذه الاضطرابات إلى قيادات في المركزية النقابية وإلى مجموعات يسارية وقومية راديكالية، وإلى حزبي «الشعب» و«الكتلة الديمقراطية»، بزعامة زهير المغزاوي وسالم الأبيض وغازي الشواشي، بالدفع في هذا الاتجاه. وفي المقابل، دعمت أطراف سياسية وإعلامية أخرى قياديين في «حركة النهضة» بالوقوف وراء بعض الاحتجاجات العنيفة والاعتصامات الفوضوية. غير أن عدداً من الخبراء السياسيين والاجتماعيين، بينهم البرلماني القومي العربي والوزير السابق مبروك كورشيد، يرفضون «السقوط في التفسير التآمري للأحداث الحالية»، ويبررونها باستفحال مشاكل الفقر والبطالة، وبـ«غلطات» الحكومة التي قدمت تنازلات لبعض النقابات وقيادات بعض الاحتجاجات، وكانت النتيجة «انتشار العدوى وحمى الاحتجاجات المطلبية» من شمال تونس إلى جنوبها.
- فشل «منظومة الحكم القديمة»
في السياق ذاته، دعا الحبيب الكشو، الخبير الاقتصادي ووزير الشؤون الاجتماعية والصحة السابق، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى تجنب «التفسير التآمري» للاحتجاجات الحالية التي رجّح أن تكون «تلقائية». ورأى عدد من علماء الاجتماع، منهم محمد الهادي الجويلي، إلى فهم انفجار الاحتجاجات الاجتماعية الحالية، واعتبارها «خيبة أمل الجيل الذي كان في مرحلة الطفولة عند سقوط حكم زين العابدين بن علي قبل 10 سنوات، ثم بلغ سن الشباب الآن في عشرية حكومات ما بعد الثورة». ووفق رأي هؤلاء «الجيل الجديد من الشباب لم يعد معنياً بالجدل بين الجيل السابق من السياسيين والمثقفين ولا بمعاركهم الحزبية والآيديولوجية»... وهو مقتنع اليوم بأن «الدولة المركزية فقدت مشروعيتها» وبات المطلوب اليوم إعطاء دور أكبر لـ«الحكم المحلي» و«التنسيقيات المحلية» المتمردة على كامل المنظومة السياسية القديمة ببرلمانها وسلطاتها التنفيذية والقضائية... إلخ. وأشار الباحث والأكاديمي عبد اللطيف الحناشي إلى أنّ «حجم القطيعة الحاصلة بين النُّخب الحاكمة والمجتمع، وعجز المؤسسات عن تمثيل مطالب التونسيين والتونسيات وتشريكهم في برامج الإنقاذ العاجلة والإصلاح المتوسط المدى، يدفعان بمنظمات المجتمع المدني والقوى الديمقراطية والاجتماعية إلى التعبير عن مخاوفها واستنكارها لغياب المسؤولية... وحثها على الالتزام بدورها في التعبئة الاحتجاجية ومناصرة القضايا العادلة وبلورة مقترحات وحلول وطنية ومحلية».
- القديم... والجديد
في هذا الإطار العام تطرح مجدداً قضية غياب التوازن بين دعاة «التغيير» و«المحافظين»، أو بين «النظام القديم» و«النظام الجديد»، أو بين «الأوفياء لثورة 2010 - 2011» وأنصار المنظومة السياسية والاقتصادية التي حكمت البلاد منذ 1956 بزعامة الحبيب بورقيبة... ثم منذ 1987 بزعامة زين العابدين بن علي. ويتهم «الأوفياء لخط الثورة»، ومنهم الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي، معارضيهم بتفجير مزيد من أعمال العنف والاحتجاجات لـ«محاولة شيطنة» السياسيين الذين حكموا البلاد خلال العقد الماضي، وغضّ الطرف على أخطاء مرحلتي بورقيبة وبن علي، بهدف افتكاك مزيد من المواقع لرموز النظام السابق. ويتهم هؤلاء حكومة هشام المشيشي بكونها «تعتمد أساساً على وزراء كانوا من نشطاء حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الذي كان يقوده بن علي»، وبكون «غالبية المسؤولين في الدولة اليوم من رموز النظام القديم ومن خريجي المدرسة العليا للإدارة التي لم يكن المعارضون في عهد بورقيبة وبن علي يدخلونها». وبالفعل، تشير استطلاعات الرأي أن شعبية ممثلي «الحزب الدستوري الحر» بزعامة عبير موسي (أبرز مناصري عهدي بورقيبة وبن علي) في ارتفاع بسبب أخطاء السياسيين وقادة الأحزاب والنقابات الذين تداولوا على السلطة خلال الأعوام العشرة الماضية.
