اضطرابات غير مسبوقة في تونس... والنظام السياسي في خطر

في الذكرى العاشرة للثورة

اضطرابات غير مسبوقة في تونس... والنظام السياسي في خطر
TT

اضطرابات غير مسبوقة في تونس... والنظام السياسي في خطر

اضطرابات غير مسبوقة في تونس... والنظام السياسي في خطر

تعيش أغلب محافظات تونس تحركات احتجاج عشوائية واضطرابات غير مسبوقة شلت قطاعات حساسة من شبكات توزيع قوارير الغاز إلى القضاء والمستشفيات ومؤسسات المحروقات والفوسفات والنقل. ولقد زادت هذه التحركات، التي خرجت عن سيطرة النقابات والأحزاب، من إرباك السلطات في الذكرى العاشرة للثورة التي أطاحت بحكم زين العابدين بن علي، علماً بأنها تتزامن مع دعوات إلى تغيير النظام السياسي و«تدخل الجيش»، في خطوة استباقية لـ«ثورة جياع» يفجّرها المهمشون والعاطلون الذين تتضاعف أعدادهم بسبب جائحة «كوفيد - 19».
ولذا يتساءل المراقبون حول ما كانت هذه الاضطرابات الاجتماعية العنيفة الواسعة ظرفية أم أنها ستزيد المشهد السياسي تعقيداً وتشل المزيد من مؤسسات الحكم، عشية مصادقة البرلمان على مشروع الحكومة لميزانية الدولة لعام 2021؟ وهل سينجح صناع القرار في احتواء الإضرابات والاعتصامات وأعمال العنف رغم الصراعات التي استفحلت داخل البرلمان من جهة وبين رموز السلطتين التنفيذية والقضائية من جهة ثانية؟ وهل يمكن أن تؤدي تحركات الجيل الجديد من الشباب العاطل عن العمل إلى تعديل بوصلة السياسيين والنقابات... أم يحصل العكس؛ فتتعمق الهوة بين الرؤساء الثلاثة، وبين السلطات المركزية والفئات الأكثر تضرراً من الأزمة الاقتصادية ومن الجائحة القاتلة، لا سيما في المحافظات المهمشة المتاخمة للحدود مع الجزائر وليبيا؟

تكشف الدعوات الرسمية إلى «الحوار الوطني» التي أطلقتها في تونس أخيراً قيادات نقابية وحزبية من جهة، ورؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان من جهة ثانية، اقتناعاً بخطورة الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد. وكانت تقارير مؤسسات مستقلة بينها «منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية» قد كشفت أن عدد الإضرابات والتحركات الاجتماعية ناهز هذا العام الـ6500. رغم قانون الطوارئ وفرض حظر شبه كامل للتجوال طوال أشهر بسبب جائحة «كوفيد - 19».
ولقد أدرك هشام المشيشي، رئيس الحكومة، ومستشاروه، خطورة الموقف، فلوحوا باستخدام القوة والتدخل لمنع التحركات التي تعطل مؤسسات ضخ النفط والغاز وتوزيع مواد الاستهلاك. بل، وحذروا من وجود «أطراف تدعم الاحتجاجات الفوضوية»، كما ورد على لسان الوزير مدير مكتب رئيس الحكومة معز لدين الله المقدم. أيضاً، طلب المشيشي علناً من رئيس الجمهورية قيس سعيّد الدعوة إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي بكامل أعضائه... أي بحضور الرؤساء الثلاثة وقيادات المؤسستين الأمنية والعسكرية. وأشرف رئيس الحكومة على اجتماع مشترك مع وزراء الدفاع والداخلية والعدل أصدر فيه أوامر واضحة لقوات الجيش والأمن وللنيابة العمومية، بالتدخل لفرض القانون ومنع تعطيل العمل والإنتاج وفض الاعتصامات في الطرق وعلى السكك الحديدية.
