مارك مازيتي: طائرات من دون طيار.. الحرب الأكثر سرية في تاريخ أميركا

يرى أن «سي آي إيه» والبنتاغون تبادلا الأدوار

مارك مازيتي و غلاف الكتاب
مارك مازيتي و غلاف الكتاب
TT

مارك مازيتي: طائرات من دون طيار.. الحرب الأكثر سرية في تاريخ أميركا

مارك مازيتي و غلاف الكتاب
مارك مازيتي و غلاف الكتاب

مارك مازيتي حاصل على جائزة «بوليتزر» للصحافة، ويعمل مع صحيفة «نيويورك تايمز»، مغطيا أخبار الأمن القومي، منذ عام 2006. قبل ذلك، وبعد أن حصل، في عام 1998، على درجة الماجستير من جامعة أكسفورد، عمل في مجلة «إيكونومست»، وفي مجلة «يو إس نيوز»، ثم في صحيفة «لوس أنجليس تايمز».
في أواخر عام 2007 كشف خبر تدمير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) عن أشرطة الفيديو التي تصور تعذيب معتقلي منظمة القاعدة، وغيرهم من الإرهابيين.
وأخيرا، نشر أول كتاب له: «واي أوف ذا نايف» (وسيلة السكين: سي آي إيه، جيش سري، وحرب في نهايات الأرض. دار نشر بنغوين). والكتاب، كما وصفه هو، عن «تحول وكالة الاستخبارات المركزية، وفرقة (سبيشيال فورسيز) (العمليات الخاصة) إلى آلات لصيد الناس، وقتلهم، وذلك في الأماكن المظلمة في العالم. هذه هي الطريقة الأميركية الجديدة للحرب». وهنا مقابلة معه عن ظروف تأليف الكتاب:

* لماذا العنوان: «وسيلة السكين»؟
- مرة قال جون برينان، مستشار الأمن الوطني للرئيس أوباما، الذي أصبح، فيما بعد، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، إن الولايات المتحدة بدلا من استعمال «المطرقة» في حربها ضد الإرهاب، قادرة على الاعتماد على «المشرط». قصد بذلك أن هذا النوع الجديد من الحرب، بدلا من الحروب التي تكلف الكثير من أرواح الأميركيين والمال، صار مثل جراحة من دون مضاعفات، جراحة سهلة وسريعة.
لكن، واقعيا، هذه الحرب الجديدة التي تقودها «سي آي إيه» هي مثل عملية جراحية بالسكين، مثل «وسيلة السكين». ثم إنها خلقت لنا مزيدا من الأعداء، وقللت أصدقاءنا. وتركت في المنطقة مزيدا من عدم الاستقرار في المستقبل.
للمرة الأولى في تاريخنا، وفي تاريخ الحروب، يمكن قتل الأعداء وهم على مسافة آلاف الأميال. الآن، يقدر الرئيس الأميركي، بدلا من إعلان حرب على بلد ما، أن يجتمع مع مستشاريه داخل البيت الأبيض، وينظر إلى قائمة بالأسماء، ويشير إلى اسم ليقتل صاحبه في باكستان، أو أفغانستان، أو اليمن، أو بلد آخر بعيد.
في الحقيقة، ليست هذه «وسيلة السكين» فقط.. إنها «وسيلة السكين بعيد المدى».
* كيف بدأت كل هذه الأشياء؟
- مباشرة بعد هجمات 11-9، جاء إلى واشنطن السير ريتشارد ديرلاف، مدير الاستخبارات البريطانية (إم 16)، ليعبر عن تضامنه مع «سي آي إيه». وأيضا، أعطاها جميع ملفاته عن منظمة القاعدة.
