وثيقة حكومية سورية في جنيف «تفتح النار» على الجميع عدا روسيا وإيران

تضمنت 8 مبادئ ضد العقوبات الغربية و«الأجندات الانفصالية»... و «الشرق الأوسط» تنشر نصها

المبعوث الأممي غير بيدرسن (إ.ب.أ)
المبعوث الأممي غير بيدرسن (إ.ب.أ)
TT

وثيقة حكومية سورية في جنيف «تفتح النار» على الجميع عدا روسيا وإيران

المبعوث الأممي غير بيدرسن (إ.ب.أ)
المبعوث الأممي غير بيدرسن (إ.ب.أ)

كشفت وثيقة قدمها رئيس وفد الحكومة السورية أحمد الكزبري، إلى اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، وحصلت «الشرق الأوسط» على نصها، مواقف أكثر تشدداً وتفصيلاً من الأوراق الحكومية السابقة، بينها مطالبتها ممثلي «هيئة التفاوض السورية» المعارضة والمجتمع المدني بـ«رفض الأعمال الإرهابية» بما في ذلك «الإرهاب الاقتصادي» ومساواة الوثيقة بين «داعش» و«الإخوان المسلمين»، إضافة إلى «إدانة الاحتلال الأجنبي من تركيا وإسرائيل وأميركا» من دون أي إشارة إلى إيران وروسيا. كما صعّدت ضد «الإدارة الذاتية» الكردية لدى رفضها «أي أجندة انفصالية».
وانتهت أمس الجولة الرابعة من اجتماعات «الدستورية» بمشاركة وفود الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني على أن تعقد جولة خامسة في بداية العام المقبل. وبعد تشكيل اللجنة الدستورية في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي والاتفاق على «معايير العمل»، تمسك رئيس وفد الحكومة بمناقشة «المحددات الوطنية»، ولخصها برفض «الإرهاب والاحتلالات» والتمسك بوحدة سوريا وسيادتها، قبل مناقشة الدستور. أدى ذلك إلى تجميد عمل اللجنة منذ الجولة الثالثة في أغسطس (آب) الماضي.
- لا رجعة عنه
وبعد جولات في موسكو ودمشق وغيرها، توصل المبعوث الأممي غير بيدرسن، الشهر الماضي، إلى اتفاق خطّي مع الأطراف المعنية، نص على أنه ستتم في الجولة الرابعة متابعة النقاش بنفس جدول أعمال الجولة الثالثة الذي نص: «بناءً على ولاية اللجنة والمعايير المرجعية والعناصر الأساسية للائحة الداخلية للجنة الدستورية، تتم مناقشة الأسس والمبادئ الوطنية». أما جدول أعمال «الخامسة»، فسيكون: «اتساقاً مع ولاية اللجنة الدستورية والمعايير المرجعية والعناصر الأساسية للائحة الداخلية، تناقش اللجنة المصغرة (تضم 45 عضواً من 150) المبادئ الدستورية (المبادئ الأساسية في الدستور)».
وكان وفد الحكومة يريد استمرار المناقشات حول «المبادئ الوطنية» من دون سقف زمني، فيما أرادت «الهيئة» الولوج في بحث مقدمة الدستور. ولم يتضمن الاتفاق الأخير الذي أنجزه بيدرسن، الموافقة على مطلب المعارضة عدم العودة إلى مناقشة «المبادئ الوطنية» بعد الجولة الرابعة.