«موت سريري»؟
إلا أن صيحات الفزع التي أطلقها عدد من السياسيين والنقابيين وعلماء الاجتماع توحي بأن الأوضاع غدت أخطر بكثير من أن تُعالَج في اجتماع رفيع المستوى يشارك فيه مسؤولون كبار في الدولة يتنازعون الصلاحيات، ويخوضون صراعاً على المواقع «بسبب الثغرات الكبيرة داخل دستور 2014»، على حد تعبير خبير القانون الدستوري العميد الصادق بلعيد في تصريح أدلى به لـ«الشرق الأوسط». وفي الوقت نفسه حذّر الأكاديمي والإعلامي خالد عبيد من سيناريوهات «مخيفة» تهدد البلاد، منها الفوضى و«الانهيار الشامل» أمام انتفاضات «الجياع والعاطلين وعصابات التهريب والفساد». وأعرب عبيد عن اقتناعه بكون «النظام السياسي الذي تشكل بعد ثورة 2011 قد انتهى»، وأنه الآن «في مرحلة الموت السريري، وينتظر من يشفق عليه ويُطلق رصاصة الرحمة». وأردف أن الذين يصفون الاضطرابات الحالية بكونها «موجة ثورة جديدة»... واهمون ومخطئون.
- تصاعد «الشعبوية»
في السياق ذاته، حذّر الأكاديمي والخبير السياسي الدولي حمادي الرديسي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «الاضطرابات الفوضوية» الحالية التي توقع أن «تفاقم من إضعاف الدولة والمجتمع والنخب الوطنية»، مشبهاً إياها بتلك التي يشهدها كل من لبنان والعراق منذ أكثر من سنة. كذلك توقع الرديسي، الذي نشر أخيراً مع مجموعة من الجامعيين كتاباً عن «السياسات الشعبوية» في تونس منذ 2011، أن تفشل الاحتجاجات الشبابية الجديدة في تحقيق أهدافها، مثل القضاء على البطالة والفقر وغلاء الأسعار والتهميش. ومن ثم، ربط مع زملائه المؤلفين في كتابهم مسؤولية فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ثم تأزم الأوضاع بعد «كوفيد - 19»، بـ«المواقف والسياسات الشعوبية»، للرئيس سعيّد وحلفائه من دعاة التمرد على «الدولة المركزية»، ومؤيدي تشكيل «مجالس محلية ولجان شعبية وتنسيقيات شعبية تنقلب على أجهزة النظام الوطنية والجهوية التقليدية». أيضاً، حمّل هؤلاء زعامات الإسلام السياسي اليمينية «الشعبوية» وأحزاب أقصى اليسار من جهة، وقيادات «التيار الشعبوي الليبرالي اليميني»، بزعامة المحامية عبير موسي زعيمة الحزب الدستوري الحر من جهة ثانية، مسؤولية الأزمة الخانقة الراهنة. إذ اعتبر الرديسي وفريقه أن «تمجيد النظام السابق بأسلوب شعبوي كما تفعل عبير موسي ورفاقها»، وإن كان قد يُضعف خصومه المحسوبين على «الإسلام السياسي» و«اليسار الراديكالي» أو أنصار الرئيس سعيّد، فإنه لن يكون قادراً على تقديم «البديل» ولا أن يتطوّر «من قوة هدم إلى قوة بناء». وفي اتجاه موازٍ، حذر الأكاديمي والكاتب أيمن البوغانمي - الذي أعد بدوره كتاباً جديداً عن «الشعبوية السياسية»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن تتسبب الاضطرابات في شل مؤسسات الدولة والمجتمع بسبب صمت غالبية النخب عن أخطاء كبار المسؤولين في الدولة والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني.