أنت قد تعرف أن البريطانيين لم يكونوا فقط رواد التجسس الحديث في العالم، ولكنهم كانوا ماهرين أيضا في جمع وحفظ أسرار حكومات الشرق الأوسط. عندما دخلنا نحن الحرب العالمية الثانية، كان البريطانيون هم أساتذتنا في فن التجسس، خاصة لأن طريقة تجسسنا كانت مختلفة عن الطريقة البريطانية. لست أنا، ولكن ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت، هو الذي قال: «يطالب المزاج الأميركي بنتائج سريعة ومذهلة، بينما تركز السياسة البريطانية على المدى الطويل». وقال تشرشل أيضا إن الجنود الأميركيين يعتمدون كثيرا على نسف مستودعات الأسلحة، وقطع خطوط التليفون، ووضع ألغام على طرق الإمدادات، وممارسة لعبة «كاوبوي وهنود حمر»، بل إن تشرشل حذر من أن طريقتنا في الحرب يمكن أن تسبب متاعب للحلفاء.
لكن كانت تلك الحرب العالمية الثانية. أما الآن فهذه هي الحرب العالمية ضد الإرهاب، التي برهنا فيها للبريطانيين، ولبقية العالم، على أن طريقتنا في التعامل مع عدونا لا تختلف عنهم فقط، ولكن أيضا، مذهلة. وقالت لي مصادر في «سي آي إيه» إن أحد المسؤولين البريطانيين هتف، بعد مشاهدة شريط فيديو لطائرة من دون طيار تقتل الأعداء في أفغانستان، قائلا: «هذه تقريبا مثل رياضة، أليست كذلك؟».
* في الماضي، كان محظورا على «سي آي إيه» قتل الأجانب بعد فضيحة «ووترغيت»، وبعد كشف عمليات قتل سابقة، وبعد كشف محاولات لقتل زعماء أجانب، مثل الرئيس الكوبي فيدل كاسترو. متى تغير ذلك؟
- حتى قبل هجمات 11-9 عام 2001، وقبل الأمر السري الذي أصدره الرئيس السابق جورج بوش الابن لمدير «سي آي إيه» بالعودة إلى القتل، كانت «سي آي إيه» أعدت ملفات فيها معلومات وصور وفيديوهات عن أشخاص يمكنها أن تقتلهم.
لهذا، خلال الأسابيع القليلة بعد الهجمات، عقد اجتماع في مكتب نائب الرئيس ديك تشيني، وحضره مسؤولون كبار في «سي آي إيه»، وقدموا له صورا وأشرطة فيديو لشخصيات يمكنهم قتلها، إذا صدرت لهم أوامر. من بين هذه الشخصيات، اثنان: مأمون الدركزنلي، سوري يعتقد أنه شارك في خطط هجمات 11-9 وكان يعيش في ألمانيا. والدكتور عبد القدير خان، رائد القنبلة النووية الباكستانية، وكان يعتقد أنه سرب أسرارا نووية إلى إيران، وليبيا.
كان هدف ذلك الاجتماع مع تشيني واضحا: «إذا كنا نقدر على أن نقترب من هؤلاء الناس، ونصورهم، فلا بد أننا نقدر على قتلهم بمجرد أن تقول: أوكي». وقال تشيني: «أوكي».
وخلال أشهر قليلة، نقل مئات الجواسيس إلى قسم مكافحة الإرهاب في رئاسة «سي آي إيه». وبنيت مكاتب خشبية على عجل. ولتسهيل التنقل من مكتب إلى آخر، وسط غابة من المكاتب، وضعت أسماء شوارع، منها: «شارع أسامة» و«طريق الظواهري». ووضعت لافتة عملاقة مكتوب عليها: «اليوم هو 12-9-2001». ويشير ذلك إلى أن الإرهابيين يقدرون على الهجوم على أميركا في أي يوم من الأيام التالية. ولهذا، يجب قتلهم قبل أن يقتلونا.
* الآن، بعد عشر سنوات، وفي عهد أوباما، وزمن طائرات «درون» (من دون طيار).. هل تفاقم الأمر؟
- إذا كان بوش هو الذي بدأ القتل، فإن أوباما تابعه ثم زاده، لكنه حرص على أن يكون سرا. هذه النقطة الأخيرة هي الأهم. وهي موضوع كتابي.