لكن الوثيقة التي قدّمها الكزبري أول من أمس، وحصلت «الشرق الأوسط» على نصها، ذهبت أكثر في شرح «الأسس والمبادئ الوطنية» في ثمانية مبادئ جاءت في صفحتين. ونص البند الأول على «استمرار مكافحة الإرهاب بكل أشكاله وصوره» عبر «الرفض التام للأعمال الإرهابية التي قامت وتقوم بها التنظيمات الإرهابية بما فيها (داعش) و(النصرة) و(الإخوان المسلمين) ومن ارتبط بها أو تحالف معها ميدانياً في جميع الأراضي السورية» و«رفض الإرهاب الذي تمارسه بعض الدول على الشعب السوري بما فيها الإرهاب الاقتصادي... والتدابير القسرية أحادية الجانب» في إشارة إلى العقوبات الغربية، إضافة إلى المطالبة بـ«تعويضات».
ونص البند الثاني على «إدانة الاحتلال الأجنبي لأراض سورية من تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة والعمل على إنهائه بجميع السبل الممكنة وتجريم التعامل أو الاعتراف بالسلطات القائمة بالاحتلال واستدعاء التدخل الأجنبي أياً كان». ولم تتم الإشارة إلى الوجودين الروسي والإيراني اللذين تقول دمشق إنهما جاءا بناءً على طلب الحكومة السورية.
وفي البند الثالث، طالبت الوثيقة المشاركين بـ«دعم الجيش العربي السوري بكل السبل للقيام بمهماته»، فيما نص الرابع على «رفض أي مشروع انفصالي أو شبه انفصالي مهما كانت صيغته ورفض محاولات فرض الأمر الواقع». وشرحت الوثيقة أن ذلك يتم عبر ثلاث خطوات، هي: «الرفض التام لأي عمل سياسي أو عسكري يمس بوحدة الأراضي، والعمل لإسقاط أي مشروع انفصالي أو شبه انفصالي ورفض أي إجراءات تربوية أو تعليمية أو ثقافية أو اجتماعية أو سياسية أو عسكرية انفصالية، وتجريم ومحاربة الجماعات والتنظيمات التي تدعم أي مشروع انفصالي ومن يقف خلفه».
ويُعتقد أن الوثيقة تشير إلى «الإدارة الذاتية» التي أقامتها «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية بدعم من التحالف الدولي بقيادة أميركا، وتسيطر على ربع مساحة البلاد في شمال شرقها وتضم معظم الموارد الطبيعية.
- رموز الدولة
وجاء في البند الخامس: «تمثل الهوية الوطنية البوتقة الجامعة لجميع السوريين (...) التي تسمو على أي انتماء ديني أو طائفي أو مناطقي أو قبلي أو عرقي»، مشيرة إلى أن ذلك «يتجلى» في خمسة أمور، هي: «اسم الدولة: الجمهورية العربية السورية، واللغة الرسمية: العربية، والانتماء والولاء للوطن والدفاع عنه، والشعور العام للفرد بالانتماء إلى كامل التراب الوطني، وعدم المساس بالرموز الوطنية كالعَلَم والنشيد الوطني».
ونص البند السادس على ضرورة «حماية التنوع الثقافي... بوصفه يعزز الوحدة الوطنية»، فيما ركز السابع على «تشجيع اللاجئين على العودة بكل السبل الممكنة وضمان هذا الحق ورفض ما تقوم به بعض الجهات والحكومات من عرقلة ذلك بذرائع واهية أو ربط (العودة) بأجندات سياسية»، إضافة إلى مطالبة «المجتمع الدولي دعم جهود الدولة السورية في تهيئة الظروف المناسبة للعودة».
وخصصت الوثيقة البند الثامن لـ«الملف الإنساني» عبر المطالبة بمعالجته عبر «دعم جهود الدولة في رفع المعاناة الإنسانية عن شعبها التي تسببت بها الحرب الإرهابية الممنهجة المفروضة منذ نحو 10 سنوات»، مع «إدانة الاستخدام السياسي لهذا الملف».
وقدر «المركز السوري لبحوث السياسات» إجمالي الخسائر الاقتصادية في سوريا خلال 9 سنوات من الحرب بـ530 مليار دولار أميركي. كما تضرر 40% من البنية التحتية، في وقت وصل معدل الفقر إلى 86% بين السوريين البالغ عددهم نحو 22 مليوناً. وبلغ عدد الوفيات المرتبطة بالنزاع 690 ألفاً، بينهم 570 ألفاً قُتلوا بشكل مباشر نتيجة الحرب التي أدت إلى خروج 13 مليوناً من بيوتهم نازحين ولاجئين، في وقت يعيش 2.4 مليون طفل خارج المدارس داخل البلاد. ويشكل هؤلاء نحو 35% من الأطفال في سن الدراسة. وهناك نسبة مشابهة للأطفال السوريين خارج البلاد.
وحسب مصادر المجتمعين في جنيف، جرت مناقشات حادة بين ممثلي الحكومة والمعارضة بعد توزيع هذه الوثيقة. وطالب ممثلو «هيئة التفاوض» بضرورة التزام اتفاق «المعايير والإجراءات» الذي نص على قيام اللجنة الدستورية بمناقشة الدستور. ولم يتدخل فريق المبعوث الأممي في هذا الجدال ولم يُذكِّر المشاركين بمرجعيات العمل، علماً بأن بيدرسن كان قد ألمح في إفادة لمجلس الأمن قبل شهرين إلى ضرورة التزام الطرفين بـ«المعايير والإجراءات» المتفق عليها بين وفدي دمشق والمعارضة.
وحاول بعض المشاركين من المعارضة أخذ «النقاش» إلى الحيز الدستوري بالمطالبة بـ«مضامين دستورية» للأفكار، وتقديم مقترحات ملموسة مثل تشكيل هيئة وطنية مستقلة، تُعنى بأمور اللاجئين والنازحين وضمانات عودتهم والبيئة الآمنة اللازمة وجبر الضرر، وتشكيل هيئة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان.
وبعد اختتام الجولة الرابعة من «الدستورية» تتجه الأنظار إلى الخامسة التي ستُعقد بداية العام المقبل مع الانتقال إلى الإدارة الأميركية الجديدة التي وعد مرشحون فيها بـ«الاستثمار أكثر في العملية السياسية». وسيُطرح وقتذاك السؤال، ما إذا كانت «المناقشات» ستقترب فعلاً من الإصلاح الدستوري للتمهيد للانتخابات بموجب القرار 2254، خصوصاً أن موعد «الرئاسية» هو منتصف العام المقبل.



الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
TT

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)

تتسع مظاهر التضييق الحوثي على السكان في ريف محافظتَي تعز ولحج (جنوب غربي اليمن)، مع تفجير طرق وعبّارات تربط القرى بمراكز المديريات، وإقامة متاريس وخنادق عسكرية، بالتزامن مع حملات اختطاف ومداهمات لمنازل النازحين، واعتداءات على مصادر مياه الشرب، في ممارسات تعطل حياة السكان وتثير مخاوف من موجات نزوح جديدة.

وتتركز الانتهاكات الحوثية بشكل جلي في مديريات: الشمايتين والمواسط التابعتين لتعز، والمقاطرة المجاورة لها في لحج، والتي ترتبط بجغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداد سكاني كبير. وتتناقض تلك الممارسات مع مساعي الجماعة لتطبيع الحياة وإقناع السكان بنفوذها وإجراءاتها، ومحاولات استقطاب المتعاونين وتجنيد مقاتلين، باستخدام وسائل إغراء متعددة.

وأعلن محور طور الباحة التابع للجيش اليمني، السبت الماضي، عن مقتل 8 جنود من قواته في مديرية المقاطرة بقصف حوثي دون إيراد تفاصيل بشأن الواقعة، في حين كشفت مصادر محلية عن أن عناصر الجماعة الحوثية في مديرية الشمايتين استهدفوا بقذيفة مدفعية تجمعاً لجنود المحور في أحد المقار العسكرية.

وذكر سكان في المقاطرة لـ«الشرق الأوسط» أن مسلحي الجماعة الحوثية أقدموا على تخريب عدد من الطرق التي تربط قراهم بالشمايتين ومدينة التربة.