- «الزلزال» و«الإعصار»
من جهة ثانية، تعاقبت التحذيرات داخل البرلمان ووسائل الإعلام والجامعات من أن تكون الاضطرابات العنيفة والفوضوية والشاملة التي تشهدها تونس منذ أسابيع مؤشراً إلى «زلزال» أو «إعصار اجتماعي - سياسي» يؤدي إلى انهيار العديد من مؤسسات الدولة. وازداد التخوف في ظل تعاقب الدعوات إلى رئيس الجمهورية في وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية كي يأذن للمؤسسة العسكرية بالتدخل لحماية مؤسسات الإنتاج والتسويق والخدمات العمومية. في حين طالب آخرون الجيش بالتدخل لـ«إنقاذ البلاد»، ما يشير إلى نوع من التبرير المسبق لـ«سيناريو الانقلاب على الديمقراطية» كما يرى الأكاديمي والإعلامي الحبيب بوعجيلة والباحث في مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية سامي ابراهم.
وحقاً، استفحل الأمر بعدما تعدّدت الدعوات الموجّهة إلى قيس سعيّد من قبل عدد من خبراء القانون والسياسيين من أجل تنظيم «استفتاء شعبي» يؤدي إلى تغيير النظام السياسي الحالي (أي «النظام البرلماني - المجلسي») الحالي والاستعاضة عنه بـ«نظام رئاسي» يدعم مؤسسة رئاسة الجمهورية على حساب البرلمان والحكومة. وتزعم هذه الدعوات، بالخصوص، الصادق شعبان، أستاذ القانون ووزير العدل والتعليم العالي قبل 2010، والإعلامي ورجل الأعمال عمر صحابو، والوزير السابق وزعيم حزب التيار الديمقراطي اليساري محمد عبو. وقد برّر هؤلاء موقفهم بتخوفهم من «تزايد تأثير قوى الإسلام السياسي» عموماً، وحزب «حركة النهضة» خاصة، في المرحلة المقبلة.
كذلك نُظِّم حوار حول هذه القضايا بمشاركة خبير عسكري في إذاعة عمومية، فردّ البرلماني والوزير الأسبق للعدل نور الدين البحيري بقوة، ما تسبب في حملات انتقاد للإذاعة والصحافيين وفي إقالة مديرة الإذاعة واثنين من المذيعين «بصفة استعجالية» بعد اتهامهم بـ«الترويج لدعاة الانقلاب على الشرعية الانتخابية». ولقد تراوحت ردود الفعل على تعويض «النظام البرلماني» بـ«نظام رئاسي» بين الترحيب والانتقاد، وتبادل الاتهامات بين من يُعدّون «الأوفياء للثورة» وخصومها... حول مَن تحمل مسؤولية تدهور الأوضاع العامة في تونس منذ 10 سنوات.
- «ثورة جديدة»؟
واستطراداً، إذا كانت تونس قد تعوّدت على الاضطرابات الشبابية والاجتماعية في مثل هذا الموسم من كل عام، فإن تحركات هذا العام اكتست صبغة خاصة، لأنها تتزامن مع الذكرى العاشرة لانفجار اضطرابات محافظة سيدي بوزيد والجنوب التونسي، وبالطبع، لحادثة انتحار البائع المتجول محمد البوعزيزي حرقاً احتجاجاً على البطالة والفقر والبوليس. أيضاً اقترنت الاحتجاجات الحالية بدعوات إلى «ثورة جديدة» يقودها المهمّشون في الجهات الداخلية والأحياء الشعبية في العاصمة والمدن. واتهمت بعض الصحف، مثل «الشروق» اليومية و«الرأي العام» الأسبوعية، ومعهما عدد من المواقع القريبة من الائتلاف الحاكم، الرئيس قيس سعيّد وحلفاءه داخل النقابات و«التنسيقيات الشعبية» في الجهات الداخلية... بدعم الاضطرابات غير القانونية بهدف إسقاط الحكومة الحالية وحلّ البرلمان، وتنظيم استفتاء شعبي يؤدي إلى تعديل الدستور ودعم صلاحيات الرئيس.