إلا أن هذا المناخ لا يبرر الحديث عن «سيناريو» انهيار الدولة والطبقة السياسية الحالية في نظر الباحث والأكاديمي سعيد بحيرة، والخبير السياسي المنصف عاشور، والخبير الاقتصادي ماهر قلال. وحسب هؤلاء، ثمة أسباب عديدة لذلك من بينها عراقة المؤسسات في تونس، ووجود إرادة لدى غالبية صناع القرار في مختلف الأحزاب والنقابات على تجنب دفع البلاد نحو «سيناريو الفوضى الشاملة» أو نحو «منعرج عسكري»، رغم إقرار الجميع بأن خطورة الوضع الراهن غير مسبوقة.
- مبادرة لـ«الحوار الوطني» تحت إشراف الرئيس والنقابات
قدمت قيادة اتحاد نقابات العمال في تونس مبادرة لتنظيم حوار وطني يشرف عليه رئيس الدولة. ولقد رحّب بها الرئيس قيس سعيّدـ بالفعل. وتذكّر هذه الخطوة بمبادرة مماثلة قدمتها القيادة النقابية وزعامات في المجتمع المدني وقيادات نقابات رجال الأعمال والفلاحين عام 2013 عندما تأزمت العلاقة بين حكومة حزب النهضة وخصومها. وكانت حصيلة ذلك الحوار اتفاقاً على أن يغادر قادة حزب «حركة النهضة» وحلفاؤهم الحكم، ويسلموا السلطة إلى «حكومة تكنوقراطيين». وهي الحكومة التي أشرفت على البلاد لمدة سنة نظّمت خلالها انتخابات عامة فاز فيها بالمرتبة الأولى حزب «نداء تونس» بزعامة الباجي قائد السبسي الوزير والمسؤول السابق في الدولة في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.
المبادرة الجديدة نصّت على أن الهدف من الحوار الوطني المقترح هو «إنقاذ تونس عبر صياغة عقد اجتماعي جديد قبل أن تسقط في الفوضى التي بات الاتحاد يراها خطراً يهدد البلاد». وعبّرت وثيقة المبادرة عن انشغال من «اهتزاز الثقة في الدّولة وفي مؤسّساتها مقابل صعود الشعبوية العنيفة وبروز النعرات الجهوية والفئوية والتفكّك الواضح للنسيج الاجتماعي التونسي والتنافر العدائي داخل نخبه». وحذّرت الوثيقة من كون الاحتجاجات الجهوية والقطاعية الأخيرة «تتزامن مع أزمة غير مسبوقة تعيشها تونس وتهدّد سيادتها ووحدة ترابها ومكاسب دولة الاستقلال مثل مدنية الدولة والمنظومات العمومية، في ظل تنامي ضعف الدولة بما يؤشّر إلى قرب تفكّكها وانفجار الأوضاع والدخول في المجهول، كما يهدد السلم الأهلي وفق مضمون المبادرة التي تعتبر أن العشرية الحالية امتازت بالعجز الواضح للطبقة السياسية».
هذا، وتضمنت المبادرة خطة تعتمد على ثلاثة محاور: محور سياسي وآخر اقتصادي وثالث اجتماعي. واعتبرت وثيقة المبادرة أن آلية الإشراف على الحوار الوطني المقترح هي «هيئة حكماء - وسطاء» من الشخصيات الوطنية المستقلّة تعمل تحت إشراف رئاسة الجمهورية، التي تشكلها وتحدد مهامها في إدارة الحوار وتقريب وجهات النّظر والتّحكيم بين كلّ الأطراف المعنيين بالحوار «وفق روزنامة معقولة ومسقّفة زمنياً».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.