الحوثيون يلجأون إلى تفجير الطرق لفرض عقاب جماعي على سكان تعز ولحج (إكس)

وبتفجيرها عدداً من العبّارات، الأحد الماضي، أغلقت الجماعة الحوثية بشكل نهائي، طريق «هيجة العبد»، وهي الطريق الرئيسية التي تربط محافظة تعز بمحافظتَي لحج وعدن؛ مما اضطر المسافرين وسائقي الشاحنات إلى سلوك طريق «الصُحى كَربة».

وشهدت هذه الطريق البديلة، الثلاثاء، انقلاب 5 شاحنات محملة بالبضائع والسلع الأساسية، متسببة في إيقاف الحركة ساعات عدة، وتعرض كثير من السلع للتلف؛ في ظل نقص حاد بالمواد التموينية تشهده المناطق بعد سيطرة الجماعة عليها.

وكانت الحكومة اليمنية أجرت عملية تهيئة لطريق «الصُحى كَربة» لتكون بديلة لطريق «هيجة العبد» التي تشهد حالات إغلاق متكررة بسبب الاعتداءات الحوثية والسيول، إلا إن وعورة الطريق وضيق مساراتها يَحولان دون تَحوّلها بديلاً دائماً.

عزل القرى

فجّرت الجماعة الحوثية، أيضاً، عبّارات أخرى في طريق «نقيل مُصَير» الرابطة بين قرى غرب المديرية ومدينة التربة؛ مركز مديرية الشمايتين، مما اضطر السكان إلى الذهاب للتسوق وقضاء أغراضهم مشياً على الأقدام، في حين لم يعد بإمكان السيارات الانتقال إلى المدينة إلا عبر طريق كربة التي يحتاج الوصول إليها 3 ساعات على الأقل في طرق وعرة.

مناطق ريف تعز ولحج تشكل جغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداداً سكانياً كبيراً (خرائط غوغل)

كما تعمدت الجماعة تخريب طريق «نقيل الخَزِرة»، وهي عبارة عن سلم حجري يربط بين قرية الشرف ومنطقة الجاهلي في الشمايتين وقرى في الجهات الشرقية من المقاطرة، بتفجير جزء منها؛ ما يعرقل حركة السكان وتنقلهم، ويضطرهم إلى التوجه نحو طرق بعيدة.

و«النقيل» تسمية يمنية للطريق الجبلية المتعرجة التي تربط أعالي الجبال بالسفوح والمنخفضات، وينشئ السكان سلالم حجرية طويلة لتسهيل الحركة عليها.

وتسببت التفجيرات في سقوط كتل صخرية ضخمة على المدرجات الزراعية وتخريبها، إلى جانب إصابات تعرضت لها المنازل.

وذكر سكان في المديريتين لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة الحوثية أنشأوا متاريس وثكنات وحفروا خنادق على كل الطرق الرابطة بين المديريتين، ونصبوا أسلحة متنوعة باتجاه مديرية المقاطرة؛ مما جعل الأهالي هناك في حالة قلق من استهدافهم تحت أي مبرر.

ولم تتقدم الجماعة الحوثية في مديرية المقاطرة إلا بضعة كيلومترات على طريق «هيجة العبد» للسيطرة عليها وتفجير العبّارات، إلى جانب سيطرتها على الأجزاء الشرقية من المديرية.

الحوثيون فجروا عدداً من الطرق الريفية بعد أن قضى السكان سنوات طويلة في إنشائها (فيسبوك)

ويرى مراقبون أن الجماعة تَعدّ سيطرتَها على المرتفعات كافة في الشمايتين المطلة على المقاطرة كافيةً في هذا الوقت، حيث تضعها تحت سيطرتها النارية، وتتمكن عبرها من مراقبة أي تحركات عسكرية قريبة.