كذلك، وجهت تهمة دعم هذه الاضطرابات إلى قيادات في المركزية النقابية وإلى مجموعات يسارية وقومية راديكالية، وإلى حزبي «الشعب» و«الكتلة الديمقراطية»، بزعامة زهير المغزاوي وسالم الأبيض وغازي الشواشي، بالدفع في هذا الاتجاه. وفي المقابل، دعمت أطراف سياسية وإعلامية أخرى قياديين في «حركة النهضة» بالوقوف وراء بعض الاحتجاجات العنيفة والاعتصامات الفوضوية. غير أن عدداً من الخبراء السياسيين والاجتماعيين، بينهم البرلماني القومي العربي والوزير السابق مبروك كورشيد، يرفضون «السقوط في التفسير التآمري للأحداث الحالية»، ويبررونها باستفحال مشاكل الفقر والبطالة، وبـ«غلطات» الحكومة التي قدمت تنازلات لبعض النقابات وقيادات بعض الاحتجاجات، وكانت النتيجة «انتشار العدوى وحمى الاحتجاجات المطلبية» من شمال تونس إلى جنوبها.
- فشل «منظومة الحكم القديمة»
في السياق ذاته، دعا الحبيب الكشو، الخبير الاقتصادي ووزير الشؤون الاجتماعية والصحة السابق، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى تجنب «التفسير التآمري» للاحتجاجات الحالية التي رجّح أن تكون «تلقائية». ورأى عدد من علماء الاجتماع، منهم محمد الهادي الجويلي، إلى فهم انفجار الاحتجاجات الاجتماعية الحالية، واعتبارها «خيبة أمل الجيل الذي كان في مرحلة الطفولة عند سقوط حكم زين العابدين بن علي قبل 10 سنوات، ثم بلغ سن الشباب الآن في عشرية حكومات ما بعد الثورة». ووفق رأي هؤلاء «الجيل الجديد من الشباب لم يعد معنياً بالجدل بين الجيل السابق من السياسيين والمثقفين ولا بمعاركهم الحزبية والآيديولوجية»... وهو مقتنع اليوم بأن «الدولة المركزية فقدت مشروعيتها» وبات المطلوب اليوم إعطاء دور أكبر لـ«الحكم المحلي» و«التنسيقيات المحلية» المتمردة على كامل المنظومة السياسية القديمة ببرلمانها وسلطاتها التنفيذية والقضائية... إلخ. وأشار الباحث والأكاديمي عبد اللطيف الحناشي إلى أنّ «حجم القطيعة الحاصلة بين النُّخب الحاكمة والمجتمع، وعجز المؤسسات عن تمثيل مطالب التونسيين والتونسيات وتشريكهم في برامج الإنقاذ العاجلة والإصلاح المتوسط المدى، يدفعان بمنظمات المجتمع المدني والقوى الديمقراطية والاجتماعية إلى التعبير عن مخاوفها واستنكارها لغياب المسؤولية... وحثها على الالتزام بدورها في التعبئة الاحتجاجية ومناصرة القضايا العادلة وبلورة مقترحات وحلول وطنية ومحلية».
- القديم... والجديد
في هذا الإطار العام تطرح مجدداً قضية غياب التوازن بين دعاة «التغيير» و«المحافظين»، أو بين «النظام القديم» و«النظام الجديد»، أو بين «الأوفياء لثورة 2010 - 2011» وأنصار المنظومة السياسية والاقتصادية التي حكمت البلاد منذ 1956 بزعامة الحبيب بورقيبة... ثم منذ 1987 بزعامة زين العابدين بن علي. ويتهم «الأوفياء لخط الثورة»، ومنهم الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي، معارضيهم بتفجير مزيد من أعمال العنف والاحتجاجات لـ«محاولة شيطنة» السياسيين الذين حكموا البلاد خلال العقد الماضي، وغضّ الطرف على أخطاء مرحلتي بورقيبة وبن علي، بهدف افتكاك مزيد من المواقع لرموز النظام السابق. ويتهم هؤلاء حكومة هشام المشيشي بكونها «تعتمد أساساً على وزراء كانوا من نشطاء حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الذي كان يقوده بن علي»، وبكون «غالبية المسؤولين في الدولة اليوم من رموز النظام القديم ومن خريجي المدرسة العليا للإدارة التي لم يكن المعارضون في عهد بورقيبة وبن علي يدخلونها». وبالفعل، تشير استطلاعات الرأي أن شعبية ممثلي «الحزب الدستوري الحر» بزعامة عبير موسي (أبرز مناصري عهدي بورقيبة وبن علي) في ارتفاع بسبب أخطاء السياسيين وقادة الأحزاب والنقابات الذين تداولوا على السلطة خلال الأعوام العشرة الماضية.