لكن المفارقة هي أن عمليات «درون» لم تكن سرية. كيف يمكن أن تكون سرية؟ لأنها بعيدة عنا؟ في عصر الإنترنت؟
في العام الماضي، داخل غرفة في المحكمة الفيدرالية في واشنطن، كان فريق من ثلاثة قضاة ينظر في قضية رفعها اتحاد الحريات المدنية الأميركي (إيه إل سي يو)، طالب فيها بإنهاء سرية عمليات القتل المستهدف. وانتقد القاضي ميريك غارلاند محامي «سي آي إيه» لأنه رفض حتى الاعتراف بوجود طائرات «درون»، بينما كان أوباما نفسه تحدث عن الموضوع (تفاخر به خلال الحملة الانتخابية عام 2012).
وقال القاضي لمحامي «سي آي إيه»: «تطلب منا أن نقول بأن الإمبراطور يرتدي ملابس بينما يعترف الإمبراطور نفسه بأنه عار».
* انتقد بعض الناس كتابك بسبب العنوان، والأهم من ذلك، بسبب محتواه. وقالت المجلة الأسبوعية المحافظة «ويكلي ستاندرد» إن قتل أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة وعدو أميركا رقم واحد، حدث بالأساليب نفسها التي انتقدتها في كتابك؟
- نعم، نجح هذا النوع الجديد من الحرب نجاحات كثيرة، بما في ذلك قتل بن لادن، ولكنه سهل علينا إعلان الحرب على القاصي والداني. وسهل علينا قتل أعدائنا، وجعل قتل عدو أسهل وأسرع من التفاوض معه.
هذا هو موضوع كتابي. لا يركز كتابي على ما ينبغي، أو ما لا ينبغي، بقدر ما يركز على جمع المعلومات لما يحدث. كيف نقدر على أن نحكم في موضوع من دون أن نعرف معلومات عنه؟ لهذا، قررت أنا، المراسل الصحافي، أن أكتب كتابا عن ما حدث، حسبما أعرف.
طبعا، الشعب الأميركي هو الحكم النهائي. لكن، كيف يحكم إذا لم يعرف؟ وشجعني على كتابة هذا الكتاب قرار الحكومة أن يكون هذا النوع من الحرب سرا، وبالتالي، أن لا يقدر الشعب الأميركي على أن يعرف ما يحدث، ناهيك عن أن يحكم عليه.
* لسنوات كثيرة، كنت تغطى نشاطات «سي آي إيه»، بما في ذلك طائرات «درون»، وغيرها من النشاطات السرية جدا. كيف تتأكد من مصادرك؟ وما درجة مصداقية كتابك؟ ومصداقيتك؟
- ليس سهلا تغطية حرب مستمرة، ناهيك عن أنها سرية. لكن، ظللت أعتمد على مئات من المصادر، في الولايات المتحدة وفي الخارج. أولا، أطلب من هؤلاء أن يسمحوا لي بنشر أسمائهم. إذا وافقوا، أنشرها. وإلا تشكل المعلومات أرضية لي (من دون ذكر المصدر). أنا أعرف جيدا أن هذه ليست الطريقة المثلى. لكن، على الأقل، أستطيع نشر المعلومات من أولئك الذين يعرفونها أكثر من غيرهم. وعلى أي حال، هذا جزء من مخاطر العمل.
* انتقدتك مجلة «ويكلي ستاندرد» على ما ذكرته من تعاون «سي آي إيه» مع أجهزة استخبارات أجنبية. وقالت المجلة إن هذا التعاون لم يؤثر على مبادئ وعمليات «سي آي إيه» بالصورة التي قدمتها في كتابك؟
- كتبت أنا عن اعتماد «سي آي إيه»، المفاجئ والكبير، على هذه الاستخبارات الأجنبية مباشرة بعد هجمات 11-9، وكتبت عن مشاركة «سي آي إيه» في بعض نشاطات استخبارات حكومات استبدادية. وقلت إن هذا فتح الباب أمام تأثرها بأجندة تلك الاستخبارات، وتلك الحكومات.