إرهاب السكان

اختطفت الجماعة الحوثية نحو 20 شخصاً من منطقة قَدَس، التابعة لمديرية المواسط، بعد حريق تعرضت له سيارة تخص ما تُعرف بـ«لجنة الدعوة» التابعة للحوثيين، التي تعمل على مخاطبة الأهالي لإقناعهم بمشروع الجماعة وتوجهاتها الطائفية.

واتهمت الجماعة سكان قرية المكيشة بإحراق السيارة، وبدأت ملاحقتهم وفرض إجراءات أمنية مشددة في المنطقة، نشرت خلالها عشرات المسلحين واستحدثت نقاط تفتيش أجبرت المارة على فتح هواتفهم والإفصاح عن أسباب تحركاتهم وتنقلهم.

إطلالة من مدينة التربة في تعز على الطرف الشمالي الغربي من مديرية المقاطرة (فيسبوك)

ونهب مسلحو الجماعة في منطقة العلقمة غرب مديرية الشمايتين منازل السكان الذين نزحوا من جراء المواجهات العسكرية التي جرت هناك بعد تقدم الجماعة الحوثية من اتجاه مديرية الوازعية.

ووفق سكان المنطقة، فقد اقتحمت الجماعة منازل النازحين بعد كسر أبوابها، بحجة البحث عن أسلحة، متهمة مالكي المنازل بالتعاون مع الجيش اليمني و«تحالف دعم الشرعية»، إلا إن الاقتحام لم يقتصر على التفتيش، بل جرى الاستيلاء على المحتويات ونقلها على سيارات إلى خارج المنطقة.

وتزداد المخاوف في ريف محافظة تعز من تصاعد الممارسات الحوثية واتساع رقعة حملات المداهمة والاختطاف؛ مما قد يدفع بالمئات من السكان إلى النزوح خارج مناطقهم باتجاه محافظتي لحج وعدن.


تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
TT

تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)

دفعت القيود التي تفرضها الجماعة الحوثية على مدينة تعز اليمنية ومحيطها، مع تصاعد الهجمات على الأحياء السكنية وقَطع الطرق الحيوية، الأوضاع الإنسانية إلى مزيد من التدهور، وسط تحذيرات منظمة العفو الدولية من نقص الغذاء والمياه والأدوية، وتوثيق مقتل وإصابة 51 مدنياً خلال أسبوع واحد.

وقالت منظمة العفو الدولية: «على سلطات الحوثيين فتح الطرق الحيوية في تعز ومحيطها فوراً»، محذِّرة من أن إغلاق المنافذ وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية يعرّضان مئات الآلاف من السكان لمخاطر جسيمة، في ظلِّ تجدُّد الاشتباكات مع القوات الحكومية واقتراب المواجهات من المناطق المكتظة بالسكان.

وأوضحت المنظمة أن الجماعة شدَّدت سيطرتها على محيط المدينة، عقب قَطع الطريق الرئيسي الذي يربط تعز بعدن في أكتوبر (تشرين الأول)، ما فاقم المخاوف من وقوع كارثة إنسانية حادة، خصوصاً مع صعوبة وصول السكان إلى الإمدادات الأساسية والخدمات الصحية.

وقالت هبة مرايف، المديرة الإقليمية لمنظمة العفو الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن سكان تعز، ثالث أكبر مدن اليمن، يعانون منذ سنوات تداعيات النزاع، مشيرة إلى أن المدينة تستضيف أكبر عدد من النازحين داخلياً في البلاد.

جهود حكومية لرفع أكوام القمامة من شوارع تعز بعد إغلاق الحوثيين منافذها (رويترز)

وأضافت أن الحوثيين حاصروا المدينة في مراحل مختلفة منذ عام 2015، وأغلقوا طرقاً رئيسية تربطها بالمدن والبلدات الأخرى، ما اضطر المدنيِّين إلى استخدام طرق جبلية خطرة وسيئة الصيانة. وحذَّرت من أن السكان يواجهون مجدداً نقصاً حاداً في السلع الأساسية، بما فيها الغذاء والمياه والأدوية.