إلا أن هذا المناخ لا يبرر الحديث عن «سيناريو» انهيار الدولة والطبقة السياسية الحالية في نظر الباحث والأكاديمي سعيد بحيرة، والخبير السياسي المنصف عاشور، والخبير الاقتصادي ماهر قلال. وحسب هؤلاء، ثمة أسباب عديدة لذلك من بينها عراقة المؤسسات في تونس، ووجود إرادة لدى غالبية صناع القرار في مختلف الأحزاب والنقابات على تجنب دفع البلاد نحو «سيناريو الفوضى الشاملة» أو نحو «منعرج عسكري»، رغم إقرار الجميع بأن خطورة الوضع الراهن غير مسبوقة.
- مبادرة لـ«الحوار الوطني» تحت إشراف الرئيس والنقابات
قدمت قيادة اتحاد نقابات العمال في تونس مبادرة لتنظيم حوار وطني يشرف عليه رئيس الدولة. ولقد رحّب بها الرئيس قيس سعيّدـ بالفعل. وتذكّر هذه الخطوة بمبادرة مماثلة قدمتها القيادة النقابية وزعامات في المجتمع المدني وقيادات نقابات رجال الأعمال والفلاحين عام 2013 عندما تأزمت العلاقة بين حكومة حزب النهضة وخصومها. وكانت حصيلة ذلك الحوار اتفاقاً على أن يغادر قادة حزب «حركة النهضة» وحلفاؤهم الحكم، ويسلموا السلطة إلى «حكومة تكنوقراطيين». وهي الحكومة التي أشرفت على البلاد لمدة سنة نظّمت خلالها انتخابات عامة فاز فيها بالمرتبة الأولى حزب «نداء تونس» بزعامة الباجي قائد السبسي الوزير والمسؤول السابق في الدولة في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.
المبادرة الجديدة نصّت على أن الهدف من الحوار الوطني المقترح هو «إنقاذ تونس عبر صياغة عقد اجتماعي جديد قبل أن تسقط في الفوضى التي بات الاتحاد يراها خطراً يهدد البلاد». وعبّرت وثيقة المبادرة عن انشغال من «اهتزاز الثقة في الدّولة وفي مؤسّساتها مقابل صعود الشعبوية العنيفة وبروز النعرات الجهوية والفئوية والتفكّك الواضح للنسيج الاجتماعي التونسي والتنافر العدائي داخل نخبه». وحذّرت الوثيقة من كون الاحتجاجات الجهوية والقطاعية الأخيرة «تتزامن مع أزمة غير مسبوقة تعيشها تونس وتهدّد سيادتها ووحدة ترابها ومكاسب دولة الاستقلال مثل مدنية الدولة والمنظومات العمومية، في ظل تنامي ضعف الدولة بما يؤشّر إلى قرب تفكّكها وانفجار الأوضاع والدخول في المجهول، كما يهدد السلم الأهلي وفق مضمون المبادرة التي تعتبر أن العشرية الحالية امتازت بالعجز الواضح للطبقة السياسية».
هذا، وتضمنت المبادرة خطة تعتمد على ثلاثة محاور: محور سياسي وآخر اقتصادي وثالث اجتماعي. واعتبرت وثيقة المبادرة أن آلية الإشراف على الحوار الوطني المقترح هي «هيئة حكماء - وسطاء» من الشخصيات الوطنية المستقلّة تعمل تحت إشراف رئاسة الجمهورية، التي تشكلها وتحدد مهامها في إدارة الحوار وتقريب وجهات النّظر والتّحكيم بين كلّ الأطراف المعنيين بالحوار «وفق روزنامة معقولة ومسقّفة زمنياً».



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.