نقطة أخرى: عندما حدث الربيع العربي، لم تكن «سي آي إيه» تعرف أشياء كثيرة عن قوات المعارضة في تلك الدول، وذلك بسبب تحالفاتها السابقة مع استخبارات الأنظمة القديمة. رأيي هو أن مثل هذا التعاون ربما يساعد «سي آي إيه» في المدى القصير. لكن، في المدى الطويل، ستعرف «سي آي إيه»، وستعرف حكومتنا النتائج السلبية لهذا التعاون، خاصة الصورة السلبية لنا في العالم.
* قالت صحيفة «واشنطن تايمز» تعليقا على كتابك إنه مهما كانت أخطاء عمليات طائرات «درون»، فقد قل عدد الجنود الأميركيين الذين يقتلون في الحرب ضد الإرهاب؟
- نعم، هناك جانب إيجابي لعمليات «درون». وكما نعرف كلنا، لم تعد منظمة القاعدة قوية كما عرفناها في هجمات 11-9، قتل كثير من قادتها بطائرات «درون»، وبوسائل أخرى.
لكن، حجتي الرئيسية هي التأثير الطويل الأجل لهذه الحرب السرية، إذ يزيد عدد المتطرفين، ويزيد عدد أعدائنا، خاصة في الدول الإسلامية، حيث الجزء الكبير من الحرب ضد الإرهاب.
كيف سيتطور هذا الوضع في المستقبل؟ الوقت مبكر جدا لمعرفة الإجابة، لكن يبقى السؤال: هل نحن نخلق مزيدا من الإرهابيين كلما نقتل الإرهابيين؟
* مرة، أيضا انتقدتك صحيفة «هافينغتون بوست»، وانتقدت زميلك في صحيفة «نيويورك تايمز» ديفيد سانغر، وقالت إنكما تعتمدان كثيرا على مصادر مجهولة، مدنية وعسكرية (سانغر فائز بجائزة بوليتزر للصحافة، ومؤلف كتابين: «كونفرنت آند كونسيل» (واجه وأخفِ: حروب أوباما السرية، والاستخدام المفاجئ للقوة الأميركية). وكتاب «إنهريتانس» (الورثة: العالم الذي يواجهه أوباما، وتحديات القوة الأميركية).
- أنا متأكد من أن سانغر يستطيع الدفاع عن نفسه. بالنسبة لي، قلت إنني أتمنى لو أن كل المصادر التي أعتمد عليها توافق على نشر أسمائها. يوافق بعضها، ولا يوافق الآخرون. وفي كتابي، توجد أسماء كثير من المسؤولين الذين حضروا اجتماعات هامة، ثم تحدثوا معي عنها، ووافقوا على نشر أسمائهم.
وتوجد نقطة أكثر أهمية: الذين انتقدوني وأشرت إليهم تحدثوا عن مواضيع جانبية، مثل: مصادر، وأخطاء، وانتصارات. ونسوا الصورة الكبيرة.
ليس كتابي قائمة بأخطاء «سي آي إيه»، أو قائمة انتصاراتها. كتابي عن ظاهرة خطيرة، هي: تحول «سي آي إيه» إلى وكالة قتل؟
نعم، فشلت «سي آي إيه» في التنبؤ بربيع العرب، وبسقوط حائط برلين. لكن، ليس هذا هو اهتمامي الأول. اهتمامي الأول هو أن «سي آي إيه» صارت مثل البنتاغون (تقتل أكثر)، وصار البنتاغون مثل «سي آي إيه» (يجمع المعلومات أكثر).
عدم وضوح الخطوط والتخصصات هو الذي أركز عليه. وهذا النوع الجديد من الحروب، خارج مناطق الحرب، هو الذي يهمني.
منذ أن أعطى الرئيس السابق جورج بوش الابن «سي آي إيه» سلطات واسعة، بعد هجمات 11-9 صارت آلة لقتل الناس، ولصيد الناس، حول العالم.
لهذا أقول: مهما كانت الحجج، في هذا الجانب، أو ذاك، عن هذه التفاصيل، أو تلك، تبقى الحقيقة: هذه ليست «سي آي إيه» الأصلية.