وشدَّدت مرايف على أن القانون الدولي يلزم أطراف النزاع بتيسير وصول المساعدات الإنسانية المحايدة إلى المدنيِّين المحتاجين بسرعة ودون عوائق، والسماح للمدنيِّين الراغبين في المغادرة بالخروج بحرية وأمان، وضمان حرية حركة العاملين في مجال الإغاثة.

ودعت المجتمع الدولي والدول المانحة إلى تكثيف الدعم الإنساني لليمن، وممارسة ضغوط عاجلة ومتكررة لفتح الطرق المؤدية إلى تعز، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً بمَن فيهم العاملون في المجال الإنساني، محذِّرة من أن تراجع التمويل الإغاثي، وتدهور الاقتصاد، وتصاعد القتال، عوامل تزيد هشاشة الأوضاع المعيشية.

51 ضحية خلال أسبوع

بالتوازي مع التحذيرات الدولية، وثَّقت منظمة «رصد» للحقوق والحريات مقتل وإصابة 51 مدنياً في محافظة تعز خلال الفترة من 14 إلى 20 أكتوبر الحالي، جراء القصف والقنص والاستهدافات التي طالت الأحياء والقرى السكنية.

وأوضحت المنظمة، في بيان، الخميس، أنَّ الهجمات أسفرت عن مقتل 9 مدنيِّين، بينهم 6 نساء و3 رجال، وإصابة 42 آخرين، بينهم 12 طفلاً و12 امرأة و18 رجلاً.

هجمات الحوثيين تسببت في نزوح نحو 260 ألف يمني نصفهم في محافظة تعز (إعلام محلي)

من جهته، أفاد المكتب الحكومي المعني بشؤون الحصار في تعز، في تقريره الأسبوعي، بأن القصف المدفعي والصاروخي والطائرات المسيّرة والألغام طالت مناطق سكنية متفرقة، مطالباً المنظمات الدولية والأممية بالتدخل العاجل لحماية المدنيِّين ووقف الهجمات.

وحذَّرت منظمة «رصد» من أن الهجمات المُتعمَدة على المدنيِّين والأعيان المدنية قد ترقى إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة، داعية إلى تحقيقات مستقلة وشفافة تحدد المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المتضررين دون عوائق.

وتواجه تعز، التي تعاني من إغلاق طرق رئيسية منذ سنوات، تحديات متفاقمة في حركة السكان وإيصال الإمدادات، في وقت تزداد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهات وعرقلة المساعدات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في المدينة ومناطقها الريفية.


جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)

استبسلت القوات الحكومية اليمنية والمقاومة الشعبية، الخميس، في صد الهجمات الحوثية على جبهات مدينة تعز المحاصرة، وسط معارك عنيفة تركزت غرب المدينة وجنوبها، بالتزامن مع إسناد جوي مكثف ضمن عملية «فجر اليمن» التي دخلت يومها الثامن عشر، فيما أنذرت وزارة الدفاع اليمنية السكان في مناطق سيطرة الجماعة من المشاركة في تجمعات التحشيد، محذرة من أنها ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

وتشير المصادر الميدانية إلى أن المواجهات تتركز في محيط المطار القديم ومناطق مدرات وجبل هان والضباب غرب تعز، وصولاً إلى جبهات الشقب والأقروض والمسراخ جنوباً، وسط مقاومة شرسة لمحاولات التقدم الحوثية.

وكان المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أكد أن المعارك غرب المدينة استمرت أكثر من ست ساعات، مشيراً إلى تكبد الجماعة خسائر خلال محاولاتها الهجومية، بدعم من الطيران الحربي والطائرات المسيّرة التابعة للقوات الحكومية.

وأحبطت القوات الحكومية، وفق مصادر محلية، سلسلة هجمات استهدفت معسكر اللواء 35 مدرع في محيط المطار القديم، ومناطق مدرات وصبر الموادم والمسراخ، فيما شنت المقاتلات غارات على تجمعات وآليات وتعزيزات ومنصات إطلاق صواريخ في محيط جبل هان ومدرات والربيعي والأقروض، إضافة إلى منطقة الجند شرق تعز.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وتأتي هذه التطورات وسط استمرار الجماعة في الدفع بمقاتلين وتعزيزات عسكرية إلى جبهات القتال، في محاولة لزيادة الضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواصل القوات الحكومية التصدي للهجمات ومنع الحوثيين من استعادة المواقع التي خسروها.

ضربات على عدة جبهات

في إطار عملية «فجر اليمن»،كان المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني ماجد النزيلي أعلن تنفيذ 835 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، قال إنها أسفرت عن تحييد نحو 285 عنصراً وقيادياً حوثياً، وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية وعربة ووسيلة عسكرية، بينها طائرات مسيّرة.

وأوضح النزيلي أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية أحبطت محاولات حوثية لاستعادة مواقع في تعز، بينما استمرت الضربات الجوية ضد تحركات الجماعة وتحصيناتها في غرب مأرب وشمالها وشرقها.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وحسب تقارير الجيش اليمني، بلغت العمليات المنفذة ضد الحوثيين منذ بدء عملية «فجر اليمن» في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نحو 20 ألف عملية برية وجوية وسط تقديرات بسقوط أكثر من 15 ألف عنصر حوثي بين قتيل وجريح.

وذكرت المصادر العسكرية أن الطيران الحربي شنّ خلال الساعات الماضية سلسلة غارات على تعزيزات حوثية في منطقة النشمة، إلى جانب غارات في الأقروض والبركاني جنوب تعز والعرسوم شمالها. وأفادت المصادر العسكرية بأن الضربات خلفت قتلى وجرحى، ودمرت عتاداً عسكرياً.

وفي جبهة كهبوب غرب محافظة لحج، أحبطت القوات الحكومية هجوماً حوثياً جديداً، كما تصدت لمحاولة تقدم في جبهة الكعللة التابعة لمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت تتواصل فيه المواجهات على أكثر من محور بالتزامن مع تكثيف الضربات الجوية ضد التعزيزات والتحركات العسكرية للجماعة.

إنذار من التحشيدات

في تطور يعكس مخاوف الحكومة اليمنية من توسيع الجماعة الحوثية عمليات التعبئة والتجنيد لتعويض خسائرها في الجبهات، حذرت وزارة الدفاع، المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين من المشاركة في التجمعات التي تنظمها الجماعة تحت أسماء النكف القبلي والاحتشاد الجماهيري والدورات الثقافية.

وقالت الوزارة إن الحوثيين يستغلون هذه التجمعات لتحشيد الأطفال والشباب والمغرر بهم، والزج بهم في العمليات القتالية، داعية السكان إلى الابتعاد عنها وعدم السماح باستغلال أبنائهم وتعريض حياتهم للخطر. وأكدت أن التجمعات من هذا النوع ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يستقلون شاحنة صغيرة خلال معارك ضد الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)

ويأتي التحذير بالتزامن مع استمرار عملية «فجر اليمن» التي أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أنها لن تتوقف قبل تحقيق أهدافها، بما في ذلك استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وكان العليمي دعا، خلال لقاءات مع سفراء أجانب معتمدين لدى اليمن، إلى دعم مساعي تصنيف الجماعة الحوثية منظمة إرهابية، ومنع تدفق الأسلحة والتقنيات إليها وتجفيف مصادر تمويلها.

كما شدّد على أن الهجمات على المطارات المدنية والأحياء السكنية، وتهديد الملاحة الدولية يستدعيان انتقال المجتمع الدولي من الإدانة إلى إجراءات عملية لمواجهة مصادر الخطر.