* لكن، يبدو أن الشعب الأميركي والكونغرس غير قلقين. في الشهر الماضي، وللمرة الأولى، ومع دعم عضو واحد فقط في الكونغرس، هو ألان غريسون (ديمقراطي من ولاية فلوريدا)، ظهر باكستانيون من الذين استهدفتهم طائرات «درون» خلال جلسة استماع في الكونغرس. وظهرت «نبيلة»، الفتاة التي قتلت «درون» بعض أفراد عائلتها.
- نعم، حضرت أنا جلسة الاستماع تلك. وكانت أول مرة أسمع فيها القصص التي قصها الشهود. كانت مناسبة نادرة، ورائعة.
ولأني أومن بأن الخطوة الأولى هي تسليط الأضواء على هذه الحرب السرية، يتبادر سؤالان إلى ذهني: هل ستؤدي جلسة نبيلة إلى الشفافية؟ هل سيحصل مزيد من الانفتاح؟ لكن الاستراتيجية العامة في الكونغرس، وطبعا داخل إدارة أوباما، هي الصمت. ويظل الانفتاح نادرا جدا من جانب الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. الاستراتيجية هي تأييد، ليس فقط عمليات طائرات «دورن» والقتل المستهدف، ولكن، أيضا، ستار السرية الذي يحيط بها.
* أليس هناك تناقض بين إهمال نبيلة (الفتاة الباكستانية التي كادت «سي آي إيه» تقتلها) وبين الضجة الضخمة حول «ملالا» (الفتاة الباكستانية التي كادت طالبان تقتلها)؟
- سمعت أن ملالا عندما قابلها الرئيس أوباما في البيت الأبيض، اشتكت من عمليات طائرات «درون». لكن، نعم، يوجد إقبال أكثر على ملالا بسبب التيارات السياسية في الكونغرس، ووسط الشعب الأميركي، كما ذكرت لك.
* لماذا هذا الدعم لعمليات «درون»، وللقتل المستهدف، من جانب كل من السياسيين، والشعب الأميركي؟
- سيبقى السياسيون دائما سياسيين. ستكون عيونهم دائما تتطلع نحو الانتخابات المقبلة، بهدف إعادة انتخابهم.
ويجد الشعب الأميركي نفسه في الوسط، لسبب بسيط وهو أنه لا يعرف ما فيه الكفاية.
ولنكن منصفين له، ليست هناك طريقة معينة يمكن أن يعرف بها تفاصيل مواضيع حكومية، وسياسية، واقتصادية كثيرة، ومعقدة: «درون»، «أوباما كير» (برنامج التأمين الصحي)، «ديفيست» (العجز في الميزانية).
هكذا يعمل نظامنا الديمقراطي: ننتخب السياسيين ليحكموا بما فيه مصلحة الوطن، لكنهم أحيانا يهتمون بمصالحهم الخاصة، ثم نغضب منهم، ثم نعود وننتخبهم.
انظر إلى استطلاعات الرأي الأخيرة حول شعبية أعضاء الكونغرس. إنها في القاع تقريبا.
أما بالنسبة للشعب الأميركي، على الأقل نظريا، فهو يدعم القوانين والسياسات التي تحميه من الأعداء. وعندما يقول له السياسيون إن «درون» تقتل الأعداء من دون أن تعرض جنودنا للخطر، يرد: لم لا؟ وأعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي لمعارضة الأميركيين إرسال قوات أميركية إلى سوريا.
ضربات من الجو؟ لا مشكلة. جنود أميركيون على الأرض؟ لا.
هذه هي الحرب من دون مخاطر. يؤمن الناس بكثير من الأشياء وهم لا يعرفون ما فيه الكفاية عن الأسباب والعواقب، عن الصورة الكبيرة.
لهذا، كتبت هذا الكتاب: خطوة صغيرة واحدة نحو الانفتاح، ونحو مزيد من الشفافية، عن هذه الحرب الأكثر سرية في تاريخنا.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.